وَسَجَدَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ بَعْدَ صلاة إمامه.
Its commentaries
(وَسَجَدَ) الْخَلِيفَةُ الْمَسْبُوقُ عَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا بِقَوْلِ الْإِمَامِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ السَّلَامِ لَكِنْ عَقِبَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ وَقَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ هُوَ كَمَا سَيَقُولُ الْمُصَنِّفُ (إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ) كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ بَعْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا مَثَلًا فَإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ قَدْ بَطَلَتْ وَصَارَ اسْتِخْلَافُهُ عَلَى ثَانِيَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَدَخَلَ فِي صَلَاتِهِ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ أَوْ بَعْدَ عَقْدِهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأُولَى فَتَصِيرُ الثَّانِيَةُ أُولَى وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَةً وَهِيَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَإِنْ تَمَحَّضَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ قَبْلَ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا فَالتَّدَارُكُ مُمْكِنٌ.
وَكَذَا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ فِي الرَّابِعَةِ وَعَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الثَّالِثَةِ سَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَقَوْلُهُ (بَعْدَ) كَمَالِ (صَلَاةِ إمَامِهِ) وَقَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَسَجَدَ قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودِ إمَامِهِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ وَهَذَا نَائِبُهُ فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ صَلَاةِ السَّفَرِ
(قَوْلُهُ كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ بَعْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ إلَخْ) هَذَا مِثَالٌ لِلنَّفْيِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ أَيْ الَّتِي اسْتَخْلَفَهُ فِيهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَقَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ هُوَ
وَأَمَّا لَوْ كَانَ اسْتِخْلَافُهُ فِي الثَّانِيَةِ وَقَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ عَقَدَ الثَّالِثَةَ أَسْقَطْت رُكُوعًا مِنْ الْأُولَى فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ قَبْلَ السَّلَامِ وَعَقِبَ إتْمَامِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَصَلَاتِهِ هُوَ لِأَنَّ إتْمَامَ صَلَاةِ إمَامِهِ إتْمَامٌ لَهُ إذْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ رَجَعَتْ ثَانِيَةً لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَصَيْرُورَتُهُ مَسْبُوقًا بِالنَّظَرِ لِلظَّاهِرِ.
(قَوْلُهُ وَصَارَ اسْتِخْلَافُهُ عَلَى ثَانِيَةِ الْإِمَامِ وَقَدْ قَرَأَ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ) أَيْ وَجَلَسَ لِأَنَّهُ حِينَ أَخْبَرَهُ بَعْدَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ وَقَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ لِلرَّابِعَةِ فَإِنَّهُ يَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ ثُمَّ يُكْمِلُ صَلَاةَ إمَامِهِ بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ فَإِذَا تَشَهَّدَ بَعْدَهُمَا سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ قَامَ لِرَكْعَةِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَسْبُوقٌ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمَ مَعَهُ مَنْ عَلِمَ خِلَافَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الْأَصْلِيُّ وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ وَيَتْبَعُهُ فِي السُّجُودِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَ قَوْلِهِ دُونَ مَنْ عَلِمَ خِلَافَ قَوْلِهِ.
(قَوْلُهُ فَدَخَلَ فِي صَلَاتِهِ نَقْصٌ) أَيْ لِلسُّورَةِ مِنْ الثَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ وَزِيَادَةٌ أَيْ لِلرَّكْعَةِ الْمُلْغَاةِ.
(قَوْلُهُ وَسَجَدَ قَبْلَهُ) أَيْ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاةِ إمَامِهِ هَذَا وَاضِحٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَإِلَّا فَلَا يَسْجُدُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّهْوِ وَقَدْ يُقَالُ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ وَيَصِيرُ مَطْلُوبًا بِمَا يُطْلَبُ بِهِ الْإِمَامُ فَيُطْلَبُ حِينَئِذٍ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً وَعَلَى هَذَا فَيُقَيَّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّهْوِ بِغَيْرِ مَا هُنَا كَذَا فِي عبق وخش [فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ صَلَاةِ السَّفَرِ] (فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ صَلَاةِ السَّفَرِ)
