كَمَنْ قَالَ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه.
Its commentaries
وَالرَّاجِحُ الِاسْتِتَابَةُ وَقَوْلُهُ: (كَمَنْ) (قَالَ) مُتَضَجِّرًا (لَقِيت فِي مَرَضِي مَا) أَيْ مَرَضًا (لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) (لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ) تَشْبِيهٌ فِي مُجَرَّدِ الْخِلَافِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إذْ الْخِلَافُ فِي الْأَوَّلِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُسْلِمِ وَعَدَمِهَا وَفِي هَذَا فِي قَتْلِ الْقَائِلِ لِنِسْبَةِ الْبَارِي تَعَالَى لِلْجَوْرِ فَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي السَّبِّ،
وَفِي اسْتِتَابَتِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ وَعَدَمِ قَتْلِهِ بَلْ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الشَّكْوَى.
(قَوْلُهُ: كَمَنْ قَالَ لَقِيت إلَخْ) مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا قَالَ بَعْضٌ مَا لَوْ قَالَ لَوْ بَلِيَ نَبِيٌّ بِهَذَا الْمَرَضِ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ أَوْ اُبْتُلِيَ بِهِ فُلَانٌ مَا صَبَرَ اهـ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَةِ عبق وَفِيهِ أَنَّ هَذَا تَنْقِيصٌ بِمَرْتَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَالظَّاهِرُ الْقَتْلُ فِي هَذَا مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ وَانْظُرْهُ
(قَوْلُهُ: لِنِسْبَةِ الْبَارِي تَعَالَى لِلْجَوْرِ) أَيْ وَهُوَ كُفْرٌ وَقَدْ كَفَرَ إبْلِيسُ بِذَلِكَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَخَالَفَ وَقَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ.
(قَوْلُهُ: وَفِي اسْتِتَابَتِهِ إلَخْ) أَيْ أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ خِلَافٌ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا [بَابٌ حَدّ الزِّنَا وَأَحْكَامه] (بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ حَدَّ الزِّنَا) .
Adds nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
(كَمَنْ قَالَ لَقِيت فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ) اُنْظُرْ هَذَا الْفَرْعَ لَعَلَّهُ كَانَ مُخَرَّجًا فِي الطُّرَّةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَسَبُّ اللَّهِ كَذَلِكَ " فَأَدْخَلَهُ الْمُخَرِّجُ هُنَا عِيَاضٌ: اخْتَلَفَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ فِي مَسْأَلَةِ هَارُونَ أَخِي ابْنِ حَبِيبٍ وَكَانَ ضَيِّقَ الصَّدْرِ كَثِيرَ التَّبَرُّمِ قَالَ عِنْدَ اسْتِقْلَالِهِ مِنْ مَرَضٍ قَدْ لَقِيتُ فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْ هَذَا كُلَّهُ. فَأَفْتَى ابْنُ حَبِيبٍ بِمُوَافَقَةِ الْقَاضِي بِتَنْكِيلِهِ وَتَثْقِيلِ أَدَبِهِ، وَأَفْتَى الْغَيْرُ بِقَتْلِهِ.
ابْنُ شَاسٍ.
[بَاب فِي الزِّنَا] [مُوجَبُ الزِّنَا وَمُوجِبِهِ وَكَيْفِيَّة اسْتِيفَاء الْحَدّ وَمُتَعَاطِيه] الْجِنَايَةُ الثَّانِيَةُ الزِّنَا وَهِيَ جَرِيمَةٌ تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي الْمُوجِبِ وَالْمُوجَبِ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِيفَاءِ وَمُتَعَاطِيهِ. بَابٌ.
Adds nothing on this mas’ala.
