استقبال القبلة شرط لصلاة القادر إلا في شدة الخوف ونفل السفر
Its commentaries
(اسْتِقْبَالُ) عَيْنِ (الْقِبْلَةِ) أَيْ الْكَعْبَةِ بِصَدْرِهِ لَا بِوَجْهِهِ (شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَيْ جِهَتَهُ، وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا، وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقُبُلَ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ
وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا.
قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ مُقَابِلُهَا، وَبَعْضُهُمْ مَا اسْتَقْبَلَك مِنْهَا: أَيْ وَجْهُهَا، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ «وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ» وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْبَيْتَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُصَلِّ، وَدَخَلَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَصَلَّى» وَفِي هَذَا جَوَابُ نَفْيِ أُسَامَةَ الصَّلَاةَ.
وَالْأَصْحَابُ وَمِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ أَجَابُوا بِاحْتِمَالِ الدُّخُولِ مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ لَا بِالِاحْتِمَالِ،
وَأَمَّا خَبَرُ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ دَانَاهُمْ، وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَكَعْبَةً لِارْتِفَاعِهَا،
وَقِيلَ لَاسْتَدَارَتْهَا وَارْتِفَاعِهَا، «وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوَّلُ أَمْرِهِ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قِيلَ بِأَمْرٍ، وَقِيلَ بِرَأْيِهِ، وَكَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَيَقِفُ بَيْنَ الْيَمَانِيَيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ اسْتَدْبَرَهَا فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ التَّحَوُّلَ إلَيْهَا فَنَزَلَ {فَوَلِّ وَجْهَكَ} الْآيَةَ، وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ فَتَحَوَّلَ» ، وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ لِلْكَعْبَةِ الْعَصْرُ» أَيْ كَامِلَةً وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِي رَجَبٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا،
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِالْقَادِرِ عَنْ الْعَاجِزِ كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَمَّنْ يُوَجِّهُهُ وَمَرْبُوطٌ عَلَى خَشَبَةٍ وَغَرِيقٌ عَلَى لَوْحٍ يَخَافُ مِنْ اسْتِقْبَالِهِ الْغَرَقَ،
وَمَنْ خَافَ مِنْ نُزُولِهِ عَنْ دَابَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَيُعِيدُ عَلَى الْأَصَحِّ لِنُدْرَتِهِ، وَقَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ دَلِيلُ الِاشْتِرَاطِ: أَيْ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقَادِرِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ وَبِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ لَا دَلِيلَ فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: يَخْدِشُ ذَلِكَ حُكْمُنَا بِصِحَّةِ صَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ،
فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْقِبْلَةِ قَاعِدًا وَإِلَى غَيْرهَا قَائِمًا وَجَبَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ فَرْضَ الْقِبْلَةِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَرْضَ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ مِنْ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ عَيْنِهَا
وَكَذَا الْبَعِيدُ فِي الْأَظْهَرِ، لَكِنْ فِي الْقُرْبِ يَقِينًا وَفِي الْبُعْدِ ظَنًّا، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» وَلَا صِحَّةَ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ لِأَنَّ الْمُسَامَتَةَ تَصْدُقُ مَعَ الْبُعْدِ.
وَرَدَّ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَصْدُقُ مَعَ الِانْحِرَافِ.
وَأَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ.
وَرَدَّهُ الْفَارِقِيُّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى مَأْمُومًا فِي صَفٍّ مُسْتَطِيلٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنْ سَمْتِ الْكَعْبَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِخُرُوجِهِ أَوْ خُرُوجِ إمَامِهِ عَنْ سَمْتِهَا.
وَيُرَدُّ وَإِنْ نَقَلَهُ جَمْعٌ وَأَقَرُّوهُ بِأَنَّ اللَّازِمَ عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْبُطْلَانِ خُرُوجُ أَحَدِهِمَا فَقَطْ لَا بِعَيْنِهِ، فَالْمُبْطِلُ مُبْهَمٌ وَهُوَ لَا يُؤَثِّرُ نَظِيرَ مَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ صَلَّى لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ كَوْنِهِ مُسْلِمًا الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمُسَامِتَ مِنْ غَيْرِهِ لِاتِّسَاعِ الْمَسَافَةِ مَعَ الْبُعْدِ، فَأَحَدُهُمَا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ قَدْرُ سَمْتِ الْكَعْبَةِ مِرَارًا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَإِمَامُهُ مِنْ الْمُسَامِتِينَ وَلَا بُطْلَانَ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْمُبْطِلِ (إلَّا فِي) صَلَاةِ (شِدَّةِ الْخَوْفِ) مِنْ مُبَاحِ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَمْ نَفْلًا فَلَا يَكُونُ التَّوَجُّهُ شَرْطًا.
نَعَمْ إنْ أَمِنَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ كَانَ رَاكِبًا وَأَمِنَ وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ اُشْتُرِطَ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ فِي نُزُولِهِ،
فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَمِنْ الْخَوْفِ الْمُجَوِّزِ لِتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَيَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَوَجَّهُ لِلْخُرُوجِ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ (وَ) إلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ) الْمُبَاحِ لِمَنْ لَهُ مَقْصِدٌ مَعْلُومٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِقْبَالُ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَ الْفَرَائِضِ وَلَوْ عِيدًا أَوْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَخَرَجَ بِالسَّفَرِ الْحَضَرُ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ اُحْتِيجَ فِيهِ إلَى التَّرَدُّدِ كَالسَّفَرِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ
(قَوْلُهُ: لَا بِوَجْهِهِ) أَيْ وَلَا بِقَدَمَيْهِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ سم عَلَى حَجّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَجْهَ لَا يَجِبُ الِاسْتِقْبَالُ بِهِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا مِنْ وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ بِالْوَجْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِقْبَالِهِ بِمَا ذَكَرَ اهـ كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ الْبَابِلِيِّ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّدْرِ هُنَا وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى التَّعْمِيمَ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الْوَارِدَةَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، فَمَا هُنَا مَحْمُولٌ عَلَيْهِمَا لِلْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ كَوْنُهَا مُطْلَقَةً، وَالْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ فِيهِ
وَأَمَّا التَّوَجُّهُ بِالْوَجْهِ فَهُوَ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَدَفْعًا لِمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرٍ قَوْله تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ} أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ بِهِ وَاجِبٌ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: أَيْ جِهَتَهُ) لَا يَرُدُّ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ لَا يُوَافِقُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ اشْتِرَاطِ اسْتِقْبَالِ الْعَيْنِ وَعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْجِهَةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فِي الْجُمْلَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا،
وَأَمَّا تَعَيُّنُ الْعَيْنِ فَمَسْأَلَةٌ أُخْرَى لَهَا طَرِيقٌ آخَرُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، عَلَى أَنَّا نَمْنَعُ الْجِهَةَ الْمُفَسَّرَ بِهَا الشَّطْرُ فِي الْآيَةِ مُقَابَلَةَ الْعَيْنِ فَقَدْ قَالَ جَدُّ شَيْخِنَا الشَّرِيفِ عِيسَى فِي مُصَنَّفٍ لَهُ فِي وُجُوبِ إصَابَةِ عَيْنِ الْقِبْلَةِ مَا نَصُّهُ: بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ إطْلَاقَ الْجِهَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْعَيْنِ إنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحُ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
وَأَمَّا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ فَهُوَ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَهُ وَلَا إلَى جِهَتِهِ بِحَسَبِ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ بِمُسَامَحَةٍ أَوْ اصْطِلَاحٍ، فَالشَّافِعِيُّ لَاحَظَ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ وَحَكَمَ بِالْآيَةِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةُ الْعَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُعَدُّ عُرْفًا أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ، وَقَوْلُهُ أَيْ جِهَتَهُ الْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْعَيْنُ لِمَا يَأْتِي عَنْ حَجّ،
وَلَوْ فَسَّرَ بِهِ الشَّارِحُ كَانَ أَوْلَى لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ السَّابِقَ عَيْنَ الْقِبْلَةِ إلَخْ، وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ، وَحَمْلُ الْقِبْلَةِ عَلَى الْعَيْنِ هُنَا بَيَانٌ لِلْمُرَادِ بِهَا هُنَا
(قَوْلُهُ: وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ) قَالَ حَجّ: فَالْحَصْرُ فِيهَا دَافِعٌ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْجِهَةِ
(قَوْلُهُ: «دَخَلَ الْبَيْتَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ» ) أَيْ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي أَقَامَهَا بَعْدَ الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ: وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ) أَيْ دُخُولُهُ مَرَّتَيْنِ
(قَوْلُهُ: بِالنَّقْلِ) أَيْ السَّابِقِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا خَبَرُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ أَيْ الْكَعْبَةِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ دَانَاهُمْ) أَيْ قَرُبَ مِنْهُمْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِحَيْثُ يُعَدُّ عَلَى سَمْتِهِمْ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لِاسْتِدَارَتِهَا وَارْتِفَاعِهَا) عِبَارَةُ حَجّ: سُمِّيَ الْبَيْتُ كَعْبَةً أَخْذًا مِنْ كَعَبْتُهُ رَبَّعْتُهُ، وَالْكَعْبَةُ: كُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ كَذَا فِي الْقَامُوسِ، وَهَذَا أَوْضَحُ مِنْ جَعْلِ سَبَبِهَا ارْتِفَاعَهَا كَمَا سُمِّيَ كَعْبُ الرَّجُلِ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ، وَأَصْوَبُ مِنْ جَعْلِهِ: أَيْ جَعْلِ سَبَبِ التَّسْمِيَةِ اسْتِدَارَتِهَا إلَّا أَنْ يُرِيدَ قَائِلُهُ بِالِاسْتِدَارَةِ التَّرْبِيعَ مَجَازًا أَوْ يَكُونَ أَخْذُ الِاسْتِدَارَةِ فِي الْكَعْبِ سَبَبًا لِتَسْمِيَتِهِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ اهـ
(قَوْلُهُ وَقِيلَ بِرَأْيِهِ) أَيْ لَا بِتَقْلِيدِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِتَقْدِيرِ أَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لَهُمْ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنْ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ أَوْ مَا يَنْسَخُهُ فَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ بِوَحْيٍ فَهُوَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُ.
