Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

الشرح الكبيرal-Dardir

(وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ) غَيْرُ الْمَوَاتِ مِنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ،

1,537

وَكَذَا الدُّورُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى صِيغَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَلَا لِتَطْيِيبِ نَفْسِ الْمُجَاهِدِينَ، وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ

1,538

بِخِلَافِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ عَدَمِ أَخْذِ كِرَاءٍ لَهَا، وَعَدَمِ بَيْعِهَا مَا دَامَتْ بِبُنْيَانِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ مَوْجُودَةٌ

1,539

أَمَّا إذَا انْهَدَمَتْ وَجَدَّدَ النَّاسُ أَبْنِيَةً جَازَ حِينَئِذٍ أَخْذُ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعُ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ وَالْإِرْثِ كَمَا هُوَ الْآنَ فِي مَكَّةَ، وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، وَأَوْلَى لَوْ تَجَدَّدَتْ بَلَدٌ بِأَرْضٍ بَرَاحٍ كَالْقَاهِرَةِ وَلَوْ كَانَ أَصْلُ الْأَرْضِ وَقْفًا لِأَنَّ الْبِنَاءَ مَمْلُوكٌ،

1,540

وَأَمَّا أَرْضُ الزِّرَاعَةِ فَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِيمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الْمُؤَلِّفُ قَرِيبًا وَالْكَلَامُ فِيهَا لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ وَلَا تُورَثُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ،

1,541

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْفَلَّاحِينَ وَلَهُ وَرَثَةٌ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الذُّكُورَ تَخْتَصُّ بِالْأَرْضِ دُونَ الْإِنَاثِ كَمَا فِي بَعْضِ قُرَى الصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَجِبُ إجْرَاؤُهُمْ عَلَى عَادَتِهِمْ عَلَى مَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ وَالْعُرْفَ صَارَتْ كَالْإِذْنِ مِنْ السُّلْطَانِ فِي ذَلِكَ.

وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَوَنَائِبُهُ أَنْ يَمْنَعَ الْوَرَثَةَ مِنْ وَضْعِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا وَيُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ يُؤَدِّي إلَى الْهَرْجِ وَالْفَسَادِ؛ وَلِأَنَّ لِمُوَرِّثِهِمْ نَوْعَ اسْتِحْقَاقٍ، وَأَيْضًا الْعَادَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ حُكْمِ السَّلَاطِينِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِأَنَّ كُلَّ مَنْ بِيَدِهِ شَيْءٌ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لِأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَصْلَحَةِ نَعَمْ إذَا مَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَالْأَمْرُ لِلْمُلْتَزِمِ، وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ فَتَاوَى مَعْزُوَّةٍ لِبَعْضِ أَئِمَّتِنَا كَالشَّيْخِ الْخَرَشِيِّ وَالشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالشَّيْخِ يَحْيَى الشَّاوِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ تُورَثُ فَهِيَ فَتْوَى بَاطِلَةٌ لِمُنَافَاتِهَا مَا تَقَدَّمَ وَغَالِبُهُمْ قَدْ شَرَحَ هَذَا الْمُخْتَصَرَ، وَلَمْ يَذْكَرْ الْإِرْثَ، وَلَا بِالْإِشَارَةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْفَتَاوَى مَكْذُوبَةٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ (كَ) أَرْضِ (مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُمِّسَ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ الْأَرْضِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِ الْحَرْبِيِّينَ أَيْ يُقْسَمُ أَخْمَاسًا خُمُسٌ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَرْبَعَةُ لِلْمُجَاهِدِينَ تُقْسَمُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَمَحَلُّ وَقْفِ الْأَرْضِ وَتَخْمِيسِ غَيْرِهَا

حاشية الدسوقيal-Dasuqi · a gloss on الشرح الكبير

(قَوْلُهُ: عَلَى الْمَشْهُورِ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّ الْإِمَامَ يَقْسِمُ الْأَرْضَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ كَغَيْرِهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ

(قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ، وُقِفَتْ قَالَ طفى لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا إذْ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ فِيهَا هَلْ يَقْسِمُهَا كَغَيْرِهَا أَوْ يَتْرُكُهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى، وَقْفِهَا تَرْكُهَا غَيْرُ مَقْسُومَةٍ لَا الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْحَبْسُ، وَأَقَرَّهُ بْن، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ بِوَقْفِهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تُتْرَكُ لِلْمَصَالِحِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ إلَّا ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَالشَّارِحُ قَدْ قَالَ إنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ تَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يُؤْخَذُ لِلدُّورِ كِرَاءٌ) أَيْ بَلْ هِيَ كَالْمَسَاجِدِ لِمَنْ سَبَقَ،

5,070

وَفِي بْن عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ لِلدُّورِ كِرَاءٌ وَيَكُونُ فِي الْمَصَالِحِ كَخَرَاجِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ

(قَوْلُهُ: وأَوْلَى لَوْ تَجَدَّدَتْ بَلَدٌ) أَيْ أَوْلَى فِي جَوَازِ الْكِرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ

(قَوْلُهُ: قَرِيبًا) أَيْ بِقَوْلِهِ فَخَرَاجُهَا وَالْخُمُسُ وَالْجِزْيَةُ

(قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ فِيهَا) أَيْ فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ لِلسُّلْطَانِ أَيْ فَيُمَكِّنُ مِنْهَا مَنْ شَاءَ وَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَتَحْتَ يَدِهِ أَرْضٌ يَزْرَعُهَا، وَيُؤَدِّي خَرَاجَهَا فَالنَّظَرُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ يَشَاءُ، وَلَا تُورَثُ عَنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ نَعَمْ وَارِثُهُ أَوْلَى وَأَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ وَقْفِ الْأَرْضِ،

5,071

وَأَمَّا عَلَى مُقَابِلِهِ مِنْ أَرْضٍ لِلْمُجَاهِدِينَ كَالْغَنِيمَةِ فَإِنَّهَا تُورَثُ عَمَّنْ مَاتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا.