وَقَوْلُهُ: (ص) كَمَنْ قَالَ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَمْ أَسْتَوْجِبْهُ. (ش) تَشْبِيهٌ لِإِفَادَةِ الْخِلَافِ،
وَإِنْ لَمْ يَتَّحِدْ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ إذْ هُوَ فِي الْأَوَّلِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَعَدَمِهَا، وَهَذَا فِي قَتْلِ الْقَائِلِ، وَتَنْكِيلِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ
قَالَ فِي مَرَضِهِ هَذَا الْقَوْلَ فَهَلْ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ الْبَارِئَ إلَى الْجَوْرِ؟ ، وَهَلْ يُسْتَتَابُ، أَوْ لَا؟ . قَوْلَانِ كَمَا مَرَّ، أَوْ لَا يُقْتَلُ بَلْ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ فِي التَّعْزِيرِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ الشَّكْوَى . (بَابٌ ذَكَرَ فِيهِ حَدَّ الزِّنَا وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ) وَالزِّنَا يُمَدُّ، وَيُقْصَرُ، فَالْقَصْرُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ قَالَ تَعَالَى:{وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا} ، وَالْمُدُّ لِأَهْلِ نَجْدٍ، وَقَدْ زَنَى يَزْنِي، وَالنِّسْبَةُ إلَى الْمَقْصُورِ زَنَوِيٌّ وَإِلَى الْمَمْدُودِ زِنَائِيٌّ، وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ عَلَى لُغَةِ الْقَصْرِ، وَبِالْأَلِفِ عَلَى لُغَةِ الْمَدِّ،
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ الزِّنَا يُمَدُّ، وَيُقْصَرُ فَمَنْ مَدَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَمَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ. اهـ.، وَهُوَ مُحَرَّمٌ كِتَابًا وَسُنَّةً وَإِجْمَاعًا، وَجَاحِدُ حُرْمَتِهِ كَافِرٌ، وَعَرَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ: الزِّنَا الشَّامِلُ لِلِّوَاطِ مَغِيبُ حَشَفَةِ آدَمِيٍّ فِي فَرْجٍ آخَرَ دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٍ عَمْدًا، فَقَوْلُهُ: آدَمِيٍّ أَخْرَجَ بِهِ حَشَفَةَ غَيْرِهِ كَالْبَهِيمِيِّ، وَقَوْلُهُ: فِي فَرْجٍ أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي غَيْرِ فَرَجٍ، وَأَدْخَلَ فِي الْفَرْجِ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ؛ لِأَنَّهُ يَعُمُّ اللِّوَاطَ، قَوْلُهُ: آخَرَ عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ أَيْ: فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ آخَرَ أَخْرَجَ بِهِ مَغِيبَهَا فِي فَرْجِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَقَوْلُهُ: دُونَ شُبْهَةِ حِلِّيَّةٍ أَخْرَجَ بِهِ مَا إذَا كَانَ لِشُبْهَةٍ فِي الْحِلِّيَّةِ
إمَّا بِاعْتِقَادِ حِلِّيَّةٍ، أَوْ بِجَهْلٍ فَتَخْرُجُ الْأَمَةُ الْمُحَلَّلَةُ، وَوَطْءُ الْأَبِ أَمَةَ وَلَدِهِ لَا زَوْجَةَ وَلَدِهِ،
فَإِنَّ ذَلِكَ زِنًا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ شُبْهَةٌ فِي مَالِهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي زَوْجَتِهِ،
(قَوْلُهُ: كَمَنْ قَالَ: لَقِيتُ فِي مَرَضِي مَا لَوْ قَتَلْت إلَخْ)
قَالَ فِي ك وُجِدَ عِنْدِي مَا نَصُّهُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا خُصُوصِيَّةَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِذَلِكَ انْتَهَى [بَابٌ حَدَّ الزِّنَا وَحُكْمَهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] . (بَابُ حَدِّ الزِّنَا) .
(قَوْلُهُ: حَدَّ الزِّنَا) أَيْ: حَقِيقَتَهُ وَقَوْلُهُ: وَحُكْمَهُ أَيْ: الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِهِ، وَقَوْلُهُ: وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ: مِنْ الْمَسَائِلِ كَالْمُسَاحَقَةِ وَوَطْءِ الْبَهِيمَةِ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ زَنَى يَزْنِي) إشَارَةٌ إلَى تَصَارِيفِ الْمَادَّةِ.
(قَوْلُهُ: فِعْلٌ مِنْ اثْنَيْنِ) أَيْ: لَا يَقَعُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ وَاحِدٌ بِالْخُصُوصِ.
