فإن شق ففي الإجتهاد نظر
Its commentaries
(فَإِنْ) قَدَرَ عَلَى الْمُسَامَتَةِ وَلَكِنْ (شَقَّ) عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ وَلَوْ تَكَلَّفَ طُلُوعَ سَطْحٍ لَأَمْكَنَهُ (فَفِي) جَوَازِ (الِاجْتِهَادِ) فِي طَلَبِ الْعَيْنِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ طَلَبُ الْيَقِينِ وَمَنَعَهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ (نَظَرٌ) أَيْ تَرَدُّدٌ
وَالرَّاجِحُ الثَّانِي وَأَمَّا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ بِوَجْهٍ كَشَدِيدِ مَرَضٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ مَرْبُوطٍ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي الْعَيْنِ اتِّفَاقًا
وَأَمَّا مَرِيضٌ أَوْ مَرْبُوطٌ أَوْ نَحْوُهُمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَيْسَ ثَمَّ مَنْ يُحَوِّلُهُ إلَى جِهَتِهَا وَهُوَ يَعْلَمُ الْجِهَةَ قَطْعًا فَهَذَا يُصَلِّي لِغَيْرِ جِهَتِهَا لِعَجْزِهِ وَلِذَا قُلْنَا وَمَعَ الْقُدْرَةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ هَذَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ أَقْسَامٌ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ آمِنٌ فَهَذَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْعَيْنِ
إمَّا بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بِأَنْ يَطْلُعَ عَلَى سَطْحٍ لِيَرَى ذَاتَ الْكَعْبَةِ ثُمَّ يَنْزِلَ فَيُصَلِّيَ إلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ طُلُوعٌ أَوْ كَانَ بِلَيْلٍ اسْتَدَلَّ عَلَى الذَّاتِ بِالْعَلَامَاتِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي يَقْطَعُ بِهَا جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أَنَّهُ لَوْ أُزِيلَ الْحِجَابُ لَكَانَ مُسَامِتًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ صَلَاةٌ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ. الثَّانِي: مَرِيضٌ مَثَلًا يُمْكِنُهُ جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي الصَّحِيحِ لَكِنْ بِجَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ فَهَذَا فِيهِ التَّرَدُّدُ. الثَّالِثُ: مَرِيضٌ مَثَلًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهَذَا يَجْتَهِدُ فِي الْعَيْنِ ظَنًّا وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ اتِّفَاقًا.
الرَّابِعُ: مَرِيضٌ مَثَلًا يَعْلَمُ الْجِهَةَ قَطْعًا وَكَانَ مُتَوَجِّهًا لِغَيْرِ الْبَيْتِ وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَمْ يَجِدْ مُحَوِّلًا فَهَذَا كَالْخَائِفِ مِنْ عَدُوِّهِ وَنَحْوِهِ يُصَلِّي لِغَيْرِ الْجِهَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الِاسْتِقْبَالِ الْأَمْنُ وَالْقُدْرَةُ وَلَا يَخْتَصُّ بِمَنْ بِمَكَّةَ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلْعَاجِزِ وَالْخَائِفِ عَدَمُ الِاسْتِقْبَالِ بِمَكَّةَ فَمَنْ بِغَيْرِهَا أَوْلَى وَيَأْتِي هُنَا فَالْآيِسُ أَوَّلَهُ وَالرَّاجِي آخِرَهُ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطَهُ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَدَرَ) أَيْ مَنْ بِمَكَّةَ
(قَوْلُهُ: لَأَمْكَنَهُ) أَيْ الْمُسَامَتَةُ
(قَوْلُهُ: فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ) أَيْ فَفِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعَيْنِ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الطَّلَبُ بِمُسَامَتَتِهَا يَقِينًا وَمَنْعُهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعَيْنِ وَطَلَبُهُ بِالْمُسَامَتَةِ يَقِينًا تَرَدُّدٌ
(قَوْلُهُ: فِي طَلَبِ الْعَيْنِ) أَيْ فِي مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ
(قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ عَنْهُ طَلَبُ الْيَقِينِ) أَيْ الطَّلَبُ بِمُسَامَتَتِهَا يَقِينًا
(قَوْلُهُ: وَالرَّاجِحُ الثَّانِي) أَيْ وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُسَامَتَتِهِ لَهَا يَقِينًا وَلَا يَكْفِي الِاجْتِهَادُ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعَيْنِ لَا يُقَالُ سَيَأْتِي أَنَّ وُجُوبَ الْقِيَامِ يَسْقُطُ بِالْمَشَقَّةِ مَعَ أَنَّهُ رُكْنٌ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ يَفُوقُ الشَّرْطَ الرُّكْنُ فِي الْقُوَّةِ كَمَا هُنَا وَكَالِاسْتِقْبَالِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَالْقِيَامُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْفَرِيضَةِ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ) أَيْ عَلَى الْمُسَامَتَةِ أَيْ بِأَنْ كَانَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى صُعُودِ السَّطْحِ لِيَرَى سَمْتَ الْكَعْبَةِ وَالْحَالُ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى التَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ لِجِهَتِهَا