(ص) وَسَجَدَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ. (ش) وَالْمَعْنَى أَنَّ السُّجُودَ الْقَبْلِيِّ يَسْجُدُهُ عَقِبَ كَمَالِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَقَبْلَ تَمَامِ صَلَاتِهِ كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ بَعْدَمَا عَقَدَ الثَّالِثَةَ أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ هُنَا بَعْدَ كَمَالِ صَلَاةِ إمَامِهِ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ؛ لِأَنَّ هُنَا زِيَادَةً وَنَقْصَ السُّورَةِ لِرُجُوعِ الثَّالِثَةِ ثَانِيَةً أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ أَوْ بَعْدَ عَقْدِهَا وَلَوْ فِي الْجَلْسَةِ الْأَخِيرَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْأُولَى فَتَنْقَلِبَ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً وَهَذَا مَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الثَّالِثَةِ أَوْ مِنْ الرَّابِعَةِ،
فَإِنْ عَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تَتَمَحَّضُ الزِّيَادَةُ فَيَسْجُدُ بَعْدَ سَلَامِهِ،
وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ وَهُوَ فِي الْجَلْسَةِ الْوُسْطَى مَثَلًا أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ هُنَا بَعْدِيٌّ لِتَمَحُّضِ الزِّيَادَةِ وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً وَإِلَّا فَلَا يَسْجُدُ، كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ السَّهْوِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ يَصِيرُ مَطْلُوبًا بِمَا يُطْلَبُ بِهِ الْإِمَامُ فَيُطْلَبُ حِينَئِذٍ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً وَعَلَى هَذَا فَيُقَيَّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي السَّهْوِ بِغَيْرِ مَا هُنَا وَحَيْثُ كَانَ السُّجُودُ بَعْدِيًّا لِتَمَحُّضِ الزِّيَادَةِ فَمَحَلُّهُ بَعْدَ سَلَامِ الْمُسْتَخْلَفِ وَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ فِيمَا اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَوْ فِيمَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءُ نَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ أَجْزَأَهُ لِذَلِكَ سُجُودُ الْإِمَامِ،
فَإِنْ كَانَ سَهْوُهُ بِزِيَادَةٍ كَسَهْوِ الْإِمَامِ فَوَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ بِنَقْصٍ فَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَنْقَلِبُ لَهُمَا قَبْلِيًّا. وَظَاهِرُ مَا فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الظَّرْفَ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ " بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " سَجَدَ " قَالَ بَعْضٌ: وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ " إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ " لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رُجُوعُ الشَّرْطِ لَهُ إذْ يَصِيرُ التَّرْكِيبُ هَكَذَا " وَسَجَدَ قَبْلَهُ بَعْدَ صَلَاةِ إمَامِهِ إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ " فَيُوهِمُ أَنَّهُ عِنْدَ تَمَحُّضِ الزِّيَادَةِ يَسْجُدُ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ فَاسِدٌ
وَلَمَّا كَانَتْ الْفَرِيضَةُ تَقَعُ مَرَّةً تَامَّةً غَيْرَ مَجْمُوعَةٍ مَعَ فَرْضٍ آخَرَ وَمَجْمُوعَةً وَمَرَّةً مَقْصُورَةً مَجْمُوعَةً وَغَيْرَ مَجْمُوعَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ التَّامَّةِ غَيْرِ الْمَجْمُوعَةِ شَرَعَ فِيمَا عَدَاهَا مُبْتَدِئًا بِبَيَانِ حُكْمِ الْقَصْرِ فَقَالَ (فَصْلٌ) سُنَّ لِمُسَافِرٍ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْمُسَافِرَ سَفَرًا طَوِيلًا أَرْبَعَةَ بُرُدٍ فَأَكْثَرَ كُلُّ بَرِيدٍ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ كُلُّ مِيلٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعُ مَا بَيْنَ طَرَفِ طَيِّ الْمِرْفَقِ إلَى طَرَفِ الْأُصْبُعِ الْوُسْطَى كُلُّ ذِرَاعٍ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ إصْبَعًا كُلُّ إصْبَعٍ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ بَطْنُ إحْدَاهَا إلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى كُلُّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ أَنْ يَقْصُرَ الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ حَيْثُ كَانَ غَيْرَ عَاصٍ بِسَفَرِهِ أَوْ لَاهٍ فَيُمْنَعُ قَصْرُ الْعَاصِي كَالْآبِقِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ مَا لَمْ يَتُبْ فَإِنْ تَابَ قَصَرَ وَيُنْظَرُ لِلْمَسَافَةِ مِنْ وَقْتِ التَّوْبَةِ وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِهِ أَنَّ الْعَاصِيَ فِيهِ يَقْصُرُ وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا وَفِي قَصْرِ الْعَاصِي قَوْلَانِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَفِي اللَّاهِي قَوْلَانِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ
وَالرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ فِي الْعَاصِي وَالْكَرَاهَةُ فِي اللَّاهِي
فَلَوْ قَصَرَ الْعَاصِي أَعَادَ أَبَدًا عَلَى الرَّاجِحِ وَإِنْ قَصَرَ اللَّاهِي أَعَادَ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ ق
(قَوْلُهُ: سُجُودُ الْإِمَامِ) أَيْ: الْبَعْدِيُّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ سَهْوُهُ بِزِيَادَةٍ)
أَيْ: كَانَ فِيمَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءٌ أَوْ كَانَ فِيمَا اُسْتُخْلِفَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ بِنَقْصٍ أَيْ: كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: يَنْقَلِبُ لَهُمَا قَبْلِيًّا) أَيْ: لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْلُومَةِ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ يُغَلَّبُ جَانِبُ النَّقْصِ عَلَى جَانِبِ الزِّيَادَةِ.
(قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ) أَيْ: بَلْ يَكْتَفِي بِالسُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْ: الَّذِي هُوَ لِزِيَادَةِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ وَانْظُرْ لِمَ كَانَ النَّقْصُ الَّذِي حَصَلَ فِيمَا اُسْتُخْلِفَ عَلَيْهِ يُبْقِيهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهَلَّا فَعَلَهُ عَقِبَ كَمَالِ صَلَاةِ الْإِمَامِ مِثْلَ السَّهْوِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ نَظَرَ فِيهِ لِفِعْلِهِ هُوَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فِي السُّجُودِ بَعْدَ إكْمَالِ صَلَاةِ الْمُسْتَخْلَفِ بِالْفَتْحِ مِنْ كَوْنِهِ يَسْجُدُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ إنَّمَا هُوَ فِي مَحْضِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْإِمَامِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى الْأَصْلِ سُجُودًا بِنَقْصٍ ثُمَّ سَهَا الْمُسْتَخْلَفُ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ فِيمَا كَمَّلَهُ مِنْ صَلَاةِ إمَامِهِ فَإِنَّ سُجُودَهُ لِإِمَامِهِ يُغْنِيهِ عَنْ سُجُودِهِ هُوَ أَيْ: بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَيَبْقَى مَا إذَا حَصَلَ لِلْمُسْتَخْلَفِ سَهْوٌ فِيمَا يَأْتِي بِهِ قَضَاءً فَإِنَّهُمْ لَا يَسْجُدُونَ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِنَقْصٍ أَوْ زِيَادَةٍ هَذَا كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْحَطَّابِ [فَصْلٌ صَلَاة الْمُسَافِر] (فَصْلٌ صَلَاةُ الْمُسَافِرِ)
(قَوْلُهُ غَيْرِ عَاصٍ بِهِ) صِفَةٌ لِمُسَافِرٍ أَيْ مُرِيدِ السَّفَرِ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
(تَنْبِيهٌ) : السَّفَرُ لُغَةً قَطْعُ الْمَسَافَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِسْفَارِ وَمِنْهُ أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا أَظْهَرَتْهُ وَأَسْفَرَ الصُّبْحُ ظَهَرَ؛ لِأَنَّهُ لِمَشَقَّتِهِ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ وَقَوْلُهُ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ مَعْمُولٌ لِمُسَافِرٍ وَلَوْ قَطَعَهَا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ طَارَ مَثَلًا
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لَا تَقْرِيبٌ فَلَا يَجُوزُ الْقَصْرُ فِيمَا دُونَهَا
(قَوْلُهُ: أَرْبَعَةَ بُرُدٍ) وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ وَبِاعْتِبَارِ الزَّمَانِ مَرْحَلَتَانِ أَيْ سَيْرَ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ بِسَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ كَمَا فِي الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ أَوْ سَفَرَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْحَيَوَانَاتِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ عَلَى الْمُعْتَادِ كَمَا لِلشَّاذِلِيِّ وَظَاهِرُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ الرَّاجِحُ
قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ، وَانْظُرْ هَلْ يُحْسَبُ الْيَوْمَانِ مِنْ الْفَجْرِ أَوْ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ.
(قَوْلُهُ: كُلَّ مِيلٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ) قِيلَ وَمُفَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الْمِيلَ سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَالذِّرَاعَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً وَالْمُرَادُ بِهِ الذِّرَاعُ الْهَاشِمِيُّ وَالْأُصْبُعُ سِتُّ شُعَيْرَاتٍ مُعْتَدِلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ وَكُلُّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الْبِرْذَوْنِ وَالذِّرَاعُ الْهَاشِمِيُّ يَنْقُصُ عَنْ الذِّرَاعِ الْحَدِيدِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ الثَّمَنُ فَتَكُونُ السِّتَّةُ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ وَسَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا بِالْحَدِيدِ
(قَوْلُهُ: كُلُّ شُعَيْرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتٍ) كَذَا قَالَ الْقَرَافِيُّ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الشُّعَيْرَةَ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ كَوْنُ بَطْنِ إحْدَاهُمَا لِظَهْرِ الْأُخْرَى لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشُّعَيْرَةَ بِهَذَا الْوَصْفِ تَكُونُ عَلَى جَنْبِهَا وَهَذَا لَا يَسَعُ السِّتَّ شَعَرَاتٍ وَإِنَّمَا يَسَعُهَا ظَهْرُهَا أَوْ بَطْنُهَا كَمَا هُوَ نَقْلُ النَّوَوِيِّ
(قَوْلُهُ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ) أَيْ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ سُنَّةَ عَيْنٍ مُؤَكَّدَةً وَفِي آكَدِيَّتِهَا عَلَى سُنَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَكْسِهِ قَوْلَا ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ
(قَوْلُهُ: غَيْرِ عَاصٍ بِسَفَرِهِ) وَأَمَّا الْعَاصِي فِيهِ كَالزَّانِي وَشَارِبِ الْخَمْرِ فَيُقْصِرُ اتِّفَاقًا وَلَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْعَاصِي مِنْ الْقَصْرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِصْيَانُهُ مَدْخُولًا عَلَيْهِ أَوْ طَارِئًا
فَلَوْ عَصَى بِالسَّفَرِ فِي أَثْنَائِهِ أَتَمَّ.