غَايَتُهُ أَنَّهُ اتَّفَقَ مُوَافَقَتُهُ لِمَنْ يَسْتَقْبِلُهَا بِشَرْعٍ
(قَوْلُهُ: فَلَمَّا هَاجَرَ اسْتَدْبَرَهَا) أَيْ الْكَعْبَةَ بِوَحْيٍ، وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ لَمَّا هَاجَرَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ، وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ رُوِيَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَصَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ وُجِّهَ إلَى الْكَعْبَةِ فِي رَجَبٍ بَعْدَ الزَّوَالِ قَبْلَ قِتَالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» اهـ.
وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِ قَدِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةِ فَلْيُحَرَّرْ مَا فَعَلَهُ فِي مُدَّةِ الذَّهَابِ
(قَوْلُهُ: فَشُقَّ عَلَيْهِ) قِيلَ لِكَوْنِهَا قِبْلَةَ إبْرَاهِيمَ،
وَقِيلَ لِأَنَّ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةُ الْيَهُودِ فَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِإِيهَامِهِ الْيَهُودَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُعَظِّمُونَ دِينَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا إلَى قِبْلَتِهِمْ
(قَوْلُهُ: فَسَأَلَ جِبْرِيلَ) حِكْمَةُ سُؤَالِهِ جِبْرِيلَ أَنَّهُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ وَإِلَّا فَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْرَبُ مَنْزِلَةً إلَى اللَّهِ مِنْ جِبْرِيلَ.
وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا مُرَاجَعَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِنَفْسِهِ لِجَوَازِ أَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ الْمَقَامَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَب مِنْهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُنَاجَاةَ بِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ: «وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ التَّحَوُّلَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ،
وَفِي النُّورِ مَا نَصَّهُ: الْخَامِسَةُ أَيْ مِنْ الْفَوَائِدِ فِي أَيِّ رَكْعَةٍ وَقَعَ التَّحَوُّلُ.
الْجَوَابُ أَنَّهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ.
السَّادِسَةُ: فِي أَيِّ رُكْنٍ وَقَعَ الْجَوَابُ فِي الرُّكُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَمَنْ قَالَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَكْعَتَيْنِ لِلْكَعْبَةِ لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الرُّكُوعَ لَمَّا كَانَتْ تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ لِلْمَسْبُوقِ وَكَانَ التَّحْوِيلُ فِيهِ جَعْلُ الرَّكْعَةِ كُلِّهَا لِلْكَعْبَةِ مَعَ أَنَّ قِيَامَهَا وَقِرَاءَتَهَا وَابْتِدَاءَ رُكُوعِهَا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ
(قَوْلُهُ: فَتَحَوَّلَ) وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَا فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ هَلْ تَحَوَّلُوا فِي أَمْكَنَتْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَأَخُّرٍ أَمْ تَأَخَّرُوا أَمْ كَيْفَ الْحَالُ؟ ثُمَّ رَأَيْت فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ فِي مَبْحَثِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مَا نَصُّهُ:«فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ فَتَحَوَّلَ النِّسَاءُ مَكَانَ الرِّجَالِ وَالرِّجَالُ مَكَانَ النِّسَاءِ» ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ تَحَوَّلَ مِنْ مَقَامِهِ فِي مُقَدِّمِ الْمَسْجِدِ إلَى مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ مَنْ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ بِالْمَدِينَةِ فَقَدْ اسْتَدْبَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهُوَ لَوْ دَارَ كَمَا هُوَ مَكَانُهُ لَمْ يَكُنْ خَلْفَهُ مَكَانٌ يَسَعُ الصُّفُوفَ، فَلَمَّا تَحَوَّلَ الْإِمَامُ تَحَوَّلَتْ الرِّجَالُ حَتَّى صَارُوا خَلْفَهُ وَتَحَوَّلَتْ النِّسَاءُ حَتَّى صِرْنَ خَلْفَ الرِّجَالِ وَهَذَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا كَثِيرًا فِي الصَّلَاةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ كَمَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ: أَيْ كَالْحُكْمِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ وَهُوَ إبَاحَتُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اُغْتُفِرَ الْعَمَلُ الْمَذْكُورُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ تَتَوَالَ الْخُطَا عِنْدَ التَّحْوِيلِ بَلْ وَقَعَتْ مُتَفَرِّقَةً
(قَوْلُهُ: أَيْ كَامِلَةً) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَكَانَ التَّحَوُّلُ فِي رَجَبٍ بَعْدَ الْهِجْرَةِ إلَخْ) الْجَزْمُ بِكَوْنِ التَّحَوُّلِ فِي رَجَبٍ مَعَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي الْمُدَّةِ أَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ يُفِيدُ أَنَّ فِي وَقْتِ الْهِجْرَةِ خِلَافًا فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَمَّنْ يُوَجِّهُهُ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ.
لَا يُقَالُ: هُوَ عَاجِزٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الطَّلَبُ.
لِأَنَّا نَقُولُ: يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِمَأْذُونِهِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ خَافَ مِنْ نُزُولِهِ عَنْ دَابَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: هَذَا لَيْسَ خَارِجًا بِالْقَادِرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقَادِرُ حَسًّا بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَكَانَ الْأَوْلَى إدْخَالُ مَا ذُكِرَ فِيهِ.
وَقَدْ يُقَالُ: لَمَّا كَانَتْ الْإِعَادَةُ فِيمَا ذُكِرَ وَاجِبَةً
بِخِلَافِ شِدَّةِ الْخَوْفِ لَمْ يَدْخُلْهَا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ
(قَوْلُهُ: أَوْ مَالِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْخَوْفَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِنْ كَثُرَ
(قَوْلُهُ: أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرِّفْقَةِ) أَيْ إذَا اسْتَوْحَشَ كَمَا يَأْتِي بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَوْ سَائِرَةٍ فَلَا
(قَوْلُهُ: عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، وَقِيَاسًا مَا تَقَدَّمَ فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوُهُ أَنَّهُ إنْ رَجَا زَوَالَ الْعُذْرِ لَا يُصَلِّي إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ،
وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَهُ صَلَّى فِي أَوَّلِهِ،
ثُمَّ إنْ زَالَ بَعُدَ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ،
وَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ كَانَتْ فَائِتَةً بِعُذْرٍ فَيُنْدَبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا،
وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلهَا قَبْلَ مَوْتِهِ كَسَائِرِ الْفَوَائِتِ
(قَوْله فَلَا يَحْتَاجُ لِلتَّقْيِيدِ) الْأَوْلَى فَلَا يَصِحُّ التَّقْيِيدُ لِإِخْرَاجِهِ مَا هُوَ دَاخِلٌ حَيْثُ جُعِلَ شَرْطًا فِي الْعَاجِزِ
(قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ) أَيْ الِاسْتِقْبَالُ
(قَوْلُهُ: يَخْدِشُ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَبَابُهُ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالْقَامُوسِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْوَاوِ كَانَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: وَجَبَ الْأَوَّلُ) أَيْ وَلَا إعَادَةَ كَالْمَرِيضِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُسَامَتَةَ تَصْدُقُ) أَيْ لِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ صَغِيرَ الْجُرْمِ كُلَّمَا زَادَ بُعْدُهُ اتَّسَعَتْ مُسَامَتَتُهُ كَالنَّارِ الْمُوقِدَةِ مِنْ بُعْدٍ وَغَرَضِ الرُّمَاةِ اهـ حَجّ
(قَوْلُهُ: وَرَدَ بِأَنَّهَا) أَيْ الْمُسَامَتَةَ
(قَوْلُهُ وَأَجَابَ) أَيْ عَنْ الرَّدِّ
(قَوْلُهُ: وَرَدُّهُ) أَيْ الْجَوَابُ
(قَوْلُهُ: وَيُرَدُّ) أَيْ رَدَّ الْفَارِقِيُّ
(قَوْلُهُ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمُسَامَتَ مِنْ غَيْرِهِ) وَقَعَ مِثْلُهُ فِي حَجّ حَيْثُ قَالَ: وَصِحَّةُ صَلَاةِ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَحْمُولٌ عَلَى انْحِرَافٍ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَكَتَبَ بِهَامِشِهِ سم مَا حَاصِلُهُ إنَّ هَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ: وَالْمُعْتَبَرُ مُسَامَتَتُهَا عُرْفًا لَا حَقِيقَةً اهـ.