(قَوْلُهُ: كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْمُضَارَبَةِ) أَيْ: وَمَا شَابَهَهُمَا مِنْ صِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ كَفِعَالٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ زِنَاءَ عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ لَا عَلَى زِنَةِ مُفَاعَلَةٍ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِك: ضَارِبٌ فَإِنَّ مَصْدَرَهُ فِعَالٌ وَمُفَاعَلَةٌ؛
لِقَوْلِ صَاحِبِ الْأَلْفِيَّةِ لِفَاعِلٍ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَةْ وَقَوْلُهُ: وَمَنْ قَصَرَهُ جَعَلَهُ اسْمَ الشَّيْءِ نَفْسِهِ أَيْ: اسْمَ الْحَقِيقَةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهَا تَحْصُلُ مِنْ وَاحِدٍ، أَوْ مُتَعَدِّدٍ.
(قَوْلُهُ: فِي فَرْجِ آخَرَ) أَيْ: فِي مَحَلِّ الْبَكَارَةِ، أَوْ فِي الْبَوْلِ كَمَا قِيلَ فِي بَابِ الْغُسْلِ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَلَمْ أَرَهُ.
(قَوْلُهُ: كَالْبَهِيمِيِّ إلَخْ) أَيْ: فَإِذَا أَدْخَلَتْ امْرَأَةٌ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ فِي فَرْجِهَا فَلَا يُقَالُ لَهُ زِنًا.
(قَوْلُهُ: إمَّا بِاعْتِقَادِ حِلِّيَّةٍ أَوْ بِجَهْلٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِقَادَ الْحِلِّيَّةِ نَاشِئٌ عَنْ الْجَهْلِ فَالْمُقَابَلَةُ لَا تَظْهَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ بِحَسَبِ الْمُلَاحَظَةِ أَيْ: أَنَّهُ
إمَّا أَنْ يُلَاحِظَ اعْتِقَادَ الْحِلِّيَّةِ، أَوْ الْجَهْلَ،
وَإِنْ كَانَ اعْتِقَادُ الْحِلِّيَّةِ نَاشِئًا مِنْ الْجَهْلِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ شُبْهَةٌ إلَخْ) أَيْ: مَسْأَلَةُ وَطْءِ الْأَبِ أَمَةَ وَلَدِهِ.
(قَوْلُهُ: وَالنِّسْيَانَ) لَا يَخْفَى أَنَّ النَّاسِيَ مَنْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ، وَهُوَ ذَاهِلٌ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ كَمَنْ قَامَ وَهُوَ ذَاهِلٌ عَنْ أَنَّهُ قَائِمٌ انْتَهَى أَقُولُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِي الْوَطْءِ نَادِرٌ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى فَرْضِ الْوُقُوعِ.
(قَوْلُهُ: وَالْجَهْلِ) أَيْ: جَهْلِ الْحُكْمِ إذَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ.
(مَنْ قَالَ لَقِيت) بِكَسْرِ الْقَافِ (فِي مَرَضِي هَذَا مَا لَوْ قَتَلْت أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ) " - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَنْهُمَا (لَمْ اسْتَوْجِبْهُ) لِنِسْبَتِهِ اللَّهَ تَعَالَى إلَى الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَعَدَمُ قَتْلِهِ مَعَ التَّشْدِيدِ فِي تَأْدِيبِهِ خِلَافٌ بَيْنَ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ فِي هَارُونَ بْنِ حَبِيبٍ أَخِي عَبْدِ الْمَلِكِ الْفَقِيهِ، فَأَفْتَى أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ حَسَنِ بْنِ عَاصِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقَاضِي يُطْرَحُ الْقَتْلُ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ رَأَى عَلَيْهِ التَّثْقِيلَ بِالْحَبْسِ وَالشِّدَّةِ فِي الْأَدَبِ.
وَأَفْتَى إبْرَاهِيمُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ بِقَتْلِهِ الْآنَ. قَوْلُهُ تَضَمَّنَ تَجْوِيرَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَظَلُّمِهِ مِنْهُ وَالتَّعْوِيضِ فِيهِ كَالتَّصْرِيحِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
Adds nothing on this mas’ala.
كمن قال: لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه تشبيه في مطلق الخلاف؛ يعني أن من قال: "لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه" اختلف فيه، فقيل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور نسأل اللَّه تعالى السلامة،
وقيل ينكل وعلى الراجح الذي هو القول بأنه يقتل اختلف هل يستتاب المسلم أم لا؟ قولان. قال عبد الباقي: تشبيه لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها يعني مع اتفاق القولين على القتل،
وفي الثاني في قتل القائل لنسبته الباري للجور، وهل يستتاب أولا قولان كما مر أولا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى؟ انتهى.