(قَوْلُهُ: بِالْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ) وَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ الْحُرْمَةُ فِي الْعَاصِي وَالْكَرَاهَةُ فِي اللَّاهِي فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَقَصَرَ فَالرَّاجِحُ لَا إعَادَةَ فِيهِمَا
(قَوْلُهُ: فَلَوْ قَصَرَ. . . إلَخْ) الرَّاجِحُ لَا إعَادَةَ فِي الْعَاصِي وَاللَّاهِي
(وَسَجَدَ) الْخَلِيفَةُ الْمَسْبُوقُ فِي الصُّوَرِ الَّتِي عَمِلَ فِيهَا بِقَوْلِ الْإِمَامِ (قَبْلَهُ) أَيْ السَّلَامِ عَقِبَ فَرَاغِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ، وَقَبْلَ قِيَامِهِ لِلْقَضَاءِ (إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ) أَيْ تَنْفَرِدْ (زِيَادَةٌ) بِأَنْ تَمَحَّضَ النَّقْصُ بِأَنْ أَخْبَرَهُ بِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ أَوْ السُّورَةِ أَوْ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ أَوْ نَحْوَهَا أَوْ اجْتَمَعَ نَقْصٌ وَزِيَادَةٌ كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ عَقِبَ عَقْدِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا لِإِحْدَى الْأُولَيَيْنِ بَطَلَتْ، وَصَارَتْ الثَّالِثَةُ ثَانِيَةً، وَقَرَأَهَا بِفَاتِحَةٍ فَقَطْ سِرًّا فَنَقَصَ السُّورَةَ، وَزَادَ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَطَلَتْ أَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فِي قِيَامِ الرَّابِعَةِ أَوْ عَقِبَ عَقْدِهَا لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مِنْ إحْدَى الْأُولَيَيْنِ.
وَمَفْهُومُ إنْ لَمْ تَتَمَحَّضْ زِيَادَةٌ أَنَّهَا إنْ تَمَحَضَّتْ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ أَسْقَطَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا فَالتَّدَارُكُ مُمْكِنٌ وَلَا نَقْصَ مَعَهُ،
وَكَذَا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي الرَّابِعَةِ وَعَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ الثَّالِثَةِ.
وَقَوْلُهُ (بَعْدَ) كَمَالِ (صَلَاةِ إمَامِهِ) أَيْ الْأَصْلِيِّ، وَقَبْلَ قِيَامِهِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ سَجَدَ قَبْلَهُ، وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ سُجُودِ إمَامِهِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ فِيهِ، وَهَذَا نَائِبُهُ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَلَا يَسْجُدُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّهْوِ. وَقَدْ يُقَالُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ يُطْلَبُ بِمَا يُطْلَبُ بِهِ الْإِمَامُ فَيُطْلَبُ بِسُجُودِ السَّهْوِ.
وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ فَهَذَا يُقَيِّدُ مَا سَبَقَ فِي السَّهْوِ. كَذَا فِي عبق وَالْخَرَشِيِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
إن لم تتمحض زيادة، بأن حصل نقص وزيادة. وقوله: بعد صلاة إمامه، متعلق بسجد؛ يعني أنه إذا قلنا إنه يسجد قبل السلام لكون الزيادة لم تتمحض؛ بأن حصل معها نقص، فإنه يسجد بعد كمال صلاة إمامه، وقبل قضاء ما عليه كما إذا أخبره بعد عقد الثالثة أنه أسقط ركوعا مثلا، فإند يسجد بعد كمال صلاة إمامه الذي استخلفه؛ لأن هنا زيادة ونقص السورة لرجوع الثالثة ثانية، أو أخبره بذلك في قيام الرابعة أو بعد عقدها ولو في الجلسة الأخيرة لاحتمال أن يكون من الأوليين، فتنقلب الثالثة ثانية، وهذا ما لم يتبين أنه من الثالثة،
فإن تبين له ذلك سجد بعد السلام لتمحض الزيادة، وهو من مفهوم قوله: "إن لم تتمحض زيادة" ، وتتمحض الزيادة أيضا فيما إذا أخبره قبل عقد الثالثة أنه أسقط ركوعا من الأولى حيث لم يحصل منه سهو فيما بقي من الصلاة، وقوله: بعد صلاة إمامه؛
فإن أخبره بعد كمال صلاة نفسه، فالظاهر أنه لا يضر. قال الشيخ عبد الباقي: منطوق المصنف واضح إذا أدرك مع الأصلي ركعة،
فإن لم يدركها معه لم يسجد قبل على ما تقدم من قوله: "أو قبليا إن لم يلحق ركعة" . وقد يقال بسجوده هنا لنيابته عن الإمام ويقيد ما تقدم بغير المستخلف بالفتح. انتهى. وبحث فيه العلامة محمد بن الحسن. فقال: انظر كيف يتصور هنا عدم إدراك ركعة مع ما تقدم من أنه لا يصح استخلافه إلا إذا أدرك جزءا يعتد به. انتهى. قال جامعه عفا الله عنه: ما قاله الشيخ محمد بن الحسن غير ظاهر؛
لأنه إذا أحرم معه في القيام فوقع العذر للإمام فيه، فإنه أدرك معه جزءا يعتد به فيصح استخلافه، وقد أدرك معه دون ركعة. والله سبحانه أعلم. ولم يأت بقوله: "بعد صلاة إمامه" ، قبل قوله: "إن لم تتمحض زيادة" ، ليلا يتوهم رجوع الشرط له فيوهم أنه عند تمحض الزيادة يسجده قبل كمال صلاة الإمام، وهو فاسد. قاله الشيخ عبد الباقي.
