فَفِي الدَّابَّةِ وَأَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ
Its commentaries
(فَفِي الدَّابَّةِ) تُسْتَعْمَلُ فِي رُكُوبٍ وَنَحْوِهِ (وَ) فِي (أَمَةِ الْخِدْمَةِ) تُسْتَخْدَمُ (السَّنَتَانِ) فَلَا كَلَامَ لِلْمُدَّعِي الْأَجْنَبِيِّ بَعْدَهُمَا وَلَا تُسْمَعُ لَهُ بَيِّنَةٌ
Adds nothing on this mas’ala.
(قَوْلُهُ تُسْتَعْمَلُ فِي رُكُوبٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَالْحَرْثِ وَالدَّرْسِ وَالسَّاقِيَّةِ وَالطَّاحُونِ وَاحْتُرِزَ عَنْ دَابَّةٍ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالْجَامُوسِ فَإِنَّهَا كَالْعَرْضِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى السَّنَتَيْنِ
Adds nothing on this mas’ala.
(وَ) فِي (أَمَةِ الْخِدْمَةِ السَّنَتَانِ وَيُزَادُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ عَلَى السَّنَتَيْنِ
Adds nothing on this mas’ala.
بقوله: ففي الدابة وأمة الخدمة السنتان يعني أن مدة الحيازة في الدابة وأمة الخدمة السنتان فأكثر بالنسبة للأجنبي، ويزاد على ثلاث سنين لا على سنتين كما يوهمه المص في عبد لخدمة أو غيرها، كتجر وعرض ثوبا أو غيره، قوله: "ففي الدابة" تركب وأمة الخدمة تستخدم قاله عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: ففي الدابة إذا كانت تركب والظاهر أن استعمالها في غير الركوب كاستعمالها فيه، وأمة الخدمة إذا كانت تستخدم السنتان،
وأما إن لم تركب الدابة ولم تستخدم الأمة فالظاهر أن حكمهما حكم العرض، ويفهم من قوله: "وأمة الخدمة" أن أمة الوطء بمنزلة الهبة والصدقة وطئها ،
وإن لم يحصل فيها وطء بالفعل فالظاهر أنه يفيتها أقل من ذلك، لأن التي شأنها الوطء شأنها أن يسارع لوطئها فهي مظنة الوطء، وانظر هل يفيتها سنة أم لا؟ وظاهر قوله: "ويزاد في عبد وعرض" أنه يكتفي بثلاث سنين وليس كذلك، بل لابد من الزيادة على ثلاث سنين كما في النقل.
قال في الحاشية: والزيادة هنا باجتهاد الحاكم. اهـ.
وقال الحطاب مفسرا للمص: يعني أنه إنما يفرق بين الدور وغيرها في مدة الحيازة إذا كانت الحيازة بين الأجانب،
وأما في حيازة القرابة بعضهم على بعض فلا يفرق بين الدور وغيرها. قال ابن رشد: إن الأقارب الشركاء بالميراث أو بغير الميراث لا خلاف أن الحيازة بينهم لا تكون بالسكنى والازدراع، ولا خلاف أنها تكون بالتفويت بالبيع والهبة والصدقة والعتق والكتابة والتدبير والوطء،
وإن لم تطل المدة والاستخدام في الرقيق والركوب في الدواب كالسكنى فيما يسكن والازدراع فيما يزرع، والاستغلال في ذلك كالهدم والبنيان في الدور وكالغرس في الأرضين، ثم قال: ولا فرق في مدة حيازة الوارث على وارثه بين الرباع والأصول والثياب والحيوان والعروض، وإنما يفترق ذلك في حيازة الأجنبي مال الأجنبي بالسكنى والازدراع في الأصول والاستخدام والركوب واللباس في الرقيق والدواب والثياب، فقد قال أصبغ: إن السنة والسنتين في الثياب حيازة إذا كانت تلبس وتمتهن،
وأن السنتين والثلاث حيازة في الدواب إذا كانت تركب،
وفي الإماء إذا كن يستخدمن،
وفي العبيد والعروض فوق ذلك، ولا يبلغ في شيء من ذلك كله بين الأجنبيين إلى العشرة الأعوام كما يصنع في الأصول. اهـ. وعلم من كلام ابن رشد أن اللباس في الثياب كالسكنى في الدور، وأنه لا تحصل به حيازة بين الأقارب ولو طالت المدة،
وأن الاستغلال في الرقيق والدواب والثياب بمعنى قبض أجرة العبيد والدواب والثياب كالهدم والبنيان في العقار، فلا تحصل الحيازة بين الأقارب في الرقيق والدواب والثياب والعروض إلا في الاستغلال،
ويختلف في مدتها على القولين السابقين الذين أشار إليهما المص بقوله: "وفي الشريك القريب معهما قولان" أو بالأمور المفوتة كالبيع والهبة والصدقة والعتق والوطء " ويعلم من كلام المص لأنه لا جعل ذلك مفوتا بين الأب وابنه، علم أنه مفوتٌ في حق غيرهما من باب أحرى. والله أعلم. وفهم من قوله: " في الأجنبي" أن القريب لا تفترق الدار من غيرها في حقه: سواء كان شريكا أو غير شريك، ففيه إشارة إلى ترجيح القول بتساويهما كما تقدم، وتقدم في كلام ابن رشد أن الثياب تكفي في حيازتها السنة والسنتان ولم يتعرض لها المص، بل قد فهم من كلامه دخولها في العروض، تنبه لذلك.
اهـ. وقال البناني: إنما اعتمد المص في هذا الحصر كلام ابن رشد الذي نقله المواق والحطاب وغيرهما، واعترضه مصطفى بأن ابن رشد لم يستند فيما ذكره من التفريق إلا لأصبغ، فاقتضى كلامه أن أصبغ سوى بين العقار والثياب وما معها في القريب مع أن أصبغ فرق بينهما فيه أيضا،
ففي ابن سلمون قال أصبغ ومطرف: وأما حيازة الشريك الوارث عمن ورث عنه في العروض والعبيد بالاختدام واللبس والامتهان منفردا به على وجه الملك له، فالقضاء فيه أن الحيازة في ذلك فوق العشرة الأعوام على قدر اجتهاد الحاكم عند نزول ذلك. اهـ. ولذا اعترض ابن مرزوق عبارة المص قائلا: مفهوم الحصر يقتضي مساواة الدار وغيرها بالنسبة للأقارب في مدة الحيازة، ولا عمل على هذا المفهوم لمخالفته النص، قال ابن يونس وغيره عن مطرف: وما حاز الشركاء والورثة من العبيد والإماء والدواب والحيوان وجميع العروض تختدم وتركب وتمتهن العروض، فلا يقطع حق الباقين ما لم يطل، والطول في ذلك دون الطول بينهم في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع وفوق حيازة الأجنبي عن الأجنبيين.
اهـ. كلام ابن مرزوق. وما نقله ابن يونس عن مطرف يرجع لنقل ابن سلمون عنه مع أصبغ، وقوله: والطول في ذلك دون الطول في حيازة الدور والأرضين بالسكنى والازدراع لأن مدة ذلك بالنسبة للسكنى والازدراع في كلام ابن عاصم وغيره أزيد من أربعين سنة، ونقله في شرح التحفة عن المنتقى خلافا لقول ابن رشد: لا حيازة بين الورثة الشركاء بالسكنى والازدراع وإن طال الزمن جدا، فقد ظهر لك أن أصبغ كما فرق بين العقار وغيره في الأجنبي فرق في الأقارب،
وأما ابن القاسم فسوى بين الأصول وغيرها في الأجنبي،
كما سوى بينهما في الأقارب ت ففيها: قال ابن القاسم: ومن حاز على حاضر عروضا أو حيوانا أو رقيقا فذلك كالحيازة في الربع. اهـ. ولم أر التفصيل الذي سلكه ابن رشد من التفريق في الأجنبي فقط إلا أنه رجل حافظ ولعله تفقه له، فتأمل ذلك. وقد جرى الحطاب على طريق ابن رشد معتمدا عليه،
وأما الأجهوري فقال: اعتراض ابن مرزوق صحيح، بل ربما يتعين المصير إليه لموافقته لما في النوادر، وهو مقدم على ما يدل عليه كلام ابن رشد. اهـ من مصطفى باختصار. والله سبحانه أعلم. اهـ. كلام البناني. تنبيهات: الأول: قال الرهوني: قال التاودي: مما ينبغي أن يدرج في قوله ونحوه؛ يعني. قوله: إلا بإسكان ونحوه،
فرع ابن الحاج: من قام بعقد ابتياع من القوم عليه أو من أبيه قبله وتاريخ الابتياع أكثر من عشرين سنة،
وقال: لم يعلم بشراء أبيه ولا جده إلى الآن فليحلف على ذلك ويأخذ الأملاك. اهـ. وهو ظاهر ولا يعارضه ما تقدم من أن رسوم الأشرية بمجردها لا تفيد ولا ينتزع بها من يد حائز مثل شهادة السماع، كما اعترض به صاحب المعيار على ابن الحاج قائلا: فتواه مخالفة لما دلت عليه المنصوص، وشهد لاعتباره المنصوص إلى آخر كلامه، لأنا نقول محل ذلك إذا لم يكن الشراء من المقوم عليه، كما قال ابن لب: عقود الأشرية لا تكون حجة إلا على جهة البائع.