(قَوْلُهُ: أَقْسَامٌ) أَيْ أَرْبَعَةٌ
(قَوْلُهُ: إمَّا بِأَنْ إلَخْ) أَيْ وَاسْتِقْبَالُ الْعَيْنِ إمَّا بِأَنْ إلَخْ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ طُلُوعٌ) أَيْ لِكَوْنِ السَّطْحِ لَا سُلَّمَ لَهُ مَثَلًا وَلَمْ يَجِدْ سُلَّمًا يَصْعَدُ بِهِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: اسْتَدَلَّ عَلَى الذَّاتِ) أَيْ عَلَى ذَاتِ الْبَيْتِ أَيْ اسْتَدَلَّ عَلَى مُسَامَتَتِهِ
(قَوْلُهُ: يُمْكِنُهُ جَمِيعُ مَا سَبَقَ فِي الصَّحِيحِ) أَيْ إنَّهُ يُمْكِنُهُ مُسَامَتَةُ الْبَيْتِ لِكَوْنِهِ يُمْكِنُهُ الذَّهَابُ لِلْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ فِيهِ أَوْ الصَّلَاةُ فِي بَيْتِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الصُّعُودِ لِلسَّطْحِ لِيَرَى ذَاتَ الْكَعْبَةِ
(قَوْلُهُ: فَهَذَا فِيهِ التَّرَدُّدُ) أَيْ قِيلَ يَكْفِيهِ الِاجْتِهَادُ عَلَى مُسَامَتَةِ الْعَيْنِ لِانْتِفَاءِ الْحَرَجِ مِنْ الدِّينِ
وَقِيلَ لَا يَكْفِيهِ الِاجْتِهَادُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُسَامَتَتِهِ لِعَيْنِ الْكَعْبَةِ يَقِينًا لِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْقُدْرَةِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ رَاشِدٍ
(قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ) أَيْ الْمُسَامَتَةُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّحَوُّلِ وَالِانْتِقَالِ لِجِهَتِهَا
(قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْيَقِينُ) أَيْ الْمُسَامَتَةُ لِذَاتِ الْبَيْتِ بِالْفِعْلِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْتَصُّ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ
(قَوْلُهُ: فَالْآيِسُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ جَزَمَ أَوْ ظَنَّ عَدَمَ إتْيَانِ مَنْ يُحَوِّلُهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْوَقْتِ
(قَوْلُهُ: وَالرَّاجِي إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ ظَنَّ إتْيَانَ مَنْ يُحَوِّلُهُ لِلْقِبْلَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَرَدِّدُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا مِنْ شَكَّ هَلْ يَأْتِيهِ أَحَدٌ يُحَوِّلُهُ لِلْقِبْلَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَمْ لَا
ص (فَإِنْ شُقَّ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ) ش: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الصَّوَابُ الْمَنْعُ.
Adds nothing on this mas’ala.
(فَإِنْ شَقَّ فَفِي الِاجْتِهَادِ نَظَرٌ) ابْنُ شَاسٍ: إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ بِمَكَّةَ عَلَى عِيَانِ الْكَعْبَةِ اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا،
فَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ فَقَدْ تَرَدَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي جَوَازِ اقْتِصَارِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ
(فَإِنْ) أَمْكَنَ مَنْ بِمَكَّةَ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا يَقِينًا وَ (شَقَّ) عَلَيْهِ لِمَرَضٍ أَوْ هِرَمٍ (فَفِي) جَوَازِ (الِاجْتِهَادِ) فِي اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا لِبِنَاءِ الدِّينِ عَلَى التَّيْسِيرِ وَمَنْعِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ الِاجْتِهَادَ (نَظَرٌ) أَيْ تَرَدُّدٌ لِلْمُتَأَخِّرَيْنِ لِعَدَمِ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ وَصَوَّبَ ابْنُ رَاشِدٍ مَنْعَ الِاجْتِهَادِ
وَأَمَّا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا يَقِينًا بِوَجْهٍ كَشَدِيدِ مَرَضٍ أَوْ زَمِنٍ أَوْ مَرْبُوطٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا اتِّفَاقًا.
وَأَمَّا مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِغَيْرِ جِهَتِهَا مَعَ عِلْمِهَا لِمَرَضٍ أَوْ هَدْمٍ عَلَيْهِ أَوْ رَبْطٍ فَيُصَلِّي لِغَيْرِ جِهَتِهَا لِعَجْزِهِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَنْ بِمَكَّةَ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهَا أَقْسَامٌ.
