وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظَلَمَ أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ لَا؟ أقوال
Its commentaries
(وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ، وَأَحْرَى غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ ظَلَمَ فِي شَكْوَاهُ الْغَاصِبَ، وَالْمَدِينَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّنْ لِلشَّاكِّي عَلَيْهِ حَقٌّ وَجْهُ كَوْنِهِ ظَالِمًا فِي شَكْوَاهُ مَعَ أَنَّهُ لَهُ حَقٌّ عَلَى الْمَشْكُوِّ مِنْ غَاصِبٍ وَنَحْوِهِ أَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الِانْتِصَافِ مِنْ غَرِيمِهِ بِدُونِ شَكْوَاهُ (لِمُغَرِّمٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ شَاكِيهِ لِظَالِمٍ يَتَجَاوَزُ فِي ظُلْمِهِ بِأَنْ يُغَرِّمَهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ (زَائِدًا) مَفْعُولُ يَضْمَنُ (عَلَى قَدْرِهِ) أُجْرَةَ (الرَّسُولِ) الْمُعْتَادِ عَلَى فَرْضِ أَنَّ الشَّاكِيَ اسْتَأْجَرَ رَسُولًا أَرْسَلَهُ لِلْغَاصِبِ لِيُحْضِرَهُ عِنْدَ الظَّالِمِ سَوَاءٌ وُجِدَ رَسُولٌ بِالْفِعْلِ أَمْ
لَا (إنْ ظَلَمَ) الشَّاكِي فِي شَكْوَاهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ قَدْرٌ عَلَى تَخْلِيصِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِحَاكِمٍ لَا يَجُوزُ فَإِنْ لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَغْرَمْ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ قَدْرَ أُجْرَةِ الرَّسُولِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الشَّاكِي أَصَالَةً يَرْجِعُ بِهَا الْمَشْكُوُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا أَمْ لَا فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ ظَلَمَ غَرِمَ الْجَمِيعَ وَحِينَئِذٍ فَيُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ (أَوْ) يَضْمَنُ (الْجَمِيعَ) وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفَرْقَ يَظْهَرُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَا يَضْمَنُ الزَّائِدَ، بَلْ قَدْرَ أُجْرَةِ الرَّسُولِ فَقَطْ وَمَفْهُومَ الثَّانِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا (أَوْ لَا) يَغْرَمُ الشَّاكِي شَيْئًا إنْ ظَلَمَ فَأَوْلَى إنْ لَمْ يَظْلِمْ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الظَّالِمَ الْإِثْمُ، وَالْأَدَبُ (أَقْوَالٌ) ثَلَاثَةٌ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ الثَّالِثُ، وَالْمُفْتَى بِهِ بِمِصْرَ الثَّانِي، وَهُوَ فِي شَاكٍ لَهُ حَقٌّ مَالِيٌّ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ دَلَّ لِصًّا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّاجِحَ تَغْرِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمٌ وَلَا حَقَّ لَهُ وَبَقِيَ مَا إذَا كَانَ لَهُ حَقٌّ غَيْرُ مَالِيٍّ بِأَنْ قَذَفَهُ الْمَشْكُوُّ، أَوْ سَبَّهُ، أَوْ ضَرَبَهُ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي تَعَطَّلَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَكَثُرَ فِيهِ تَعَدِّي النَّاسِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَجَوْرُ الْأُمَرَاءِ، وَالْحُكَّامِ فَهَلْ يَضْمَنُ الشَّاكِي قَطْعًا، أَوْ تَجْرِي فِيهِ الْأَقْوَالُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ
(قَوْلُهُ، وَهَلْ يَضْمَنُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا شَكَا مَنْ غَصَبَهُ، أَوْ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِحَاكِمٍ ظَالِمٍ فَظَلَمَهُ وَغَرَّمَهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَفِي ضَمَانِ الشَّاكِي مَا غَرِمَهُ الْمَشْكُوُّ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَقُولُ إذَا كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا فِي شَكْوَاهُ بِأَنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى تَخْلِيصِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِحَاكِمٍ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ جَمِيعَ مَا غَرِمَهُ الْمَشْكُوُّ أُجْرَةَ الرَّسُولِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا،
وَإِنْ كَانَ الشَّاكِي مَظْلُومًا بِأَنْ كَانَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى خَلَاصِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِدْ حَاكِمًا عَادِلًا يُخَلِّصُهُ فَإِنَّمَا يَغْرَمُ لِلْمَشْكُوِّ قَدْرَ أُجْرَةِ الرَّسُولِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي يَقُولُ إنْ كَانَ ظَالِمًا غَرِمَ الْجَمِيعَ،
وَإِنْ كَانَ الشَّاكِي مَظْلُومًا فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا، وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَصْلًا سَوَاءٌ كَانَ ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إنْ كَانَ ظَالِمًا فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ اهـ.