وقال الخرشي: تشبيه لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها وهنا في قتل القائل وتنكيله، والمعنى أنه اختلف فيمن قال هذا القول، هل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور، وهل يستتاب أولا؟ قولان كما مر أو لا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه" تشبيه في مطلق الخلاف أي هل يقتل القائل أو ينكل، وعلى القول بقتله يجري الخلاف في قبول توبته وعدمها،
ثم إن القولين للمتأخرين فكان المناسب لاصطلاحه أن يعبر بالتردد. نبه عليه التتائي. انتهى.
وقال المواق: عياض: اختلف أهل قرطبة في مسألة هارون أخي ابن حبيب وكان ضيق الصدر كثير التبرم، قال عند استقلاله من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله، فأفتى ابن حبيب بموافقة القاضي بتنكيله وتثقيل أدبه، وأفتى الغير بقتله. انتهى.
وفي الشفا: لو تكلم من لا يضبط كلامه وأهمل لسانه بسخف من القول مما فيه استخفاف بعظمة ربه أو يمثل شيئا ببعض ما عظم اللَّه من ملكوته، أو تكلم بما لا يليق في حق خالقه غير قاصد لكفر ولا عامد لإلحاد،
فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه وجهله بعظمته وهذا كفر لا مرية فيه، وقد أفتى ابن حبيب بقتل رجل خرج يوما فأخذه المطر، فقال: بدأ الخراز يرش جلوده وتوقف غيره في قتله ورآه عبثا من القول يكفي فيه الأدب، فقال ابن حبيب: دمه في عنقي؛ أيشتم ربا عبدناه ثم لا ننتصر له إنا إذا لعبيد سوء؟ وبكى فبلغ ذلك الأمير فأمر بقتل الرجل وصلبه.
قال عياض: وأما من صدرت منه الهفوة الواحدة ولم تكن تنقصا أو إزراء فيعاقب بقدر مقتضاها وحال قائلها وشرح سبيلها، وقد سئل ابن القاسم عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه: لبيك اللَّهم لبيك؟ قال: إن كان جاهلا أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه. عياض: وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه يؤدب،
ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه، كفر. انتهى.
فَوائِدٌ: الأُولى: قال في الشفا: وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم: (من جحد آية من كتاب اللَّه تعالى من المسلمين فقد حل ضرب عنقه) ،
وكذلك من جحد التورية والإنجيل وكتب اللَّه تعالى المنزلة، أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر، وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، إلى آخر: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} أنه كلام اللَّه تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم،
وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع أنه ليس من القرآن عامد الكل هذا أنه كافر، ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضي اللَّه عنها بالفرية؛ لأنه خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه.
وقال ابن القاسم: من قال إن اللَّه تعالى: لم يكلم موسى تكليما يقتل، وقاله ابن عبد الرحمن بن مهدي،
وقال محمد بن سحنون فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب اللَّه تعالى تضرب عنقه إلا أن يتوب،
وكذلك كل من كذب بحرف منه،
قال: وكذلك إن شهد شاهد عدل على من قال إن اللَّه تعالى لم يكلم موسى تكليما، وشهد آخر عليه أنه قال إن اللَّه تعالى ما اتخذ إبراهيم خليلا؛ لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي صلى اللَّه عليه وسلم،
وقال أبو عثمان ابن الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر.
وقال عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه: من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله ومن كفر به قتل،
وقال أصبغ بن الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله، وسئل القابسي عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتورية، فقال الآخر: لعن اللَّه التورية فشهد شاهد بذلك ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت تورية اليهود، فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا يوجب القتل،
والثاني علق الأمر بصفة توجب التأويل إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند اللَّه تعالى لتبديلهم وتحريفهم،
ولو اتفق الشاهدان على لعن التورية مجردا لضاق التأويل. وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن سنوذ المقرئ أحد الأئمة المقرءين المتصدرين بها بقراءته وإقرائه بالشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي ابن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري وغيره، وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن اللَّه معلمك وما علمك، فقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن،
قال أبو محمد: فأما من لعن المصحف فإنه يقتل. انتهى. الثانية: قال ابن حسام الدين -على ما أخبرني من أثق به- في سؤال وقع في شأن المهدي: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين هداة المسلمين أيدهم اللَّه بروح القدس في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر وتسع مائة ببلد من بلاد العجم أنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان،
وأن من أنكر هذا المهدي الميت فقد كفر، ثم ما حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي اللَّه عنكم، فأفتى الشيخ العلامة أحمد بن حجر الشافعي فسح اللَّه تعالى في عمره: الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللَّهم ارزقنا هداية لما اختلف فيه من الحق بإذنك وتوفيقا للصواب، اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعه، وضلالة فظيعة،
أما الأول فلمخالفته لصريح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنه من أهل بيت النبي صلى اللَّه عليه وسلم، وأنه يملك الأرض شرقها وغربها ويملؤها عدلا لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى صلى اللَّه عليه وسلم فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين قرب بيت القدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم يصلي خلفه وأنه يذبح السفياني وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدي بالبيداء بين مكة والمدينة فلا ينجو منهم إلا اثنان وغير ذلك من العلامات الكثيرة، وقد أفردتها بتأليف سميته بـ: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر.