(قَوْلُهُ: وَقَدْ جَرَتْ إلَخْ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ

(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يَجِبُ إلَخْ) جَوَابُ الشَّرْطِ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ مَاتَ إلَخْ

(قَوْلُهُ: وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ الْكَلَامِ لِلسُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ

(قَوْلُهُ: نَوْعَ اسْتِحْقَاقٍ) أَيْ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيكِهِ لِلْأَرْضِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّذِي لَوْلَاهُ لَخَرِسَتْ الْأَرْضُ وَتَلِفَتْ فَهُوَ شِبْهُ الْخُلُوِّ فِي الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ

(قَوْلُهُ: لِلْمُلْتَزِمِ) أَيْ هُوَ نَائِبُ السُّلْطَانِ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهَا لِمَنْ يَشَاءُ

(قَوْلُهُ: لِمُنَافَاتِهَا مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ أَنَّهَا وَقْفٌ، وَقَدْ يُقَالُ الْقَوْلُ بِوَقْفِيَّةِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا تُقَسَّمُ عَلَى الْجَيْشِ فَلَعَلَّ تِلْكَ الْفَتْوَى بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلِ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنْ نَظَرًا لِلْمَصْلَحَةِ وَدَفْعِ الْهَرَجِ أَوْ يُقَالُ الْأَرْضُ،

5,072

وَإِنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى الْمَشْهُورِ لَكِنْ قَدْ ثَبَتَ لِلْمُزَارِعِينَ فِيهَا حَقٌّ يُشْبِهُ الْخُلُوَّ مِنْ جِهَةِ تَحْرِيكِهِمْ الْأَرْضَ وَالْعِلَاجُ فِيهَا وَالْخُلُوّ يُورَثُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ تَأَمَّلْ.

مواهب الجليلal-Hattab

Says nothing on this mas’ala.

التاج والإكليلal-Mawwaq

(وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) . ابْنُ شَاسٍ: أَرَاضِي الْكُفَّارِ الْمَأْخُوذَةُ بِالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا وَعَنْوَةً تَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَالْعُمَّالِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ وَلَا تُقْسَمُ.

note

ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ كَذَلِكَ مِنْ أَرَاضِيِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ

4,316

وَكَذَلِكَ دُورُ مَكَّةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. اللَّخْمِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ، وَاخْتُلِفَ هَلْ مَنْ بِهَا عَلَى أَهْلِهَا أَوْ أُقِرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ؟ وَاخْتُلِفَ فِي كِرَاءِ دُورِهَا وَبَيْعِهَا فَمَنَعَهَا مَالِكٌ مَرَّةً

note

ثُمَّ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُمَا فَإِنْ وَقَعَا لَمْ يُفْسَخَا. اللَّخْمِيِّ: وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ إنْ قُسِمَتْ أَنَّ ذَلِكَ مَاضٍ وَلَا يُنْقَضُ.

شرح الخرشيal-Khurashi

Says nothing on this mas’ala.

حاشية العدويal-'Adawi · a gloss on شرح الخرشي

Says nothing on this mas’ala.

منح الجليل'Illaysh

(وَوُقِفَتْ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ أَيْ حُبِسَتْ (الْأَرْضُ) غَيْرُ الْمَوَاتِ وَهِيَ الْأَرْضُ الصَّالِحَةُ لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ وَالْمَبْنِيَّةُ دُورًا وَنَحْوُهَا أَيْ صَارَتْ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا بِلَا صِيغَةٍ مِنْ الْإِمَامِ، فَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْوَقْفِ بِحُبِسَتْ وَوُقِفَتْ إلَخْ،

4,967

وَأَمَّا الْمَوَاتُ فَلِلْإِمَامِ تَمْلِيكُهَا لِمَنْ يَشَاءُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

4,968

وَقِيلَ أَرْضُ الدُّورِ لِلْغَانِمِينَ، وَقِيلَ يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي وَقْفِهَا وَقَسْمِهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُؤْخَذُ لَهَا كِرَاءٌ،

4,969

بِخِلَافِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي كِرَاءِ دُورِ مَكَّةَ الْمَشْهُورُ مَنْعُ كِرَائِهَا لِفَتْحِهَا عَنْوَةً وَمَا يَقَعُ مِنْ الْقَضَاءِ فِي إثْبَاتِ الْأَمْلَاكِ وَعُقُودِ الْإِيجَارَاتِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفُعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ قَسْمَهَا كَسَائِرِ الْغَنَائِمِ أَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ. وَالْقَاعِدَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا أَنَّ مَسَائِلَ الْخِلَافِ إنْ اتَّصَلَ بِبَعْضِ أَقْوَالِهَا قَضَاءُ حَاكِمٍ تَعَيَّنَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ،

4,970

فَإِذَا قَضَى حَاكِمٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ ثَبَتَ الْمِلْكُ وَارْتَفَعَ الْخِلَافُ وَتَعَيَّنَ مَا حَكَمَ بِهِ، وَهَذَا يَطَّرِدُ عَنْ مَكَّةَ وَمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، وَالدُّورُ الْمَوْقُوفَةُ هِيَ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ وَبَقِيَتْ مَبْنِيَّةً فَإِنْ تَهَدَّمَتْ وَبُنِيَتْ مُلِكَتْ وَجَازَ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالْكِرَاءِ وَنَحْوِهِمَا، فَقَوْلُ الْإِمَامِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَا تُكْرَى دُورُ مَكَّةَ أَرَادَ بِهِ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ بَاقِيًا مِنْ دُورِ الْكُفَّارِ الَّتِي صَادَفَهَا الْفَتْحُ وَالْيَوْمَ ذَهَبَتْ تِلْكَ الْأَبْنِيَةُ فَلَا يَكُونُ قَضَاءُ الْحُكَّامِ .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[منح الجليل] فِيهَا بِذَلِكَ خَطَأً. نَعَمْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْأَرْضِينَ فَإِنَّهَا بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا إلَى الْأَبَدِ،

4,971

وَإِذَا جُهِلَ الْأَمْرُ انْتَفَعَ الْحَائِزُ بِحِيَازَتِهِ إذَا جُهِلَ أَصْلُ مَدْخَلِهِ فِيهَا. وَهَلْ يُطَالَبُ بِبَيَانِ سَبَبِ مِلْكِهِ فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ لَا يُطَالَبُ،

4,972

وَقَالَ غَيْرُهُ يُطَالَبُ، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَثْبُتْ أَصْلٌ لِمِلْكِ الْمُدَّعِي فَلَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَنْ بَيَانِ أَصْلِ مِلْكِهِ وَإِلَّا سُئِلَ.