الثاني: قال يحيى: سألت ابن القاسم عن رجل أمدق امرأة عن ابنه منزلا، فلما دخل ابنه بالمرأة أخذت النزل إلا حقولا يسيرة تركتها في يد حموها، فلم تزل في يده حتى مات بعد طول زمان، ثم أرادت المرأة أخذها فمنعها ورثة الحمو، وقالوا: قد عايشته زمانا من دهرك وهي في يده ولا تشهدين عليه بعارية ولا كراء ولا ندري لعله أرضاك من حقك، أترى للمرأة في ذلك حقا؟ قال نعم: لها أن تأخذ تلك الحقول التي هي مما كان أصدقها الحمو عن ابنه، ولا يضرها طول ما تركت ذلك في يد الحمو لأنها ليست بالصدقة فتلزم حيازتها،
وإن الصداق ثمن من الأثمان،
قال: وكذلك لو تركت كل [ما] أصدقته في يد الحمو لم يضرها ذلك، قال القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة لا إشكال فيها لأنه حقها تركته في يده، فلا يضرها ذلك طال الزمان أو قصر، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم) ، وليس هذا من وجه الحيازة التي ينتفع الحائز بها، ويفرق فيها بين القرابة والأجنبيين والأصهار؛ إذ قد عرف وجه كون الأحقال بيد [الحمو] فهي على ذلك محمولة حتى يعرف مصيرها إليه بوجه صحيح؛
لأن الحائز لا ينتفع بحيازته إلا إذا جهل أصل مدخله فيها، وهذا أصل في الحكم بالحيازة وبالله التوفيق. اهـ. نقله الحطاب، والرهوني. قال الرهوني: قوله في الرواية: عايشته، كذا وجدته في نسختين من البيان بالشين المعجمة، من العيش وهو في جميع ما وقفت عليه من نسخ الحطاب قد عاينته بالنون من المعاينة، والمعنى صحيح على كل منهما والأول أوجه. والله أعلم. اهـ. الثالث: قال الحطاب: أَصّلَ ابن رشد أن ترجيح الحيازة إنما هو فيما جهل أصله،
وأما إذا ثبت أصلها بكراء أو إعارة أو إعمار أو غير ذلك فلا يزال الحكم كذلك وإن طال الزمان، ثم جلب على ذلك مسألة يحيى، قال: سألت ابن القاسم إلى آخر ما مر. والله تعالى أعلم. الرابع: قال الخرشي: والمراد بالأجنبي يعني من قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي أعم من أن يكون شريكا أو لا، ونقل عن بعض الشراح أن قوله: وإنما تفترق الدار من غيرها في الأجنبي أي غير الشريك: وكان ينبغي أن يقول العقار.
اهـ. وفي مختصر الواضحة: وإذا قضي للرجل على الرجل بشيء فلم يخرجه المقضي له من يد من قضي عليه حتى تقادم زمانه وحازه عليه بعد أن قضي له بذلك لا يسقط حق المقضي له، ونحو هذه المسألة في البيان. نقله في التبصرة.
الخامس: قال في التبصرة: وحكم تفويت الأجنبي ملك الأجنبي ببيع ونحوه، وتفويت القرابة ذلك بالبيع أو الوطء أو العتق يفترق الجواب فيه، وفيه تفصيل بين تفويت الكل أو الأكثر أو الأقل أو النصف، انظر ذلك في البيان والتحصيل لابن رشد مستوفى. اهـ. قال مقيد هذا الشرح عفا الله عنه: انظر هذا عند قول المص: "إلا أن يطول معهما ما تهلك البينات وينقطع العلم" معزوا للشبراخيتي، فإنه استوفى فيه ذلك. والله تعالى أعلم.
انتهى. السادس: قال في التبصرة: قال ابن رشد اختلف في الأب والابن هل يحوز كل منهما على صاحبه بالهدم والبنيان والغرس أم لا؟ على قولين، المشهور أنه لا يحوز عليه بذلك إن ادعاه ملكا لنفسه، قام عليه في حياته أو بعد وفاته، قال ابن رشد: يريد والله أعلم إلا أن يطول الأمر إلى ما تهلك فيه البينات وينقطع العلم، والقول الثاني أنه يحوز عليه بذلك، قام عليه في حياته او على سائر ورثته بعد وفاته إذا ادعى ملكا لنفسه، ومثل الأب والابن الأب والجد ولا اختلاف أنه لا تكون الحيازة بينهما بالسكنى والازدراع ولا بالاستخدام والاتفاق، على أنها تكون بالتفويت من المبيع والهبة والصدقة والعتق والتدبير والكتابة والوطء.
اهـ. فروع في مسائل متفرقة في القضاء والشهادات، الفرع الأول: إذا نهى الحاكم أحد الخصمين عن الكلام فلم يفعل، وأتى بالحجج ليخلط على صاحبه ويمنعه من الكلام ويكثر معارضته في الكلام، أمر القاضي بأدبه. قاله في التبصرة.
وإذا غلط الشاهد في مجلس القاضي في نقص الشهادة، فعلى القاضي أن يأمر الخصمين ألَّا يعرضا له لا المدعي بتلقين ولا المدعى عليه بتوبيخ،
فإن اقتحم أحدهما ذلك بعد النهي أمر بأدبه. قاله سحنون. وكان سحنون إذا غلط عنده الشاهد في شهادته أعرض عنه وأمر المكاتب أن لا يكتب، وربما قال له: تثبت ثم يردده،
فإذا ثبت على شهادته أمر كاتبه فكتب لفظ الشاهد ولا يزيد ولا ينقص، وليمنع القاضي ذات الجمال والنطق الرخيم أن تباشر الخصومة ويأمرها أن توكل وكيلا.
وقال المازري: إذا كانت الدعوى على امرأة شابة لها جمال ويخاف عليها إن تكلمت أن يؤدي سماع كلامها إلى الشغف بها، فإنها تؤمر أن توكل. وقد حضرت الغامدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أقرت بالزنى،
فأمر برجمها: وقال صلى الله عليه وسلم في المرأة الأخرى: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، فلم يأمر بإحضارها ولعلها كانت على حال لا يحسن إحضارها وخطابها بمحضر الناس، وينبغي للقاضي أن يؤدب من قام بشكية بغير حق أو ادعى باطلا وأقل ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد عن ذلك. قاله في التبصرة.
وإذا توجه الحق لأحد الخصمين بتغيب خصمه، فأراد من الحاكم رسولا يعينه على طلبه فيجب على الحاكم إجابته إلى ذلك،
وإذا دخل عليه الخصمان فلا يسألهما من المدعي منهما، بل يسكت حتى يبدأ أحدهما بالكلام.
وقال بعضهم: يسألهما، قال ابن أبي زمنين: وهذا شأن حكام العدل.
وقال المازري: هو بالخيار إن شاء سكت عنهما حتى [ينظر] أحدهما ويستدعي من القاضي الجواب،
وإن شاء سألهما جميعا بلفظ التثنية، فقال: ما لكما أو ما حاجتكما، ولا يخص أحدهما بالسؤال لأن سؤال أحدهما يشعر بعناية القاضي به وإقباله عليه دون خصمه، والقاضي مأمور بالعدل بينهما في مدخلهما إليه فلا يأذن لأحدهما قبل الآخر،
وفي مخرجهما عنه فلا يصرف أحدهما قبل الآخر وإقباله بوجهه عليهما وفي كلامه لهما. وقد نزل ضيف بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فخوصم عنده، فأمر ضيفه أن يتحول عنه من منزله ولا يحلف المدعى عليه إذا أنكر إلا بإذن خصمه، إلا أن يكون شاهد من حاله أنه أراد ذلك من القاضي، وينبغي للقاضي موعظة الخصمين وتعريفهما بأن (من خاصم في باطل فإنه خَائِضٌ في سخط الله)،
ومن حلف ليقطع مال أخيه بيمين فَاجِرَةٍ فليتبوأ مقعده من النار)، ويعظ الشهود أيضا كما رُوي عن شريح انه كان يقول لمن يشهد عنده: إنما يقضي على هذا المسلم أنتما بشهادتكما وإني مُتّقٍ بكما من النار فاتقيا الله والنار، ولا ينبغي للقاضي أن يصرف من ابتدأ التحاكم عنده رجاء أن يظهر حقه عند غيره، بل يعجزه إن عجز ويقطع عن المطلوب تعنيته إياه، وينبغي للراغب في هذا أن يختار لنفسه الحاكم الذي يظن ظهور حقه عنده،
وأما بعد ابتدائه عند حاكم ثم يريد العدول عنه إلى آخر فغير سائغ له. مسألة: قال ابن حبيب: قال مطرف في القاضي يتواضع الخصمان عنده الحُجَجَ فيقول لهما اجتهدا فإني لست أقيلكما فيضعان حجتهما ويوقع ذلك في ديوان القاضي، ثم يريد أن يتحول من حجته إلى حجة أخرى: فأنا أرى له أن يقيل الناس من حججهم؛ لأن الرجل قد يضع حجة فيسقط منها كثيرا نسيانا أو عجلا أو حصرا إلا أن يستوعب أمر الخصمين بالكشف عن أمرهما ويعجزا له أنفسهما، ويقولان: ليس عندنا من الحجج والبينات إلا الذي وضعنا عندك،
ثم إن القاضي وقف يستشير في ذلك، فحينئذ إن بدا لأحدهما أن ينتقل عن حجته تلك إلى غيرها تكون أنفع له لم يكن له ذلك إلا أن يرى القاضي ذلك ويثبت عنده عذره،
فإن أتى ببينة وكان قد عجز نفسه عنها،
فإن رآى السلطان أن بينته تلك كانت غائبة عنه غيبة بعيدة أو لم يكن يعرفها قبل ذلك نظر له ما لم يفصل الحاكم بينهما، فحينئذ لا ينظر له في بينة ولا يعذره بغيبتها وما خفي عنه من أمرها،
وكذا لو أراد أن يأتي بحجة لم يكن أتى بها أو يجرح من تمكن من جرحه فلم يفعل لم يكن له شيء من ذلك ومضى أمره، وهذا الذي عليه أمر الحكام بالمدينة، ولا بأس أن يقضي القاضي بين الخصمين له على أحدهما دين إذا كان به موسرا،
فإن كان به معسرا لم يجز له النظر بينهما. قاله مطرف.
