وَالْجَفْنُ بِالْجَفْنِ وَالشَّفَةُ بِالشَّفَةِ وَالْيَدُ بِالْيَدِ، وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ، وَالْمِرْفَقِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ وَهَلْ يَجْرِي فِي الْإِلْيَةِ، وَالشُّفْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ
Its commentaries
مسألة: وَتُقْلَعُ الْعَيْنُ بالْعَيْنِ. أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على القِصاصِ في العَيْنَيْنِ. يُرْوَى ذلك عن مَسْرُوقٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، [والنَّخَعِىِّ][والزُّهْرِىِّ]، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}. ولأنَّها تَنْتَهِى إلى مَفْصِلٍ، فجَرَى القِصاصُ فيها كاليَدِ. وتُؤْخَذُ عَيْنُ الشَّابِّ بعَيْنِ الشَّيْخِ المَرِيضَةِ، وعيْنُ الكبيرِ بعينِ الصَّغيرِ والأعْمَشِ، ولا تُؤْخَذُ الصَّحِيحةُ بالقَائِمَةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ أكثرَ مِن حَقِّه، وتُؤْخَذُ القائِمَةُ بالصَّحِيحةِ؛ لأنَّها دُونَ حَقِّه، كما تُؤْخَذُ الشلَّاءُ بالصَّحِيحَةِ، [ولا أَرْشِ] له معها؛
لأَنَّ التَّفاوُتَ في الصِّفَةِ.
فصل: فإن قلَع عَيْنَه بإصْبَعِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ بإصْبَعِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ المُماثَلَةُ فيه.
فإن لَطَمَه فأذْهَبَ ضَوْءَ عَيْنِه، لم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ منه باللَّطْمَةِ؛ لأَنَّ المُماثَلَةَ فيها غيرُ مُمْكِنَةٍ، ولهذا لو انْفَرَدَتْ مِن إذْهابِ الضَّوْءِ، لم يَجِبْ فيها قِصاصٌ،
ويجبُ القِصاصُ في البَصَرِ، فيُعالِجُه بما يُذْهِبُ بصَرَه مِن غيرِ أن يَقْلَعَ عَيْنَه. وسنَذْكُرُ ذلك. وذكَرَ القاضى أنَّه يَقْتَصُّ منه باللَّطْمَةِ، فيَلْطُمُه المَجْنِىُّ عليه مثلَ لَطْمَتِه،
فإن ذهَب ضَوْءُ عَيْنِه، وإلَّا كان له أن يُذْهِبَه بما نذْكُرُه. وهو مذهبُ الشافعىِّ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ اللَّطْمَةَ لا يُقْتَصُّ منها مُنْفَرِدَةً، فلا يُقْتَصُّ منها إذا سَرَتْ إلى العَيْنِ، كالشَّجَّةِ دُونَ المُوضِحَةِ، ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا لم تَكُنْ في العَيْنِ، لا يُقْتَصُّ منها بمثْلِها مع الأمْنِ مِن إفْسادِ العُضْوِ ، ففى العَيْنِ مع وُجُودِ ذلك أوْلَى، ولأنَّه قِصاصٌ فيما دُونِ النَّفْسِ، فلم يَجُزْ بغيرِ الآلَةِ المُعَدَّةِ له، كالمُوضِحَةِ.
وقال القاضى: لا يجبُ القِصاصُ، إلَّا أن تكونَ اللَّطْمَةُ تَذْهَبُ بذلك غَالِبًا،
فإن كانت لا تَذْهَبُ بالبَصَرِ غالِبًا، فذَهَبَ بها، فهو شِبْهُ عَمْدٍ لا قِصاصَ فيه. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّه فِعْلٌ لا يُفْضِى إلى الفَواتِ غالِبًا، فلم يَجِبْ به القِصاصُ، [كَشِبْهِ العَمْدِ في النفْسِ.
وقال أبو بكرٍ: يَجِبُ القِصاصُ] بكلِّ حالٍ؛ لعُمُومِ قولِه تعالى:{وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ}. ولأَنَّ اللَّطْمَةَ إذا أَسَالَتِ العَيْنَ، كانت بمَنْزِلةِ الجُرْحِ، ولا يُعْتَبَرُ فيه الإِفْضاءُ إلى التَّلَفِ غالِبًا.