يَعْنِي إنَّهُ إذَا قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ مُسَامَتَتُهَا عُرْفًا وَهُوَ مَا عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ صَدَقَ عَلَى الْكُلِّ أَنَّهُمْ مُسْتَقْبِلُونَ كَذَلِكَ فَلَا يَتَأَتَّى حَمْلُهُ عَلَى الِانْحِرَافِ وَلَا عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ إذْ الْكُلُّ مُسْتَقْبِلُونَ عُرْفًا
(قَوْله إلَّا فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ) قَضِيَّةُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ لَا تَمْنَعُ مِنْ الْقُدْرَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ مَانِعَةٌ شَرْعًا مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُدْرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ الْقُدْرَةُ الْحِسِّيَّةُ وَالْخَائِفُ قَادِرٌ حِسًّا وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ لِلشَّارِحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ خَافَ مِنْ نُزُولِهِ عَنْ دَابَّتِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوَانْقِطَاعًا عَنْ الرِّفْقَةِ كَانَ عَاجِزًا وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ قَرِيبًا
(قَوْلُهُ: فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ فَرْضًا أَوَنَفْلًا
(قَوْلُهُ: اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْحِرَافِ لَا يَضُرُّ.
وَقَالَ سم عَلَى حَجّ: يَنْبَغِي وَأَنْ لَا يَحْصُلَ فِعْلٌ مُبْطِلٌ اهـ أَيْ وَهُوَ صَادِقٌ بِالِانْحِرَافِ فَيَضُرُّ
(قَوْلُهُ: فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَخْرُجُ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ يُصَلِّيهَا مَاكِثًا فِي الْمَغْصُوبِ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ
(قَوْلُهُ: وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ) أَيْ وَيُعِيدُ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ وَنَقَلَهُ سم عَلَى حَجّ عَنْ م ر
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عِيدًا) أَخَذَهُ غَايَةً لِلْخِلَافِ فِيهِ
(قَوْلُهُ: بِصَدْرِهِ لَا بِوَجْهِهِ) إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي صَلَاةِ الْقَادِرِ فِي الْفَرْضِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمَتْنِ، فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ بِالْوَجْهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَلْقِي؛ لِأَنَّ تِلْكَ حَالَةُ عَجْزٍ وَسَيَأْتِي لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا، فَانْدَفَعَ مَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ عَنْ الْبَابِلِيِّ مَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [الْفَرْضَ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ مِنْ الْكَعْبَةِ إصَابَةُ عَيْنِهَا] قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُسَامَتَةَ تَصْدُقُ مَعَ الْبُعْدِ) الَّذِي يَصْدُقُ مَعَ الْبُعْدِ إنَّمَا هُوَ الْمُسَامَتَةُ الْعُرْفِيَّةُ لَا الْحَقِيقِيَّةُ كَمَا حَقَّقَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَحَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ الْمُسَامَتَةَ الْعُرْفِيَّةَ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي وَلَا يَحْتَاجُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ، إذْ كُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى إرَادَةِ الْمُسَامَتَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْغَيْرِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالْقُرْبِ، وَالْبُعْدِ
(قَوْلُهُ: وَيَرِدُ إلَخْ) هَذَا لَا يُلَاقِي كَلَامَ الْفَارِقِيِّ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
وَقَوْلُهُ فَالْمُبْطِلُ مُبْهَمٌ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُعَيَّنٌ وَإِنَّمَا الْمُبْهَمُ مَنْ حَصَلَ لَهُ الْمُبْطِلُ فِي صَلَاتِهِ مِنْهُمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لِأَرْبَعِ جِهَاتٍ أَنَّ ذَاكَ فِي كُلِّ اسْتِقْبَالٍ عَلَى حِدَتِهِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُصِيبٌ وَأَنَّهُ مُخْطِئٌ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْخَطَأُ فِي حَالَةٍ مُعَيَّنَةٍ،
وَأَمَّا هُنَا، فَإِنَّا عَلَى تَسْلِيمِ مَا مَرَّ نَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ خَارِجٌ عَنْ سَمْتِ الْكَعْبَةِ وَلَا بُدَّ فَلَمْ تَصِحَّ الْقُدْوَةُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّا مَتَى اعْتَبَرْنَا الْمُسَامَتَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فَإِلْزَامُ الْفَارِقِيِّ لَا مَحِيدَ عَنْهُ، فَالْمُتَعَيَّنُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُسَامَتَةِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي قَالَ بِهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ،
وَسَيُعَوِّلُ الشَّارِحُ عَلَيْهَا فِيمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِاتِّسَاعِ الْمَسَافَةِ) كَذَا فِي نُسَخٍ، وَالصَّوَابُ مَا فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى لِاتِّسَاعِ الْمُسَامَتَةِ
(قَوْلُهُ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَإِمَامُهُ مِنْ الْمُسَامِتِينَ) إنْ أَرَادَ الْمُسَامَتَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُهُ قَوْلُهُ: لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمُسَامِتَ مِنْ غَيْرِهِ، فَالِاحْتِمَالُ مَمْنُوعٌ وَعَدَمُ مُسَامَتَةِ أَحَدِهِمَا أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ،
وَإِنْ أَرَادَ الْمُسَامَتَةَ الْعُرْفِيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يُوَافِقُهُ قَوْلُهُ: لِاتِّسَاعِ الْمَسَافَةِ مَعَ الْبُعْدِ فَالْمُسَامَتَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقَةٌ لَا مُحْتَمَلَةٌ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: مِنْ مُبَاحِ قِتَالٍ) لَعَلَّ مِنْ بِمَعْنَى فِي
(اسْتِقْبَالُ) عَيْنِ (الْقِبْلَةِ) أَيْ الْكَعْبَةِ وَلَيْسَ مِنْهَا الْحِجْرُ، وَالشَّاذَرْوَانُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُمَا مِنْهَا ظَنِّيٌّ وَهُوَ لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَفِي الْخَادِمِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَيْنِ الْجِدَارُ، بَلْ أَمْرٌ اصْطِلَاحِيٌّ أَيْ وَهُوَ سَمْتُ الْبَيْتِ وَهَوَاؤُهُ إلَى السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ السَّابِعَةِ وَالْمُعْتَبَرُ مُسَامَتَتُهَا عُرْفًا لَا حَقِيقَةً وَكَوْنُهَا بِالصَّدْرِ فِي الْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ وَبِمُعْظَمِ الْبَدَنِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ وَلَا عِبْرَةَ بِالْوَجْهِ إلَّا فِيمَا يَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا بِنَحْوِ الْيَدِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ يَقِينًا بِمُعَايَنَةٍ، أَوْ مَسٍّ، أَوْ بِارْتِسَامِ أَمَارَةٍ فِي ذِهْنِهِ تُفِيدُ مَا يُفِيدُهُ أَحَدُ هَذَيْنِ فِي حَقِّ مَنْ لَا حَائِلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ ظَنًّا فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَائِلٌ مُحْتَرَمٌ، أَوْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهِ كَمَا يَأْتِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ بِدَلِيلِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ» فَالْحُصْرُ فِيهَا دَافِعٌ لِحَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْجِهَةِ وَخَبَرُ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ، وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ سَامَتَهُمْ وَقَوْلُ شُرَيْحٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ إلَى الْحَرَمِ جَازَ لِحَدِيثِ «الْبَيْتُ قِبْلَةٌ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَالْحَرَمُ لِأَهْلِ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا» مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ حُكْمًا وَحَدِيثًا لَا يُعْرَفُ وَصِحَّةُ صَلَاةِ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ مَحْمُولٌ عَلَى انْحِرَافٍ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ؛
لِأَنَّ صَغِيرَ الْجَرْمِ كُلَّمَا زَادَ بُعْدُهُ اتَّسَعَتْ مُسَامَتَتُهُ كَالنَّارِ الْمُوقَدَةِ مِنْ بُعْدِ وَغَرَضِ الرُّمَاةِ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ يَلْزَمُ أَنَّ مَنْ صَلَّى بِإِمَامٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرُ سَمْتِ الْكَعْبَةِ أَنْ لَا تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّدْرِ جَمِيعُ عُرْضِ الْبَدَنِ كَمَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ
فَلَوْ اسْتَقْبَلَ طَرَفَهَا فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ الْعُرْضِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَطَرَفِ الْيَدِ خِلَافًا لِلْقُونَوِيِّ عَنْ مُحَاذَاتِهِ لَمْ تَصِحَّ
بِخِلَافِ اسْتِقْبَالِ الرُّكْنِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ بِجَمِيعِ الْعُرْضِ لِمَجْمُوعِ الْجِهَتَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ كَانَ إمَامًا امْتَنَعَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ لِنَحْوِ مَرَضٍ، أَوْ رَبْطٍ قَالَ الشَّارِحِ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ نُزُولِهِ عَنْ دَابَّتِهِ عَلَى نَحْوِ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ إنْ اسْتَوْحَشَ بِهِ فَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، أَوْ يُعِيدُ مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِ لِنُدْرَةِ عُذْرِهِ وَلَوْ تَعَارَضَ هُوَ، وَالْقِيَامُ قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ إذْ لَا يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ إلَّا لِعُذْرٍ