ولو قال عقب صلاة إمامه، بدل بعد لكان أدل على المراد. وما مشى عليه المصنف من أنه يسجد القبلي بعد كمال صلاة إمامه وقبل قيامه لقضاء ما عليه هو المذهب،
وقيل: يسجد بعد كمال صلاة نفسه، وقبل سلامه. وعلى ما مشى عليه المصنف لو سها سهوا يوجب السجود قبل السلام أو بعده سجده وحده ولا يسجدون معه: لأن صلاتهم قد تمت.
ولو سها في بقية صلاة الإمام بزيادة أو نقص سجد لسهو الإمام بالنقص: وكفاه عن سهوه.
وأما إن كان سهو زيادة فلا يسجدها المستخلف إلا بعد إكمال صلاته،
وإن سها المستخلف المسبوق فيما استخلفه عليه الإمام أو فيما يأتي به قضاء كان سهوه بزيادة أو نقص: أجزأه سجوده لسهو الإمام. هذا قول ابن القاسم.
وقال غيره: إذا كان سجود الأول بزيادة، وسجود المستخلف بنقص، فإنه يسجد بهم قبل السلام ويجزئهم للسهوين. انتهى جميعه من النوادر بالمعنى. والله أعلم. وانظر قول ابن القاسم هذا مع قوله: إن المسبوق إذا ترتب على الإمام سجود بعدي ثم سها المسبوق بنقص، أنه يسجد قبل السلام. والله تعالى أعلم. قاله الإمام الحطاب.
ونظم بعضهم هذا الأخير فقال: وَمَن لَّهُ القَبلِيُّ مَعْ بَعْدِيِّ … إمَامِهِ اجتَزأ بالقَبْلِيِّ ومن صُوَرِ مسألة المصنف أن يدخل المسبوق مع الإمام في قيام الثالثة من الرباعية مثلا، فيستخلفه فيها، فيخبره وهو قائم في الرابعة أنه أسقط ركوعا من إحدى الأوليين، فتصير تلك ثالثة على المشهور من تحول الركعات فيكملونها، ثم يأتي المستخلف بالفتح ومن لم يعلم خلاف قول الإمام برابعة، ويتشهد ويسجد الجميع للسهو، ثم يقوم وحده لركعة القضاء، فيقرأ فيها بالفاتحة وسورة ويتشهد، ويسلم الجميع بسلامه، ويصير إنما استخلف على الثانية.
وأما من علم خلاف قوله: فلا يتبعه في القيام لرابعة الإمام بل يجلس إلى أن يسلم معه، وإنما يتشهد بعد رابعة الإمام.
ولو فرَّعْنا على الشاذ من عدم تحول الركعات لأتى بعد كمال التي هو فيها بركعة بالفاتحة وسورة قضاء عن الفاسدة من الأوليين وتشهد ثم قام لركعة القضاء وسلم، وسجد بعد السلام لتمحض الزيادة، ويتبعه أيضا من لم يعلم خلاف قول الإمام، لا من علم ذلك،
فيجلس حتى يسلم مع الإمام: وإلى هذه الصورة أشار الشيخ ابن عرفة بقوله: محمد: ولو استخلف من فاتته ركعتان على ركعتين، فقال له الأول بعد صلاة ركعة: أسقطت سجدة من الأوليين، صارت الثالثة ثانية؛ وهو لم يجلس عليها، فليصل بهم ركعتين بناء، فيتشهد فيسجد بهم قبل، فيأتي بركعة قضاء، فيسلم بهم. انتهى قوله. وهو لم يجلس عليها؛ أي لأنه لم يخبره إلا بعد أن قام للرابعة، وكلامه مبني على تحول الركعات.