قَالَ ح وَانْظُرْ لَوْ شَكَا رَجُلًا لِظَالِمٍ جَائِرٍ لَا يَتَوَقَّى قَتْلَ النَّفْسِ فَضَرَبَ الْمَشْكُوَّ حَتَّى مَاتَ فَهَلْ يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ دِيَتُهُ كَمَنْ فَعَلَ بِهِ مَا يَتَعَذَّرُ رُجُوعُهُ وَيَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ مِنْ الظَّالِمِ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ، وَأَحْرَى غَيْرُهُ) أَيْ كَالْمَدِينِ
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِصِحَّةِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلْغَاصِبِ
(قَوْلُهُ أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ إلَخْ
(قَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَظْلِمْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ مَظْلُومًا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّخْلِيصِ بِنَفْسِهِ وَعَدَمِ حَاكِمٍ عَادِلٍ
(قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ قَدْرَ أُجْرَةِ الرَّسُولِ) أَيْ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ رَسُولٌ أَحْضَرَ الْمَشْكُوَّ لِلْمَشْكُوِّ لَهُ
(قَوْلُهُ أَصَالَةً) أَيْ؛ لِأَنَّ أُجْرَةَ الرَّسُولِ عَلَى طَالِبِ الْحَقِّ
(قَوْلُهُ وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ إذْ كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَقُولُ إذَا كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ وَيَغْرَمُ أُجْرَةَ الرَّسُولِ أَيْضًا فَيُتَّجَهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ الثَّالِثِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ كَمَا عَزَاهُ لَهُمْ ابْنُ يُونُسَ
(قَوْلُهُ، وَالْمُفْتَى بِهِ بِمِصْرَ) أَيْ، وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ غُرْمُ الْجَمِيعِ إنْ كَانَ ظَالِمًا، وَإِلَّا فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا
(قَوْلُهُ، وَهِيَ) أَيْ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ.
(قَوْلُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ شَكَا رَجُلٌ رَجُلًا لِظَالِمٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الْحَقَّ فِي الْمَشْكُوِّ وَيُغَرِّمُهُ مَالًا، وَالْمَشْكُوُّ لَا تِبَاعَةَ لِلشَّاكِي عَلَيْهِ فَفِي ضَمَانِ الشَّاكِي مَا غَرِمَهُ الْمَشْكُوُّ وَثَالِثُهَا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا أَيْ بِأَنْ قَذَفَهُ الْمَشْكُوُّ، أَوْ سَبَّهُ
ص (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمَغْرَمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظُلِمَ أَوْ الْجَمِيعُ أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ) ش: الْقَوْلُ الْأَخِيرُ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ قَالَهُ الشَّيْخُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَابْنُ يُونُسَ وَانْظُرْ إذَا شَكَا شَخْصٌ رَجُلًا لِحَاكِمٍ جَائِرٍ لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ فَضَرَبَ الْمَشْكُوَّ حَتَّى مَاتَ هَلْ يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ .
Adds nothing on this mas’ala.
(وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظَلَمَ أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ لَا، أَقْوَالٌ) اُنْظُرْ مُقْتَضَى ابْنِ الْقَاسِمِ وَفَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ أَنْ لَا غُرْمَ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ دَلَّ لِصًّا " وَقَوْلُ ابْنِ يُونُسَ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِ مَنْ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَالْمُتَعَدِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَهُ إلَيْهِ تَجَاوَزَ فِي ظُلْمِهِ وَأَغْرَمَهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: عَلَيْهِ الْأَدَبُ وَقَدْ أَثِمَ. وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي مِثْلِ هَذَا إنْ كَانَ هَذَا السَّاعِي إلَى السُّلْطَانِ الصَّالِحِ أَوْ الْعَالِمِ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ فِي شَكْوَاهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَغْرَمَهُ الْوَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ،
وَإِنْ كَانَ السَّاعِي مَظْلُومًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْتَصِفَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَشَكَاهُ فَأَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ وَعَدَا عَلَيْهِ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الشَّاكِي؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَلْجَئُونَ مِنْ الظَّلَمَةِ إلَى السُّلْطَانِ،
وَيَلْزَمُ السُّلْطَانَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَغْرَمَ الشَّاكِي ظُلْمًا،
وَكَذَلِكَ مَا أَغْرَمَ الرَّسُولُ إلَى الْمُشْكِي وَهُوَ مِثْلُ مَا أَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ أَوْ الْوَالِي يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ ظُلْمِ الشَّاكِي وَبَيْنِ ظُلْمِ غَيْرِهِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُفْتِي أَنْ يَنْظُرَ الْقَدْرَ الَّذِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الشَّاكِي رَجُلًا فِي الْمَسِيرِ فِي إحْضَارِ الْمُشْكَى فَذَلِكَ عَلَى الشَّاكِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَغْرَمَهُ الرَّسُولُ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الصَّالِحِ وَالْمَظْلُومِ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى.
وَفُتْيَا الْأَشْيَاخِ عِنْدَنَا أَنَّ الشَّاكِي لِجَائِرٍ يَغْرَمُ لِلْمَشْكُوِّ بِهِ مَا غَرِمَ. اُنْظُرْ نَوَازِلَ شَيْخِ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ.
وَمِنْ نَوَازِلِ الْبُرْزُلِيُّ: جَرَتْ الْعَادَةُ فِيمَنْ رَفَعَ شِكَايَتَهُ لِقَائِدِ الْفَحْصِ وَنَحْوِهِ أَنَّ الْقَاضِيَ يُؤَدِّبُهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِظُلْمِهِ عِنْدَ هَذَا الْجَائِرِ لَا سِيَّمَا إذَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ إلَى الْقَاضِي فَيَدْعُوهُ هُوَ إلَى هَؤُلَاءِ الْحُكَّامِ، وَكَانَ بَعْضُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ يَأْمُرُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقٌّ أَنْ يَدْفَعَ إلَى هَؤُلَاءِ وَيَقُولُ: هُمْ أَهْيَبُ مِنْ الْقَاضِي وَأَجْهَزُ فِي الْقَضِيَّةِ، لَكِنْ إذَا عَلِمَ أَنَّ خَصْمَهُ لَا يَظْلِمُهُ هَذَا الْوَالِي وَإِنَّمَا يُوصِلُهُ بِسَطْوَتِهِ، إلَى حَقِّهِ.