بِخِلَافِ الْقِيَامِ (إلَّا فِي) صَلَاةِ (شِدَّةِ الْخَوْفِ) وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ فَلَيْسَ التَّوَجُّهُ شَرْطًا فِيهَا نَفْلًا كَانَتْ، أَوْ فَرْضًا لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ أَمِنَ رَاكِبًا نَزَلَ وَاشْتُرِطَ بِبِنَائِهِ بَعْدَ نُزُولِهِ أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ (تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الشَّارِحِ مُشْكِلٌ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ اسْتِثْنَاءَ شِدَّةِ الْخَوْفِ مُنْقَطِعٌ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْوَجْهُ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ وَأَنَّ كُلًّا مِنْ الْخَائِفِ مِنْ نُزُولِهِ وَمِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ قَادِرٌ حِسًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِآمِنٍ فَأُبِيحَ لَهُ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إنَّمَا هُوَ لِمَا عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (وَ) إلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ) الْمُبَاحِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَوْ كَانَ طَوِيلًا
(قَوْلُهُ: اسْتِقْبَالُ عَيْنِ الْقِبْلَةِ) أَيْ: لَا جِهَتِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي مَذْهَبِنَا يَقِينًا فِي الْقُرْبِ وَظَنًّا فِي الْبُعْدِ شَيْخُنَا
(قَوْلُهُ: أَيْ الْكَعْبَةِ) إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْخَادِمِ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُمَا مِنْهَا) أَيْ ثُبُوتُ كَوْنِهِمَا جُزْءًا مِنْ الْكَعْبَةِ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْخَادِمِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَيْخِنَا، وَالْمُرَادُ بِعَيْنِهَا جَرْمُهَا أَوْ هَوَاؤُهَا الْمُحَاذِي إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي فِيهَا وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي هَوَاؤُهَا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ جَرْمِهَا حَقِيقَةً حَتَّى لَوْ اسْتَقْبَلَ شَاخِصًا مِنْهَا ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ تَقْرِيبًا جَازَ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَهَوَائِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْبَيْتِ
(قَوْلُهُ: السَّابِعَةُ) رَاجِعٌ إلَى السَّمَاءِ أَيْضًا شَوْبَرِيٌّ
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَبَرُ مُسَامَتَتُهَا عُرْفًا إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ صَفٌّ آخِرَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بَعْضُهُمْ لَوْ قَرُبُوا عَنْ السَّمْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ
بِخِلَافِ مَا لَوْ خَرَجَ بَعْضُ الصَّفِّ الْقَرِيبِ عَنْ السَّمْتِ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُحَاذَاةِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْقُرْبِ، وَالْبُعْدِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِيهِ أَيْ فِي الْبُعْدِ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّسْمِيَةِ لَا حَقِيقَةُ الْمُسَامَتَةِ فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الِاسْتِقْبَالِ عِنْدَ الْبُعْدِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ لَوْ قَرُبَ خَرَجَ عَنْ السَّمْتِ إذْ يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مُحَاذِيًا انْتَهَى حِينَئِذٍ فَهَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الصَّفِّ الطَّوِيلِ مَحْمُولٌ عَلَى انْحِرَافٍ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أَيْ إذْ الْكُلُّ مُسْتَقْبِلُونَ عُرْفًا فَتَأَمَّلْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَلْيُتَدَبَّرْ سم عَلَى حَجّ اهـ ع ش وَيَأْتِي عَنْ الرَّشِيدِيِّ مَا يُوَافِقُهُ وَقَوْلُهُ فَهَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ
قَوْلِهِ إلَخْ أَقُولُ: وَكَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي لَكِنْ يَقِينًا إلَخْ؛ لِأَنَّ عَدَمَ تَوَجُّهِ بَعْضِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ بِلَا انْحِرَافٍ فِيهِ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ،
وَكَذَا عَدَمُ الْمُسَامَتَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْإِمَامِ أَوْ مَأْمُومِهِ فِيمَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الْقِيلِ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّشِيدِيُّ، ثُمَّ قَالَ فَالْحَاصِلُ أَنَّا مَتَى اعْتَبَرْنَا الْمُسَامَتَةَ الْحَقِيقِيَّةَ فَإِلْزَامُ الْفَارِقِيِّ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِيلِ الْآتِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ فَالْمُتَعَيِّنُ الِاكْتِفَاءُ بِالْمُسَامَتَةِ الْعُرْفِيَّةِ الَّتِي قَالَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَسَيُعَوِّلُ الشَّارِحِ م ر عَلَيْهَا فِيمَا يَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا إلَخْ اهـ
(قَوْلُهُ: وَكَوْنُهَا) أَيْ: الْمُسَامَتَةِ
(قَوْلُهُ: وَبِمُعْظَمِ الْبَدَنِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ) يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ دُونَ الْمُعْظَمِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، أَوْ خَرَجَ الصَّدْرُ فِيهِمَا عَنْهَا لَا يَضُرُّ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ وَلَوْ أَوَّلَ الصَّدْرِ الَّذِي عَبَّرُوا بِهِ بِقَوْلِهِ أَيْ بِجِهَةِ الصَّدْرِ الَّتِي هِيَ أَمَامَ الْبَدَنِ الصَّادِقِ لِأَحْوَالِ الْمُصَلِّي جَمِيعِهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا وَاسْتِلْقَاءً وَاضْطِجَاعًا لَكَانَ أَوْلَى طَائِفِيٌّ عَلَى التُّحْفَةِ
(قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا يَأْتِي) حَاصِلُ مَا يَأْتِي وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ بِالْوَجْهِ وَمُقَدَّمِ الْبَدَنِ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي لِجَنْبِهِ وَبِالْوَجْهِ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا مَعَ مُنَازَعَتِهِ فِي وُجُوبِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ سم عِبَارَةُ شَيْخِنَا وَاسْتِقْبَالُهَا بِالصَّدْرِ حَقِيقَةً فِي الْوَاقِفِ، وَالْجَالِسِ وَحُكْمًا فِي الرَّاكِعِ، وَالسَّاجِدِ
وَيَجِبُ اسْتِقْبَالِهَا بِالصَّدْرِ، وَالْوَجْهِ لِمَنْ كَانَ مُضْطَجِعًا وَبِالْوَجْهِ، وَالْأَخْمَصَيْنِ إنْ كَانَ مُسْتَلْقِيًا اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا بِنَحْوِ الْيَدِ) أَيْ: كَقَدَمَيْهِ أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ سم عَلَى حَجّ ع ش
(قَوْلُهُ: مِمَّا يَأْتِي) أَيْ: آنِفًا بِقَوْلِهِ
بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَطَرَفِ الْيَدِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: الِاسْتِقْبَالِ
(قَوْلُهُ: كَمَا يَأْتِي) أَيْ: فِي شَرْحِ وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ
(قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ: فَوَلِّ إلَخْ) أَيْ:، وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: وَجْهَك) الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الذَّاتُ، وَالْمُرَادُ بِالذَّاتِ بَعْضُهَا كَالصَّدْرِ فَهُوَ مَجَازٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَجَازٍ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: بِدَلِيلِ إلَخْ) وَأَيْضًا قَدْ فَسَّرُوا الشَّطْرَ بِالْجِهَةِ، وَالْجِهَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْعَيْنِ حَقِيقَةً وَعَلَى غَيْرِهَا مَجَازًا، بَلْ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ سم وَزِيَادِيٌّ اهـ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ» إلَخْ) أَيْ: مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: وَصِحَّةُ صَلَاةِ الصَّفِّ إلَخْ) مَرَّ مَا فِيهِ
(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى انْحِرَافِ إلَخْ) اعْتَمَدَهُ الزِّيَادِيُّ وَشَيْخُنَا
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ) هَذَا لَا يَصِحُّ فِيمَا إذَا امْتَدَّ صَفٌّ مِنْ جَبَلِ حِرَاءَ إلَى جَبَلِ ثَوْرٍ وَكَانَ الْإِمَامُ طَرَفَ هَذَا الصَّفِّ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِأَنَّ الْإِمَامَ وَمَنْ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ خَارِجَانِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ الْمُخْطِئُ عَنْ الْمُحَاذَاةِ اسْمًا لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مُخْطِئَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْفَرْضِ أَيْ إنَّ الصَّفَّ مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ سم وَيَأْتِي عَنْ الرَّشِيدِيِّ مَا يُوَافِقُهُ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْجَرْمِ إلَخْ) كَانَ وَجْهُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ اتِّسَاعَ الْمُسَامَتَةِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْبُعْدِ يُوجِبُ عُمُومَ الْمُحَاذَاةِ مَعَ الِانْحِرَافِ وَيُوجِبُ عَدَمَ تَعَيُّنِ الْمُخْطِئِ؛ لِأَنَّ اتِّسَاعَ الْمُسَامَتَةِ يَقْتَضِي انْغِمَارَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا مَعَ أَنَّ الْوَجْهَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إنَّمَا يُنَاسِبُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّسْمِيَةُ لَا حَقِيقَةُ الْمُسَامَتَةِ فَتَأَمَّلْهُ سم وَفِي الرَّشِيدِيِّ مَا حَاصِلُهُ إنْ أَرَادَ الْمُسَامَتَةَ الْحَقِيقِيَّةَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمُدَّعَاهُ مِنْ عَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُخْطِئِ فَقَوْلُهُ فَانْدَفَعَ إلَخْ مَمْنُوعٌ؛
