ووجب كالسعي قبل عرفة إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يردف بحرم
Its commentaries
(وَوَجَبَ) أَيْ الطَّوَافُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا طَوَافُ الْقُدُومِ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ (كَالسَّعْيِ) أَيْ كَمَا يَجِبُ السَّعْيُ أَيْ تَقْدِيمُهُ (قَبْلَ عَرَفَةَ) وَلِذَلِكَ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ فِيهِمَا أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ (إنْ أَحْرَمَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مُفْرِدًا، أَوْ قَارِنًا (مِنْ الْحِلِّ) وَلَوْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ خَرَجَ إلَيْهِ (وَلَمْ يُرَاهَقْ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ لَمْ يُزَاحِمْهُ الْوَقْتُ وَبِكَسْرِهَا أَيْ لَمْ يُقَارِبْ الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ اشْتَغَلَ بِالْقُدُومِ فَإِنْ خَشِيَهُ خَرَجَ لِعَرَفَةَ وَتَرَكَهُ (وَلَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ (بِحَرَمٍ وَإِلَّا) بِأَنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ) فَاعِلُ وَجَبَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ؛ لِأَنَّهُ،
وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ. لَهُ الذِّكْرُ لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْحَجِّ طَوَافٌ قَبْلَ عَرَفَةَ إلَّا طَوَافَ الْقُدُومِ
وَأَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ فَمُؤَخَّرَانِ عَنْ عَرَفَةَ اهـ عَدَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ تَقْدِيمُهُ) أَيْ وَأَمَّا ذَاتُهُ فَهِيَ رُكْنٌ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ عَرَفَةَ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَجَبَ أَيْ وَوَجَبَ الطَّوَافُ بِعَرَفَةَ كَمَا يَجِبُ تَقْدِيمُ السَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ فَقَوْلُهُ: كَالسَّعْيِ تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْقَبْلِيَّةِ فَقَطْ وَلَيْسَ تَشْبِيهًا تَامًّا لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَالسَّعْيَ رُكْنٌ.
(قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ) أَيْ لِوُجُوبِ طَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ عَرَفَةَ وَوُجُوبِ تَقْدِيمِ السَّعْيِ قَبْلَهَا شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ
وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ رَاجِعَةٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ
وَلِمَا قَبْلَهَا لَا لِمَا بَعْدَهَا فَقَطْ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) أَيْ إنْ أَحْرَمَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ مِنْ الْحِلِّ بِالْفِعْلِ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْهُ وَاجِبًا كَالْآفَاقِيِّ الْقَادِمِ مِنْ بَلَدِهِ سَوَاءٌ أَحْرَمَ مُفْرِدًا، أَوْ قَارِنًا وَكَالْمُقِيمِ بِمَكَّةَ إذَا أَرَادَ الْقِرَانَ وَخَرَجَ لِلْحِلِّ وَأَحْرَمَ مِنْهُ أَوْ مَنْدُوبًا كَالْمُقِيمِ بِمَكَّةَ إذَا كَانَ مَعَهُ نَفْسٌ مِنْ الْوَقْتِ وَخَرَجَ لِلْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ مُفْرِدًا.
(قَوْلُهُ: وَتَرَكَهُ) أَيْ وَأَخَّرَ السَّعْيَ لِلْإِفَاضَةِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُرْدِفْ أَصْلًا بِأَنْ كَانَ مُفْرِدًا، أَوْ أَرْدَفَ بِحِلٍّ قِيلَ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرْدَفَ بِالْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمُصَنِّفَ أَتَى بِهَذَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ اعْتِبَارِ الْإِحْرَامِ الْأَصْلِيِّ فَتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ إلَخْ) وَذَلِكَ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِحَرَمٍ، أَوْ أَرْدَفَ فِيهِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ رَاهَقَ أَيْ ضَاقَ الزَّمَنُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوُقُوفِ إنْ اشْتَغَلَ بِالْقُدُومِ.