ولو شهد عند القاضي رجلان أن رجلا سرق متاع القاضي قطعه ولم يُغرِّمْه حتى يرفعه إلى غيره لأن السرقة حق له وهو لا يحكم لنفسه.
وفي ابن يونس: ولا ينبغي له أن يحكم بين أحد من عشيرته وبين خصمه وإن رضي الخصم،
بخلاف رجلين رضيا بحكم أجنبي فينفذ ذلك [عليهما] ، ولا يقضي بين عبده وخصمه وإن رضي الخصم بذلك،
فإن فعل فليشهد على رضاه ويحكم بالعدل ويجتهد، ومما يجري مجرى القاضي في المنع من الحكم لمن يتهم عليه المفتي يعني لمن يتهم عليه ممن لا تجوز شهادته له، فينبغي للمفتي المتهم الهروب متى قدر عليه. قال المازري: وقد نزل بي مثلُ هذا في خصام لزوجتي في مواريث وسألني القاضي والخصوم في الفتوى فامتنعت من ذلك،
ويجوز للقاضي أن يحكم بين أهل الذمة إذا رضوا حكمه أي رضي به الخصمان،
وإن لم ترض أساقفتهم به وليحكم بينهم بحكم الإسلام، ولا يحكم بينهم في الخمر والزنى والربا.
ومن أفعال الحاكم ما يستلزم الحكم، كبيعه العبد الذي أعتقه من أحاط الدين بماله، وكتزويجه امرأة تزوجت تزويجا يستحق الفسخ،
فإن نفس العقد عليها يستلزم فسخ نكاحها المتقدم، يريد أن الحاكم زوجها قبل دخول الأول بها ومن الأشياء ما يفتقر لحكم الحاكم كالطلاق بالإعسار والطلاق بالإضرار والطلاق على المولي،
وإذا قالت امرأة المعترض: لا تطلقوني وأنا أصبر إلى أجل آخر فذلك لها، ثم تطلق نفسها متى شاءت بغير سلطان،
وكذلك الذي يحلف ليقضين فلانا حقه يوقف عن امرأته،
فإذا جازت أربعة أشهر قيل له فيْء وإلا طَلَّقْنا عليك، فتقول امرأته أنا أنظره شهرين أو ثلاثة فذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير أمر السلطان. وقد مر أن القاضي يحكم في كل شيء إلا ما استثني هناك،
وأما غير القاضي فمقصور على ما قدم عليه.
وفي المتيطي: أربع مسائل لا يحكم فيها صاحب الشرطة: التحجير والحكم على الغائب وإقامة الحدود والقسم بين الكبار والصغار، وما عداها يجوز حكمه فيه. اهـ. مسألة: اعلم أن العقود من الحكَّام كالبيع والشراء والإجارة وعقد النكاح، ونحو ذلك من التصرفات ليست حكما فلغيرهم النظر فيها فيرد ما ليس بصواب إلا أن تتوقف هذه التصرفات على إبطال تصرفات قبلها كما مر، واختلف هل يعزل القاضي بنفس الفسق أو حتى يعزله الإمام؟
المازري: ظاهر المذهب على قولين،
وأشار إلى ترجيح عدم العزل وهو قول أصبغ، ومذهب ابن العطار أنه إذا طرأ عليه الفسق بعد ولايته انفسخ عقد ولايته،
وإذا عزل القاضي فحكم قبل بلوغ العزل فظاهر المذهب أن أحكامه تلك نافذة لضرورة الناس إلى ذلك. مسألة في البيان والتحصيل في رجل أتى إلى زمزم، فقال لرجل ناولني قدحك، فقال إذا أخاف عليه، فقال هذا كسائي عندك حتى أعود به فأخذ القدح ووضع الكساء ثم رجع فلم يجد الرجل، فحكمه: أن يأتي السلطان فيخبره، فيأمره السلطان إن كان صادقا أن يَبيعَ القدح ويقبض ثمنه من ثمن الكساء، قيل لأشهب: أيأمر السلطان بذلك؟
قال: نعم يأمره من غير حكم على الغائب، ويقول له: إن كنت صادقا فافعل،
فإن جاء الرجل كان على خصومته، وفائدة رفعه إلى السلطان أن صاحب القدح إذا جاء لم يكن له على الذي باعه إلا الثمن الذي بيع به،
وإن باعه بغير أمر السلطان كان عليه قيمة القدح بالغة ما بلغت.
وفي مختصر الواضحة لفضل بن مسلمة: أن المرأة إذا رفعت أمرها إلى القاضي ليفرض لها النفقة على زوجها الغائب وحاله في العسر واليسر مجهول، فليشهد لها السلطان لئن كان فلان زوج فلانة مليا اليوم موسرا في غيبته هذه فقد أوجبنا عليه لامرأته فريضةَ مثلها من مثله،
وإن كان معسرا فلا شيء عليه ويكتب التاريخ ثم تكون الفريضة لازمة له إلا أن يثبت عسره. قاله في التبصرة.
وإذا أراد رجل أن يزوج يتيمة تحت نظره من ولده فلا بد أن يثبت عند القاضي رضى اليتيمة بالزوج والسداد في صداقها،
وأن الزوج كفؤها في جميع أحوالها، وحينئذ يأذن له القاضي أن يزوجها من ولده. قاله في التبصرة. مسألة: لا تجب الملاعنة إذا كان الزوج والمرأة من أهل المصر إلا بعد ثبوت الزوجية وإن لم تثبت الزوجية لزم الزوجَ الحدُّ،
وإن لم يكونا من المصر لزمت الملاعنة وإن لم تثبت الزوجية. مسألة: إذا ادعى على الوصي في مال الميت والورثة صغار فلا بد من ثبوت الورثة وصغر الورثة،
فإن ثبت ذلك كانت الخصومة مع الوصي حينئذ، غير أن الوصي لا يكلف جوابا لأن إقراره في ذلك وإنكاره غير معتد به، ولكن يحضر ليعلم من شهد على الميت ليكون ذلك عونا له في مدفعه إن رامه. قاله في التبصرة. مسألة: كان الرد بالمعيب إذا ادعى رجل على شخص أنه اشترى منه زريعة وزرعها فلم تنبت،
فإن وجد من تلك الزريعة بقية فإنها تجرب فيعرف صدق المشتري من كذبه، فيجب له إذا عرف صدقه الرجوع بقيمة العيب إن لم يكن البائع مدلسا وبجميع الثمن إن كان مدلسا،
ولا يجب له الرجوع بشيء إذا عرف كذبه،
فإذا لم يبق منها ما تجرب به حلف المبتاع أنه زرعها في الأرض، يريد أن تنبت فلم تنبت،
فإن أثبت ذلك كان الأمر على ما تقدم من الرجوع بجميع الثمن أو قيمة العيب،
وإن لم يثبت ذلك حلف البائع على العلم أنه ما علم أنها لم تنبت. قاله في التبصرة. قوله فإن أثبت ذلك لخ. قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن المراد بالإثبات ما يعم البينة وحلف المبتاع. والله تعالى أعلم. مسألة: لا يسمع القاضي من أحد دعواه الوكالة حتى يثبت عنده ذلك بشاهدين عدلين أو بشاهد ويمين على قول مالك وابن القاسم، ولا بد أن يشهد الشهود عند القاضي على معرفة عين الموكل ويثبت أيضا عين الوكيل،
إما بالشاهدين الأولين أو بغيرهما،
وإذا حضر الوكيل والخصم واتفقا على صحة الوكالة فلا يحكم بينهما بمجرد قولهما؛ لأنه حق لغيرهما يتهمان على التواطؤ عليه،
ولو صدق الخصم الوكيل في الدعوى واعترف بالمدعَى به لم يجبره الحاكم على دفعه على المشهور حتى يثبت عنده صحة الوكالة. مسألة من باب الرهن: لا يحكم القاضي للمرتهن ببيع الرهن حتى يثبت عنده الدين والرهن وملك الراهن له، ويحلف بعد ذلك أنه ما وهب دينه ولا قبضه ولا أحال به ولا استحال به، وأنه لباق عليه إلى حين قيامه. مسألة: إذا أتى رجل إلى الحاكم،
وقال: إن فلانا دفع إلي أو بعث إلي دنانير ذكر أنها لورثة فلان وأنا أريد أن أدفعها إليهم بأمر الحاكم، فالحكم في هذه أنه إذا ثبت عند الحاكم عدة الورثة، وأقر هذا أن الغائب أمره بدفعها إليهم كتب إليه الحاكم: إنك ذكرت أن فلانا أمرك بدفع ذلك إلى ورثة فلان وأنا أمرتك أن تدفعها إليهم بعد أن ثبت عندي أنهم ورثة فلان. قاله في التبصرة. مسألة: إذا شرط الزوج لزوجته أنه إن غاب عنها أكثر من سنة فأمرها بيدها، فقامت عند الحاكم تريد الأخذ بشرطها،
فإن القاضي يكلفها إثبات الزوجية والشرط الذي ادعته وغيبته عنها، ثم يحلفها في الجامع لقد غاب عنها أزيد من كذا، وما أذنت له فيما زاد على ذلك ولا رجع إليها سرا ولا جهرا، وما أسقطت شرطها عنه وما كان سكوتها تركا منها لشرطها، وما علمت بانقطاع عصمتها منه،
فإذا ثبت ذلك كله عند الحاكم أباح لها الأخذ بشرطها. مسألة في المرأة تريد الفراق من زوجها الغائب لعدم النفقة: إذا قامت المرأة بذلك كلفها القاضي إثبات الزوجية والغيبة واتصالها، وأنهم ما علموه ترك لها نفقة ولا بعث إليها بشيء فوصلها ولا أحالها بها ولا بشيء منها فاستحالت ولا أحالت عليه أحدا بها ولا بشيء منها فاستحال ولا وكلت أحدا على قبضها منه ولا طاع أحد بالإنفاق عليها بسببه ولا رضيت بالمقام معه دون نفقة ولا له مال يعدى فيه بنفقتها،
فإذا ثبتت هذه الفصول عنده نظر في الغيبة،
فإن كانت قريبة أعذر إليه،
وإن كانت بعيدة أو كان غير معلوم المكان أجلها القاضي بحسب ما يراه. وذكر المتيطي خسمة وأربعين يوما،
فإذا انقضى الأجل استظهر عليها اليمين ووجه لحضور يمينها عدلين فتحلف أنه ما رجع إليها من غيبته سرا ولا جهرا إلى حين يمينها هذه، ولا ترك لها نفقة قليلة ولا كثيرة وذكر ما تقدم من الفصول المشهود بها، ثم تقول: وما علمت أن عصمة النكاح انقطعت بيني وبينه حتى الآن،
فإذا ثبت يمينها عنده طلقها عليه. قاله في التبصرة. مسألة في مملوكة قامت في مغيب سيدها بعدم النفقة وذكرت أن سيدها غاب عنها وتركها بلا شيء تنفق منه على نفسها وأنه لم يرسل إليها شيئا وسألت الحاكم النظر في أمرها، فيكلفها ما يجب إثباته وذلك أن يثبت عنده ملك سيدها إياها وغيبته، وأنه لم يخلف عندها شيئا لنفقتها ولا أرسل شيئا إليها وأنها لا مال لها ولا له ما يعدى فيه بنفقتها فأفتى ابن عتاب وابن القطان: إذا ثبت ذلك فيأمر الحاكم من يبيعها ويقبض ثمنها للغائب ويوقفه عنده أو عند ثقة غيره حتى يقدم الغائب.