4,973

وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ عَتَّابٍ لَا يُطَالَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالِاسْتِطَالَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ) لَا تُقْسَمُ الْأَرْضُ كَغَيْرِهَا لِتَكُونَ فِي أُعْطِيَاتِ الْمُقَاتِلَةِ وَأَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ،

4,974

فَإِنْ قَسَمَهَا بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ مَضَى، وَلَا يُنْقَضُ. اللَّخْمِيُّ بِلَا خِلَافٍ اهـ عب. طفي قَوْلُ تت وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا صَارَتْ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِهَا هَلْ يَقْسِمُهَا كَغَيْرِهَا، أَوْ يَتْرُكُهَا لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ فَمَعْنَى وَقْفِهَا تَرْكُهَا غَيْرَ مَقْسُومَةٍ لَا الْوَقْفُ الْمُصْطَلَحُ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّحْبِيسُ، وَسَرَى لَهُ مَا قَالَ مِنْ قَوْلِ الْبِسَاطِيِّ أَيْ كَمَا حَكَمَ عُمَرُ " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " فِي أَرْضِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْسِمْهَا.

وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا بِأَنَّهَا وَقْفٌ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ أَوْ طِيبِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى ذَلِكَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ. اهـ. وَذَا حَسَنٌ أَشَارَ بِهِ لِقَوْلِ الْأَئِمَّةِ هَلْ أَوْقَفَهَا عُمَرُ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْمُجَاهِدِينَ فِي الْبَيَانِ، قِيلَ إنَّ عُمَرَ فَعَلَهُ بَعْدَ تَطْيِيبِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ فَمَنْ سَمَحَتْ نَفْسُهُ بِخُرُوجِهِ عَنْ نَصِيبِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يَسْمَحْ أَعْطَاهُ الْعِوَضَ. اهـ. فَفُهِمَ مِنْهُ تت غَيْرُ مُرَادِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا حَكَى كَلَامَهُ فِي كَبِيرِهِ قَالَ مَا قَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ.

قَالَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَوُقِفَتْ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى تُوقَفَ. اهـ. فَفُهِمَ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي صَدَّرَ بِهِ الْبِسَاطِيُّ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنَّهُ الَّذِي شَهَرَهُ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ لِقَوْلِهِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ إلَخْ فَلَفْظُ الْحُكْمِ يَنْفِي مَا قَالَ فَافْهَمْ. اهـ. وَأَقَرَّهُ الْبُنَانِيُّ. كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ. وَخُمِّسَ غَيْرُهَا إنْ أُوجِفَ عَلَيْهِ، [منح الجليل] شَيْخُ مَشَايِخِنَا الدُّسُوقِيُّ هَذَا الْمَعْنَى مُرَادُ تت بِوَقْفِهَا بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُتْرَكُ لِلْمَصَالِحِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ وَالتَّحْبِيسِ إلَّا ذَلِكَ،

4,975

فَإِنْ أَرَادَ بِالْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ مَا كَانَ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ قَالَ الشَّارِحُ إنَّ هَذَا الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ لِصِيغَةٍ. (كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ) عج

4,976

وَأَمَّا مَا يَقَعُ بِمِصْرَ مِنْ شِرَاءِ بَعْضِ سَلَاطِينِهَا وَكُبَرَائِهَا بِلَادًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيَجْعَلُونَهَا وَقْفًا عَلَى مَا يَبْنُونَهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ مَثَلًا، فَإِنَّمَا يُحَكِّمُونَ فِيهَا مَنْ يَرَى ذَلِكَ لَا أَهْلَ مَذْهَبِنَا

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرal-Majlisi

بقوله: كمصر والشام والعراق؛ يعني أن مصر والشام والعراق مما فتح عنوة، فالشأن فيها أن توقف كغيرها مما أخذ عنوة، وقوله: "كمصر والشام والعراق" تمثيل لفعل عمر: وعبارة الشيخ الأمير: ووقف أرض العنوة غير الموات، فإنه ملك لمحييه.

note

ولما كانت أموال الكفار غير الأرض المأخوذة عنوة ثلاثة أقسام: غنيمة وفيئا ومختصا، أشار إلى ذلك بقوله: وخمس غيرها لما ذكر ما يفعل بالأرض ذكر ما يفعل بغيرها؛ يعني أن ما سوى الأرض مقوما كان أو مثليا يقسم خمسة أخماس، خمس لبيت المال وأربعة أخماس للمجاهدين. إن أوجف عليه؛ شرط في قوله: "ووقفت الأرض" ،

26,285

وفي قوله: "وخمس غيرها" ؛ يعني أن الوقف المذكور والتخميس إنما هما فيما أوجف عليه بالبناء للمفعول؛ أي قوتل عليه بالفعل،

26,286

وأما ما لم يقاتل عليه فإنه يكون فيئا موضعه بيت المال، ولأقسام أربعة: هربوا قبل خروج الجيش من بلاد الإسلام فما تركوا فيء لا يخمس وموضعه بيت المال، هربوا بعد خروج الجيش وقبل نزوله بلدهم فهو فيء أيضا كما يؤخذ من كلام الباجي ولم يستحضره ابن عرفة فتوقف فيه، هربوا بعد نزول الجيش بلادهم قبل المقاتلة فهو فيء أيضا كما قاله الشيخ بناني، ونقل عن المازري في المعلم أنه قال: لا خلاف أن الغنيمة تخمس

26,287

وأما ما انجلى عنه أهله دون قتال فعندنا لا يخمس ويصرف في مصالح المسلمين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فيما أخذ من بني النضير،

26,288

وقال الشافعي: يخمس كالغنيمة. انتهى. والرابع قتالنا لهم بالفعل، فيما أخذ به فهو غنيمة تخمس. فتحصل من هذا أن ما أخذ بقتال غنيمة، وما أخذ بغيره فيء.