ص (وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ) ش لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَكَانَ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الطَّوَافَ الرُّكْنِيَّ فِي الْحَجِّ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَأَنَّهُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ يَجِبُ فِي الْحَجِّ أَيْضًا عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَحِلَّهُ قَبْلَ عَرَفَةَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ،
وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَقْدِيمُ السَّعْيِ مَعَهُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ فَأَفَادَ كَلَامُهُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّوَافَ وَاجِبٌ وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ
فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ طَوَافَ الْقُدُومِ وَاجِبًا فَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالرِّسَالَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَغَيْرُهُ وَقَبَلُوهُ،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ الْوُجُوبَ وَزَعَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ،
وَأَنَّ إطْلَاقَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِمَنْ تَأَمَّلَ لَفْظَهُ مَعَ تَكْرَارِهِ لِذَلِكَ وَاعْلَمْ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ الَّتِي اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فِيهَا فَمِنْهُمْ مِنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالْوُجُوبِ وَبَعْضُهُمْ بِالسُّنَّةِ وَالتَّحْقِيقُ فِيهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ،
وَأَنَّ فِي إطْلَاقِ السُّنَّةِ عَلَيْهَا مُسَامَحَةً، كَمَا بَيَّنْتُ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ،
وَفِي الْكِتَابِ الَّذِي جَمَعْتُهُ فِي الْمَنَاسِكَ الْمُسَمَّى هِدَايَةُ السَّالِكِ الْمُحْتَاجِ إلَى بَيَانِ أَفْعَالِ الْمُعْتَمَرِ وَالْحَاجِّ،
وَفِي قَوْلِهِ: وَجَبَ إشَارَةٌ إلَى الْمُغَايِرَةِ بَيْنَ هَذَا الطَّوَافِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ،
فَإِنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ، وَهَذَا وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ،
أَمَّا كَوْنُهُ يَجِبُ إيقَاعُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ،
وَكَذَا إيقَاعُ السَّعْيِ بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ مَحِلُّهُمَا اتِّفَاقًا فَمَنْ تَرَكَهُ أَوْ تَرَكَ تَقْدِيمَ السَّعْيِ بَعْدَهُ، وَكَانَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ، وَلَيْسَ بِمُرَاهِقٍ، وَلَا حَائِضٍ، وَلَا نَاسٍ فَعَلَيْهِ الدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَوْضِيحِهِ وَمَنَاسِكِهِ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي سُقُوطِ الدَّمِ قَوْلَيْنِ، وَعَزَا السُّقُوطَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَعَزَا فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِاللُّزُومِ لِابْنِ الْجَلَّابِ وَالْأَبْهَرِيِّ،
وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَاللَّخْمِيِّ وَالتُّونُسِيِّ نَاسِيهِ كَعَامِدِهِ انْتَهَى.
وَفِي كَلَامِ أَبِي إِسْحَاقَ التُّونُسِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الدَّمِ وَصَرَّحَ ابْنُ الْجَلَّابِ بِأَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا دَمَ عَلَيْهِ قَالَ،
وَإِنْ تَرَكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ نَاسِيًا، وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ مُرَاهِقٍ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّمُ
بِخِلَافِ الْمُرَاهِقِ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ. ص (إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) ش: يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْحِلِّ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَتَعْجِيلُ السَّعْيِ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُقِيمِينَ إذَا خَرَجُوا لِلْحِلِّ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَهُمَا أَيْ: الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَاجِبَانِ قَبْلَ عَرَفَةَ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ غَيْرَ مُرَاهِقٍ،
وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ حَاضِرًا أَوْ غَيْرَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يُؤْمَرُ بِهِمَا كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَاهِقٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا، وَهُوَ مُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: حَاضِرًا أَوْ غَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ قَادِمٌ عَلَى مَكَّةَ،
وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَوْلُهُ: وَلَوْ خَرَجَ يَعْنِي أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ وَالسَّعْيَ يَجِبَانِ عَلَى الْقَادِمِ الْآفَاقِيِّ، وَعَلَى الْمَكِّيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُقِيمِينَ إذَا خَرَجُوا إلَى الْحِلِّ فَأَحْرَمُوا مِنْهُ ثُمَّ دَخَلُوا إلَى مَكَّةَ انْتَهَى.