مسألة: إذا ادعى الرجل على خصمه، فهل للمدعى عليه أن يوكل قبل أن يجيب عن تلك الدعوى بإقرار أو إنكار؟ فقيل: إنه لا يمكن من التوكيل حتى يجيب،
فإن لم يجب حمله الحاكم على الجواب بالأدب، قال ابن الهندي: وقول من قال: إن له أن يوكل قبل أن يجعيب أصح لأنه قد أجيز للحاضر أن يوكل.
قال ابن سهل: والصحيح عندي أنه لا يمكن من ذلك لأن اللدد فيه ظاهر. مسألة: إذا مات الموكل لم يكن للوكيل أن يخاصم إلا أن يشرف على تمام الخصومة فله أن يتمها، وليس للورثة حينئذ عزله عنها. مسألة: إذا قام رجل على رجل في مهر امرأته أو دين رجل وادعى وكالة صاحب ذلك، فأقر المطلوب بالدين أو المهر واعترف بصحة الوكالة، فإنه يلزمه دفع ذلك إليه،
فإن قام صاحب الحق على المطلوب يطلبه بذلك قضي له به لأنه إنما يقضى عليه أولا لإقراره والمصيبة منه قاله في التبصرة.
مسألة: قال في التبصرة: وإذا أدخل القاضي أحد الخصمين تحت أجل أو أدخلهما معا على ما تقدم بيانه، ثم عزل أو مات قبل انصرام الأجل لم يستأنف الذي ولي بعده ضربَ أجل آخر، فلينفذ الحكم من اليوم الذي انتهى إليه العزل أو الموت،
وكذا في الخصمين إذا مات أحدهما قبل انقضاء الأجل الذي ضرب له فإنه يكمل في حق الآخر أو حق ورثته، ولا يعد اليوم الذي يكتب فيه الأجل ولا يحتسب به، كما لا يحتسب باليوم الذي يكتب فيه العهدة، وقد يصدق القاضي في جميع وجوه التعجيل ولا يحتاج أن يشهد عليه شهود،
وإذا أجاب القائم بعد انصرام الأجل بأن له بينة يرتجيها نظر،
فإن كانت قريبة أجله بعد ذلك،
وإن كانت بعيدة وتبين لدده قضي عليه وأرجئ للحجة له، وله القيام متى جاءت عند هذا القاضي أو عند غيره، ولمن ولي بعده نقض ذلك الحكم بسبب ذلك إذا أتى بما ينفعه. مسألة: إذا قام أحد الشركاء يخاصم في شيء فقضي عليه، ثم قام أحد شركائه يريد المخاصمة فيه أيضا،
فإن قام بما قام به المقضي عليه حكم عليه وألحقه به ولم تسمع حجته ولا بينته،
وإن جاء بغير ذلك نظر له فيه ولم يعجزه
وكذا من يدعي حقا للعامة. مسألة: قال أصبغ: إذا وجد في ديوان القاضي بعد موته أو عزله أن عند فلان ابن فلان من الأموال التي عندنا، أو قال من مال فلان اليتيم كذا
وكذا دينارا وأنكر الأمين، فإنه يحلف ويبرأ ويضمن القاضي ذلك المال حيا كان أو ميتا؛ لأنه فرط حين لم يشهد عليه. قاله في التبصرة. مسألة: من باع ثوبا فرد عليه بعيب فادعى البائع أنه بينه للمبتاع، فأنكر المبتاع وأراد يمين البائع عند المنبر،
فإن كان نقصان العيب أكثر من ربع دينار لم يحلف إلا في الجامع. قاله في التبصرة. قوله: وأراد يمين البائع يعني نكل المبتاع عن اليمين ورد اليمين على البائع. قاله مقيده عفا الله عنه. والله تعالى أعلم. مسألة في المتيطية: إذا طلق زوجته بشىِء من الكنايات المقتضية للبتات وذلك قبل البناء بها، ونوى واحدة وشهدت البينة بلفظه وبادعائه النية فيه وأراد مراجعتها فلا بد من يمينه عند مراجعتها على ما نواه، ويحلف في المسجد الجامع بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد بقوله لزوجه: فلانة حبلك على غاربك، إلا طلقة واحدة.
مسألة: وإذا رد المبتاع الأمة بعيب، فقال له البائع: احلف أنك ما وطئتها، ففي المسألة خلاف، قيل: لا يحلف،
وقيل: يحلف، وقيل: لا يحلف إلا أن يكون متهما،
ومن قال بالتحليف فيحلفه في مقطع الحق على ذلك،
ومن ذلك أيمان اللعان وأيمان القسامة لا تكون إلا في المسجد. مسألة: لو ادعى المطلوب قضاء الدين فأنكر الطالب وتوجهت اليمين على رب الدين، فنكل عنها وقلبها على المطلوب فنكل عنها أيضا،
فإن المطلوب يلزمه غرم الدين، واليمين تجب على الورثة ويتقاضاها أحدهم، فيمينه تجري على الجميع إذا كانت بأمر الحاكم وذلك حكم ماض،
وإن كانت بغير أمر الحاكم فكل من قام عليه منهم يحلفه. قاله غير واحد من الموثقين. وبه الحكم. ولأبي محمد بن أبي زيد خلافه،
وأن لمن غاب منهم أن يحلفه وإن كانت اليمين بأمر الحاكم،
وإذا حلف الخصم دون حضور خصمه لم تجزه اليمين،
وكذلك إذا حلف بحضور خصمه قبل أن يسألة ذلك،
فإن لم يرض بها لم تجزه. مسألة: إذا وجبت يمين على رجل، فأراد الطالب تأخيرها وأراد المطلوب تعجيلها أو بالعكس، فتعجيلها واجب لمن طلبه منهما ولا تؤخر. نقله ابن عبد السلام. قاله في التبصرة. مسألة: في المدونة عن ابن القاسم: إذا ادعى رجل على رجل بحمالة، فقال ابن القاسم لا بد من الخلطة. اهـ. يعني في توجه اليمين، قال ابن راشد: يريد خلطة صحبة ومؤاخاة لا خلطة مبايعة، قال ابن محرز ظاهر المدونة أن الخلطة تعتبر بصحبة مدعي الدين والمدعى عليه، والصواب عندي يراعى ذلك من الغريم والمدعى عليه الحمالة.