لِأَنَّ عَدَمَ مُسَامَتَةِ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَأْمُومِ فِيمَا يَأْتِي أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فَلَمْ تَصِحَّ الْقُدْوَةُ وَإِنْ أَرَادَ الْمُسَامَتَةَ الْعُرْفِيَّةَ فَلَا تَقْرِيبَ؛ لِأَنَّ الْمُسَامَتَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْكُلِّ اهـ.
(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ إلَخْ) أَقُولُ: فِي انْدِفَاعِهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ قَدْ رُسِمَتْ الْكَعْبَةُ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا تَسَعُ جَمِيعَ الْكَعْبَةِ فَأَكْثَرَ وَعُلِمَ أَنَّ الْكَعْبَةَ فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَارِجٌ عَنْهَا، بَلْ قَدْ يَخْرُجُ طَرَفَا الصَّفِّ الْخَارِجِ عَنْ مَكَّةَ عَنْ طَرَفَيْهَا فَيُعْلَمُ قَطْعًا خُرُوجُ كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عَنْ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضٌ عَنْ مَكَّةَ الَّتِي خَرَجَ الطَّرَفَانِ عَنْهَا فَإِذَا اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ مُحَاذَاتِهَا وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَتَأَمَّلْهُ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الصَّفِّ الطَّوِيلِ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ
إمَّا الِانْحِرَافُ وَإِمَّا كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمُخْطِئُ فَمَتَى كَانَ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْحِرَافِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ فَلْيُتَأَمَّلْ نَعَمْ هَذَا الْجَوَابُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمُسَامَتَةُ حَقِيقَةً فَيُخَالِفُ قَوْلَهُ السَّابِقَ عُرْفًا لَا حَقِيقَةً سم
(قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ صَلَّى بِإِمَامٍ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ أَنَّ مَنْ صَلَّى مَأْمُومًا فِي صَفٍّ مُسْتَطِيلٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ أَكْثَرُ مِنْ سَمْتِ الْكَعْبَةِ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِخُرُوجِهِ، أَوْ خُرُوجِ إمَامِهِ عَنْ سَمْتِهَا اهـ
(قَوْلُهُ: عَنْ مُحَاذَاتِهِ) أَيْ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ
(قَوْلُهُ: لَوْ كَانَ) أَيْ مُسْتَقْبِلَ الرُّكْنِ
(قَوْلُهُ: فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) الْأَوْلَى فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْعَاجِزُ) إلَى التَّنْبِيهِ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ قَالَ شَارِحُ
(قَوْلُهُ: لِنَحْوِ مَرَضٍ) أَيْ: بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّوَجُّهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَجِّهُهُ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ لَا يُقَالُ هُوَ عَاجِزٌ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ الطَّلَبُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُ بِمَا دُونَهُ ع ش
(قَوْلُهُ: أَوْ مَالِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْخَوْفَ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لَا أَثَرَ لَهُ وَإِنْ كَثُرَ ع ش
(قَوْلُهُ: فَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ حَالِهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ إنْ رَجَا زَوَالُ الْعُذْرِ لَا يُصَلِّي إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَاله صَلَّى فِي أَوَّلِهِ،
ثُمَّ إنْ زَالَ بَعْدُ عَلَى خِلَافِ ظَنِّهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ وَإِنْ اسْتَمَرَّ الْعُذْرُ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ كَانَتْ فَائِتَةً بِعُذْرٍ فَيُنْدَبُ قَضَاؤُهَا فَوْرًا
وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ كَسَائِرِ الْفَوَائِتِ ع ش أَقُولُ وَيُفِيدُ التَّقْيِيدُ بِضِيقِ الْوَقْتِ مَا يَأْتِي عَنْ النِّهَايَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُعِيدُ إلَخْ) أَيْ: وُجُوبًا
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْقَادِرِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلْعَاجِزِ أَيْضًا بِدَلِيلِ الْقَضَاءِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّنْبِيهِ، وَالْحَاوِي وَاسْتَدْرَكَ عَلَى ذَلِكَ أَيْ الْكِفَايَةِ السُّبْكِيُّ فَقَالَ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا دَلِيلَ فِيهِ اهـ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا فُقِدَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ وَتُعَادُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ مُغْنِي وَارْتَضَى النِّهَايَةُ بِمَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِمَا لَا يَتَّجِهُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَعَارَضَ هُوَ، وَالْقِيَامُ قَدَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْقِبْلَةِ قَاعِدًا وَإِلَى غَيْرِهَا قَائِمًا وَجَبَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِبْلَةِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْقِيَامِ إلَخْ،
وَكَذَا فِي الْمُغْنِي إلَّا أَنَّهُ قَالَ رَاكِبًا بَدَلَ قَاعِدًا
(قَوْلُهُ: لِعُذْرٍ) أَيْ: كَالسَّفَرِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْقِيَامِ) أَيْ: فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ نِهَايَةٌ قَوْلُ الْمَتْنِ (إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) وَمِنْ الْخَوْفِ الْمُجَوِّزِ لِتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَيَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ فَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَوَجَّهَ لِلْخُرُوجِ وَيُصَلِّيَ بِالْإِيمَاءِ نِهَايَةٌ قَالَ السَّيِّدُ الْبَصْرِيُّ قَوْلُهُ م ر فَلَهُ إلَخْ مُؤْذِنٌ بِعَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ اهـ وَقَالَ ع ش قَوْلُهُ م ر فَلَهُ إلَخْ قَضِيَّتُهُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَخْرُجُ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ إلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ أَوْ يُصَلِّيهَا مَاكِثًا فِي الْمَغْصُوبِ، أَوْ كَيْفَ الْحَالُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ جَوَازٌ بَعْدَ مَنْعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ اهـ وَقَوْلُهُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ أَيْ وَيُعِيدُ لِنُدْرَةِ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ سم عَلَى حَجّ عَنْ م ر اهـ ع ش
(قَوْلُهُ: وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي) أَيْ: مِنْ خَوْفِ النَّارِ، وَالسَّيْلِ، وَالسَّبُعِ وَنَحْوِهَا وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا ذَكَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْخَوْفِ حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْقِتَالِ وَلِذَا قَالَ الْمُغْنِي، وَالنِّهَايَةُ أَيْ فِيمَا يُبَاحُ مِنْ قِتَالٍ، أَوْ غَيْرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمِنَ رَاكِبًا إلَخْ) وَفِي الرَّوْضِ فِي بَابِ الْخَوْفِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ فَحَدَثَ الْخَوْفُ الْمُلْجِئُ رَكِبَ وَبَنَى وَإِنْ رَكِبَ احْتِيَاطًا أَعَادَ اهـ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِدْبَارِهِ فِي رُكُوبِهِ أَوَّلًا سم أَيْ لِلْفَرْقِ بِكَوْنِ الرُّكُوبِ هُنَاكَ فِي الْخَوْفِ، وَالنُّزُولِ هُنَا بَعْدَ زَوَالِهِ
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ إلَخْ) أَيْ: فِي نُزُولِهِ فَإِنْ اسْتَدْبَرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالِاتِّفَاقِ نِهَايَةٌ قَالَ ع ش قَضِيَّتُهُ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْحِرَافِ لَا يَضُرُّ وَقَالَ سم يَنْبَغِي وَأَنْ لَا يَحْصُلَ فِعْلٌ مُبْطِلٌ اهـ وَهُوَ صَادِقٌ بِالِانْحِرَافِ فَيَضُرُّ اهـ وَقَدْ يُمْنَعُ الصِّدْقُ بِتَعَسُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ الِانْحِرَافِ حِينَ النُّزُولِ
(قَوْلُهُ: مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الشَّارِحِ) أَيْ: مِنْ عَدِّ الْخَائِفِ مِنْ نُزُولِهِ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَاجِزِ
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْخَائِفَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سم
(قَوْلُهُ: بَلْ الْوَجْهُ إلَخْ) أَيْ: وَالْمُرَادُ بِالْقَادِرِ الْقَادِرُ حِسًّا فَقَطْ ع ش
(قَوْلُهُ: وَأَنَّ كُلًّا إلَخْ) مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ
(قَوْلُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ: الْخَائِفِ مِنْ نُزُولِهِ (دُونَ الثَّانِي) أَيْ: مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَمَا فِي الْكُرْدِيِّ مِنْ تَفْسِيرِ الْأَوَّلِ بِالْعَاجِزِ،
وَالثَّانِي بِالْخَائِفِ فَمِنْ سَبْقِ الْقَلَمِ
(قَوْلُهُ: لِمَا عُلِمَ إلَخْ) لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ كَوْنَ الْأَوَّلِ مِنْ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ دُونَ الثَّانِي