26,289

تنبيه: قال المقرى في قواعده: قال بعضهم: احذروا أحاديث عبد الوهاب، وإجماعات ابن عبد البر، واتفافات ابن رشد، وخلافات اللخمي. وقد قيل إن مذهب مالك كان صحيحا حتى أدخل فيه الباجي يحتمل ويحتمل حتى جعل اللخمي له ذلك خلافا.

note

وأشار إلى الثاني من أقسام مال الكفار بقوله: فخراجها؛ يعني أن خراج أرض العنوة أي الكراء الذي يؤخذ على بياضها إن أقرت بأيدي المسلمين أو أهلها لعمارتها أو سوقوا على سوادها موضعه بيت المال يصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فأرض الزراعة يؤخذ خراجها على ما عرفت، وليس معنى وقفيتها أن يزرعها الفقراء مجانا، والدور لا أجرة لها على ما مر عن عبد الباقي والأمير.

والخمس بالرفع عطف على خراجها وهو مبتدأ؛ يعني أن الخمس الذي لله ورسوله الخارج بالقرعة من الغنيمة والزكاة موضعه بيت المال، ويصرفه الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي صلى الله عليه وسلم. والجزية؛ يعني أن الجزية العنوية والصلحية وعشر أهل الذمة وخراج أرض الصلح حكمها كذلك، فتوضع في بيت المال للمسلمين فيصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل النبي صلى الله عليه وسلم،

26,290

وكذلك الحكم في الفيء أي الذي أخذ بغير إيجاف، فهذه الثلاثة، وما أخذ بغير إيجاف فيء فلا يخمس بل موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآل سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيئين وإمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. وبما قررت علم أن قوله: لآله صلى الله عليه وسلم خبر عن قوله: "فخراجها" ، وما عطف عليه؛ يعني أن هذه الثلاثة موضعها بيت المال يصرفها الإمام باجتهاده، ويبدأ بآله صلى الله عليه وسلم.

وسيشير للثالث بقوله كمتلصص. ابن شعبان: استفتح الله الغنيمة والفيء بذكره لأنهما أشرف الكسب، وإنما ينسب إليه ما شرف وعظم، ولم ينسب لنفسه الصدقة لأنها أوساخ الناس، فقال: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية. قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه: وآل النبي صلى الله عليه وسلم جديرون بالتفخيم والتكريم لاستحقاقهم المنصب الرفيع والتعظيم الذي هو أفخم التعظيم، وقد قلت في صلاة لي عليه وعلى آله: اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد القادة الأبرار، والسادة الأخيار، زهر النجوم الطوالع، والشموس السواطع، والسيوف القواطع، والبروق اللوامع: والغيوث الهوامع، فلله در بني هاشم ما أرفع بناءها، وأحسن في الهيجاء بلاءها، وأشق لقاءها، وأكثر في اللزبات عطاءها، وأثبت في المكرمات بقاءها، فكم هناك من قطب بهي، يبرز منه علم شهي؟

أبان معالم التحقيق، وسلك بالمسلمين أنفع طريق، عالم خبير بصير يسع الأنام حلما، ويملأ طباق الأرض علما، يتدفق كرما ونوالا، ويتلهب إشراقا وجمالا، مبناه في الدين رفيع، وكلامه إذا أعرب عن مسألة منه تخاله في الحسن زهر الربيع، أفاض الأنوار، وطهر القلوب والأسرار، عددهم كثير: وشأنهم كبير وخبرهم شهير، لا تسعة الدفاتر، ولا تفي به الأقلام والمحابر، وكم هناك من فارس بطل ندب، ذي لسان عضب ومضاء غرب، يمنع السرب ويبيح النهب، يسد الثغور ويصلح الخلل، يعطي الجزيل ويضرب البطل، أباد أهل الكفر والطغيان، ضرب فوق الأعناق وضرب منهم كل بنان: جاهد في الله حق جهاده، ووفى بحقوق عباده، فرد في النوال والجمال والمكارم، لا تأخذه في الله لومة لائم، خبرهم مشتهر، وعددهم غير منحصر، وكم هناك من أمير، غصت منه الكفرة بالماء النمير، محياه كالشمس، يسوق بعصاه الجن والإنس، كسر الأصنام، وبنى قبة الإسلام: بنى قبة الإسلام حتى كأنما … أتى الناس من بعد الضلال رسول أمير هو وأي أمير؟

سام في الفخر منير شيد بروج الدين، وأذل رقاب الكفرة والملحدين، أباح حماهم وفلل شباهم، ودمدم على ناديهم وسبى ذراريهم، فهم من بين مأسور، مصلوب ومثبور، لطخ السيف بالعذره وصار جيفة قذره، وكم هناك من نساء باهرات بارعات زاهرات طيبات عطرات بهجات ناضرات فاخرات خفرات مؤنسات قانتات مسلمات عابدات سائحات تائبات، أحصنَّ الفروج، وأخجلن البروج، كالشموس الطوالع والبروق اللوامع، حور عين كأنهن لؤلؤ مكنون، من كل رعبليب وخودة عروبة، حصان رزان ما تزن بريبة .........................................