اهـ. مسألة: من كانت عنده شهادة ودعي إلى أدائها لزمه أداؤها، ولا يحل له أن يكتمها، قال تعلى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} ، وحكم الإشهاد في البيع وما يجري مجراه هو قوله تعلى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ، واختلف في هذا الأمر، قال بعض العلماء: هو على الوجوب،
وقال مالك: هو على الندب، وإنما قال مالك ذلك - وإن كان مذهبه أن الأمر إذا تعرى من القرائن محمول على الوجوب - لأدلة قامت على ذلك منها
قوله تعلى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} ، فلما جاز أن يترك الرهن هو بدل الشهادة جاز ترك الشهادة، ولا يفرق الخالف بين ترك الإشهاد والرهن الذي هو بدله بل يقول بوجوب كل واحد منهما. انظر باقي الأدلة في المقدمات. وحكم الدين حكم البيع من أنه مندوب إلى الإشهاد فيه،
فإذا قلنا إنه غير واجب فيهما فإنه حق لكل من دعا إليه من المتبايعين على صاحبه يقضى له به عليه إن أباه؛ لأن من حقه أن لا يأتمنه، ولذلك وجب على من باع سلعة لغيره الإشهاد على البيع،
فإن لم يفعل ضمن لأن رب السلعة لم يرض بائتمانه،
وكذا كل ما فيه حق لغائب الإشهاد فيه واجب. مسألة: تجوز شهادة الرجل لابن أخيه ولعمه ولابن عمه بالمال، ولم يجزها ابن كنانة إلا في اليسير، ولا تجوز شهادة الأخ لأخيه إذا كان في عياله، واختلف في المذهب في شهادة الرجل لابن امرأته ولأبيها ولامرأة أبيه والمرأة لابن زوجها،
وفي شهادة الرجل لزوج ابنته فلم يجز ذلك ابن القاسم وأجازه سحنون.
مسألة: قول المص في المسائل التي يعتبر فيها التبريز: "بخلاف المبرز إن برز" لخ، يضاف إلى ذلك شهادة الصناع لمن يكثر استعمالهم للتهمة في جر أعمالهم، ويضاف له أيضا الشهادة للصناع إذا كان مثله يرغب في عمله ولا عوض منه، فلا بد من التبريز في المسألتين. قاله في التبصرة. مسألة: قال ابن حبيب: سمعت ابن الماجشون يقول: من كتب على رجل كتابا بحق له، وأشهد عليه شهودا ثم ادعى أن كتاب الحق قد ضاع، وسأل الشهود أن يشهدوا له بما حفظوا من ذلك فلا يشهدوا على حرف منه،
وإن كانوا لجميع ما فيه حافظين لأنه يخاف أن يكون اقتضى حقه ودفعه للمديان فمحاه،
فإن جهلوا وقاموا بشهادتهم لم يسع الحاكم إلا قبولها، ويقال للمشهود عليه: أقم بينة ببراءتك أو بما تدفع به الشهادة.
وقال مطرف: لهم أن يشهدوا وإنما الكتاب تذكرة، وقاله مالك وأصبغ،
وقال ابن حبيب: وهذا أحب إلي إن كان المدعي مأمونا،
وإن كان غير مأمون فقول ابن الماجشون أحب إلي. قاله في التبصرة.
مسألة: قال في التبصرة: تجنب الشهادة على شهادة من لم تصح عدالته، فربما جعلت شهادتك على شهادتة تعديلا منك له،
وإذا حضر الموثق رجل وامرأة وادعيا أنهما زوجان بعقد صحيح،
وأن المكتوب الذي بينهما عُدِمَ ويقصدان تجديد كتاب الصداق،
فإن كانا غريبين طارئين فالقول قولهما،
وإن رآى ريبة تركهما، وإن كان قدومهما مع رفقة يعلمون أنهما زوجان فليكشف أمرهما من الرفقة، وينبغي أن يسأل كل واحد من الزوجين بانفراده ويمتحنهما في المسألة بما يزيل الريبة،
فإن زالت الريبة وإلا دفعهما عنه،
وإن كانا بلديين فلا يكتب لهما حتى يصح عنده أنهما زوجان. اهـ. مسألة: قال محمد بن عبد الحكم: إذا شهد شاهدان [أن ] لفلان على فلان مائة دينار ولم [يقولان ] أقر بذلك عندنا ولا نحو ذلك، وإنما أطلقا الشهادة هكذا لم أر شهادتهما تحق؛ [لأنهما كأنهما جاءا حاكيان] حتى يقولا أسلفه أو أقر عندنا بذلك أو ما يبينان به ما شهدا فيه، وقد نجد من الناس من يحلل بيع النبيذ السكر ويوجب له ثمنا وغير ذلك.
قاله في التبصرة عن أحكام ابن سهل.
وفي معين الحكام: قال محمد بن الحارث: إذا لم يبين الشهود وجه الحق الذي شهدوا فيه ولا فسروه فليس ذلك بشيء حتى يبينوا أصل الشهادة وكيف كانت، فيقولون أسلفه بمحضرنا أو أقر عندنا المطلوب أنه أسلفه،
وإن كان الدين من بيع فسروا ذلك. قال بعض المتأخرين: ظاهر هذا - يعني كلام ابن سهل - أنه إذا أقر عندهما بالدين مجملا ولم يذكر وجهه وشهدا به يؤخذ به، وظاهر ما قاله ابن حارث في هذه المسألة خلاف هذا حتى [يشهدوا] ، بإقرار بالسلف أو المعاملة. اهـ.
ولو شهدا أنه خاط لفلان ثوبا بدرهم لم يجب للخياط شيء حتى يقولا إنه رد الثوب مخيطا وجميع الصناع بهذه المنزلة،
وإذا شهد [الشاهدان] ، أن هذا العبد مأذون له في التجارة لم تتم الشهادة حتى يبينوا أن سيده أذن له في ذلك، أو يبينوا أنهم حضروا التجارة في موضع كذا بمحضر مالكه وعلمه ولم ينكر،
وإذا أثبت الذي له الدين أن المدعى عليه ملي ولم يُعَيِّن ماله، فقال بعضهم: الشهادة عاملة ويسجن حتى يؤدي، وقاله ابن زرب. قال بعض الموثقين: وبه القضاء وقال بعضهم هذه الشهادة ليست بشيء. مسألة إذا شهد شاهدان أن زيدا باع رجلا سلعة بمائة دينار لم يقض عليه بذلك؛ لأنه ليس في شهادتهما ما يوجب أنه قبض السلعة. مسألة: من أقام بينة في عبد قد مات في يد رجل أنه عبده، فليس له على الذي مات في يديه ضمان حتى تقول البينة إنه غصبه،
وفي المدونة: ومن أقام شاهدا واحدا أن هذا الرجل عبده حلف مع شاهده وكان بذلك عبده. قاله في الشهادات.
وفي منتخب الأحكام لابن أبي زمنين: قال سحنون: إن كان معروفا بالحرية لم يجز ذلك فيه، ولا تجوز شهادة الشهود في الملك الذي توفي عند مالكه حتى يقولوا إنهم لا يعلمون الشهود له به فوت شيئا منه،
وإن لم يقولوا هذا لم يتم انتقال الملك للورثة ولا تصح الشهادة لهم بوراثة الملك إلا بذلك،
وإذا مات من ورثة الميت الأول واحد ولم يقل الشهود إنه لم يفوت ما نقلته الوراثة إليه من ذلك في علم الشهود إلى أن توفي لم تعمل الشهادة لورثة البيت الثاني شيئا على ما تقدم من القول في الورثة الأولين. مسألة: في الطرر لابن عات لو شهد الشهود بالجرحة على العلم لم تجز الشهادة ولو توجب حكما، ولا تكون الشهادة في ذلك إلا على البت،
وإذا شهدت البينة أن فلانا افترى على فلان أو شتمه أو آذاه أو سفهه فلا يجوز ذلك حتى يكشف عن حقيقة ذلك؛ إذ قد يظنون صحة ما قالوه وهو على خلاف ما ظنوا، وقاله أصبغ. قال أصبغ: إلا أن تفوت البينة ولا يقدر على إعادتهم فليعاقب الشهود عليه على أخف ما يلزم في ذلك. مسألة: قال ابن عتاب: الذي أحاط به العلم وجرى به الحكم في التجريح بالعداوة أنها تكون بشهادة من يُزكَّى من الشهود،
ولا يشترط في ذلك أهل التبريز في العدالة وإنما يطلب التبريز في غير العداوة من وجوه التجريح، ولا أعلم في هذا خلافا من أحكام ابن سهل قاله في التبصرة.
وفي الوثائق المجموعة: ولا ينبغي لأحد أن يجرح شاهدا يعلم أنه شاهد بالحق.
مسألة: فإن حلف المدعي حين نكل المدعى عليه وأخذ ما ادعاه،
ثم إن المدعى عليه وجد بينة ببراءتة من ذلك نفعه ذلك واستعاد ما أخذه منه المدعي من مختصر الواضحة. قاله في التبصرة. واعلم أن محل لزوم يمين القضاء في غير ما استحق من يد غاصب،
وأما ما استحق من يد غاصب فلا يمين على مستحقه إذا ثبت ملكه له.
مسألة في يمين القضاء: قال ابن سهل: وإذا شهد لرجل شاهدان على دين لأبيه حلف أنه ما يعلم أن أباه باع ولا وهب ولا خرج من يده بوجه من وجوه زوال الملك، واليمين في ذلك على من يظن أنه علم ذلك، ولا يمين على من لا يظن به علم ذلك ولا على صغير،
ومن نكل ممن تلزمه اليمين منهم سقط من الدين حصته فقط،
قال في رواية يحيى بعد يمين الذي عليه الحق: ومن أقام بينة على حاضر بدين فلا يحلف مع بينته على إثبات الحق، ولا على أنه ما قبضه حتى يدعي المطلوب أنه دفعه إليه أو دفعه عنه دافع من وكيل أو غيره، فحينئذ يحلف. قاله في المدونة. وقد تكرر يمين القضاء في بعض الصور، وذلك إذا تأخر القضاء بعد إقامة البينة ويمين القضاء إلى أن قدم الغائب المديان وأقام مدة ثم مات، فإنه يجب أن لا يقضى للطالب حقه حتى يحلف ثانية.