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فِي نَفْلِ السَّفَرِ) خَرَجَ بِذَلِكَ النَّفَلُ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَجُوزُ وَإِنْ اُحْتِيجَ فِيهِ لِلتَّرَدُّدِ كَمَا فِي السَّفَرِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ: الْمُبَاحِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْحَرَامَ فَيَشْمَلُ الْوَاجِبَ، وَالْمَنْدُوبَ، وَالْمَكْرُوهَ حِفْنِيٌّ، وَالْمُرَادُ بِالنَّفْلِ غَيْرُ الْمُعَادِ وَصَلَاةُ الصَّبِيِّ اهـ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ: الَّذِي تُقْصَرُ إلَخْ) (فَرْعٌ) لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الِاسْتِقْبَالُ مُطْلَقًا، وَالْآخَرُ يَتَأَتَّى فِيهِ فَهَلْ لَهُ التَّنَفُّلُ فِي الْأَوَّلِ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْقَصْرِ احْتِمَالَانِ قَالَ م ر أَيْ فِي النِّهَايَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَفَارَقَ نَظِيرَهُ مِنْ الْقَصْرِ بِأَنَّ النَّفَلَ وُسِّعَ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ انْتَهَى اهـ سم قَوْلُ الْمَتْنِ (فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ إلَخْ) وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ، وَالتِّلَاوَةِ الْمَفْعُولَةُ خَارِجَ الصَّلَاةِ حُكْمُهَا حُكْمُ النَّافِلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِهِ وَخَرَجَ بِالنَّفْلِ الْفَرْضُ وَلَوْ مَنْذُورَةً وَجِنَازَةٌ نِهَايَةٌ وَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ وَعَنْ الْمُغْنِي مَا يُفِيدُهُ
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَبَرُ مُسَامَتَتُهَا عُرْفًا لَا حَقِيقَةً) أَقُولُ: لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ لَوْ وَقَفَ صَفٌّ آخِرَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بَعْضُهُمْ لَوْ قَرُبُوا عَنْ السَّمْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ
بِخِلَافِ مَا لَوْ قَرُبُوا فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ خَرَجَ عَنْ السَّمْتِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُحَاذَاةِ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْقُرْبِ، وَالْبُعْدِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُتَّبَعَ فِيهِ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّسْمِيَةُ لَا حَقِيقَةُ الْمُسَامَتَةِ اهـ وَحِينَئِذٍ فَهَذَا لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي إنَّ صِحَّةَ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ مَحْمُولٌ عَلَى انْحِرَافٍ فِيهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَتَأَمَّلْهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْجَهُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَلْيُتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: إلَّا فِيمَا يَأْتِي) حَاصِلُ مَا يَأْتِي وُجُوبُ الِاسْتِقْبَالِ بِالْوَجْهِ وَمُقَدَّمِ الْبَدَنِ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي لِجَنْبِهِ وَبِالْوَجْهِ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي مُسْتَلْقِيًا مَعَ مُنَازَعَةٍ فِي وُجُوبِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: وَلَا بِنَحْوِ الْيَدِ) قَدْ يَدْخُلُ الْقَدَمَانِ وَعَلَيْهِ فَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ قَدَمَيْهِ خَارِجَ مُحَاذَاتِهَا مَعَ اسْتِقْبَالِهَا بِصَدْرِهِ وَبَقِيَّةِ بَدَنِهِ أَجْزَأَ وَهُوَ مُسْتَبْعَدٌ فَلْيُرَاجَعْ
(قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الْبَيْتِ قَبْلَهُ) قَضِيَّةُ اسْتِدْلَالِهِ بِالْحَدِيثِ صِحَّةُ تَعَمُّدِ اسْتِقْبَالِ الْحَرَمِ خِلَافَ تَقْيِيدِهِ بِالْخَطَأِ
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ فِيهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ) هَذَا لَا يَصِحُّ فِيمَا إذَا امْتَدَّ صَفٌّ مِنْ حِرَاءَ إلَى ثَوْرٍ وَكَانَ الْإِمَامُ طَرَفَ هَذَا الصَّفِّ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَمَنْ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ خَارِجَانِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ الْمُخْطِئِ عَنْ الْمُحَاذَاةِ اسْمًا لَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مُخْطِئَ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْفَرْضِ أَيْ إنَّ الصَّفَّ مِنْ الْمَشْرِقِ لِلْمَغْرِبِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ صَغِيرَ الْجَرْمِ إلَخْ) كَانَ وَجْهُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ اتِّسَاعَ الْمُسَامَتَةِ عِنْدَ زِيَادَةِ الْبُعْدِ تُوجِبُ عُمُومَ الْمُحَاذَاةِ مَعَ الِانْحِرَافِ وَتُوجِبُ عَدَمُ تَعَيُّنِ الْمُخْطِئِ؛ لِأَنَّ اتِّسَاعَ الْمُسَامَتَةِ تَقْتَضِي انْغِمَارَهُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَعَ هَذَا مَعَ أَنَّ الْوَجْهَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ إنَّمَا يُنَاسِبُ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حُكْمُ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّسْمِيَةِ لَا حَقِيقَةُ الْمُسَامَتَةِ فَتَأَمَّلْهُ
(قَوْلُهُ: فَانْدَفَعَ إلَخْ) أَقُولُ فِي انْدِفَاعِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَالْمَأْمُومِ قَدْرُ مَسَافَةِ الْكَعْبَةِ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا تَسَعُ جَمِيعَ الْكَعْبَةِ فَأَكْثَرَ وَعُلِمَ أَنَّهَا فِي تِلْكَ الْمَسَافَةِ عُلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَارِجٌ عَنْهَا، بَلْ قَدْ يَخْرُجُ طَرَفَا الصَّفِّ الْخَارِجِ عَنْ مَكَّةِ عَنْ طَرَفَيْهَا فَيُعْلَمُ قَطْعًا خُرُوجُ آخِرِ كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ عَنْ الْكَعْبَةِ؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ مَكَّةَ الَّتِي خَرَجَ الطَّرَفَانِ عَنْهَا فَإِذَا اقْتَدَى أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ خَرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ مُحَاذَاتِهَا وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُخْطِئَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَتَأَمَّلْهُ وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الصَّفِّ الطَّوِيلِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ
إمَّا الِانْحِرَافُ وَإِمَّا كَوْنُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمُخْطِئُ فَمَتَى كَانَ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ لَا بُدَّ مِنْ الِانْحِرَافِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ فَلْيُتَأَمَّلْ نَعَمْ هَذَا الْجَوَابُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمُسَامَتَةُ حَقِيقَةً فَيُخَالِفُ قَوْلَهُ السَّابِقَ عُرْفًا لَا حَقِيقَةً
(قَوْلُهُ: وَلَوْ تَعَارَضَ إلَخْ) قَالَ النَّاشِرِيُّ وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْقِبْلَةِ قَاعِدًا، أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ قَائِمًا وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى الْقِبْلَةِ مَعَ الْقُعُودِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِبْلَةِ آكَدُ مِنْ فَرْضِ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْقِيَامِ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ
بِخِلَافِ فَرْضِ الِاسْتِقْبَالِ اهـ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَمِنَ رَاكِبًا نَزَلَ إلَخْ) وَفِي الرَّوْضِ فِي بَابِ الْخَوْفِ وَلَوْ صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ فَحَدَثَ الْخَوْفُ الْمُلْجِئُ رَكِبَ وَبَنَى وَإِنْ رَكِبَ احْتِيَاطًا أَعَادَ اهـ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِاسْتِدْبَارِهِ فِي رُكُوبِهِ أَوَّلًا
(قَوْلُهُ: أَنْ لَا يَسْتَدْبِرَ) يَنْبَغِي وَأَنْ لَا يَحْصُلَ فِعْلٌ مُبْطِلٌ
(قَوْلُهُ: يَلْزَمُ عَلَيْهِ إلَخْ) أَيْ:؛ لِأَنَّ الْقَادِرَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْخَائِفَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فِي نَفْلِ السَّفَرِ)
فَرْعٌ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الِاسْتِقْبَالُ مُطْلَقًا وَالْآخَرُ يَتَأَتَّى فِيهِ فَهَلْ لَهُ التَّنَفُّلُ فِي الْأَوَّلِ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْقَصْرِ احْتِمَالَانِ قَالَ م ر، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَفَارَقَ نَظِيرَهُ مِنْ الْقَصْرِ بِأَنَّ النَّفَلَ وُسِّعَ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ اهـ وَقِيَاسُهُ فِيمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الطَّرِيقِينَ بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَطْعُهُ سَفَرًا جَوَازُ التَّنَفُّلِ فِي الْآخَرِ لِلْمَاشِي وَغَيْرِهِ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ وَنَحْوِهِ
(فَرْعٌ) نَذَرَ إتْمَامَ كُلِّ نَفْلٍ شَرَعَ فِيهِ فَشَرَعَ فِي السَّفَرِ فِي نَافِلَةٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْرَارُ، وَالِاسْتِقْبَالُ يَنْبَغِي نَعَمْ
(شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَى الِاسْتِقْبَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ} أَيْ نَحْوَ {الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[الْبَقَرَةُ] وَالِاسْتِقْبَالُ لَا يَجِبُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَهُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ:«إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَرَوَيَا «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْكَعْبَةِ: أَيْ وَجْهَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَعَ خَبَرِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إجْمَاعًا.