وَارْتَضَى هَذَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ وَرُبَّمَا فَعَلَهُ فِي بَعْضِ حُقُوقِهِ انْتَهَى
(ص) وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمٍ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظَلَمَ أَوْ الْجَمِيعَ أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ (ش) يَعْنِي أَنَّ مَنْ اعْتَدَى عَلَى شَخْصٍ فَقَدَّمَهُ لِظَالِمٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِي ظُلْمِهِ وَيُغَرِّمُهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَضْمِينِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَقَالَ بَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ يُونُسَ إذَا كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا فِي شَكَوَاهُ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ لِلْمَشْكُوِّ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ الْمُعْتَادِ أَنْ لَوْ فُرِضَ أَنَّ الشَّاكِيَ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا وَإِلَّا لَيْسَ هُنَا رَسُولٌ بِالْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ
وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي أَخَذَهُ الرَّسُولُ فَإِنَّ الْمَشْكُوَّ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الشَّاكِي سَوَاءٌ كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا وَقَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ إنْ كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ الزَّائِدَ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ وَيَغْرَمُ أَيْضًا أُجْرَةَ الرَّسُولِ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَغْرَمُ الشَّاكِي شَيْئًا مُطْلَقًا أَيْ لَا مِنْ الزَّائِدِ عَلَى أُجْرَةِ الرَّسُولِ وَلَا مِنْ أُجْرَةِ الرَّسُولِ ظَالِمًا كَانَ فِي شَكَوَاهُ أَوْ مَظْلُومًا وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ فَقَطْ إنْ كَانَ ظَالِمًا فِي شَكَوَاهُ فَقَوْلُهُ زَائِدًا مَفْعُولُ يَضْمَنُ وَفَاعِلُ ظَلَمَ الشَّاكِي وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَغْرَمْ الزَّائِدَ بَلْ يَغْرَمُ قَدْرَ أُجْرَةِ الرَّسُولِ فَقَطْ وَقَوْلُهُ أَوْ الْجَمِيعَ أَيْ أَوْ يَضْمَنُ إنْ ظَلَمَ جَمِيعَ الْغُرْمِ مِنْ قَدْرِ أُجْرَةِ الرَّسُولِ وَالزَّائِدِ وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَغْرَمْ الْقَدْرَ وَلَا الزَّائِدَ وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَيْ بِاعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْلِمْ يَغْرَمُ أُجْرَةَ الرَّسُولِ فَقَطْ وَمَفْهُومُ الثَّانِي إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَا يَضْمَنُ الْقَدْرَ وَلَا الزَّائِدَ وَقَوْلُهُ أَوْ لَا أَيْ أَوْ لَا يَغْرَمُ الشَّاكِي الظَّالِمُ شَيْئًا فَأَحْرَى إنْ لَمْ يَظْلِمْ فَهُوَ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَاَللَّذَانِ قَبْلَهُ مَفْهُومَا مُخَالَفَةٍ فَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ مَفْهُومًا وَنَصَّا عَلَى أَقْوَالِ ابْنِ يُونُسَ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا الشُّيُوخُ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قَوْلَيْنِ اُنْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ وَالضَّمِيرُ فِي شَاكِيهِ يَرْجِعُ لِلْغَاصِبِ وَأَحْرَى غَيْرُهُ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ ظَلَمَ فِي شَكَوَاهُ.