مسألة: قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون وأصبغ في الرجل يوكل الوكيل على دفع دين عنه إلى رجل، أو كان وكيلا مفوضا إليه فدفعه بشاهد واحد وجحد المقتضي فأبى الوكيل أن يحلف مع الشاهد، وأراد الموكل أن يحلف مع الشاهد: لم يكن للموكل ذلك ما كان الوكيل مليا لأنه ضامن للموكل إذ لم يشهد، وصار نكول الوكيل كإقراره أنه لم يدفع ذلك إليه،
وإذا كان الوكيل مفلسا فعند ذلك يجوز للذي وكله أن يحلف مع الشاهد ويبرأ لأنه صار كغريم الغريم. قاله في التبصرة. مسألة في المقنع لابن بطال: قال ابن كنانة: من أمر رجلا أن يشتري له جارية أو سلعة ففعل، وقام له بذلك شاهد والبائع منكر، فإنه إن قامت للآمر بينه على أنه أمره أن يشتري له جارية حلف مع شاهد وكيله،
وإن لم تقم له بينة فاليمين على الوكيل. والله أعلم. قاله في التبصرة. مسألة: إذا أوصى للمساكين أو للسبيل أو لبني تميم أو لقريش أو للأنصار، فلا خلاف أنه لا يمين في تلك مع الشاهد، وإنما الخلاف إذا أوصى لن يحصرهم العدد كآل فلان أو مساكين آل فلان فهي المسألة التي اختلف فيها، هل يحلف الجل أو يُكتفَى فيها بواحد؟
وفي معين الحكام: وقيل لا يمين في ذلك مع الشاهد.
مسألة: ولو نكل المدعي عن اليمين بعد أن رَجَعَها عليه المدعى عليه فلم يعطى المدعي شيئًا لنكوله: ثم وجد البينة على أن دعواه حق فإنه يأخذ ببينته ولا يمنعه من ذلك نكوله عن اليمين حين ردت إليه. مسألة: في التهذيب فيمن أودعته وديعة فاستهلكها ابنه الصغير فذلك في مال الابن ويصدق الأب في ذلك، وليس هذا إقرارا إنما يكون الإقرار فيما ولي من المعاملات عليه أو الوصي. قاله في التبصرة في الباب الرابع عشر في القضاء، يقول رجل بانفراده.
مسألة: وفي الوثائق المجموعة: وروي في الرجل يشهد لابنه بحق فيدفع الشهود عليه المال للابن بشهادة الأب بغير حكم من السلطان،
وفي الرجل يقوم له شاهد واحد على حقه فيدفع المشهود عليه الحق إلى المشهود له،
وفي الرجل يطلق امرأته فتدعي حملا وهو غير ظاهر فينفق عليها ثم ينفش الحمل أن ذلك كله أصل واحد لا رجوع لواحد منهم في شيء مما دفعوه، وليس ينفعهم قولهم: ظننا أن ذلك يلزمنا؛ إذ لو شاءوا تثبتوا قبل الدفع، وهذه الشهادة وإن لم تكن إلى الحاكم ابتداء فإنه يمضي ما ترتب عليها إذا وقع التحاكم عنده.
مسألة: ومن ذلك شهادة الطبيب في الجراح إذا كان الحاكم يأمره أن ينظر في الشجات أو الجراح ما هي وما غورها وما اسمها وقياسها؟ [فالذي] ذكرناه من أمر الطبيب وما أشبهه فيقبل في ذلك واحد، وأحب إليَّ أن ينصب لمثل هذا من أمور الناس عدلا وإن لم ينصب لذلك أحدا بعينه اكتفي بأن يرسل المجروح إلى من ارتضاه وإن لم يكن السلطان أمر بقياسه، وإنما جاء هذا يطلب عقل ما قد مضى وبرئ لم يكن بد من أن يدعوه بشاهدين عدلين.
اهـ. ومما يكتفى فيه بالواحد إذا قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، قال أبو الوليد الباجي: عندي أنه يجزيء في قبول ذلك الشاهد الواحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دفع السلب إلى أبي قتادة بشهادة رجل واحد ولم يحلفه، وحمله بعضهم على أنه من باب الخبر لا من باب الشهادة، ويقبل قول الراوي فيما يرويه، ويقبل عند مالك قول الطبيب فيما يدعيه، ويقبل قول الملاح في القبلة إذا جهلت أدلتها وكان عدلا ورئيسا في السير في البحر،
وكذلك كل من كانت صناعته في الصحراء وهو عدل،
وكذلك يجوز عند مالك تقليد الصبي والأنثى والكافر والعبد والواحد في الاستيذان،
وكذلك يقلد في النصاب في الزكاة ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كتابيا ومن مثله يذبح ويقبل قوله إنه ذكى، وليس هذا من باب الشهادة ولا الرواية، بل من باب القاعدة الشرعية أن كل أحد مؤتمن على ما يدعيه أنه ملكه أو مباح له، فيقبل قوله وإن كان أفسق الناس،
وإذا وجب على أهل القافلة طلب الماء فأرسلوا واحدا منهم فرجع،
وقال: لم أجد شيئا قبل خبره، وجاز لهم التيمم.
مسألة: قال في التبصرة: قال أصحابنا: يجوز تقليد المفتي الواحد إذا كان عدلا بالغا سواء كان حرا أو عبدا أو امرأة،
ويجوز تقليد رسولك إليه إذا كان ثقة،
وكذا إذا كتب المفتي خطه في رقعة للمستفتي جاز العمل بالخط إذا كان الرسول ثقة. مسألة: إذا تنازع رجلان في شيء كل واحد يظنه لنفسه من غير يقين، كالشيء يكون من قبل الأب أو الجد فيسألان الرجل يفزعان إليه في علمه فيشهد أنه لأحدهما فذلك جائز، ويلزمهما ولا تشبه هذه مسألة الرجلين يتداعيان الشيء، فيقول أحدهما: قد رضيت بشهاة فلان بيني وبينك فيشهد الرجل على أحدهما، فيقول الشهود عليه: ظننت أنك تقول الحق الذي تعلم أنه الحق،
فأما إذ شهدت علي بغير الحق فلا أرضى بذلك فذلك له، والشهادة غير جائزة عليه لأن المسألة الأولى ليس مع أحدهما يقين في دعوى الملك وقد رضيا بعلم الرجل وشهادته،
وفي هذه المسألة المشهود عليه يدعي تحقيق ملكه للشيء المشهود عليه فيه فافترقا. مسألة: إذا أخبره عدل أنه صلى فهل يكتفى به أو لا بد من اثنين؟ خلاف، والمؤذن يكفي إخباره بدخول الوقت إذا كان بالغا، عاقلا، عالما بالأوقات، مسلما، ذكرا ويعتمد على قوله. مسألة: لو وضعت الأمة على يد رجل، فلما أخبر بخروجها من الاستبراء قيل له بم عرفت أنها حاضت؟ فيقول: أخبرتني خادمي أو زوجتي بذلك فذلك جائز.
قاله فضل بن مسلمة وغيره. مسألة: إذا كانت للناس حقوق على من حبسه السلطان،
فإن الحاكم يأمره أن يوكل من يخاصم عنه ويسمع الدعوى ويعذر إليه،
فإن امتنع من التوكيل حكم عليه بعد أن يعذر إليه. قاله ابن فرحون. مسألة: إذا دعاد خصمه وعلم أن الحاكم يحكم عليه، بجور لم تجب الإجابة، وتحرم الإجابة إذا كان الحكم في الدماء والفروج والحدود وسائر العقوبات الشرعية. قاله في التبصرة. مسألة: لو ادعى البائع أنه باع بالدراهم،
وقال المشتري: بل بسلعة، فالقول قول البائع لقوة قرينة صدقه؛ لأن الدراهم هي الأثمان وبها يقع البيع. مسألة: إذا ادعت المرأة الغريبة الطارئة من بلد بعيد أنه لا زوج لها فالقول قولها، ويزوجها الحاكم إذا لم يطمع بالوقوف على حقيقة دعواها. مسألة: لو قال من بيده الدار: أعرتني هذه الدار،
وقال ربها: بعتها، فالقول قول مدعي العارية في الدار مع يمينه،
وفي المتيطية: سئل مالك عن من رد جارية بعيب على بائعها منه، فأراد البائع أن يستحلفه أنه ما وطئها وقد رآى العيب بها، فقال: لا يمين عليه، قال سحنون: جيدة،
وقال ابن القاسم في سماع عيسى: إن كان متهما حلف وإلا فلا. مسألة: إذا اشترط الزوج لزوجته أنها مصدقة في دعوى إضراره بها دون يمين تلزمها فذلك لها،
فإذا شكت إضراره بها وثبت الشرط طلقت نفسها دون يمين.
وقال ابن القاسم: الجزيري في وثائقه: إن طاع بتصديقها في الضرر لزمه
ويكره عقده، فإن قيده بيمينها فيه حلفت حيث يجب إلا أن يقول فيه دون يمين: ما لم تمكنه من نفسها،
فإن تلذذ بشيء منها سقط شرطها،
وإن ادعى التلذذ وأنكرت حلفت ولها رد اليمين. انتهى. قاله في التبصرة. والله سبحانه أعلم.