من الخفرات البيض أما حرامها … فصعب

26,291

وأما حلها فذلول ولله در زوج زينب بنت الرسول حيث يقول: بنت الأمين جزاها الله صالحة … وكل بعل سيثني بالذي علما ولله در القائل أيضا: عن كل أزواجه أرضى وأوثر من … أضحت براءتها في الذكر مستطره وفي خديجة والزهرا وما ولدت … أزكى مديحي سأهدي دائما درره وماذا عسى أقول؟ والله يقول الحق وهو يهدي السبيل برأ وأدب وأوعد وأرهب وشرف وكرم ومجد وعظم. ولله در القائل: لله مما قد برا صفوة … وصفوة الخلق بنو هاشم وصفوة الصفوة من بينهم … محمد النور أبو القاسم صلى الله عليه وسلم تسليما.

26,292

فائدة: كان صلى الله عليه وسلم متبلج الوجه أزهر اللون يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ويضيء البيت المظلم من نوره، وكان يلاحك وجهه الجدار وإذا تبسم بالليل أضاء البيت، وكان وجهه يظهر في البيت كالسراج وإذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر وعرف ذلك منه وكأن وجهه المرآة،

26,293

وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه، ويعرف رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته، وكان صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، وكان صلى الله عليه وسلم أبيض مليحا مقصدا، ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم الشديد الأدمة، وكان بياضه مشربا بالحمرة، وكان صلى الله عليه وسلم أنور المتجرد، وكان أطول من المربوع وأقصر من المشذب، ولم يكن أحد يماشيه من الناس ينسب إلى الطول إلا طاله، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نسبا إلى الطول ونسب هو صلى الله عليه وسلم إلى الربعة،

26,294

وإذا جلس تكون كتفه أعلا من جميع الجالسين، وكان معتدل الخلق في السمن بادنا متماسكا غير مطهم، وكان ضخم الرأس والكراديس، وكان شديد سواد الشر حسنه رجله، ليس بالجعد القطط ولا بالسبط فيه حجونة، وكان حسن الجمة أجلى الجبين يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا وكان واسع الجبهة واضحها، وكان صلى الله عليه وسلم أزج الحاجبين سابغهما دقيقهما لا تعدوا منهما شعرة لأخرى مقوسهما، وكان حاجباه غير مقرونين، وكان بين حاجبيه عرق يدره الغضب وكان أنجل العينين وكان أدعجهما وكان أشكلهما، وكان صلى الله عليه وسلم أهدب الأشفار أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، له نور يعلو أنفه، وكان صلى الله عليه وسلم ضليع الفم حسن الثغر أشنب، وكان صلى الله عليه وسلم أفلج الثنيتين براقهما، وكان صلى الله عليه وسلم إذا تكلم ريء كالنور يخرج من ثناياه، وكان الدر ينتثر من بين شفتيه ويفتر إذا تبسم عن مثل حب الغمام وجل ضحكه التبسم:

26,295

فإذا افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وكان أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم، وريقه يعذب الماء الملح ويجزئ الرضيع، وشرب من ماء بير في دلو ثم صب البقية فيها أو مج فيها ففاح منها مثل رائحة المسك، وبزق في بئر في دار أنس فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، ولم يكن بالطويل الوجه ولا بالشديد تدويره وهو المكلثم بل فيه تدوير قليل، وكان صلى الله عليه وسلم أسيل الخدين، وكان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، وكان حسن السبلة قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه قد كادت تملأ نحره، وكانت عنفقته بارزة وفنيكاه حول العنفقة كأنهما بياض اللؤلؤ،

26,296

وفي أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقياده على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن عباد الله عنقا كأن عنقه جيد دمية، أو كأنه إبريق فضة مشرب ذهبا يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب. وما غيبته الثياب من عنقه تحتها فكأنه القمر ليلة البدر، وكان صلى الله عليه وسلم عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ممسوح الصدر كأن صدره المرآة في شدتها واستوائها على بياض القمر ليلة البدر مستوي البطن والصدر، وكان عظيم رءوس العظام جليل الكتد واسع الظهر، بين كتفيه خاتم النبوءة دقيق فقار الظهر، كأن ظهره سبيكة فضة موصولا بين لبته من الصدر إلى سرته بمسربة، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، عاري الثديين والبطن من الشعر.

هكذا في حديث ابن أبي هالة.

26,297

وفي آخر أنه كان له شعر من لبته إلى سرته يجري كالقضيب، ليس على صدره ولا على بطنه غيره،

26,298

وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه أجرد ذو مسربة، وكان بطنه كأنه القراطيس المثني بعضها على بعض، أبيض من القباطي المطراة، وألين مسا من الحرير، وكان عبل العضدين والذراعين شبحهما، طويل الزندين، سبط القصب، شتن الكفين، رحب الراحة سائل الأطراف، كفه ألين من الحرير وأبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك، كأن كفه كف عطار، مس طيبا أو لم يمس. يصافحه المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان من ريحها على رأسه، وكان صلى الله عليه وسلم أعطر من حانوت العطار، وكان عبل ما تحت الإزار من الفخذين والساقين.