فصل: فإن لَطَمَ عَيْنَه فذَهَبَ بَصَرُها، و ابْيَضَّتْ، وشَخَصَتْ،
فإن أمْكَنَ مُعالجةُ عَيْنِ الجانِى حتى يَذْهَبَ بَصَرُها وتَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، [مِن غيرِ جِنايَةٍ على الحَدَقَةِ]، فُعِلَ ذلك،
وإن لم يُمْكِنْ إلَّا ذَهابُ بعضِ ذلك، مثلَ ذَهابِ البَصَرِ دُونَ أن تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، فعليه حُكومةٌ للذى لم يُمْكِنِ القِصاصُ فيه ، كما لو جَرَحَه هاشِمةً، فإنَّه يَقْتَصُّ مُوضِحَةً، ويَأْخُذُ أَرْشَ باقِى جُرْحِه. وعلى قولِ أبى بكرٍ، لا يُسْتَحَقُّ مع القِصاصِ أَرْشٌ.
وقال القاضىِ: إذا لَطَمَه مثلَ لَطْمَتِه، فذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنِه، ولم تَبْيَضَّ، ولم تَشْخصْ،
فإن أمْكَنَ مُعالَجَتُها حتى تَبْيَضَّ وتَشْخَصَ، مِن غيرِ ذَهابِ الحَدَقَةِ، فَعَلَه،
فإن تَعَذَّرَ ذلك، فلا شئَ عليه، كما لو انْدَمَلَتْ مُوضِحَةُ المَجْنِىِّ عليه وَحِشةً قَبِيحَةً، ومُوضِحَةُ الجانِى حَسَنَةً جَمِيلَةً، لم يجبْ شئٌ، كذلك ههُنا. وبَنَى هذا على أنَّ اللَّطْمَةَ حصلَ بها القِصاصُ كما حصَل بجُرْحِ المُوضِحَةِ، وقد بَيَّنَّا فَسادَ هذا.
٤١٢٧ - مسألة: (و) يُؤْخَذُ (السِّنُّ بِالسِّنِّ) وهو إجْماعُ أَهْلِ العلمِ؛ للآيةِ وحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ ، ولأَنَّ القِصاصَ فيها مُمْكِنٌ؛ لأنَّها مَحْدودَةٌ في نَفْسِها. وتُؤْخَذُ الصَّحِيحَةُ بالصَّحِيحةِ، والمَكْسُورَةُ بالصَّحيحةِ؛ لأنَّه يأْخُذُ بعضَ حَقِّه. وهل له أَرْشُ الباقِى؟ فيه وَجْهان، ذكَرْناهُما.
فصل: ولا يُقْتَصُّ إلَّا مِن سِنِّ مَن أثْغَرَ؛ أى سقَطَتْ رَواضِعُه ثم نَبَتَتْ. يقالُ لمن سقَطَتْ رَواضِعُهُ: ثُغِرَ، فهو مَثْغُورٌ.
فإذا نبَتَتْ قيل: أثْغَرَ واثَّغَرَ لُغَتان.
وإن قُلِعَ سِنُّ مَن لم يُثْغِرْ، لم يُقْتَصَّ مِنَ الجانِى في الحالِ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأَصْحابِ الرَّأْى، لأنَّها تَعُودُ بحُكْمِ العادةِ، فلا يُقْتَصُّ منها، كالشَّعَرِ.
فإن عادَ بَدَلُ السِّنِّ في مَحَلِّها مثْلُها على صِفَتِها، فلا شئَ على الجانِى، كما لو قلَع شَعَرَهُ ثم نبَت.
وإن عادَتْ مائِلَةً عن مَحَلِّها، أو مُتَغَيِّرَةً عن صِفَتِها، كان عليه حُكُومَةٌ؛ لأنَّها لو لم تَعُدْ ضَمِنَ السِّنَّ،
فإذا عادتْ ناقِصةً ضَمِنَ ما نقص.