وفي المجموعة عن المغيرة فيمن افترى على جماعة، قال: إن قالته جماعة عظيمة مثل أهل مصر أو الشام أو مكة جازت شهادة من شهد منهم لبعد الحمية والتعصب من هذا وإن حصل الظن،
وإن قاله لفخذ كزهرة ومخزوم أو جيرانه وجيرانه غير كثير فلا تصح الشهادة لبعضهم ممن عُنِي بالقول للتهمة، وأجاز سحنون شهادة من شهد على رجل أنه قطع من حراث الفلاحة،
وإن كان هو طريقه الذي يمر فيه إذا لم يل هو الخصومة بنفسه.
مسألة: وفي المستخرجة عن أصبغ فيمن ترثه ابنته وأخواه فتركا ميراثهما منه قبل موته، فلما مات وجدت الابنة ذكرا حق له بشهادتهما، قال: هي جائزة إذ لا يجران إلى أنفسهما شيئا.
قاله في التبصرة: وقال فيها عن عيسى في المستخرجة فيمن حضر ورثته أخويه وابنته وأخواه شاهدان في حق له، فقال لهما: اتركا منه إرثكما أو يتركه أحدكما، فتجوز شهادتكما فيه ففعلا أو فعل، قال: لا تجوز شهادتهما. انتهى.
مسألة: وفي المعيار: وسئل ابن أبي زيد عمن تلفت له دابة فوجدها بيد رجل زعم أنه اشتراها من متغلب من رجال السلطان، فذهب ليقيم البينة عليها فردها من وجدت بيده إلى المتغلب وأخذ ثمنها منه، ثم جاء الطالب فلم يجدها بيده هل يتوجه له الطلب على الذي كانت بيده أو على الذي صارت إليها؟ فأجاب: إن قدر القائم على إقامة البينة عند الحاكم على عين الدابة، أو قالت البينة هي التي كانت بيد فلان وأنه ما باع إلى آخر الشهادة، وقدر الحاكم على الحكم على الذي هي بيده فعله وأخذ الطالب دابته،
وإن لم يوجد البينة على هذا الوجه ولم يمكنه فله اليمين على من كانت بيده الدابة أن فلانا أقاله فيها ورد عليه الثمن، ثم يطلبها إن أمكنه ذلك. انتهى. وسئل أبو عبد الله العبدوسي عن رجل اعترف دابة بيد رجل فبعد أيام طلبه في إحضارها ليثبتها: فقال: إني بعتها، فهل يصدق أم لا؟
ويلزم بإحضارهات وكيف إن ادعى بيعها من رجل غائب، فأجاب: إن زعم أنه باعها من رجل حاضر فإنه يطلب بتعيينه،
فإن عينه طولب بإحضارها أعني مشتريها لتشهد البينة على عينها،
وإن زعم أنه باعها من غائب بعيد الغيبة أو من رجل لا يعرفه حلف على ذلك وصدق. انتهى. نقل هاتين المسألتين الشيخ ميارة في شرح لامية الزقاق. وهما من واد واحد. والله تعالى أعلم. وسئل ابن الحاج عمن اعترف دابة وأقام بها ما يوجب له الذهاب بها ووضع القيمة ففعل ذلك وزاد على الأجل الذي ضرب له، فأراد صاحب الدابة أخذ القيمة فأعطاها القاضي إياه، ثم قدم بالدابة ولم يثبتها،
فأجاب بأن: القيمة تكون للمستحق منه وتكون الدابة للذاهب الذي كان اعترفها: فإن أتى بالدابة وقد أثبتها فتكون له الدابة ويأخذ القيمة ويرجع المستحق من يده على من باع منه إن أحب، إلا أن يعطيه القاضي القيمة في الوجه الأول على إن جاء الذاهب بالدابة بها رد عليه القيمة وأخذ دابته، فيأخذ الدابة ويرد القيمة،
وأما إن أتى وقد أثبت الدابة فيأخذ الدابة القيمة على كل حال مع الدابة. نقله الشيخ ميارة.
مسألة: وإذا أستحقت الجارية بحرية لم يلزمها الذهاب مع المشتري إلى موضع بائعها ليسترجع ثمنها، وإنما يكتب له القاضي بصفتها. ذكر ذلك ابن عبدوس عن ابن القاسم. وذكر ابن حبيب في وثائقه أن من حق المشتري الذي استحقت من يده أن ترجع معه ليأخذ رأس ماله من البائع مثل ما لو استحق برق.
وقال ابن كنانة: ترجع معه إن كانت غرته ولا ترجع معه إن لم تغره وهو جيد، ينبغي أن يحمل قوله على التفسير لقول ابن القاسم ويقول ابن حبيب. قاله صاحب البيان. نقله الشيخ ميارة. قوله: غرته أي أقرت له بالرق، وعلى المذاهب بمن استحق بملك أو حرية نفقتهم وكسوتهم وركوبهم ذاهبين وراجعين في التأجيل الضروب لطالب الذهاب بهم. قاله الشيخ أبو إبراهيم.
وقال: من استحق بحرية يلزمه الذهاب في الوضع القريب دون البعيد،
ومن مات من العبيد المستحقين بعد إمضاء الحكم فمصيبته ممن حكم له به،
ويجب للذي استحق من يده الرجوع على بائعه منه بثمنه.
وقال أصبغ في الجارية الرائعة لا تخرج مع من استحقت من يده بل يكتب صفتها، والصواب أنها كسلعة من السلع إلا أن يكون السفر بعيدا كالشهر ونحوه فالصفة فيه تجزئ، أو يكون المستحق حرا فتجزئ صفته. نقله الشيخ ميارة.
مسألة: وإذا تم الاستحقاق يقال للمحكوم عليه: أنت مخير بين أن تسلم للمستحق شيئه وتتبع البانع منك أو تجرح البينة، ثم لا يقضى منك باتباع البائع إذا غلبْتَ. واعلم أن في هذه المسألة قولين،
قيل: لا يتبع البائع إذا عجز عن الدفع: وقيل يتبعه ابن العطار وبالرجوع القضاء. المتيطي: الرجوع هو اختيار الشيوخ بالأندلس وهو دليل المدونة في مسألة ميمون به. عبد السلام،
والأصح عدم الرجوع. نقله الشيخ ميارة.
وقال عن إبراهيم فيمن استحق بحرية إن الحكم بثبوت الصفات والنعوت كثبوت ذلك بإحضارهم بأعيانهم، ولكن إن طلب المستحق منه الذهاب بأعيانهم مكن منه؛ لأن إحضار العين أوضح وأبين. انتهى.
وفي الشرح المذكور ما نصه: وإنما مكن المستحق منه بالذهاب بالعبد أو الدابة،
وإن كان الحكم بالصفة عند ابن القاسم جائزا لأن قاضي بلد البائع قد يكون ممن لا يرى الحكم بالصفة، ولا يحلف المستحق يمين القضاء حتى يعذر للمحكوم عليه في البينة، لأنه إذا حلف قبل الإعذار فقد يجرحهم فتذهب يمينه بلا
فائدة. انتهى. مسألة: وأما القضاة والأجناد والحكام وحملة العلم فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم،
والحاصل أن من له حق في بيت المال أخذه أو ما تيسر منه على يد من كان، وقد نص أيمتنا رضي الله تعالى عنهم على أنه إن لم يكن بيت مال ويعنون والله أعلم، أو كان ولم يتوصل إليه فإنه يجب على الناس أن يجمعوا مالا ليرتبوا منه للجند وحملة العلم يعنون على فرض الكفاية،
وإذا كان ذلك واجبا على الناس والفرض أنهم لا يفعلونه اختيارا قطعا وبركن يخص حملة العلم فمن للمسلمين به انتفاع أن يتوصل لبعض ذلك على وجه لا بأس به، كأن يأخذ في أجرة شهادة من أهل الثروة والمال ومن استخلص بعض ما يجب عليهم من إعانة كذلك جماعته. والله أعلم.
فإن كان يعطى من الأجرة المذكورة مستغرق الذمة لبيت المال فالجواز في حقه أظهر بالنسبة لحملة العلم. والله أعلم. نقله الشيخ ميارة في الشرح المذكور.
مسألة: قال الرعيني: قال محمد: وإن قال رجل لرجل: كان لك عندي ألف دينار وديعة وقد ضاعت مني،
وقال ربها: بل كانت عليك سلفا، فالقول قول مدعي السلف،
وإن قال: ما أودعتك ذلك ولكنك غصبتني ذلك أو سرقته مني، فلا قول له والقول قول مدعي الوديعة. انتهى الجزء السادس من لوامع الدرر في هتك أستار المختصر، للعبد الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه: محمد بن محمد سالم بن محمد سعيد المجلسي العلوي الفاطمي الحسني الإدريسي: الله عَظمَ قدر جاه محمد … وأناله فضلا عليه عظيما في محكم التنزيل قال لخلقه: … (صلوا عليه وسلموا تسليما) اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد عدد معلوماتك وأضعاف ذلك وأضعاف أضعاف ذلك عدد ذلك.
وسلم تسليما كذلك. ولما أنهى الكلام على القضاء والشهادات أتبعه بالكلام على الدماء فقال: [باب: ذكر فيه أحكام الدماء وما يتعلق بها] وإنما أتى به المؤلف إثر الأقضية والشهادات إشارة إلى أنه ينبغي للقاضي أن ينظر فيه أولا لأنه آكد الضروريات التي تجب مراعاتها في جميع الملل بعد حفظ الدين وهو حفظ النفوس، ففي الصحيح: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) ، ولهذا ينبغي الاهتمام بشأنها
وكذا في الدنيا، وهذا الحديث لا يعارضه حديث: (أول ما ينظر فيه من أعمال العباد الصلاة) ؛ لأن هذا في خاصة أعمال العبد بنفسه يعني فيما بينه وبين الله وذلك فيما بينه وبين المخلوق، لكن انظر أيهما يقدم والظاهر أنه القضاء في الدماء؟ قاله الخرشي.