وَالْقِبْلَةُ فِي اللُّغَةِ: الْجِهَةُ وَالْمُرَادُ هُنَا الْكَعْبَةُ،
وَلَوْ عَبَّرَ بِهَا لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا الْقِبْلَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا وَلَكِنَّ الْقِبْلَةَ صَارَتْ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةَ الْكَعْبَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا غَيْرُهَا، سُمِّيَتْ قِبْلَةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا، وَكَعْبَةً لِارْتِفَاعِهَا
وَقِيلَ لِاسْتِدَارَتِهَا.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْهُ كَمَرِيضٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَيْهَا وَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ وَيُعِيدُ وُجُوبًا.
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ: أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّقْيِيدِ بِالْقَادِرِ، فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِلْعَاجِزِ أَيْضًا بِدَلِيلِ الْقَضَاءِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي التَّنْبِيهِ وَالْحَاوِي، وَاسْتَدْرَكَ عَلَى ذَلِكَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ لَا دَلِيلَ فِيهِ اهـ.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا فُقِدَ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ وَتُعَادُ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْأَذْرَعِيَّ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ. (إلَّا فِي) صَلَاةِ (شِدَّة الْخَوْفِ) فِيمَا يُبَاحُ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، فَلَيْسَ التَّوَجُّهُ بِشَرْطٍ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا}[الْبَقَرَةُ] قَالَ ابْنُ عُمَرَ " مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ
قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: نَعَمْ لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَرَاكِبًا إلَى الْقِبْلَةِ وَجَبَ الِاسْتِقْبَالُ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ،
بِخِلَافِ الِاسْتِقْبَالِ، وَقَدْ أَعَادَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ مَبْسُوطَةً فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، وَنَذْكُرُ مَا فِيهَا هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَ) وَإِلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ) الْمُبَاحِ لِقَاصِدِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ النَّفَلَ يُتَوَسَّعُ فِيهِ كَجَوَازِهِ قَاعِدًا لِلْقَادِرِ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ النَّفَلُ فِي الْحَضَرِ فَلَا يَجُوزُ،
وَإِنْ اُحْتِيجَ فِيهِ لِلتَّرَدُّدِ كَمَا فِي السَّفَرِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ
(فَصْلُ: اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) أَيْ الْكَعْبَةِ
(شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ) عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِدُونِهِ إجْمَاعًا
بِخِلَافِ الْعَاجِزِ عَنْهُ كَمَرِيضٍ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ، وَمَرْبُوطٍ عَلَى خَشَبَةٍ فَيُصَلِّي عَلَى حَالِهِ وَيُعِيدُ، وَيُعْتَبَرُ الِاسْتِقْبَالُ بِالصَّدْرِ لَا بِالْوَجْهِ أَيْضًا لِأَنَّ الِالْتِفَاتَ بِهِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ كَرَاهَتِهِ (إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْبَالُ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ لِضَرُورَةٍ وَسَوَاءٌ فِيهِ الْفَرْضُ وَالنَّفَلُ. (وَ) إلَّا فِي (نَفْلِ السَّفَرِ فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) أَيْ صَوْبَ مَقْصِدِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي السَّفَرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهَتْ بِهِ أَيْ فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ،
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ نَزَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَأُلْحِقَ الْمَاشِي بِالرَّاكِبِ وَسَوَاءٌ الرَّاتِبَةُ وَغَيْرُهَا.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ لِلرَّاكِبِ،
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْمَاشِي لِنُدْرَتِهَا
قَوْلُهُ: (أَيْ الْكَعْبَةِ) أَيْ عَيْنِهَا يَقِينًا مَعَ الْقُرْبِ وَظَنًّا مَعَ الْبُعْدِ عِنْدَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَدَلِيلُهُ الشَّطْرُ فِي الْآيَةِ لِأَنَّهُ الْعَيْنُ لُغَةً، وَتَفْسِيرُهُ بِالْجِهَةِ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ أَصْلَ الْجِهَةِ لُغَةً الْعَيْنُ، لِأَنَّ مَنْ انْحَرَفَ عَنْ مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لَا يُقَالُ إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَهُ، فَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَصْلًا،
وَمَنْ جَعَلَ الْجِهَةَ أَعَمَّ مِنْ الْعَيْنِ أَرَادَ الْمَجَازَ وَالْحَقِيقَةَ مَعًا مَعَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ مَالِكٌ الْجِهَةَ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ اعْتَبَرَ الْعَيْنَ مَعَ الْقُرْبِ وَالْجِهَةَ مَعَ الْبُعْدِ، وَاعْتَبَرَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ جُزْءًا مِنْ قَاعِدَةِ، مُثَلَّثٍ زَاوِيَتُهُ الْعُظْمَى عِنْدَ مُلْتَقَى بَصَرِهِ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ آبَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَسْتَقْبِلُهَا، ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، كَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَحُوِّلَتْ الْقِبْلَةُ إلَيْهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ، بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي رَجَبٍ، فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا، فَاسْتَدَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إلَيْهَا، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِلْكَعْبَةِ الْعَصْرُ، مَحْمُولٌ عَلَى الْكَامِلَةِ وَسُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرَبُّعِهَا وَقِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا بِوَجْهِهِ وَصَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: (شَرْطٌ) فَلَا يَسْقُطُ بِجَهْلٍ وَلَا غَفْلَةٍ، وَلَا إكْرَاهٍ وَلَا نِسْيَانٍ. نَعَمْ لَوْ اسْتَدْبَرَ نَاسِيًا وَعَادَ عَنْ قُرْبٍ لَمْ يَضُرَّ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْقَادِرِ) أَيْ حِسًّا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ مِنْ التَّمْثِيلِ. وَالِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ بِدُونِهِ) أَيْ الِاسْتِقْبَالِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِلْعَيْنِ بِدَلِيلِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ، فَالْإِجْمَاعُ فِي مَحَلِّهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَمَرِيضٍ) وَمِثْلُهُ مَنْ يَخَافُ نَحْوَ غَرَقٍ بِنَفْسِهِ مَثَلًا،
وَكَذَا مَنْ يَخَافُ ضَيَاعَ مَالِهِ أَوْ تَخَلُّفًا عَنْ رُفْقَتِهِ، وَتَلْزَمُهُمْ الْإِعَادَةُ
بِخِلَافِ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ خُطِفَ نَعْلُهُ، بِالْفِعْلِ قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُعِيدُ) أَيْ لِعَدَمِ اسْتِقْبَالِهِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ شَرْطٌ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لِلْقَادِرِ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ، وَلِلْعَاجِزِ شَرْطٌ لِلْإِجْزَاءِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِالصَّدْرِ) أَيْ بِجَمِيعِهِ يَقِينًا مَعَ الْقُرْبِ وَظَنًّا مَعَ الْبُعْدِ،
فَلَوْ خَرَجَ جُزْءٌ مِنْهُ عَنْ مُحَاذَاةِ الْعَيْنِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِقْبَالِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، الْعُرْفُ لَا الصَّدْرُ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ وَمَتَى كَانَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ أَكْثَرُ مِنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا. كَمَا قَالَهُ الْفَارِقِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ، وَلَا يَأْتِي فِيهِ قَوْلُهُمْ الْخَطَأُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، لِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الرَّابِطَةِ انْتَهَى مَعْنًى، وَهُوَ وَجِيهٌ وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَاَللَّهُ الْمُعِينُ. نَعَمْ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ نَظَرٌ إذَا ظَنَّ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلْعَيْنِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَا بِالْوَجْهِ أَيْضًا) أَيْ فِي الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ،
أَمَّا الْمُضْطَجِعُ وَالْمُسْتَلْقِي، فَيَجِبُ بِالْوَجْهِ مَعَ تَقَدُّمِ الْبَدَنِ فِيهِمَا وَمَعَ رَفْعِ الرَّأْسِ فِي الْمُسْتَلْقِي إنْ تَيَسَّرَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي) أَيْ فِي انْحِرَافِ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ) أَيْ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ قِتَالٍ، وَغَيْرِهِ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
(فَرْعٌ) لَوْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ قَاعِدًا لَا قَائِمًا صَلَّى قَاعِدًا مُسْتَقْبِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ عَهِدَ تَرْكَ الْقِيَامِ، كَمَا فِي النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ دُونَ الِاسْتِقْبَالِ.