وَقَالَ سَنَدٌ: كُلُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَنْزِلِهِ مِنْ الْحَرَمِ فَهُوَ كَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فِي تَأْخِيرِ الطَّوَافِ،
وَإِنْ أَحْرَمَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْحِلِّ فَلْيُعَجِّلُوهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مُرَاهِقِينَ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَقَوْلُهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَلَوْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَيْ: أَنَّهُمَا يَجِبَانِ عَلَى الْقَادِمِ،
وَلَوْ كَانَ مَكِّيًّا خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ لَا مَفْهُومَ لَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ خَرَجَ لِلْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِلْحِلِّ، وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَتَعْجِيلُ السَّعْيِ بَعْدَهُ، كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَوَجَبَ) تَقَدَّمَ نَصُّ عِيَاضٍ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ.
قَالَ: وَطَوَافُ الْقُدُومِ لِغَيْرِ الْمَكِّيِّ سُنَّةٌ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِيهِمَا وَزَادَ: وَطَوَافُ الْوَدَاعِ مُسْتَحَبٌّ.
وَمِنْ مَنَاسِكِ خَلِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: اعْلَمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ وَاجِبَاتُ أَرْكَانٍ الْقِسْمُ الثَّانِي وَاجِبَاتٌ لَيْسَتْ بِأَرْكَانٍ.
وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُعَبِّرُ عَنْهَا بِالسُّنَنِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ سُنَنٌ مُؤَكَّدَةٌ،
وَيَلْزَمُ عَلَى الْأَوَّلِ التَّأْثِيمُ لَكِنْ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ عُلَمَائِنَا هَلْ يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا أَمْ لَا؟ وَأَرَادُوا بِالْوُجُوبِ وُجُوبَ الدَّمِ، وَالْأَمْرُ مُحْتَمَلٌ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ: أَوَّلُهَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، ثَانِيهَا تَرْكُ طَوَافِ الْقُدُومِ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ. (كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) ثُمَّ قَالَ خَلِيلٌ فِي مَنَاسِكِهِ: الثَّانِي عَشَرَ إعَادَةُ السَّعْيِ فِي حَقِّ مَنْ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ وَطَافَ وَسَعَى أَوَّلًا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ عَرَفَاتٍ. (لَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَامٍ) اللَّخْمِيِّ: طَوَافُ الْقُدُومِ يَسْقُطُ عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَعَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا وَعَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَجَّ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا دَمَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ
(ص) وَوَجَبَ كَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ (ش) أَيْ: إنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُ الْقُدُومِ قَبْلَ عَرَفَةَ وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَهُ
وَكَذَا يَجِبُ كَوْنُ السَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ، فَقَوْلُهُ: كَالسَّعْيِ تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْقَبْلِيَّةِ فَقَطْ، وَلَيْسَ تَشْبِيهًا تَامًّا إذْ طَوَافُ الْقُدُومِ لَيْسَ بِرُكْنٍ، وَالسَّعْيُ رُكْنٌ. (ص) إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ وَلَمْ يُرَاهِقْ وَلَمْ يُرْدِفْ بِحَرَمٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ شَرْطَ تَقْدِيمِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ عَرَفَةَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحِلِّ وَأَنْ لَا يُرَاهِقَ وَأَنْ لَا يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِحَرَمٍ،
فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ، أَوْ أَرْدَفَ فِيهِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، أَوْ رَاهَقَ أَيْ: ضَاقَ الزَّمَنُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَخْشَى الْفَوَاتَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّوَافِ فَلَا طَوَافَ قُدُومٍ عَلَى مَنْ ذُكِرَ وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ قَبْلِيَّةُ السَّعْيِ أَيْضًا لِوُجُوبِ إيقَاعِهِ عَقِبَ أَحَدِ طَوَافَيْ الْحَجِّ، وَقَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ طَوَافُ الْقُدُومِ،
وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُمْ قَبْلِيَّةُ السَّعْيِ فَإِنَّهُمْ يَسْعَوْنَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛
لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْبَاقِي مِنْ طَوَافَيْهِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ:(وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ) أَيْ: وَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَا طَوَافَ قُدُومٍ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَسْعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَلَا دَمَ، قَوْلُهُ: وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فِيهِ حَذْفُ الْوَاوِ مَعَ مَا عَطَفَتْ أَيْ: وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَتَرَكَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ حِينَئِذٍ، وَقَوْلُهُ: إنْ أَحْرَمَ إلَخْ شُرُوطٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ
وَلِمَا قَبْلَهَا أَيْ: كَمَا يَجِبُ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ
وَيَصِحُّ فِي يُرَاهِقُ كَسْرُ الْهَاءِ وَفَتْحُهَا أَيْ: يُقَارِبُ الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَخْشَى الْفَوَاتَ إنْ اشْتَغَلَ بِالطَّوَافِ أَيْ: وَلَمْ يَضِقْ زَمَانُهُ.
(قَوْلُهُ: وَوَجَبَ) فَاعِلُ وَجَبَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ عَائِدٌ عَلَى طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْقُدُومِ ذِكْرٌ فَكَيْفَ يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: قَبْلَ عَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ طَوَافٌ لِلْحَجِّ قَبْلَ عَرَفَةَ إلَّا طَوَافَ الْقُدُومِ،
وَأَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَهُوَ مُؤَخَّرٌ عَنْ عَرَفَةَ كَطَوَافِ الْوَدَاعِ
(قَوْلُهُ: وَهَذَا يُفِيدُ وُجُوبَهُ إلَخْ) أَيْ: فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي نَفْسِهِ لَا سُنِّيَّتِهِ وَوُجُوبُ قَبْلِيَّتِهِ لِعَرَفَةَ الَّذِي هُوَ وَجْهُ الشَّبَهِ هَكَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ شَيْءٌ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ سُنَّةٌ كَمَا قِيلَ،
وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَمْ يُعْهَدْ تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ بَيْنَ وَاجِبٍ وَسُنَّةٍ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ تَشْبِيهًا تَامًّا) فِيهِ أَنَّ غَايَةَ مَا يُفْهَمُ مِنْ التَّشْبِيهِ وُجُوبُ الْقَبْلِيَّةِ فَلَا يُعْقَلُ تَمَامٌ حَتَّى يَنْفِيَ فَتَدَبَّرْ.