وقال البناني: ابن حجر: أخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر: (زوال الدنيا كلها أهون عند الله من قتل رجل مسلم) ،
وقال: حديث حسن وأخرجه النسائي بلفظ: (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) . انتهى.
وفي المواق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من شارك في دم امرئ مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب آيس من رحمة الله) . انتهى.
قلت: هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة بلفظ: (من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله) . قال المناوي: هذا كناية عن كونه كافرا إذ لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون،
وقيل بعمومه وأن المراد يستمر على هذا الحال حتى يطهر من ذنبه بنار الجحيم،
فإذا طهر بها زال يأسه ، وهذا الحديث قال ابن حجر والمناوي: ضعيف جدا، وبالغ ابن الجوزي فحكم بوضعه، وتبع فيه أبا حاتم لأنه
قال في العلل: باطل موضوع،
وقال الذهبي في الميزان: قال الإمام أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح. انتهى. وخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول ما يقضى) الخ، قال ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم من الخلف في قبول توبة القاتل وإنفاذ الوعيد فيه على قولين، فمنهم من ذهب إلى أنه لا توبة له وأن الوعيد لاحق به، ومنهم من ذهب إلى أن القاتل في المشيئة وأن توبته مقبولة،
وأما من قال: إن القاتل مخلد في النار أبدا فقد أخطأ وخالف السنة؛ لأن القتل لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من صالح أعماله؛ لأن السيئات لا تبطل الحسنات، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص من القاتل هل يكفر عنه إثم القتل أم لا؟ فمنهم من ذهب إلى أنه يكفره عنه، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (الحدود كفارة لأهلها) فعمم ولم يخص قتلا من غيره، ومنهم من ذهب إلى أنه لا يكفره عنه لأن المقتول المظلوم لا منفعة له في القصاص، وإنما هو منفعة للأحياء ليتناهى الناس عن القتل {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} ويخص الحديث على هذا بما هو حق دليلا يتعلق به حق لمخلوق.
انتهى. وقول الخرشي: أكد الضروريات نحوه في ابن مرزوق والضروريات التي أشار إليها هي المصرح بها في التوضيح، فإنه قال: وحفظ النفوس من الخمس المجمع عليها في كل ملة، وهي: النفوس والأديان والعقول والأعراض والأموال ومنهم من يذكر الأنساب عوض الأموال. انتهى. وقول البناني: وخرج مسلم الخ هو في البخاري أيضا، كما قال البناني عن ابن رشد: واختلف السلف ومن بعدهم الخ، سوى بين القولين. ونحوه في ابن عرفة عن ابن رشد وسلموه، مع أن القول بقبول توبته هو الراجح وعزاه ابن عطية وغيره للجمهور، وقوله: عن ابن رشد أيضا، واختلف أهل العلم أيضا في القصاص الخ نحوه لن قدمنا ذكرهم عن ابن رشد، وسلموا كلهم تسوية القولين وليس ذلك بمسلم، قال ابن جزي: حكى ابن رشد الخلاف في القاتل إذا اقتص منه هل يسقط عنه العقاب في الآخرة أم لا؟
والصحيح أنه يسقط عنه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة) ، وبذلك قال جمهور العلماء، وحكى ابن عطية الإجماع على ذلك من أهل السنة والمعتزلة الخ. قاله الرهوني.
وقال: وبذلك كله تعلم ما في اقتصار ابن خرفة والحطاب والتاودي والبناني على كلام ابن رشد.
تنبيه: من توبته عرض نفسه على ولي المقتول قودا أو دية، قاله ابن رشد وسلمه ابن عرفة والحطاب والتاودي،
وفي شرح الرسالة للقلشاني: وإن كانت نفسا وجب عليه تسليم نفسه للأولياء إن أمكنه ذلك،
فإن لم يفعل مع الإمكان فهل توبته صحيحة أم لا؟ صححها الإمام،
وقال: هذه معصية أخرى يجب عليه أن يتوب منها وهو مذهب الجمهور،
وقال الغير: لا تصح وهو مرجوح. انتهى.
وقال الشيخ زروق عند قول الرسالة: ومن التوبة رد المظالم الخ ما نصه: فأما رد المظالم ففرض ليس بشرط. انتهى. فلم يحك فيه خلافا. والله أعلم. انتهى. قاله الرهوني.
وقال المواق: قال ابن شأس: الدماء خطيرة القدر في الدين، والقتل كبيرة فاحشة موجبة للعقوبة في الدنيا والآخرة، ومُوجَباته في الدنيا خمسة: القصاص والدية والكفارة والتعزير والقيمة. قال بعض الشيوخ: من قال إن القاتل يخلد في النار على التأبيد فقد أخطأ، وخالف أهل السنة لأن الذنب لا يحبط ما تقدم من إيمانه ولا ما اكتسب من عمل صالح، ولا بد أن يجازي الله سبحانه كل مؤمن على إيمانه، قال سبحانه: {وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} ،
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} لكن من تمام توبة القاتل عرض نفسه على أولياء القتول ويصوم أو يعتق ويلازم الجهاد. انتهى. تنبيهات: الأول: قال الرهوني عند قول الصنف: "باب" : هذا شروع من الصنف رحمه الله في الكلام على الجنايات، وبدأ منها بالدماء لأنها أعظمها غير الردة والعياذ بالله، قال أبو الحسن: عياض: أصل اشتقاق الجناية من اجتناء الثمر باليد فاستعمل في كل ما يكتسب ثم قصر عرفا على كل ما يكتسب من حدث في مال غيره أو ماله أو نفسه مما يسوء أو يضر كان بيد أو غيرها، كما أن الجريرة أصلها ما يجره الإنسان من منفعة لنفسه من مال أو غيره، ثم استعمل في كل ما يحدثه على غيره عموما مما يوافقه أو يضره في نفسه أو ماله، ونحوه في المواق عن التنبيهات،
وفي الحطاب: قال البساطي: وهو باب متسع متروك ينبغي الالتفات إليه. الثاني: قال المبرد: دم أصله فعل بالتحريك والذاهب منه الياء، والدليل على ذلك قولهم في التثنية: دميان، ألا ترى أن الشاعر وهو الحصين بن الحمام المري لا اضطر أخرجه إلى أصله، فقال: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا تقطر الدما قاله التتائي.
وقيل: أصله دمو بالتحريك، وبعض العرب يقول في تثنيته: دموان. ابن عرفة: نقل الأصوليون إجماع الملل على حفظ الأديان والنفوس والعقول والأعراض والأموال، وذكر بعضهم الأنساب عوض الأموال. انتهى. وعده الأعراض هو أحد قولين،
وقيل ليس مما التفت الشرع إليه في كل شريعة وإن كانت حرمته معلومة من الشريعة المحمدية، وأول الست: حفظ الأديان وهو أعلاها وغيره وسيلة إليه ولحفظه شرع الجهاد وقتل المرتد والزنديق، وثانيها: حفظ النفس وله شرع القصاص، وثالثها: حفظ العقل ولأجله شرع حد الخمر، ورابعها: حفظ الأنساب ولأجله شرع الحد في الزنى واللعان، وخامسها: حفظ المال ولأجله شرع القطع في السرقة وضمان المتلفات، وسادسها: حفظ الأعراض ولأجله شرع حد القذف واللعان إن رمى بالزنى ولم ينف الولد فإن نفاه كان من قسم ما شرع لحفظ النسب. قاله التتائي.
الثالث: قال الشبراخيتي: قال ابن مرزوق: وأما حقيقة الجناية اصطلاحا فهي: إتلاف مكلف غير حربي نفس إنسان معصوم أو عضوه أو اتصالا بجسمه أو معنى قائما به أو جنينه عمدا أو خطأ بتحقيق أو تهمة. انتهى. فإتلاف مكلف جنس وغير حربي يخرج الحربي إذ لا يؤاخذ بما اكتسبه مما ذكر هنا، ونفس إنسان وما بعده يخرج إتلاف المال والجناية على العرض فليسا من هذا الباب، وإضافة نفس للإنسان يخرج إتلاف نفس غيره ويدخل نفس العبد، والذمي ومعصوم يخرج الحربي ومن وجب قتله لموجب لا يجوز العفو عنه وإتلاف اتصال الجسم كناية عن الجرح، والمعنى القائم بالجسم كالعقل والسمع وغيرهما، وضمير جنينه يعود على الإنسان، وعمدًا أو خطأ منصوبان بإتلاف وبتحقيق متعلق به، وذُكِرَ توطئة لعَطْف أو تهمة عليه، والمراد بها اللوث الموجب لثبوت الدم مع القسامة.
انتهى. واعلم أن القتل هو أعظم الذنوب بعد الشرك،
قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} . الآية.
وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا} ، إلى قوله تعالى: {كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ} ، الخ،
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة) ،
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض) ،
وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها) ، (وذلك أنه أول من سن القتل) ، فالقتل ذنب عظيم ليس بعد الشرك بالله ذنب أعظم منه، وأركان القصاص ثلاثة: الجاني والمجني عليه والجناية، ولكل منها شروط ذكر جميعها. وبدأ بالركن الأول مع شروطه فقال: إن أتلف أي جنى عمدا، مكلف على نفس ولو سكران طافحا،
وإن رق فيقتل العبد بالحر
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.