ذكرت فيه نحوا من مائتي علامة جاءت عنه صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم، جمعته من كتب الأئمة المؤلفة على سعتها وكثرة أحاديثها وطرقها وما فيها من الآثار الكثيرة والعجائب الشهيرة، وكل ذلك يضاد هؤلاء الطائفة المعتقدين في ذلك الميت أنه المهدي الموعود به المنتظر، ويكذبهم ويقضي بجهلهم بالسنة الغراء وبعنادهم وإنكارهم لما وردت به، إذ هذا الميت لم يوجد فيه أدنى شبهة تحمل ذا عقل بلغته السنة على أن يعتقد فيه ذلك،
وأما الثاني فلأنه يترتب عليه تكفير الأئمة المصرحين في كتبهم بما يستلزم إنكار أن ذلك الميت هو المهدي، بل يلزم عليه تضليل الأمة لأنهم باعتبار ما أثر عنهم من كلماتهم فيه منكرون أن ذلك هو المهدي ومن كفر مسلما لدينه فهو كافر يضرب عنقه إذا لم يتب ويجدد إسلامه،
ومن كفر الصحابة أو ضلل الأمة فهو كافر، فهؤلاء الملحدون الضالون إن صرحوا بشيء من هذه اللوازم المكفرة كانوا كفارا مرتدين مارقين، فعلى الإمام أيده اللَّه بسيف عدله معالم الدين، وأباد بصادق همته وانتصاره للشريعة المحمدية طوائف الكفار والمفسدين، أن يجري على هؤلاء الطائفة ما ذكرناه من أحكامهم وبينا من قبائحهم أن يشدد عليهم أنواع العقوبة حتى يرجعوا للحق ويعترفوا بالصدق،
وأما الثالث وهو لازم ما قبله فإن كان لإنكارهم السُّنَةَ فقد كفروا فيقضى عليهم بكفرهم وردتهم فيقتلون،
وإن كان لا لإنكارهم لها وإنما هو محض عناد لأئمة الإسلام وجها بذة الأحكام ومصابيح الهدى ونجوم الظلام، فهو يقتضي تعزيرهم البليغ وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقا بعظم جريمتهم وقبيح طريقتهم وفساد عقيدتهم من حبس وضرب، وغير ذلك مما يزجرهم من هذه القبائح ويكفهم عن تلك الفضائح ويرجعهم إلى الحق رَغْمًا على آنافهم، ويردهم إلى اعتقاد ما ورد به الشرع ردعا عن كفرهم. واللَّه سبحانه ولي الهداية والتوفيق. وإليه الضراعة في أن يمنحنا مراتب الاتباع والتصديق، ومعالم العرفان والتحقيق، إنه جواد كريم رؤوف رحيم.