(تَنْبِيهٌ) : إنَّمَا يَجِبُ طَوَافُ الْقُدُومِ فِي حَقِّ غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَمَجْنُونٍ وَمَغْمِيٍّ عَلَيْهِ وَنَاسٍ إلَّا أَنْ يَزُولَ مَانِعُ كُلٍّ وَيَتَّسِعُ الزَّمَنُ فَيَجِبُ
(قَوْلُهُ: إنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ) أَيْ: أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْفِعْلِ كَانَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَاجِبًا كَالْآفَاقِيِّ الْقَادِمِ مِنْ بَلَدِهِ، أَوْ مَنْدُوبًا كَالْمُقِيمِ فِي مَكَّةَ إذَا كَانَ مَعَهُ نَفَسٌ مِنْ الْوَقْتِ وَخَرَجَ لِلْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ الْإِحْرَامُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ لَكِنْ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وَأَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ) أَيْ: لِكَوْنِهِ مُقِيمًا بِمَكَّةَ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا سَعَى بَعْدَ الْإِفَاضَةِ) مِنْ ذَلِكَ نَاسٍ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ وَمَجْنُونٌ وَمَغْمِيٌّ عَلَيْهِ لَمْ يَزُلْ عُذْرُهُمْ حَتَّى حَصَلَ الْوُقُوفُ أَيْ: أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُمْ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ قَبْلَهُ
(قَوْلُهُ: أَيْ: كَمَا يَجِبُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَكُونُ قَبْلَ الْكَافِ
(قَوْلُهُ: أَيْ: يُقَارِبُ الْوَقْتَ) هَذَا رَاجِعٌ لِقِرَاءَةِ الْكَسْرِ،
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْفَتْحِ فَتُفَسَّرُ بِأَنَّهُ لَمْ يُزَاحِمْهُ الْوَقْتُ
(وَوَجَبَ) الطَّوَافُ عَلَى مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا وَلَيْسَ حَائِضًا وَلَا نُفَسَاءَ وَلَا مَجْنُونًا وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ وَلَا نَاسِيًا وَيُسَمَّى طَوَافَ الْقُدُومِ. وَشَبَّهَ فِي الْوُجُوبِ فَقَالَ (كَ) تَقْدِيمِ (السَّعْيِ) الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجِّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ (قَبْلَ) وُقُوفِ (عَرَفَةَ) فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ تَامًّا إذْ طَوَافُ الْمَقْدُومِ وَاجِبٌ وَالسَّعْيُ رُكْنٌ، فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ وُجُوبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فِي نَفْسِهِ وَوُجُوبَ تَقْدِيمِهِ عَلَى عَرَفَةَ (إنْ أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْعُمْرَةِ (مِنْ الْحِلِّ) وَلَوْ آفَاقِيًّا اتَّسَعَ نَفْسُهُ خَرَجَ لِمِيقَاتِهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَرَمِ لِإِقَامَتِهِ بِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ. (وَ) إنْ (لَمْ يُرَاهِقْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ أَوْ فَتْحِهَا أَيْ: لَمْ يُقَارِبْ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إنْ طَافَ لِلْقُدُومِ،
فَإِنْ رَاهَقَ وَخَشِيَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ (وَ) إنْ (لَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَوْ بَعْدَ فَرَاغِهَا (بِحَرَمٍ) وَأَغْنَى عَنْ هَذَا قَوْلُهُ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَبَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيُ عَقِبَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ
أن طواف القدوم يجب أن يوقع قبل الخروج إلى عرفة، كالسعي؛ يعني أن السعي بين الصفا والمروة وهو من الأركان يجب أن يوقع قبل الخروج إلى عرفة، فقوله: قبل عرفة؛ أي قبل الخروج إلى عرفة متعلق "بوجب" ، فهو راجع للطواف والسعي، والضمير في قوله: "وجب" ، للطواف، والمعين لكونه مرادا به طواف القدوم. قوله: "قبل عرفة" ، قال الإمام الحطاب: واعلم أن طواف القدوم من أفعال الحج التي اختلفت عبارات أهل المذهب فيها، فمنهم من يعبر عنها بالوجوب، وبعضهم يعبر عنها بالسنة، والتحقيق فيها أنها واجبة وأن في إطلاق السنة عليها مسامحة،
وفي التعبير بالوجوب إشارة إلى المغايرة بين طواف القدوم وطواف الإفاضة،
فإن طواف الإفاضة ركن لا يجبر، وطواف القدوم واجب يجبر بالدم كما قال ابن عاشر: الحج فرض مرة في العمر … أركانه إن تركت لم تجبر الإحرام والسعي وقوف عرفه … ليلة الأضحى والطواف ردفه والواجبات غير الأركان بدم … قد جبرت منها طواف من قدم ووصله بالسعي مشي فيهما … وركعتا الطواف إن تحتما نزول مزدلف في رجوعنا … مبيت ليلات ثلاث بمنى إحرام ميقات فذو الحليفه … لطيب والشام ومصر الجحفه قرن لنجد ذات عرق للعراق … يلملم اليمن آتيها وفاق تجرد من المخيط تلبيه … والحلق مع رمي الجمار توفيه وكون طواف القدوم يجب إيقاعه قبل عرفة هو المذهب،
وكذا إيقاع السعي بعده، قال ابن عبد السلام: وهو محلهما اتفاقا،
فمن تركه أو ترك تقديم السعي بعده وكان قد أحرم بالحج من الحل وليس بمراهق ولا حائض ولا ناس فعليه الدم على المشهور،
وإن ترك ذلك ناسيا فلا دم عليه على المشهور. قاله المصنف في توضيحه ومناسكه.