(قَوْلُهُ لِمُغَرَّمٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ مُتَعَلِّقًا بِيَضْمَنُ وَبِكَسْرِهَا مُتَعَلِّقًا بِشَاكِيهِ أَيْ لِظَالِمٍ وَالضَّمِيرُ فِي شَاكِيهِ لِلْغَاصِبِ لَا يُقَالُ الْغَاصِبُ ظَالِمٌ بِغَصْبِهِ فَشَاكِيهِ غَيْرُ ظَالِمٍ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُ ضَمِيرِ شَاكِيهِ لِلْغَاصِبِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِظُلْمِهِ فِي شَكَوَاهُ حَيْثُ قَدَرَ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَصِفُ مِنْهُ بِدُونِ شَكَوَاهُ فَلَا يُنَافِي كَوْنَ شَاكِيهِ ظَالِمًا وَلَكِنْ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ نَصُّ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ وَقَالُوا فِيمَنْ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ وَقَدَّمَهُ لِلسُّلْطَانِ وَالْمُتَعَدِّي يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَهُ إلَيْهِ تَجَاوَزَ فِي ظُلْمِهِ فَأَغْرَمَهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَاخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِهِ فَقَالَ كَثِيرٌ عَلَيْهِ الْأَدَبُ وَقَدْ أَثِمَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُفْتِي إنْ كَانَ الشَّاكِي ظَالِمًا فِي شَكْوَاهُ غَرِمَ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْتَصِفَ مِنْهُ إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَشَكَاهُ فَأَغْرَمُهُ وَعَدَا عَلَيْهِ لَمْ يَغْرَمْ لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَلْجَئُونَ فِي الْمَظْلِمَةِ إلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى السُّلْطَانِ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ ظُلْمًا مِنْ الْمَشْكُوِّ
وَكَذَا مَا أَغْرَمَتْهُ الرُّسُلُ هُوَ مِثْلُ مَا أَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ ظَلَمَهُ الشَّاكِي وَغَيْرُهُ وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُفْتِي بِأَنْ يُنْظَرَ لِلْقَدْرِ الَّذِي يَسْتَأْجِرُ بِهِ الشَّاكِي فِي إحْضَارِ الْمَشْكُوِّ فَيَكُونُ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَغْرَمَتْهُ الرُّسُلُ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ اهـ أَقُولُ إذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ وَعَلِمْت صَدْرَ عِبَارَةِ شَارِحِنَا تَعْرِفُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُتَجَاوِزٌ فَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاكِي بِاتِّفَاقٍ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ حَيْثُ فَرَضَ أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ اعْتَدَى عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ فَكَيْفَ يُقَالُ إنْ كَانَ ظَالِمًا أَوْ غَيْرَ ظَالِمٍ مَعَ أَنَّهُ مَتَى اتَّصَفَ بِالِاعْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا ظَالِمًا ثُمَّ أَقُولُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّكْوَى أَنْ يَقُولَ لِلظَّالِمِ أَشْتَكِي لَك فُلَانًا بِدِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ تَأْخُذُهُ مِنْهُ كَمَا يَقَعُ الْآنَ بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَشْكُوَ ظُلَامَتَهُ
وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِنْ النَّاسِ الْآنَ يَقُولُ لِلظَّالِمِ أَشْكُو لَك فُلَانًا بِأَلْفٍ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ مِنْ بَابِ مَنْ دَلَّ لِصًّا
وَالْمُعْتَمَدُ الضَّمَانُ وَقَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ إلَخْ لَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ بِرَسُولٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ النَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ.
(تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْحَطَّابُ وَانْظُرْ لَوْ شَكَا شَخْصٌ لِحَاكِمٍ جَائِرٍ لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ فَضَرَبَ الْمَشْكُوَّ حَتَّى مَاتَ هَلْ يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَوْ لَا اهـ. وَالظَّاهِرُ ضَمَانُ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ كَحُرٍّ تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ
(قَوْلُهُ وَاقْتَصَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ) كَلَامٌ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِيمَنْ دَلَّ ظَالِمًا عَلَى مَا أَخْفَاهُ رَبُّهُ عَنْهُ هَلْ يَضْمَنُ أَوْ لَا
ثُمَّ ذَكَرَ أَقْوَالًا ثَلَاثَةً فِي مَسْأَلَةِ الشَّاكِي بِالضَّمَانِ مُطْلَقًا، عَدَمُهُ مُطْلَقًا، الضَّمَانُ إنْ ظَلَمَ.