وإن عادت قَصِيرةً، ضَمِنَ ما نقَص بالحسابِ، ففى ثُلُثِها ثُلثُ دِيَتِها، وعلى هذا الحسابُ.
وإن عادتْ والدَّمُ يَسِيلُ، ففيها حُكومةٌ، لأنَّه نَقْصٌ حصلَ بفِعْلِه.
وإن مَضَى زَمَنُ عَوْدِها ولم تَعُدْ، سُئِلَ أهلُ العلمِ بالطِّبِّ،
فإن قالوا: قد يُئِسَ مِن عَوْدِها. فالمَجْنِىُّ عليه مُخَيَّرٌ بينَ القِصاصِ و الدِّيَةِ.
فإن مات المَجْنِىُّ عليه قبلَ الإِياسِ مِن عَودِها، فلا قِصاصَ؛ لأَنَّ الاسْتِحْقاقَ له غيرُ مُتَحَقِّقٍ، فيكونُ ذلك شُبْهَة في دَرْئِه، وتَجِبُ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ القَلْعَ مَوْجُودٌ، والعَوْدُ، مَشْكُوكٌ فيه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا مات قبلَ مَجِئِ وَقْتِ عَوْدِها، أَنْ لا يَجِبَ شئٌ؛ لأَنَّ العادةَ عَوْدُها، فأَشْبَهَ ما لو حلَق شَعَرَه فماتَ قبلَ نباتِه.
فأمّا إن قلَع سِنَّ مَن قد أثْغَرَ، وجَب القِصاصُ له في الحالِ؛ لأَنَّ الظاهِرَ عَدَمُ عَوْدِها. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ.
وقال القاضى: يُسْئَلُ أهلُ الخِبْرَةِ،
فإن قالوا: لا تَعُودُ. فله القِصاصُ في الحالِ،
وإن قالوا: يُرْجَى عَوْدُها، إلى وقتٍ ذكَرُوه، لم يُقْتَصَّ حتى يَأْتِىَ ذلك الوقْتُ. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّها تَحْتَمِلُ العَوْدَ، فأشْبَهَتْ سِنَّ مَن لم يُثْغِرْ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّها إن لم تَعُدْ، فلا كلامَ،
وإن عادتْ، لم يجبْ قِصاصٌ ولا دِيَةٌ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
وقال في الآخَرِ: لا يَسْقُطُ الأَرْشُ؛ لأَنَّ هذه السِّنَّ لا تُسْتَخْلَفُ عادةً،
فإذا عادتْ كانت هِبَةً مُجَدَّدةً، ولذلك لا يُنْتَظَرُ عَوْدُها في الضَّمانِ. ولَنا، أنَّها سِنٌّ عادتْ، فسَقَطَ الأَرْشُ، كسِنِّ مَن لم يُثْغِرْ، ونُدْرَةُ وُجُودِها لا يَمْنَعُ ثُبوتَ حُكْمِها إذا وُجِدَت. فعلَى هذا، إن كان أخَذَ الأَرْشَ رَدَّه،
وإن كان اسْتَوْفَى القِصاصَ، لم يَجُزْ قَلْعُ هذه قِصاصًا؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ العُدْوانَ.
وإن عادتْ سِنُّ الجانِى دُونَ سِنِّ المَجْنِىِّ عليه، لم تُقْلَعْ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لئَلَّا يَأْخُذَ سِنَّيْنِ بسِنٍّ، وإنَّما قال اللَّهُ تعالى:{وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ}. والثانى، تُقلَعُ وإن عادتْ مَرَّاتٍ؛ لأنَّه أعْدَمَ سِنَّه بالقَلْعِ، فكان له إعْدامُ سِنِّه. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْنِ.
فصل: فإن قلَع سِنًّا، فاقْتُصَّ منه، ثم عادتْ سِنُّ المَجْنِىِّ عليه، فقَلَعَها الجانِى ثانيةً، فلا شئَ عليه؛ لأَنَّ سِنَّ المَجْنِىِّ عليه لمَّا عادتْ، وجَب للْجانِى عليه دِيَةُ سِنِّه، فلما قَلَعَها، وجَب على الجانِى دِيَتُها للمَجْنِىِّ عليه، فقد وَجَبَ لكلِّ واحدٍ منهما دِيَةُ سِنٍّ، فيتَقاصَّانِ.