ومن صورها أيضا أن يخبره في هذا المثال بذلك بعد أن صلى بهم ركعتين بقية الصلاة وهو في التشهد، فيقوم هو ومن لم يعلم خلاف قول الإمام، فيصلي بهم ركعة بأم القرآن فقط، ويتشهد ويسجد ويسجدون معه كلهم، ثم يقوم وحده لركعة القضاء. ويسلم الجميع بسلامه.
وأما من علم خلاف ذلك فيجلس إلى أن يسلم معه، وهذا إذا جزم الإمام الأول بالإسقاط،
فإن قال أشك فيها، قرأ فيها بأم القرآن وسورة ولو استخلف على ركعتين؛ وهو غير مسبوق، فصلاهما فأخبره أنه أسقط سجدة من إحدى الأوليين وتذكر هذا المستخلف بالفتح سجدة من إحدى الأخريين، سجد لاحتمال كونها من الرابعة، وتشهد، وأتى بركعتين بالفاتحة فقط، ويسجد قبل؛ لأنه لم يتحقق إلا ركعتين لبطلان إحدى الأوليين واحتمال بطلان الثالثة، فرجعت الثالثة ثانية.
ومن صُوَرِهَا أيضا أن يخبره بذلك بعد قضاء ركعة من اللتين سبق بهما في المثال المذكور، فتصير رابعة الإمام، ويتشهد عقبها، ويسجد الجميع هو وهم، ثم يقوم وحده لركعة القضاء ويتشهد ويسلم، ويسلم معه من علم خلاف قول الإمام،
ومن لم يعلم خلافه صلى بعد سلام المستخلف بالفتح ركعة بالفاتحة فقط لتحول ركعاتهم.
وإلى ذلك أشار الشيخ ابن عرفة بقوله: ولو قال له بعد قضائه ركعة فقط، جلس فتشهد فسجد بهم كما كان يفعل الأول، وصلوا بعد قضائه بناء. انتهى.
ومن صُوَرِهَا أن يخبره بذلك بعد أن قضى الركعتين اللتين سبق بهما فصلاة المستخلف بالفتح تامة؛ لأنه صلى بالناس ركعتين، وقضى ركعتين، فيسجد قبل السلام ويسجدون كلهم معه، ثم يسلم ويسلم معه من علم خلاف قول الإمام ويأتي من لم يعلم خلافه بعد سلام المستخلف بركعة بالفاتحة فقط، ثم يسجد بعد السلام أيضا من شك منهم في السقوط،
وكذا من تيقن عدم السقوط لتحقق الزيادة في صلاة إمامه، لا من تيقن السقوط إذ لا زيادة عنده. والسجود في الصور الثلاث قبل هذه قبلي، وفيها قبلي وبعدي. كما علمت.
ومن صورها أن يدركه في الثالثة ويستخلفه فيها ويخبره إذ ذاك بإسقاطه سجدة من إحدى الأوليين لم يدر عينها، فيسجد لعل محلها لم يفت، ويبني على ركعة لاحتمال كون الترك من الأولى فليس عنده محقق إلا ركعة واحدة، فيصلي بهم ثلاثا بانيا على واحدة، ويتشهد وينتظرون قضاء ركعة، ويسلم ويسلمون، ويسجدون بعد لتمحض الزيادة، ويعيد من خلفه صلاتهم لاحتمال كونها من الثانية فتبطل صلاتهم باتباعه لبطلان الاستخلاف؛ لأنه لم يدرك جزءا يعتد به،
ولو لم يتبعوه أعادوا أيضا الاحتمال وجوب اتباعهم له، وتقديم غيره أولى، وتعليل الشيخ أبي محمد البطلان فيما إذا اتبعوه غير ظاهر والله سبحانه أعلم.
ومن صورها أيضا أن يدخل المسبوق مع الإمام في الرابعة فاستخلفه فيها، فبعد أن صلاها وجلس للتشهد أخبره الإمام بإسقاط ركوع من الثالثة، فيقوم ويأتي بركعة بأم القرآن فقط اتفاقا؛ لأنها
إما رابعة على الانقلاب، أو ثالثة على مقابله الشاذ. ويتشهد عقبها، ويتبعه في ذلك من لم يعلم خلاف قول الإمام. ثم يقوم وحده لقضاء ما فاته، ثم يسلم ويسلمون،
ومن علم خلاف قوله يستمر جالسا إلى أن يسلم بسلامه أيضا، ثم يسجدون كلهم بعد السلام للزيادة حتى من علم خلاف قول الإمام لترتب السجود على إمامه. والله تعالى أعلم. فالسجود في هذه والتى قبلها بعدي كما علمت. وعن هاتين الصورتين وما أشبههما احترز المصنف بقوله: "إن لم تتمحض زيادة" ، وكلام المصنف قابل لأكثر من هذا؛
لأن المتروك: إما ركوع، أو سجود، أو قراءة الفاتحة،
وفي كل منها، إما أن يستخلفه في قيام الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة. فهذه تسع صور،
وفي كل منها إما أن يخبره بالإسقاط وقت الاستخلاف، أو بعد أن صلى ركعة، أو ركعتين، أو ثلاثا، أو أربعا. فهذه خمس صور،
فإذا ضربت في التسع خرج خمس وأربعون صورة وكلها مع تحقق الإسقاط.