الْأَوَّلُ صَحِيحٌ آمِنٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا يَقِينًا
إمَّا بِصَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ بِالصُّعُودِ عَلَى مُرْتَفَعٍ وَرُؤْيَتِهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنَا اسْتَدَلَّ عَلَى عَيْنِهَا بِعَلَامَةٍ يَقِينِيَّةٍ يَقْطَعُ بِهَا قَطْعًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ أَنَّهُ لَوْ أُزِيلَ الْحَائِلُ لَكَانَ مُسَامِتًا لَهَا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ حَيْثُ يَرَاهَا.
الثَّانِي مَرِيضٌ مَثَلًا يُمْكِنُهُ مَا يُمْكِنُ الصَّحِيحَ لَكِنْ بِجُهْدٍ وَمَشَقَّةٍ فَتَرَدَّدُوا فِي جَوَازِ اجْتِهَادِهِ فِي اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا
وَالرَّاجِحُ الْمَنْعُ.
الثَّالِثُ مَرِيضٌ مَثَلًا لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فَهَذَا يَجْتَهِدُ فِي اسْتِقْبَالِ عَيْنِهَا اتِّفَاقًا.
الرَّابِعُ مَرِيضٌ مَثَلًا عَالَمٌ جِهَتَهَا يَقِينًا وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِغَيْرِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ وَلَا وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ جِهَتُهَا اجْتِهَادًا [منح الجليل] يَجِدُ مَنْ يُحَوِّلُهُ لَهَا فَهَذَا يُصَلِّي لِغَيْرِ جِهَتِهَا كَالْخَائِفِ مِنْ نَحْوِ سَبُعٍ وَعَدُوٍّ لِأَنَّ شَرْطَ الِاسْتِقْبَالِ الْأَمْنُ وَالْقُدْرَةُ سَوَاءٌ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا وَيَأْتِي هُنَا فَالْآيِسُ أَوَّلُ الْمُخْتَارِ وَالرَّاجِي آخِرُهُ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطُهُ.
فإن شق، يعني أن من شق عليه تيقن الاستقبال، وهو بمكة مشقة شديدة، ولم يجد من يستنيبه في رؤيتها مع قدرته على الاستقبال، وليست هي خوف الرض، ولا زيادته كما في التيمم، ففي جواز الاجتهاد له في أن عين الكعبة في هذا المكان الذي أداه اجتهاده إليه، بحيث لو أزيل الساتر كان مسامتا لانتفاء الحرج في الدين ومنعه، وهو الراجح.
فلو قال: وإن شق لجرى على الراجح، نظر. أي تردد. قال ابن فرحون: قال ابن رشد: الصواب المنع،
ولما ذكر صاحب الجواهر هذه المسألة،
قال في آخرها: وقد تردد المتأخرون في جواز الاقتصار على الاجتهاد، قال الش: وجه التردد إن نظرت إلى أن الحرج، وهو المشقة منفي عن الدين، أجزت الاجتهاد،
وإن نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم تجز له ذلك. انتهى. والعلم يحصل برؤية العين، أو بالمس أو بخبر يفيد التواتر، أو خبر واحد احتف به من القرائن ما يفيد العلم. قاله الشبراخيتي. وقد علمت أن الراجح المنع من الاجتهاد في هذا الفرع
وأما العاجز الذي لا يقدر على المسامتة فيجتهد فيها أي في المسامتة من غير تردد، وإلا يكن المصلي بمكة ولا بما ألحق بها، فقال الأبهري: الواجب عليه استقبال جهتها بحسب اجتهاده، فيجتهد في جهتها، ويستقبل الجهة التي أداه اجتهاده إلى أنها هي جهة القبلة، خلافا لابن القصار القائل: إنه يجتهد في مسامتة عينها، أي يقدر أنها بمرآه. واستظهر ابن رشد قول الأبهري، وإلى استظهاره أشار المصنف بقوله: فالأظهر جهتها. أي عين الكعبة: وقوله: اجتهادا أعربه بعضهم بأنه تمييز محول عن الخبر، أي فالأظهر الاجتهاد في الجهة.
وقال أحمد: الأحسن كونه منصوبا بنزع الخافض، أي بالاجتهاد، وأعرب أيضا بأنه مفعول مطلق؛ أي يجتهد اجتهادا. وذكر أبو طالب المكي هنا نكتة أنه يشدد على من في الحضرة ما لا يشدد على المحجوب. قاله الشيخ الأمير. قال ابن غازي: ظاهر المصنف أن الاستظهار لابن رشد، ولم أجده له لا في المقدمات ولا في البيان، وإنما وجدته لابن عبد السلام؛ وهو ظاهر كلام غير واحد: وأجاب التتائي بأن ابن رشد في المقدمات اقتصر عليه، ففهم المصنف من ذلك أنه الراجح عنده.