٤١٢٨ - مسألة: (و) يُؤْخَذُ (الْجَفْنُ بِالْجَفْنِ) لقولِه تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. ولأنَّه يُمْكِنُ الاقْتِصاصُ فيه، لانْتِهائِه إلى مَفْصِل. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ويُؤْخَذُ جَفْنُ البَصِيرِ بمثْلِه، وبِجَفْنِ الضَّرِيرِ، ويُؤْخَذُ جَفْنُ الضَّريرِ بمثْلِه، وبجَفْنِ البَصِيرِ؛ لأنَّهما تَساوَيا في السَّلامَةِ مِن النَّقْصِ، وعَدَمُ البَصَرِ نَقْصٌ في غيرِه لا يَمْنَعُ أخْذَ أحَدِهما بالآخَرِ، كأُذُنِ الأصَمِّ.
٤١٢٩ - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (الشَّفَةُ بِالشَّفَةِ) وهى ما جاوَزَ الذَّقَنَ والخَدَّيْنِ عُلْوًا وسُفْلًا؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. ولأَنَّ لها حَدًّا تَنْتَهِى إليه، يُمْكِنُ القِصاصُ منه، فوَجَبَ، كاليَدَيْنِ.
فصل: ويُؤْخَذُ اللِّسانُ باللِّسانِ؛ للآيةِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، فاقْتُصَّ منه، كالعَيْنِ. ولا نعلمُ في هذا خِلافًا. ولا يُؤْخَذُ لِسانُ ناطِقٍ بأخْرَسَ؛ لأنَّه أفْضَلُ منه. ويُؤْخَذُ الأخْرَسُ بالنَّاطقِ؛ لأنَّه دُونَ حَقِّه. ويُؤْخَذُ بعضُ اللِّسانِ بالبَعْضِ؛ لأنَّه أمْكَنَ القِصاصُ في جَمِيعِه، فأمْكَنَ في بعضِه، كالسِّنِّ، ويُقَدَّرُ ذلك بالأجْزاءِ، ويُؤْخَذُ منه بالحِسابِ.
٤١٣٠ - مسألة: (و) تُؤْخَذُ (اليَدُ باليَدِ) لقولِ اللَّهِ تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. وقد أجْمَعَ أهلُ العلمِ على جَرَيانِ القِصاصِ في الأطْرافِ؛ للآيةِ ولحَدِيثِ الرُّبَيِّعِ .
ويُشْتَرَطُ لذلك ثَلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، الأمْنُ من الحَيْفِ، وهو أن يكونَ القَطْعُ مِن مَفْصِلٍ،
فإن كان مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فلا قِصاصَ فيه مِن مَوْضِعِ القَطْعِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لِما رَوَى [نِمْرانُ بنُ جَاريةَ]، عن أبِيه، أنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا على ساعِدِه بالسَّيْفِ، فقَطَعَها مِن غيرِ مَفْصِلٍ، فاسْتَعْدَى عليه النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأمَرَ له بالدِّيَةِ، فقال: إنِّى أُرِيدُ القِصاصَ. فقال:«خُذِ الدِّيَةَ، بَارَكَ اللَّه لَك فيها». ولم يَقْضِ له بالقِصاصِ. رَوَاه ابنُ ماجَه .
وفى قَطْعِ اليَدِ ثمانِ مسائلَ؛ أحدُها، قَطعُ الأصابعِ مِن مَفاصِلِها، فالقِصاصُ واجِبٌ فيها؛ لأَنَّ لها مَفاصِلَ يُمْكِنُ القِصاصُ فيها مِن غيرِ حَيْفٍ،
وإنِ اختارَ الدِّيَةَ فله نِصْفُها؛ لأَنَّ في كلِّ إصْبَعٍ عُشْرَ الدِّيَةِ. الثَّانيةُ، قَطعُها مِن نِصْفِ الكَفِّ، فليس له القِصاصُ مِن مَوْضِعِ القَطْعِ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، فلا يُؤْمَنُ الحَيْفُ فيه.