(تَنْبِيهٌ) : عَزَا ابْنُ يُونُسَ الْقَوْلَ الْأَخِيرَ لِلْكَثِيرِ قَالَ عج وَهُوَ يُشْعِرُ بِتَرْجِيحِهِ مَعَ أَنَّ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى بِمِصْرَ هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَقَالَ اللَّقَانِيِّ إنَّ أَظْهَرَ الْأَقْوَالِ وَأَصْوَبَهَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ فَكَانَ يَنْبَغِي الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ
(وَ) إنْ شَكَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَاصِبَهُ لِظَالِمٍ فَغَرَّمَهُ زَائِدًا عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ فَ (هَلْ يَضْمَنُ) مَغْصُوبٌ مِنْهُ (شَاكِيهِ) أَيْ الْغَاصِبِ (لِ) شَخْصٍ (مُغَرِّمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إنْ ظَلَمَ، أَوْ الْجَمِيعَ، أَوْ لَا؟ أَقْوَالٌ [منح الجليل] الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ صِلَةُ شَاكِي وَفَتْحُهَا صِلَةُ يَضْمَنُ مَالًا (زَائِدًا عَلَى قَدْرِ) أُجْرَةِ (الرَّسُولِ) الَّذِي يَجْلِبُهُ لِلْقَاضِي (إنْ ظَلَمَ) الشَّاكِي فِي شَكْوَاهُ بِأَنْ وَجَدَ حَاكِمًا مُنْصِفًا وَاشْتَكَاهُ إلَى الظَّالِمِ عَالِمًا بِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ الشَّرْعِيَّ وَيُغَرِّمَهُ زَائِدًا عَمَّا يَلْزَمُهُ غُرْمُهُ، وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِ ابْنِ يُونُسَ.
وَمَفْهُومُ إنْ ظَلَمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَظْلِمْ فِي شَكْوَاهُ بِأَنْ لَمْ يُمْكِنُهُ أَخْذُ حَقِّهِ إلَّا بِشَكْوَاهُ لِلظَّالِمِ فَلَا يَغْرَمُ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ الرَّسُولِ، وَيَغْرَمُ أُجْرَتَهُ فَقَطْ لِأَنَّهَا عَلَى الطَّالِبِ. (أَوْ) يَضْمَنُ الشَّاكِي لِمُغَرِّمِ الظَّالِمِ (الْجَمِيعَ) أَيْ جَمِيعَ مَا غَرَّمَهُ الظَّالِمُ لِلْمَشْكُوِّ ابْنُ يُونُسَ بِهِ أَفْتَى بَعْضُ شُيُوخِنَا وَإِنْ لَمْ يَظْلِمْ فِي شَكْوَاهُ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا أَصْلًا (أَوْ لَا) يَضْمَنُ لِلشَّاكِي شَيْئًا مُطْلَقًا،
وَإِنْ ظَلَمَ فِي شَكْوَاهُ وَإِنْ أَثِمَ وَأُدِّبَ إنْ ظَلَمَ وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ فِي الْجَوَابِ (أَقْوَالٌ) ثَلَاثَةٌ. " ق " ابْنُ يُونُسَ اُخْتُلِفَ فِي تَضْمِينِ مَنْ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَالْمُعْتَدِي يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا قَدَّمَهُ إلَيْهِ يَتَجَاوَزُ فِي ظُلْمِهِ، وَيُغَرِّمُهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ الْأَدَبُ، وَقَدْ أَثِمَ، وَكَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يُفْتِي فِي مِثْلِ هَذَا إذَا كَانَ هَذَا السَّاعِي إلَى السُّلْطَانِ الظَّالِمِ أَوْ الْعَامِلِ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ فِي شَكْوَاهُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَغْرَمَهُ الْوَالِي بِغَيْرِ حَقٍّ،
وَإِنْ كَانَ السَّاعِي مَظْلُومًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْتَصِفَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ إلَّا بِالسُّلْطَانِ فَشَكَاهُ فَأَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ وَعَدَا عَلَيْهِ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الشَّاكِي لِأَنَّ النَّاسَ يَلْجَئُونَ مِنْ الظَّلَمَةِ إلَى السُّلْطَانِ،
وَيَلْزَمُ السُّلْطَانَ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَغْرَمَ الشَّاكِيَ ظُلْمًا،
وَكَذَلِكَ مَا أَغْرَمَتْ الرُّسُلُ إلَى الْمَشْكِيِّ وَهُوَ مِثْلُ مَا أَغْرَمَهُ السُّلْطَانُ أَوْ الْوَالِي يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ ظُلْمِ الشَّاكِي وَعَدَمِهِ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُفْتِي بِأَنْ يُنْظَرَ إلَى الْقَدْرِ الَّذِي لَوْ اسْتَأْجَرَ الشَّاكِي رَجُلًا فِي إحْضَارِ الْمَشْكِيِّ، فَذَلِكَ عَلَى الشَّاكِي عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِمَّا أَغْرَمَتْهُ الرُّسُلُ فَيُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الظَّالِمِ وَالْمَظْلُومِ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ. " غ " زَائِدًا مَفْعُولُ يَضْمَنُ، وَفَاعِلُ ظَلَمَ الشَّاكِي.