قَوْلُهُ: (نَفْلِ السَّفَرِ) أَيُّ نَفْلٍ يَفْعَلُ فِيهِ وَإِنْ فَاتَ حَضَرًا.
قَوْلُهُ: (فَلِلْمُسَافِرِ) يُفِيدُ أَنَّهُ مُبَاحٌ،
وَإِنَّ الِاسْتِقْبَالَ مُسْتَحَبٌّ، وَالْمُرَادُ مَا دَامَ السَّفَرُ،
فَلَوْ تَرَكَهُ أَتَمَّهَا لِلْقِبْلَةِ وُجُوبًا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ إلَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (رَاكِبًا وَمَاشِيًا) وَلَا يَضُرُّهُمَا التَّحَوُّلُ عَنْهَا لِمُنْعَطَفَاتِ الطَّرِيقِ،
وَلَوْ لِنَحْوِ زَحْمَةٍ أَوْ غُبَارٍ أَوْ سُهُولَةٍ، وَلَا يُكَلَّفَانِ التَّحَفُّظَ وَلَا الِاحْتِيَاطَ، وَلَا عَدَمَ الْعَدْوِ وَلِلرَّاكِبِ الرَّكْضُ لِحَاجَةٍ وَلَوْ لِلُحُوقِ بَعِيدٍ،
وَلَوْ وَطِئَتْ الدَّابَّةُ نَجَاسَةً رَطْبَةً مُطْلَقًا أَوْ يَابِسَةً، وَلَمْ يُفَارِقْهَا حَالًا أَوْ أَوْطَأَهَا نَجَاسَةً،
وَلَوْ يَابِسَةً أَوْ اتَّصَلَ بِهَا نَجَاسَةٌ،
وَلَوْ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا أَوْ بَالَتْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِهِ، فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ وَطِئَ الْمَاشِي نَجَاسَةً عَمْدًا وَلَوْ يَابِسَةً أَوْ رَطْبَةً سَهْوًا، أَوْ يَابِسَةً سَهْوًا وَلَمْ يُفَارِقْهَا حَالًا، أَوْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِهِ لَا لِمَا مَرَّ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
نَعَمْ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لَا يَضُرُّ بِشَرْطِهِ كَذَرْقِ الطُّيُورِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمُرَادُ بِالْمَاشِي غَيْرُ الرَّاكِبِ فَيَشْمَلُ نَحْوَ الزَّاحِفِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) دَفَعَ بِهَا تَوَهُّمَ تَرْكِهَا أَوْ صَلَاتِهَا عَلَى الْأَرْضِ لِمَقْصِدِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْقِبْلَةِ) هِيَ فِي اللُّغَةِ الْجِهَةُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (إجْمَاعًا) هُوَ يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقِبْلَةِ أَعَمَّ مِنْ الْعَيْنِ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (لِلضَّرُورَةِ) قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَإِلَّا فِي نَفْلِ السَّفَرِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِقْبَالُ وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِي هَوْدَجٍ وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَخَرَجَ بِالنَّفْلِ الْجِنَازَةُ فَإِنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْفَرَائِضِ لِأَنَّ تَجْوِيزَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ يُؤَدِّي إلَى مَحْوِ صُورَتِهَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ جَوَازُهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ قَائِمًا، إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ، يَعْنِي فِي حَالِ مَشْيِهَا، وَاسْتَظْهَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ: قِيَاسُهُ صِحَّتُهَا مَاشِيًا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْغَائِبِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدْ صَرَّحَ بِامْتِنَاعِ الْمَشْيِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَجَوَّزَ الْإِصْطَخْرِيُّ فِعْلَ النَّافِلَةِ لِلْحَاضِرِ الْمُتَرَدِّدِ فِي حَوَائِجِهِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لِلْمُسَافِرِ) ظَاهِرُهُ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِقْبَالُ.
قَوْلُ الشَّارِحِ: (وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ) إنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الْأَرْضِ لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ.
قال: (إلا في شدة الخوف) ،
فإن ذلك لا يشترط في الصلاة المفروضة والنافلة؛ لقوله تعالى:{فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا}.
قال ابن عمر:(مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها).
قال مالك: قال نافع: لا أراه ذكر إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البيهقي [٣/ ٢٥٥]: وهو ثابت من جهة موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في (صلاة شدة الخوف).
نعم؛ يستثنى من ذلك ما لو أمن وهو راكب؛ فإنه يشترط في البناء أن يستقل القبلة،
فإن استدبرها .. بطلت بالاتفاق.
فلو قدر أن يصلي قائمًا إلى غير القبلة، وراكبًا إليها .. وجب الاستقبال راكبًا؛ لأنه آكد من القيام؛ لأن القيام يسقط في النافلة بغير عذر،
بخلاف الاستقبال. قال: (ونفل السفر) أي: سفر البر المباح ماشيًا، أو على راحلة لا محمل عليها يتمكن فيه من الاستقبال، فإنه يصلي حيث توجه؛ لقوله تعالى:{فأينما تولوا فثم وجه الله}.
قال ابن عمر: نزلت في التطوع خاصة.
وفي (الصحيحين)[خ١٠٩٨ - م/ ٣٩]: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ظهر راحلته حيث توجهت به،
وإذا أراد الفريضة .. نزل عنها واستقبل القبلة).
والمعنى فيه: أن لا ينقطع المتعبد عن السفر، ولا المسافر عن العبادة، وشملت عبارته النوافل كلها.
وعن الصيدلاني: لا تجوز صلاة العيد والكسوف والاستسقاء على الراحلة وإن قلنا: إنها سنة؛ لنذرتها.
وخرج بالنفل: الفرض والمنذورة وصلاة الجنازة، فلا تصلى على الراحلة على الصحيح، ولا يترك فيها الاستقبال.
ووقع في (شرح المهذب) تصحيح امتناع المشي فيها، وهو سهو.
وأما النافلة الحضر .. فإنها لا تجوز على الراحلة ولا مشيًا، ولا بد فيها من الاستقبال، وجوزها الإصطخري على الراحلة حيث توجهت؛ لعموم حديث جابر، واختاره القفال.
ووجه بأن الإنسان قد تعرض له حاجة في البلد، والزمان زمان تعبد،
فلو منعناه من التنفل في تلك الحالة .. لفاته أحد أمرين: إما حاجته، وإما عبادته.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.