وقال عبد الباقي: وَإِنَّمَا يجب طواف القدوم في حق غير حائض ونُفَسَاءَ وَمَجْنُونٍ ومُغْمَى عليه وَنَاسٍ إلا أن يزول مانع كل ويتسع الزمن. وقوله: "كالسعي" ، تشبيه تام؛ إذ طواف القدوم واجبٌ والسعي ركن، وأفاد المصنف بقوله: "ووجب" الخ، وجوب طواف القدوم ووجوب قبليته أي كونه قبل عرفة، فالتشبيه إذا في وجوب القبلية لا في كيفية وجوب الطواف للقدوم؛ لأن السعي في نفسه ركن، وكونه قبل عرفة واجب إن أحرم من الحل؛
يعني أن الشخص إذا أحرم بالحج من الحل مفردا أو قارنا فإنه يجب عليه طواف القدوم وتعجيل السعي بعده قبل الوقوف بعرفة سواء كان آفاقيا أو مكيا أو غيره من المقيمين إذا خرجوا للحل. ابن عبد السلام: ويؤمر بهما يعني طواف القدوم والسعي كل من أحرم بالحل وهو غير مراهق، سواء كان من أهل مكة أو غيرها،
وقال ابن فرحون: طواف القدوم والسعي يجبان على القادم الآفاقي، وعلى المكي وغيره من المقيمين إذا خرجوا إلى الحل فأحرموا منه ثم دخلوا مكة. وعلم مما قررت أن قوله: "إن أحرم من الحل" شرط في الأمرين قبله؛ أعني وجوب الطواف قبل عردة ووجوب السعي قبلها، واحترز بقوله: "من الحل" ، عن المكي وكل من منزلة بالحرم فإنهم يؤخرون الطواف والسعي إذا لم يخرجوا إلى الحل،
فإن أحرموا من الحل قدمُوا طوافهم وسعيهم وصلوا إلى الميقات أم لا،
وأما الآفاقي إذا تعدى للحرم ثم أحرم ولم يرجع فإنه يجب عليه الطواف للقدوم، وهذا وارد على المصنف، وأجاب الأجهوري بأن قوله: "إن أحرم من الحل" معناه: خوطب بالإحرام من الحل وجوبا،
وأما المقيم بمكة وأراد أن يحرم بالحج ومعه نَفَسٌ فإنه إنما يخاطب بالإحرام من الحل ندبا. قاله الشبراخيتي. والله سبحانه أعلم. ولم يراهق؛ يعني أن محل وجوب الطواف والسعي قبل عرفة على من أحرم من الحل إنما هو فيمن لم يضق عليه الوقت؛ بأن يخشى فوات زمن الوقوف بعرفة إذا اشتغل بطواف القدوم والسعي قبل الوقوف بعرفة،
ويصح كسر الهاء من يراهق كما اقتصر عليه الشارح أي لم يقارب الوقت بحيث يخشى فوات الخروج لعرفة إن اشتغل بطواف القدوم، من قولهم: غلام مراهق، إذا قارب الحلم،
ويصح فتح الهاء كما اقتصر عليه التتائي؛ أي لم يزاحمه الوقت.