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ إنْ لَمْ يَظْلِمْ لَمْ يَغْرَمْ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ أُجْرَةِ الرَّسُولِ فَقَطْ قَوْلُهُ أَوْ الْجَمِيعَ أَيْ أَوْ يَضْمَنَ إنْ ظَلَمَ جَمِيعَ الْمَغْرَمِ مِنْ قَدْرِ أُجْرَةِ الرَّسُولِ وَالزَّائِدَ. وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُ إنْ وَمَلَكَهُ إنْ اشْتَرَاهُ،
وَلَوْ غَابَ [منح الجليل] لَمْ يَظْلِمْ لَا يَغْرَمُ الْقَدْرَ وَلَا الزَّائِدَ، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ قَوْلِهِ أَوَّلًا، أَيْ أَوْ لَا يَضْمَنُ الشَّاكِي الظَّالِمُ شَيْئًا فَأَحْرَى إنْ لَمْ يَظْلِمْ فَهَذَا مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ وَاَللَّذَانِ قَبْلَهُ مَفْهُومَا مُخَالَفَةٍ، فَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَقْوَالِ ابْنِ يُونُسَ الثَّلَاثَةِ.
وَأَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَازِرِيِّ، وَنَصُّهُ الْمَازِرِيُّ فِي ضَمَانِ الْمُتَسَبِّبِ فِي إتْلَافٍ بِقَوْلِهِ كَصَيْرَفِيٍّ، قَالَ فِيمَا عَلِمَهُ زَائِفًا طَيِّبًا وَكَخَبَرِ مَنْ أَرَادَ صَبَّ زَيْتٍ فِي إنَاءٍ عَلِمَهُ مَكْسُورًا بِأَنَّهُ صَحِيحٌ، وَكَدَالٍّ ظَالِمًا عَلَى مَا أَخْفَاهُ رَبُّهُ عَنْهُ قَوْلَانِ، وَعَزَاهُمَا أَبُو مُحَمَّدٍ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
الْمَازِرِيُّ كَقَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي لُزُومِ الْجَزَاءِ مَنْ دَلَّ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ بِدَلَالَتِهِ،
وَلَوْ شَكَا رَجُلٌ رَجُلًا لِظَالِمٍ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ الْحَقَّ فِي الْمَشْكُوِّ أَوْ يُغَرِّمُهُ مَالًا وَالْمَظْلُومُ لَا تِبَاعَةَ لِلشَّاكِي عَلَيْهِ، فَفِي ضَمَانِ الشَّاكِي مَا غَرِمَهُ الْمَشْكُوُّ قَوْلَانِ، وَثَالِثُهَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مَظْلُومًا. الْحَطّ اُنْظُرْ إذَا شَكَاهُ لِظَالِمٍ لَا يَتَوَقَّفُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ فَضَرَبَهُ حَتَّى مَاتَ، فَهَلْ يَلْزَمُ الشَّاكِيَ شَيْءٌ أَمْ لَا اهـ. قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ قَوْلِهِ كَحُرٍّ بَاعَهُ إلَخْ، فَقَدْ قَالُوا لَا مَفْهُومَ لِلْبَيْعِ، بَلْ كُلُّ مَنْ فَعَلَ بِحُرٍّ فِعْلًا تَعَذَّرَ عَوْدُهُ مَعَهُ، فَهَذَا حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