26,299

وفي الحديث أنه كان في ساقيه حموشة أي دقة. أخرجه الترمذي وصححه. والحاكم في المستدرك وفي السير من قول سيف بن ذي يزن وصححه ابن ظفر يصفه صلى الله عليه وسلم: أنه خدلج الساقين؛ يعني ممتلئهما ويمكن الجمع -والله أعلم- بأن أعلى الساقين مما يلي الركبة عبل وأسفلهما مما يلي الكعب والقدم دقيق، ويرشد إلى هذا قول الغزالي وابن سبع أن العبل من الساق ما تحت الإزار، وكان صلى الله عليه وسلم منهوش العقب أحسن البشر قدما شثنها مسيحها، ينبو عنها الماء معتدل أخمصها وكان صلى الله عليه وسلم إذا مشى مشى مجتمعا وإذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا ويمشي هونا ذريع المشية كأنما ينحط من صبب، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة يسوق أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: خلوا ظهري للملائكة، وكان إذا التفت التفت جميعا، ولم يكن له ظل في شمس ولا قمر؛

إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكان أفصح خلق الله لسانا وأوضحهم بيانا وأعذبهم كلاما وألينهم خطابا وأسرعهم أداء وأوجزهم عبارة، يجمع كلما أراد ويتكلم بجوامع الكلم لا فضول ولا تقصير، وكان أحلاهم منطقا يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح؛ إذا تكلم تكلم بكلام مبين مرتل مفصل يتبع بعضه بعضا يعده العاد ويفهمه كل من سمعه ويعيه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتحفظ عنه، وكان صلى الله عليه وسلم حسن الصوت جهيره رخيمه أحسن الناس نغمة، وكان صوته يبلغ حيث لا يبلغه غيره، فكان إذا خطب أو قرأ يسمعونه من منازلهم، وكان صلى الله عليه وسلم في صوته صحل، وكان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، وكان جل ضحكه التبسم وربما ضحك حتى تبدو نواجذه من غير قهقهة،

26,300

وإذا بكى دمعت عيناه حتى تهملان من غير شهيق ورفع صوت ويسمع له أزيز كأزيز المرجل، وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب،

26,301

وقيل والتمطي لأنهما من الشيطان، وكان يرى ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون، وكان يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار وفي الضوء، وكان يرى من أمامه وخلفه وعن يمينه وشماله، وكان يرى في الثريا أحد عشر أو اثنى عشر نجما، وأوتى قوة أربعين في الجماع والبطش مع قلة الأكل وقناعته بالعلقة،

26,302

وفي رواية قوة بضع وأربعين رجلا كل رجل من أهل الجنة، وقوة الرجل من أهل الجنة كمائة من أهل الدنيا، وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام وكان طيب الرائحة ريحه أطيب من المسك والعنبر، وكان كثير العرق وكان عرقه كاللؤلؤ في البياض والصفاء، وكان عرقه أطيب من الطيب، وكان من توصل إليه عرقه يجعله في طيبه ومن تطيب به عبقت رائحته وشمها أهل المدينة وعلموا به ولا يجدون له شبها في الطيب، وكان صلى الله عليه وسلم لا يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، وكان يعرف في الليلة المظلمة بطيب ريحه، وإنما كان مع ذلك يحب الطيب ويكثر منه محبة للزيادة من الرائحة الطيبة لأجل الملائكة، وكان صلى الله عليه وسلم إبطه أبيض نظيفا طيب الرائحة، وكان إذا دخل الخلاء انشقت الأرض فابتلعت ما يخرج منه وشمت من مكانه رائحة المسك، ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط، وشربت أم أيمن وغيرها بوله صلى الله عليه وسلم غلطا فما وجدت له طعم البول ولو وجدته لما أدخلته جوفها ولكرهته كما قال السيد عبد الجليل، وشرب دمه غير واحد منهم عبد الله بن الزبير فتضوع فمه مسكا، وبقيت رائحته في فيه إلى أن صلب رضي الله تعالى عنه، ومعنى تضوع: فاح، وانتشرت رائحته واستدلوا [بتقريره لهم] ، على ذلك على طهارة فضلاته، وعدوا ذلك في خصائصه صلى الله عليه وسلم، وما ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها من أنها كانت تفرك منيه صلى الله عليه وسلم من ثوبه، فقيل للتشريع

26,303

وقيل للتنظيف، والصحيح أنه لما مسه من رطوبة فرج المرأة وهي نجسة.

26,304

وقال الشيخ أبو عثمان سعيد العقباني: لما تكلم العلماء على الخلاف في طهارة المني استثنى أسودهم النطفة التي صور منها النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في طهارتها، واختلفت الروايات في منتهى شعره صلى الله عليه وسلم، ففي بعضها أنه كان جمة وفي بعضها لمة وفي بعضها وفرة،

26,305

وفي حديث ابن أبي هالة: وكان إن فرقت عقيقته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره. انتهى. ويروى عقيصته، ولم يشب صلى الله عليه وسلم ولم يهرم، فلم يكن في رأسه ولحيته إلا شعرات بيض نحو العشرين أو دونها بعضها في عنفقته وبعضها في صدغيه وبعضها في مفرق رأسه؛ إذا ادهن واراهن الدهن. شَرْحٌ لمشكِلِ ما مر قوله: كان صلى الله عليه وسلم متبلج الوجه أزهر اللون أي مشرق الوجه مضيئه أزهر اللون أي نيره مشرقه

26,306

وقيل حسنه، وقوله: يتلألأ في الجدر جمع جدار وهو الحائط أي يشرق نوره عليها إشراقا كإشراق الشمس عليها، وقوله: كان يلاحك وجهه الجدار، الملاحكة شدة الملاءمة أي يرى شخص الجدار في وجهه صلى الله عليه وسلم،

26,307

وقوله: وإذا سر الخ، وقوله: وإذا غضب الخ؛ يعني أنه لصفاء بشرته يعرف رضاه وغضبه في وجهه، وقوله: فخما مفخما؛ يعني أنه كان ممتليء الوجه من الجمال والمهابة،