فلو قال له الإمام: أشك أني تركت. كذا، جاءت الصور كلها. فالمجموع تسعون صورة، إلا أن بعضها يبطل فيه الاستخلاف على المشهور تحقيقا، كما إذا أدرك الثانية فاستخلفه فيها،
وقال لد: أسقطت سجودا، فيسجده المستخلف لإصلاح الأولى، ويبني عليها حتى يكمل صلاة إمامه، ثم يقضيها وتصح صلاته وحده دون من ائتم به؛ إذ لم يدرك جزءا يعتد به،
ويصح استخلافه على مقابل المشهور من أنه لا يشترط في صحة الاستخلاف إدراك المستخلف بالفتح جزءا يعتد به،
وفي بعضها يبطل الاستخلاف على احتمال، كما مر في الصورة الخامسة. انظر شرح الشيخ ميارة. والله سبحانه أعلم.
ولما كانت الفريضة تقع تامة غير مجموعة مع فريضة أخرى: ومجموعة ومقصورة كذلك، وفرغ من الكلام على الوجه الأول، شرع في بقية الأوجه مبتدئا ببيان حكم القصر، فقال: فصل: يذكر فيه حكم صلاة السفر، والمسافة التي تقصر فيها الصلاة، والجمع للصلاتين، وغير ذلك. والسَّفَرُ لغة: قطع المسافة، مأخوذ من الإسفار، ومنه أسفرت المرأة عن وجهها أظهرته، وأسفر الصبح ظهر؛ لأنه لمشقته يسفر عن أخلاق الرجال. قاله الشيخ إبراهيم.
وفي القاموس: سفر الصبح يسفر: أشرق كاسفر، والمرأة عن وجهها كشفته؛ فهي سافرة. واعلم أن الناس قد صنفوا في آداب السفر، وأكثروا وطولوا واقتصروا، ومدار ذلك على أن المسافر تتعين عليه خمسة أشياء. أولها: النظر في حكم سفره فإن كان مباحا أو واجبا أو مندوبا قدم عليه، وإلا فلا. ثانيها: أن يستخير الله تعالى ويستشير فيه أهل المعرفة به ما لم يكن واجبا في الحال فلا استخارة ولا استشارة. الثالث: أن يتعلم ما يلزمه في سفره من أحكام التيمم والقبلة والجمع والقصر ونحو ذلك.
الرابع: أن يتخير صديقا صالحا لرفقته إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ويعزم على إسعافه واتباعه إلا فيما بان غيه. الخامس: أن يستعمل الآداب المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلماء الأمة، وأول ذلك أن لا يخرج من بيته حتى لا يبقى عليه ما يمكنه أداؤه من دين، أو نفقة، أو رد مظلمة، أو غير ذلك؛ إذ لعله لا يرجع، ويوصي فيما لابد له منه، ويترك لأهله كفايتهم قدر وسعه.
وإلا فلهم من لا تضيع ودائعه، فيستودع الله صغيرهم وكبيرهم بعزم صحيح: وقلب صادق، عالما أنه أرحم بهم منه، كما وقع للشيخ أبي الفضل حين عزم على الحج، كتب رقعة ودفعها إلى أهله، فقال لهم: الذي كتبت له هذه الرقعة، فلما خرج جاءهم رجل فقرأها وكان يقوم لهم بما يحتاجون حتى كان يوم دخول الشيخ قطع ذلك عنهم، ولا علم لهم به فدخل الشيخ فسألهم عن حالهم فذكروا له الحكاية، فقال هاتوا الورقة فأتوا بها فإذا فيها مكتوب: إن الذي وجهت وجهي له … هو الذي خلفت في أهلي فإنه أرفق مني بهم … وفضله أوسع من فضلي فإذا تحقق هذا وحققه صلى ركعتين عند خروجه ليحفظ في أهله حتى يرجع كما ورد في الحديث ثم يقرأ آية الكرسي فإنها أمان له حتى يرجع إليهم، ثم يقول: (اللهم زودني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت (٢) )، (ويختار لسفره يوم الخميس، فهو السنة (٣) )، وإلا فيوم الاثنين، وإلا فالأيام كلها لله.