وإن أرادَ قَطْعَ الأصابعِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك. اخْتارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّه يَقْتَصُّ مِن غيرِ مَوْضِعِ الجِنايةِ، فلم يَجُزْ، كما لو كان القَطْعُ مِن الكُوعِ، يُحَقِّقُه أنَّ امْتِناعَ قَطْعِ الأصابعِ إذا قطَع مِن الكُوعِ، إنَّما كان لعَدَمِ المُقْتَضِى، أو وُجُودِ مانعٍ، وأيُّهما كان فهو مُتَحَقِّقٌ إذا كان القَطْعُ من نِصْفِ الكَفِّ. والثانى، له قَطْعُ الأصابعِ. ذكَره أصْحابُنا. وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه يأْخُذُ دُونَ حَقِّه لعَجْزِه عن اسْتِيفاءِ حَقِّه، فأَشْبَهَ ما لو شَجَّه هاشِمَةً فاسْتَوْفَى مُوضِحَةً.
ويُفارِقُ ما إذا قطَع مِن الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه، فلم يَجُزِ العُدولُ إلى غيرِه. وهل له حُكومَةٌ في نِضفِ الكَفِّ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه يَجْمَعُ بينَ القِصاصِ والأَرْشِ في عُضْوٍ واحدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو قطَع مِن الكُوعِ. والثانى، له أَرْشُ نِصْفِ الكَفِّ؛ لأنَّه حَقٌّ له تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه، فوَجَبَ أرْشُه، كسائرِ ما هذا حالُه.
وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله نِصْفُها؛ لأَنَّ قَطْعَ اليَدِ مِنَ الكُوعِ لا يُوجِبُ أكثرَ مِن نِصْفِ الدِّيَةِ، فما دُونَه أوْلَى. الثَّالثةُ، قَطَع مِن الكُوعِ، فله قَطْعُ يَدِه مِنَ الكُوعِ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له قَطْعُ الأصابعِ؛ لأنَّه غيرُ مَحَلِّ الجِنايةِ فلا يُسْتَوْفَى منه مع إمْكانِ الاسْتِيفاءِ مِن مَحَلِّها. الرابعةُ، قَطَع مِن نِصْفِ الذِّراعِ، فليس له أن يَقْطَعَ مِن ذلك المَوْضِعِ ؛ لأنَّه ليس بمَفْصِلٍ، وقد ذكَرْنا الخبَرَ الوارِدَ فيه، وله نِصْفُ الدِّيَةِ وحُكومةٌ في المَقْطُوعِ مِنَ الذِّراعِ.
وهل له القَطْعُ مِنَ الكُوعِ؟ فيه وَجْهان، كما ذكَرْنا في من قَطَع مِن نِصْفِ الكَفِّ.
ومن جَوَّزَ القَطْعَ مِنَ الكُوعِ، فعندَه في وُجوبِ الحُكومةِ لِما قُطِعَ مِنَ الذِّراعِ وَجْهان. ويَتَخرجُ أيضًا في جَوازِ قَطْعِ الأصابعِ وَجْهان.
فإن قطَع منها ، لم يَكُنْ له حُكومةٌ في الكَفِّ؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُه قِصاصًا، فلم يكُنْ له طَلَبُ أَرْشِه، كما لو كانتِ الجِنايةُ مِنَ الكُوعِ. الخامسةُ، قَطَع مِن المَرْفِقِ، فله القِصاصُ منه؛ لأنَّه مَفْصِلٌ، وليس له القَطْعُ من الكُوعِ؛ لأنَّه أمْكَنَه اسْتِيفاءُ حَقِّه بكَمَالِه، والاقْتصاصُ مِن مَحَلِّ الجِنايةِ عليه، فلم يَجُزْ له العُدولُ إلى غيرِه.