26,308

وقيل إنه كان عظيما معظما في الصدور والعيون، وقوله مليحا مُقَصَّدًا أي قصدا في طوله وجسمه، فلم يكن نحيل الجسم ولا ضخمه ولا طويلا ولا قصيرا، وقوله: الأمهق الذي يضرب بياضه إلى الشهبة ويشبه لونه لون البرص، وقوله مشربا بياضه بحمرة أي قد علت على لونه حمرة من الإشراب وهو خلط لون بآخر كأنه سقي به، وقوله أنور المتجرد أي ما جرد عنه الثياب من جسده وكشف فهو مشرق، وقوله: المشذب، بمعجمتين كمعظم هو الفائق في الطول في نحافة، وقوله: كان معتدل الخلق في السمن بادنا أي ذا لحم متماسك البدن أي يمسك بعضه بعضا غير مطهم بفتح الهاء المشددة بعد المهملة أي غير مسترخي اللحم، وقوله: وكان ضخم الرأس المراد بالضخامة المذكورة في هذا الباب في الرأس والفم والكراديس وغير ذلك القدر الممدوح من ذلك لا الإفراط فيه والخروج إلى ما هو مذموم، وقوله رجل الشعر هو الذي فيه حجونة أي تثن قليل، وهو الذي كأنه مشط فتكسر قليلا، وقوله السبط هو الذي لا تكسر فيه كشعر الروم، وقوله القطط أي الشديد الجعودة كشعر السودان، والرجل والقطط والسبط كلها كقمر وفرح وبدر مع إدغام اللفظ الثاني في الوجه الثالث، وقوله: أجلى الجبين هو ما فوق الصدغ وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قال ابن سبع: إذا طلع جبينة من بين الشعر أو في فلق الصبح أو عند طفل الليل بفتح المهملة والفاء المروسة يعني ظلمته، أو اطلع بوجهه على الناس يرى جبينه كأنه ضوء السراج المتوقد تلألؤا، وكانوا يقولون هو صلى الله عليه وسلم كما قال شاعره وهو حسان بن ثابت رضي الله عنه: متى يبد في الداجي البهيم جبينه … يلح مثل مصباح الدجى المتوقد فمن كان أو من ذا يكون كأحمد … نظاما لحق أو نكالا لملحد قوله: واسع الجبهة هو على ما مر في الضخامة، وقوله واضحها يستحب من الجبهة استرسالها ورقة بشرتها وعدم تغضنها، ويقال لمن كان بهذه الصفة صلت الجبهة وطلقها وواضح الجبين، وليس واضح الجبين كناية عن البياض؛

إذ قد يقال ذلك ممن كان أسمر اللون وهو صلى الله عليه وسلم أسمر اللون وضد الصلت والواضح الأغضن والمرأة غضناء،

26,309

ويستحب من الجبهة اتساعها من غير إفراط، وغضون الجبهة أساريرها، وأزج الحاجبين دقيقهما لا تعدو منهما شعرة لأخرى في النبات والاستواء مقوسهما أي ممتدهما حتى كأنهما خطا بقلم، طويل طرفهما رقيقه وشبهت حواجبه بالنونات في قوله: جبينه مشرق من فوق طرته … يتلو الضحى ليله والليل كافره بالمسك خطت على كافور جبهته … من فوق نوناتها سينا ضفائره مكمل الخلق ما تحصى خصائصه … منضر الحسن قد قلت نظائره قوله: وكانا غير مقرونين هذا هو الصحيح، فكان صلى الله عليه وسلم أبلج ما بين الحاجبين نقيه، قال حجة الإسلام في الإحياء وابن سبع في شفائه: كأن ما بينهما الفضة المخلصة وهذا هو المستحب عند العرب، والعرب تكره قرن الحاجبين وزرقة العينين.

وقد روي في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان مقرون الحاجبين،

26,310

فإن صح فلعله كان قرنا خفيفا خفيا جدا. قاله غير واحد. وقوله: بين حاجبيه عرق يدره الغضب أي يمتلئ دما لا يرى إلا أن يدره الغضب، وقوله: أنجل العينين: واسعهما حسنهما، وقوله: أدعجهما أي شديد سواد العين، وقوله: أشكلهما أي في بياضهما حمرة يسيرة وتفسير الشكلة بطول شق العين وهم عند جميعهم، وقوله: أهدب الأشفار: طويلةا وهي شعر العين، وقوله أقنى العرنين أي الأنف: وقنا الأنف طوله ودقة أرنبته وهي طرف الأنف الذي فيه ثقبه مع حدب في وسطه،

26,311

وقيل هو دقة في الأنف مع ارتفاع في قصبته،

26,312

وقيل هو استواء الأنف من أوله إلى آخره، والشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا،

26,313

وقيل هو أن يكون الأنف دقيقا لا نتو فيه،

26,314

وقيل هو طول قصبة الأنف.

26,315

وقال التجاني: الشمم هو استواء أعلى قصبة الأنف مع ارتفاع يسير في الأرنبة وهو من صفات الجمال وعلامة السؤدد في الرجال، ثم قال: وضد الشمم القنا، وهو احديداب قصبة الأنف مع نزول الأرنبة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشمَّ بذلك وصفه أصحابه،

26,316

وفي بعض الأحاديث ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان أقنى، والمعروف ما ذكرناه، ولعل القنا كان فيه خفيا جدا كما ذكرناه في البلج والقرن، وقد بين ذلك ابن أبي هالة بقوله: أقنى العرنين يحسبه من لم يتأمله أشم، وقد مر أن العرنين: الأنف،

26,317

وقيل ما صلب منه وهو أعلاه تحت مجتمع الحاجبين، قيل وفيه يكون الشمم، وعليه قول ابن القوطية: شم الأنف شمما ارتفع أعلاه. انتهى. فكان أنفه مرتفع القصبة في اعتدال، دقيق الأرنبة سائلا منقادا مستويا من أوله إلى آخره، وقوله: ضليع الفم واسعه يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم، وقوله: حسن الثغر بمثلثة فمعجمة كبدر، والشنب بفتحتين الأشر وهو أن تكون الأسنان فيها طرائق مثل تفرق المشط إلا أنها حديدة الأطراف.