قال ذلك وكتبه فقير عفو ربه وكرمه، الملتجئ إلى بيته وحرمه: أحمد بن حجر الشافعي عفا اللَّه عنه وعن مشايخه ووالديه، حامدا ومصليا ومسلما على نبيه محمد وآله وصحبه، ومحسبلا ومحوقلا ومفوضا ومسلما. وأفتى الحنفي: الحمد للَّه، ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا، اعتقاد هذه الطائفة المذكورة المحكي عنهم هذه الأمور الشنيعة والأحوال المنكرة العظيمة باطل لا أصل له ولا حقيقة،
ويجب قمعهم أشد القمع وردعهم أشد الردع لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الأخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها، من أن المهدي رضي اللَّه عنه الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ويساعد عيسى على قتل الدجال وأنه يكون له علامات قبل ظهوره منها: السفياني وخسوف القمر في شهر رمضان، وورد أيضا أنه يخسف في شهر رمضان مرتين وكسوف الشمس في النصف من رمضان على خلاف ما جرت به العادة،
ولا يجوز تكفيرهم لأحد من المسلمين فإن كفروا المخالفين لما اعتقدوا واعتقدوا كفرهم بسبب أنهم خالفوا معتقدهم الباطل فقد كفروا؛ لأن من اعتقد أن المسلم كافر فقد كفر، وتجرى عليه أحكام الكفر من الاستتابة والقتل. واللَّه ولي من نصر الحق وقام وقمع أهل الظلم ومن تدرع به، قال ذلك وكتبه الفقيه إلى اللَّه تعالى: أحمد أبو أسرور بن الضياء الحنفي. وأفتى المالكي: الحمد للَّه وحده ما شاء اللَّه لا قوة إلا باللَّه، اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميت أنه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل للأحاديت الصحيحة الدالة على صفة المهدي وصفة خروجه، وما يتقدم بين يدي ذلك من الفتن كظهور السفياني والخسف بالجيش الذي يخرج لمحاربته بالبيداء وخسوف الشمس في نصف شهر رمضان.
الفائدة الثالثة: اعلم أن للمهدي علامات منها: تظليل الغمامة على رأسه فيها ملك ينادي: هذا المهدي خليفة اللَّه فاتبعوه وظهور الكف منها تشير إلى بيعة المهدي، واخضرار غصن يابس بعد غرسه في أرض يابسة، وهبوط الطير على يده بإشارته، وكون جبريل عليه السلام على مقدمته وميكائل عليه السلام على ساقته وعلى الناس ظاهرا وباطنا. الفائدة الرابعة: اعلم أن من نطق بالسب والعياذ باللَّه تعالى حاكيا له عن غيره ينظر في صورة حكايته وقرينة مقاله، ويختلف الحكم باختلاف ذلك،
فإن أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والتجريج له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله،
وكذا إن حكاه في كتابه على جهة الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب،
فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو يقطع بحكمه أو شهادته أو فُتَاه وجب على سامعه الإشادة بما يسمع منه والتنفير للناس عنه والشهادة عليه بما قاله، ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره وبيان كفره لقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين،
وكذلك إن كان ممن يعظ العامة فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى اللَّه عليه وسلم ولحق شريعته،
وإن لم يكن القائل بهذا السبيل فالقيام بحق النبي صلى اللَّه عليه وسلم واجب وحماية عرضه متعين ونصره عن الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن، لكن إذا قام بهذا من ظهر به الحق وبان به الأمر سقط عن الباقي الفرض، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه. وسئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق اللَّه تعالى أيسعه أن لا يؤدي شهادته؟ قال: إن رجا إنفاذ الحكم بشهادته فليشهد
وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب فليشهد ويلزمه ذلك،
وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في الباب، فليس التفكه بعرض النبي صلى اللَّه عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح،
وأمَّا للأغراض المتقدمة فمتردد بين الإيجاب والاستحباب، وقد حكى اللَّه تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله عليهم السلام على وجه الإنكار، لقولهم: والتحذير من كفرهم وهذه الوجوه السابقة الحكاية عنها،
فأمَّا ذكرها على غير هذا من حكاية سبه صلى اللَّه عليه وسلم على وجه الحكايات والأسمار والطرف ومقالات الناس في الغث والسمين والخوض في قيل وقال، فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض، فما كان من الحاكي على غير قصد أو معرفة بمقدار ما حكاه أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على حاكيه استحسانه زجر عن ذلك،
وإن قيم عليه ببعض الأدب فهو مستوجب له،
وإن كان لفظه من البشاعة حيث كان الأدب أشد. وحكي أن رجلا سأل مالكا عمن يقول: القرآن مخلوق؟ فقال مالك: كافر فاقتلوه، فقال: إنما حكيته عن غيري، فقال: مالك إنما سمعناه منك، وهذا من مالك رحمه اللَّه تعالى على طريق الزجر والتغليظ، بدليل أنه لم ينفذ قتله أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو كان مولعا بمثله.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى اللَّه عليه وسلم: فهو كافر، وذكر بعضهم إجماع المسلمين على تحريم ترك ما هجي به النبي صلى اللَّه عليه وسلم دون محو. انظر الشفا.