وفي التوضيح: ومتى يكون الحاج مراهقا، قال أشهب: إن قدم يوم عرفة أحببت تأخير طوافه،
وإن قدم يوم التروية أحببت تعجيله وله في التأخير سعة. ولم يردف بحرم؛ يعني أنه يشترط في وجوب الطواف والسعي قبل عرفة أن يكون الحج غير مردف على العمرة في الحرم بعد فراغها، كما لعبد الباقي؛ بأن يكون أحرم بالحج من الحل مفردا أوأردفه عليها في الحل، فهذا هو الحج الذي يجب فيه الطواف والسعي قبل عرفة، وهذا الشرط يغني عنه قوله: "إن أحرم من الحل" . قاله محمد بن الحسن.
وهو ظاهر. وإلا، بأن اختل شرط من هذه الثلاثة بأن أحرم من الحرم أو روهق أو أردف في الحرم، سعى بين الصفا والمروة بعد فراغه من طواف الإفاضة؛ لأن ذلك موضعه ولا طواف قدوم عليه، ومثل ذلك الناسي والحائض والنفساء والمغمى عليه والمجنون حيث بقي عذرهم حتى حصل الوقوف، أو زال قبل الوقوف بحيث لا يمكنهم الإتيان بالطواف والسعي قبل الوقوف،
وأما إن أمكنهم فإنهم يطوفون ويسعون قبل الوقوف. وقوله: "سعى بعد الإفاضة" . بعده معطوف بالواو محذوف، ففيه حذف الواو مع ما عطفت كما قررت؛ أي ولا طواف قدوم عليه ولا دم في تركه لفقد ما اشترط لوجوبه، وإيضاح كلام المصنف أن تقول: من أحرم بالحرم أو أردف فيه أو روهق لا طواف قدوم عليه، فلذلك يؤخر السعي بين الصفا والمروة إلى أن يطوف للإفاضة، فيسعى بعده لأن السعي بين الصفا والمروة لا بد أن يكون بعد طواف واجب.
وقوله: "يراهق" . ابن فرحون: المراهق هو الذي يضيق وقته عن إيقاع طواف القدوم والسعي وما لابد منه، ويخشى فوات الحج إن تشاغل بذلك، وقد مر قول التوضيح: متى يكون الحاج مراهقا الخ، وتحصل مما مر أن من أحرم بالحج من الحل مفردا وقارنا يجب عليه الطواف والسعي قبل عرفة إن لم يكن مراهقا،
فإن ترك ذلك فعليه الدم،
وإن كان مراهقا فلا دم عليه في ذلك لما علمت،
وكذا حكم من أردف الحج على العمرة في الحل،
ومن أحرم بالحج أو بالقران من الحل ومضى إلى عرفات ولم يدخل مكة وليس بمراهق، بمنزلة من ترك طواف القدوم، فيجب عليه الدم،
ومن أحرم بالقران من مكة أو بالعمرة من مكة ثم أردف عليها حجة وصار قارنا، فإنه يلزمه الخروج للحل على المشهور،
فإذا دخل من الحل لا يطوف ولا يسعى لأنه أحرم من مكة، ومر في حَلِّ قوله: "إن أحرم بالحل" أنه أحرم بالحج مفردا أو قارنا، وظاهر المصنف يشمل ما لو أحرم بالحج من الحل بعد أن تحلل من العمرة في أشهر الحج وهو حقيقة التمتع، فيجب عليه طواف القدوم والسعي قبل عرفة وهو صريح ما مر عن عبد الباقي عند قول المصنف: "ولم يردف بحرم" . والله سبحانه أعلم. وإلَّا، مركب من إن الشرطية ولا النافية وهو راجع للمحذوف بعد قوله: "سعى بعد الإفاضة" ، أي ولا طواف قدوم عليه؛