والفلج: فرجة وتفسح بين الثنايا، ويفتر أي يكشف. وقد مر أن المكلثم هو الشديد تدوير الوجه

26,318

وقيل هو القصير الذقن، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك، والخد الأسيل: السهل المستوي الذي لا يفوت بعض لحمه بعضا وليس مرتفع الوجنة،

26,319

وقال ابن القوطية: أسل الخد أسالة لان وسهل،

26,320

وقال السهيلي: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مدور الوجه ولكنه مسنون،

26,321

قال في القاموس: رجل مسنون الوجه مملسه حسنه وفي وجهه وأنفه طول، والسهولة خلاف إشراف الوجنة أي علوها وارتفاعها والوجنة أعلى الخد، وقوله: كث اللحية؛ أي كثير منابت شعرها ملتفها واسعها، والسبلة محركة مقدم اللحية، والفنيكان هما عظمان يتحركان عند مضغ الطعام، والدمية بالضم هي الصورة من العاج، والجيد العنق، وقوله: عظيم رءوس العظام كالمنكبين والمرفقين والوركين والركبتين وهي الكراديس، والمشاش كغراب والكتد بوزن جسد وكتف: مجتمع الكتفين أو الكتفين والظهر، وقوله: فقار، بتقديم الفاء على القاف: سلسلة الظهر، واللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة: موضع القلادة من الصدر، والمسربة بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء، ويقال بفتحها: شعر دقيق منقاد كالخط وكالقضيب والعبل كالضخم زنة ومعنى والشتن الغليظ، وقوله: رحب الراحة: واسع الكف،

26,322

وقيل كني بذلك عن سعة جوده وعطائه، وقوله: سائل الأطراف أي ممتد الأصابع. قال الغزالي وابن سبع: كان أصابعه قضبان الفضة وما يذكر من أن سبابته صلى الله عليه وسلم كانت أطول من الوسطى فهو غلط ممن قاله، وإنما روي ما روي من ذلك في أصابع رجليه، وقوله: منهوش العقب قليل لحمها، وقوله: مسيحها لينها أملسها ليس فيها تكسر ولا شقوق ينبو عنها الماء سريعا لملاستها ولا يقف، وقوله: معتدل أخمصها، الأخمص هو الموضع الذي لا تناله الأرض من أسفل القدم وهو وسطه لم يكن مرتفعا جدا ولا مستويا جدا على ما حرره ابن الأعرابي،

26,323

وقال: إذا كان هكذا فهو أحسن ما يكون،

26,324

وإذا استوى أو ارتفع جدا فهو ذم. انتهى. وبهذا يجمع بين ما روي من أنه خمصان الأخمصين وأنه إذا وطئ وطئ بقدمه كلها ليس لها أخمص. والله سبحانه أعلم. وما روى البيهقي من (أن خنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجله كانت متظاهرة )، ففي سنده: سلمة بن حفص السعدي: قال ابن حبان: كان يضع الحديث فلا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، وقوله: مشى مجتمعا؛

أي هو قوي الأعضاء غير متراخ في المشي تقلعا هو رفع الرجل عن الأرض بقوة ارتفاعة واحدة كأنما يتقلع وهو نفي للاختيال في المشي مع إثبات التثبت ويخطو تكفؤا أي يميل إلى سنن ممشاه وقصده، ويمشي هونا أي برفق ووقار، ذريع المشية أي واسع الخطو أي أنه كان في مشيه يرفع رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية المختال وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة، كأنما ينحط من صبب وهو الطريق تكون في حدور أو ما انحدر من الأرض يريد أنه مقبل على ما بين يديه غاض بصره لا يرفعه إلى السماء

26,325

وكذلك يكون المنحط، وفسر أيضا بأنه يترفق في مشيته

26,326

وكذلك شأن المنحط من الصبب يترفق مخافة السقوط والزلق. والله سبحانه أعلم. التفت جميعا؛ يعني أنه كان لا يسارق النظر ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء كفعل الطائش الخفيف، ولكن كان يقبل جميعا ويدبر جميعا. وكان أحسن الناس اعلم أنه صلى الله عليه وسلم كان أجمل العالمين صورة، وجعل الله تعالى خلق ذاته على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله وأعطاه الحسن كله، وحسن يوسف عليه السلام وغيره جزء من حسنه صلى الله عليه وسلم؛

لأن يوسف عليه السلام وغيره على صورة اسم محمد صلى الله عليه وسلم، خلق ولولا أن الله تبارك وتعالى ستر جمال صورة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل بالهيبة والوقار وأعمى عنه آخرين لما استطاع أحد النظر إليه بهذه الأبصار الدنيوية الضعيفة، وقد وقعت لعائشة رضي الله تعالى عنها إبرة في ظلمة الليل في بيتها فأبصرتها بنور وجهه صلى الله عليه وسلم، وقد وقعت في عدة أحاديث من غير واحد من الصحابة أنهم لم يروا قبل أي لم يعلموا مثله في الحسن، وصفوه بأنه أحسن الناس صفة وأجملهم صورة وأكملهم خلقا وأنورهم لونا، وما وصفه واصف منهم قط إلا شبه وجهه بالشمس وبالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول من يقول منهم ربما نظرنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى القمر ليلة البدر فنرى حسنه وجماله يزيد على القمر، ووصفه كل واحد منهم على قدر ما يستطيع أن ينظر إليه صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يكن يملأ عينيه منه صلى الله عليه وسلم، ولله در حسان حيث يقول: روح من النور في جسم من القمر … كحلة نسجت بالأنحم الزهر لما نظرت إلى أنواره سطعت … وضعت من خيفة كفي على بصري خوفا على بصري من حسن صورته … فلست أنظره إلا على قدر وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه إذا رآه صلى الله عليه وسلم يقول: أمين مصطفى للخير يدعو … كضوء البدر زايله الظلام وكان عمر رضي الله تعالى عنه ينشد قول زهير: لو كنت من شيء سوى بشر … كنت المضيء لليلة البدر ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كذلك غيره، وفيه يقول عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقوله: أجود الناس، قال القائل: أصح وأقوى ما سمعناه في الندى … من الخبر المأثور دون تردد أحاديث ترويها السيول عن الحيا … عن البحر عن كف النبي محمد

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.