ولما أنهى الكلام على الردة التي هي: الرجوع عن الإسلام الذي هو الدعامة العظمى من الست التي أجمعت الملل على حفظها، أتبعه بالكلام على الزنى الذي هو مخل بحفظ النسب فقال: [باب: ذكر فيه حد الزنى وحكمه وما يتعلق به ولفظه] قال الجوهري: يقصره أهل الحجاز ويمده أهل نجد. انتهى. ويقال: زنى زنا وزناء وزاني زناء، قال الجزولي: وقد حضرت خصمين تحاكما، فقال أحدهما: قال لي يا ابن المقصور والممدود فحده القاضي؛
لأن هذا تعريض، قال الشبراخيتي: فإن قُلْتَ الأسماء التي تقصر وتمد كثيرة؟ فالجواب أنه ليس فيها ما يضاف ابن إليه إلا الزنى،
فَإنْ قِيلَ لِمَ قدمت الزانية في الذكر على الزاني وأخرت السارقة في الذكر عن السارق، حيث قال اللَّه تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} ،
وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} ؟ فالجواب: أن الزنى يفعل بالشهوة والمرأة أكثر شهوة وأيضا أدنى للرجل إلى نفسها منه إليها، ولهذا لو اجتمع جماعة على امرأة لم يقدروا عليها إلا بمرادها، والسرقة تفعل بالقوة والرجل أقوى من المرأة وإنما لم يقطع ذكر الزاني كيد السارق لأن فيه النسل. انتهى. وانظر قوله: ولهذا لو اجتمع جماعة لخ فإنه غير ظاهر،
وقال الحطاب: قال أبو الحسن: قال القاضي عياض: فمن مده ذهب به إلى أنه فعل من اثنين كالمقاتلة والمضاربة فمصدره قتال،
ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه، وأصل الكلمة من الضيق والشيء الضيق.
النووي: وإذا مد كتب بالألف وإذا قصر كتب بالياء. الزناتي: وأصل اشتقاق الكلمة من الضيق لأن الزاني ضيق على نفسه فيما اكتسبه من إثم تلك الفعلة، ولأنه ضيق على نفسه في الفعل إذ لا يتصور في كل موضع فلا بد من التماس خلوة وتحفظ، قال ابن القوطية: زنى الرجل على غيره زُنُوءا وَزِناء ضيَّق عليه، وزنى الشيء ضاق أو قصر وزنى في الحمل ضعف، وزنى إلى الشيء لجأ، وزنى الرجل بوله زنوا حقنه وزنى البول احتقن.
وفي الحديث: (نهى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن الصلاة والمصلى زناء) . انتهى. وتحصل مما مر أنه يقال في الثلاثي زنى بالقصر والمد ويقال بالمد في الرباعي،
وفي القاموس: زِنى يزني زِنى وزناء بكسرهما وزاني مزاناة وزَناء بمعناهما،
وقال الخرشي: وهو يعني الزنى محرم كتابا وسنة وإجماعا. انتهى. قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} ،
وفي الحديث: (اشتد غضب اللَّه على الزناة) ، وفيه: ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند اللَّه تعالى من أن يضع الرجل نطفة في رحم لا يحل له، وانعقد على ذلك إجماع الأمة وجاحد حرمته كافر. قال الخرشي: وعرفه ابن عرفة بقوله: الزنى الشامل للواط مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حل عمدا، فقوله: آدمي أخرج به حشفة غيره كالبهيمة، وقوله: في فرج أخرج به مغيبها في غير فرج، وقوله: في فرج يشمل القبل والدبر فيعم الزنى اللواط، وقوله: آخر على حذف موصوف أي في فرج آدمي آخر، أخرج به مغيبها في فرج غير الآدمي، وقوله: دون شبهة أخرج به إذا كان لشبهة في الحلية
إما باعتقاد حلية أو جهل، فتخرج الأمة المحللة ووطء الأب أمة ولده لا زوجة ولده،
فإن ذلك زنى لأن الأول له شبهة في مال ولده ولا شبهة له في زوجة ولده، وقوله: عمدا أخرج به الغلط والنسيان والجهل. انتهى. وعرفه المؤلف بقوله: الزنى
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.