أي وإن كان هذا الذي أمر بتأخير السعي وفعله بعد فراغه من طواف الإفاضة لم يفعل ما أمر به من تركه للطواف بل طاف، وإنما يكون طوافه تطوعا أو لنذر، فإنه يكون عليه الدم بشرط أن يقدم السعي بين الصفا والمروة إثر طوافه ذلك، ولهذا قال: فدم إن قدم، وإنما يكون عليه الدم إذا رجع لبلده، والحال أنه لم يعد السعي بعد طواف الإفاضة، فقوله: "يعد" ، بضم أوله رباعيا، ومفعوله محذوف كما قررت، ومفهوم قوله: "ولم يعد" ، أنه لوأعاد السعي بعد طواف الإفاضة فإنه لا دم عليه؛
لأنه مأمور بإعادة السعي بعده، فقد أتى بما هو مشروع له. فتحصل من هذا أن هذا الذي طاف تطوعا أو لنذر طواف إنما يكون عليه الدم بشرطين: أَحَدُهُمَا أن يقدم السعي عقب ذلك الطواف، ثانيهما أن لا يعيد السعي بعد طواف الإفاضة، وقد علمت أنه مأمور بالإعادة كما صرح بد الحطاب. وقوله: "ولم يعد" ، يحتمل أن الجملة حالية كما قاله عبد الباقي، ويحتمل أنه عطف على قوله: "إن قدم" .
والله أعلم. وعلم مما قررت أن قوله: "إن قدم" ، له
فائدة، وقوله: "وإلا فدم" اعلم أن هذا الحكم لا يتناول المراهق،
وإن كان ظاهر كلامه أنه يتناوله؛ لأن المراهق إذا قدم الطواف والسعي أجزأه، ولا يؤمر بإعادة السعي لأنه أتى بما هو الأصل في حقه؛ لأن التأخير في حقه رخصة، وقوله: "وإلا فدم" ، علل وجوب الدم بتقديم السعي عن محله الذي هو بعد الإفاضة، وحينئذ فيجب الدم،
ولو أوقع السعي بعد طواف واجب بالنذر كما مر في أول الحل، وجعل بعض الشراح وجوب الدم لوقوع السعي بعد طواف تطوع، وعليه
فلو وقع بعد طواف واجب بالنذر لم يجب عليه دم، وهو مبني على أن الطواف المنذور يصير كطواف القدوم في وقوع السعي بعده، ولا يدخل تحت "وإلا" ما إذا قدم السعي من غير طواف بالكلية ولم يعده بعد الإفاضة؛ لأنه في هذه الحالة لا يُكتفَى بالدم، بل يجب عليه الرجوع من أي محل؛ إذ سعيه في هذه الحالة كلا سعي، لقوله الآتي: "وصحته بتقدم طواف" الخ. وقد مر أن كلام المصنف لا يتناول المراهق المحرم من الحل ولم يردف بحرم.
والله سبحانه أعلم. ولما أنهى الكلام على الركنين الأولين من أركان الحج والعمرة وهما الإحرام والطواف، شرع يتكلم على الركن الثالث، فقال: ثم السعي؛ عطف على الإحرام من قوله: "وركنهما الإحرام" ؛ يعني أن السعي ركن من أركان الحج والعمرة، وجعلت قوله: "ثم السعي" ، عطفا على الإحرام تبعا للحطاب، وجعله عبد الباقي معطوفا على الطواف من قوله: "ثم الطواف لهما" ، قال: ولم نجعله معطوفا على الإحرام،
وإن كانت المعطوفات إذا تعددت إثما تكون على الأول على الصحيح لتخصيص بعضهم ذلك بمعطوف غير الفاء وثم. انتهى. سبعا، مفعول مطلق نصب بالمصدر قبله؛ يعني أن السعي بين الصفا والمروة سبع مرات ركن من أركان الحج والعمرة،
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.