وفي الخرشي أن الاستظهار وقع لابن رشد في قواعده الكبرى. قال الشيخ عبد الباقي: وينبني على القولين؛ يعني قول الأبهري الذي هو المذهب، ومقابله الذي هو قول ابن القصار: لو اجتهد فأخطأ فعلى المذهب يعيد في الوقت ندبا، وعلى مقابله يعيد أبدا، كما هو مذهب الشافعي. انتهى.
وقال الشيخ محمد بن الحسن: ولا تظهر لهذا الخلاف ثمرة كما صرح به المازري، وما في عبد الباقي تبعا لغيره غير صواب؛ لأنها قبلة اجتهاد على كلا القولين، والأبدية إنما هي في الخطإ في قبلة القطع، وكأنهم أخذوا ذلك مما في التوضيح عن عز الدين، وهو مذهب شافعي. انتهى
والحاصل أنه اختلف فيمن بغير مكة ونحوها، هل الواجب عليه الاجتهاد أو الإصابة؟ وعلى أن الواجب الاجتهاد، فقيل: هل الاجتهاد في الجهة أو في السمت؟ وعلى كليهما فإن اجتهد وأخطأ صحت صلاته وعلى أنه لا بد من الإصابة، فقيل: لابد من إصابة السمت،
وقيل: تكفي إصابة الجهة، وعلى كليهما: فإن أخطأ بطلت صلاته ونظمت هذا الحاصل فقلت: جرى خلاف عن ذوي الإنابه … هل يجب اجتهاد أو إصابه؟ كل بوجه أو بسمت أبطل … بخطإ في الثاني لا في الأول واعلم أن القبلة سبعة أقسام: قبلة عيان، وهي قوله: "ومع الأمن استقبال" لخ، وقبلة تحقيق؛ وهي قبلة مسجده صلى الله عليه وسلم؛ لأنها قبلة وحي،
فمن بالمدينة يستدل بمحرابه صلى الله عليه وسلم،
ويجب عليهم تقليده ولا يجوز لهم الاجتهاد بها، فقد ثبت بالتواتر محرابه الذي كان يصلي إليه. وقبلة استتار، وهي قبلة من غاب عن البيت من أهل مكة، أو عن مسجده صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة؛ وهي قوله فإن شق ففي الاجتهاد نظر. وقبلة اجتهاد، وهي قوله: "فالأظهر جهتها اجتهادا" ، وقبلة تقليد، وهو قوله: "إلا لمصر" ، وقبلة بدل، وهي قوله: "وصوب سفر" ، وقبلة تخيير؛
وهي قوله: "فإن لم يجد" لخ. وزاد غير واحد قبلة ثامنة، وهي قبلة إجماع؛ أي قبلة جامع عمرو بالفسطاط، فلا يجوز لمن بمحلته أن يجتهد، بل لا بد من علم جهتها ببيته مثلا. انتهى. قال الشيخ محمد بن الحسن: كونه قبلة إجماع غير صحيح، فقد ذكر السيوطي في حسن المحاضرة أن قبلة الجامع المذكور كانت مشرقة جدا،
وأن قرة بن شريك لما هدمه وبناه في زمن الوليد بن عبد الملك بن مروان تيامن قليلا، قال: وذكر أن الليث بن سعد وعبد الله بن ربيعة كانا يتيامنان إذا صليا فيه، وأيضا فإن الذين وقفوا على إقامة قبلته من الصحابة إنما هم نحو الثمانين، كما ذكره السيوطي. ومثل ذلك لا يقال فيه إجماع. انتهى.
وفي كتاب الشيخ الأمير ما نصه: وأبطل فيهما انحراف يسير كمكة. انتهى. وقوله: فيهما، يعني المسجد النبوي، وجامع عمرو المذكور. واعلم أنه يشارك قبلة مسجده صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، وسائر المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم. واعلم أيضا أن الاستقبال واجب يرتد جاحده،
وإذا وجب فيجب تعلم أدلته لمن يتأتى منه ذلك. كما لعبد الباقي.
وفي شرح الشيخ عبد الباقي: وإذا جعل المصلي المغرب خلف الظهر في أي زمان كان، وجعل المشرق أمام وجهه في أي زمان كان، صحت صلاته عندنا؛ لأن هذا إن لم يصادف انحرافه يسير. انتهى.
وفي الشبراخيتي أن من صلى بغير اجتهاد لم تجزه صلاته،
وإن وقعت للقبلة. انتهى. تنبيه: قال عمر رضي الله عنه: ما بين المشرق والمغرب جهة إذا توجه قبل البيت،
وكذا قال عثمان وعلي وابن عباس، فقوله صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة (١) ) معناه: إذا توجه قبل البيت، وهذا صحيح لا خلاف فيه. قاله محمد بن عبد الباقي. ثم شبه مختلفا فيه بمتفق عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.