فإذا أراد الخروج ودع أهله وودعوه،
وكذا أقاربه وأصحابه، ويقول لهم في ذلك: (إن الله إذا استودع شيئا حفظه (٤) )، (أستودع الله دينك وأمانتك، وخواتم عملك (٥) )، (وزودك الله التقوى وغفر ذنبك (٦) )، ووجهك للخير أينما توجهت،
فإذا أراد الركوب قال: (بسم الله) اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء النظر في الأهل والمال. قوله: في الحديث: أنت الصاحب في السفر؛ أي الحافظ فيه، وقوله: والخليفة في الأهل؛ أي الوكيل، بمعنى الرازق لهم، وقوله: من وعثاء السفر بسكون العين المهملة؛ أي مشقة، وقوله: كآبة بفتح الكاف والهمز والمد، وقوله: المنقلب بضم الميم وسكون النون وفتح اللام وباء موحدة؛
أي أعوذ بك أن أنقلب إلى ما يقتضي كآبة؛ أي سوء حال من فوات ما أريد أو وقوع ما أحذر، وقوله: سوء المنظر؛ أي ما يسوءني النظر إليه، ويقول (إذا استوى على الدابة) : {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}. وأنكر ابن الحاج الأذان خلف المسافر عند وداعه،
وكذا الإقامة، وقال: إنه بدعة. ولْيُلازِمْ في سفره: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} مساء وصباحا، فإنها أمان من وحشة السفر وخوفه، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ} ، والإخلاص، والمعوذات ثلاثا صباحا وثلاثا مساء؛ فإنها بركة عظيمة مجربة في السفر والوجاهة،
وإذا أتى بلدا أو قرية كبر ثلاثا ثم قال: (اللهم بارك لنا فيها، اللهم حببنا إلى أهلها وحبب صالح أهلها إلينا (١) )،
وإن وضع يده على سورها عند دخولها وقرأ: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} يكرر آخرها ثلاثا لم يزل بها طاعما آمنا بفضل الله،
وإذا اتقى على رحله لَيْلاً يدور به وهو يقرأ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} حتى يأتي موضعه، فإنه أمان له. وذكر لي بعض العلماء حفيظة لمن أراد نجاته تكتب وتجعل في الرحل، ونصها: حسبي الله من كل شيء، الله يغلب كل شيء. ولا يقف لأمر الله شيء. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. نقله ابن زكري.
وقال الأقفهسي في شرح الرسالة: السفر عند الصوفية على قسْمَيْنِ: سفر الظاهر، وسفر الباطن. فسَفَرُ الباطن السفر في نعم الله والتفكر في مخلوقاته، وسفر الظاهر على قسمين: سفر طلب وسفر هرب، فسفر الهرب واجب؛ وهو إذا كان في بلد يكثر فيه الحرام ويقل فيه الحلال،
وكذلك يجب عليه الهروب من موضع يشاهد فيه المنكر من شرب خمر وغير ذلك من سائر المحرمات إلى موضع لا يشهد فيه ذلك:
وكذلك يجب عليه الهروب من بلد أو موضع يُذِلُّ فيه نفسه إلى بلد أو موضع يعز فيه نفسه؛ (لأن المؤمن لا يذل نفسه (٢) ).
وكذلك يجب عليه الهروب من بلد لا علم فيه إلى بلد فيه العلم،
وكذلك يجب عليه الهروب من بلد يسمع فيه سب الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولو مكة والمدينة: فهذا سفر الهروب.
وأمَّا سَفَرُ الطلب فهو على قسمين: واجب كسفر الحج للفريضة والجهاد إذا تعين، ومندوب؛ وهو ما يتعلق بالطاضة وقربة لله سبحانه وتعالى، كالسفر لبر الوالدين، أو لصلة الرحم، أو للتفكر في مخلوقات الله تعالى ومباح وهو سفر التجارة، ومكروه وهو صيد اللهو، وممنوع وهو سفر لمعصية الله تعالى. والسَّفَرُ الذي تقصر فيه الصلاة هو الواجب، والمندوب، والمباح.
تنبيه، اعلم أنه لا خلاف بين الأئمة في جواز التنفل للمسافر بالليل،
وأما في النهار فالمشهور عن جميع السلف جوازه، وبه قال الأئمة الأربعة: وروى مالك في الموطإ عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه لم يكن يصلي مع صلاة الفريضة في السفر شيئا قبلها ولا بعدها، إلا من جوف الليل، (فإنه كان يصلي على الأرض وعلى راحلته حيث توجهت )، ورأى بعد أن صلى الظهر في السفر ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال الراوي: قلت يسبحون؛ يعني يتنفلون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وصحبت أبا بكر وعمر وعثمان كذلك؛
أي فلم يزد كل على ركعتين ركعتين ثم قرأ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، وقد علمت أن المشهور عن جميع السلف جوازه، وبه قال الأئمة الأربعة، قال النووي تبعا لغيره: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في رحله ولا يراه ابن عمر، ولعله تركه في بعض الأوقات لبيان الجواز. وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان ربما يتنفل في السفر، قال البراء: (سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سفرة فما رأيته يترك الركعتين قبل الظهر (٢) )، رواه أبو داوود والترمذي، قال مالك: إنه بلغة أن القاسم بن محمد وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي كانوا يتنفلون في السفر، ظاهره ليلا ونهارا، قال يحيى: وسئل مالك عن النافلة في السفر، فقال: لا بأس بذلك بالليل والنهار. انظر الزرقاني.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.