وهل يضمن شاكيه لمغرم زائدا على قدر أجرة الرسول، قوله: "لمغرم" بضم الميم وفتح الراء مشددة ومخففة متعلق "بيضمن" ، وبكسرها مشددة ومخففة متعلق بشاكيه، ومعنى كلام المصنف أن من تعدى على شخص بأخذ مال منه أو بمنعه حقا له عليه فشكا ذلك الشخص المتعديَ إلى من غرمه أكثر مما يستوجبه المشكوُّ، فإنه اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها أن الشاكي يضمن الزائد على ما يستوجبه المشكو أي يغرم جميعه للمشكو إن ظلم الشاكي في شكوه بأن قدر على أن ينتصف من المطلوب بدون شكواه، فتعدى بشكوه إلى المشكو إليه فغرمه ما لا يجب عليه فيغرم جميعه أي قدر ما يستأجر به الشاكي رسولا لو فرض أنه استأجره وما زاد على ذلك، وعلى هذا القول إن لم يظلم الشاكي بل كان هو المظلوم فقط فإن الشاكي يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول لو فرض هناك رسول، وتحقيق هذا القول أن الشاكي يغرم جميع الزائد إن كان ظالما في شكواه،
فإن لم يظلم فإنما يغرم للمشكو قدر أجرة الرسول. ثانيها أشار إليه بقوله: أو الجميع يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي يضمن للمشكو جميع الزائد إن كان الشاكي ظالما في شكواه أي يضمن أجرة الرسول والزائد عليها إن ظلم،
وأما إن لم يظلم الشاكي فلا يغرم للمشكو شيئا لا زائدا ولا غيره، وتحقيق الفرق بين هذين القولين أنهما متفقان على أن الشاكي يضمن الجميع إن ظلم ومختلفان إن لم يظلم، فالأول يوجب غرم قدر أجرة الرسول فقط لا غير،
والثاني لا يوجب غرم شيء لا أجرة ولا غيرها. ثالثها أشار إليه بقوله: أولا يعني أن من الشيوخ من قال: إن الشاكي لا غرم عليه فلا يغرم زائدا ولا غيره، وسواء كان الشاكي ظالما أو مظلوما وإنما عليه الأدب فقط. وقوله: أقوال مبتدأ حذف خبره أي في ذلك ثلاثة أقوال: الأول لبعض شيوخ ابن يونس،
والثاني لبعض الأشياخ، قال عبد الباقي: المفتى به بمصر الثاني وهو الموافق لقول ابن عاصم في أجرة الرسول: وأجرة العون على طالب حق … ومن سواه إن ألد تستحق فقد جعل الأجرة على المطلوب إن كان ملدا وهو بلدده ظالم فشاكيه غير ظالم، كما أنه إذا كان غير ملد يقتضي كون شاكيه ظالما، وظاهر كلامهم جريان هذه الأقوال سواء قدر المظلوم على الرجوع على الظالم أم لا. انتهى.
والثالث عزاه ابن يونس للكثير، قال عبد الباقي: وهو يشعر بترجيحه. انتهى. قال البناني: فيه نظر، بل الذي يدل على ترجيحه ما في الحطاب من عزوه لأكثر الأصحاب. انتهى. قوله وهل يضمن شاكيه لخ لا يختص بالغاصب كما نص عليه غير واحد.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.