وإن عَفا إلى الدِّيَةِ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ. السادسةُ، قَطعُها مِن العَضُدِ، فلا قِصاصَ فيها، في أحَدِ الوَجْهينِ، وله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ للسَّاعِدِ وبعضِ العَضُدِ. والثانى، له القِصاصُ مِنَ المَرْفِقِ. وهل له حُكومةٌ في الزَّائدِ؟ على وَجْهين. وهل له القَطْعُ من الكُوعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهينِ. السابعةُ، قَطَع (مِن المَنْكِبِ) فالواجِبُ القِصاصُ؛ لأنَّه مَفْصِلٌ (إذا لم يَخَفْ جائِفةً) وإنِ اخْتارَ الدِّيَةَ، فله دِيَةُ اليَدِ، وحُكومةٌ لِما زادَ. الثامنةُ، خَلع عَظْم المَنْكِبِ، ويقالُ له: مِشْطُ الكَتِفِ.
فيَرْجِعُ فيه إلى اثْنَيْن مِن ثِقَاتِ أَهْلِ الخِبْرَةِ،
فإن قالوا: يُمْكِنُ الاسْتِيفاءُ مِن غيرِ أن تَصِيرَ جائِفَةً. اسْتَوْفَى، وإلَّا صارَ الأمْرُ إلى الدِّيَةِ. وفى جَوازِ الاسْتِيفاءِ مِن المَرْفِقِ أو ما دُونَه مثلُ ما ذكَرْنا في نظائِرِه. ومثلُ هذه المسائلِ في الرِّجْلِ؛ فالسَّاقُ كالذِّراعِ، والفَخِذُ كالعَضُدِ، والوَرِكُ كعَظْمِ الكَتِفِ، والقَدَمُ كالكَفِّ، فتُقاسُ عليها للنَّصِّ والمَعْنَى.
٤١٣١ - مسألة: (ويُؤْخَذُ كُلُّ واحدٍ مِن الأصابعِ والكَفِّ والمَرْفِقِ والذَّكَرِ والأُنْثَيَيْنِ بمِثْلِه) لقولِه تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}.
ولما ذكَرْنا في اليَدِ باليَدِ. ولا نعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ القِصاصَ يَجْرِى في الذَّكَرِ، ولأَنَّ له حَدًّا يَنْتَهِى إليه، ويُمْكِنُ القِصاصُ فيه مِن غيرِ حَيْفٍ، فوَجَبَ فيه القِصاصُ، كالأنْفِ. ويَسْتَوِى في ذلك ذَكَرُ الصَّغِيرِ والكبيرِ، والشَّيْخِ والشابِّ، والذَّكَرُ الكبيرُ والصغيرُ،
والصَّحيحُ والمريضُ؛ لأَنَّ ما وجَب فيه القِصاصُ مِن الأطْرَافِ لم يَخْتَلِفْ بهذه المعانِى، كذلك الذَّكَرُ. ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ المَخْتُونِ والأغْلَفِ بصاحِبِه؛ لأَنَّ الغُلْفَةَ زِيادةٌ تَستَحِقُّ إزالَتها، فهى كالمَعْدُومةِ ويُؤْخَذُ كلُّ واحدٍ مِنَ الخَصِىِّ والعِنِّينِ بمثلِه؛ لتَساوِيهِما، كما يُؤْخَذُ العَبْدُ بالعَبْدِ، والذِّمِّىُّ بالذِّمِّىِّ، ويُؤْخَذُ بعضُه ببعضٍ، ويُعْتَبَرُ بالأجْزاءِ دُونَ المِساحةِ، فيُؤْخَذُ النِّصْفُ بالنِّصْفِ، وما زادَ أو نَقَصَ فبِحسابِ ذلك، كالأنْفِ والأُذُنِ، على ما ذكَرْناه.
٤١٣٢ - مسألة: ويَجْرِى القِصاصُ في الأُنْثَيَيْنِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن النَصِّ والمَعْنَى، ولا نعلمُ فيه خِلافًا،
فإن قطَع إحْدَاهما وقال أهْلُ الخِبْرَةِ: إنَّه يُمْكِنُ أخْذُها مع سلامه الأُخْرَى. جاز.
وإن قالوا: لا يُؤْمَنُ تَلَفُ الأُخْرَى، لم يُقْتَصَّ منها خَشْيَةَ الحَيْفِ،
ويجبُ فيها نِصْفُ الدِّيَةِ. وإن أُمِنَ تَلَفُ الأُخْرَى، أُخِذَتِ اليُمْنَى باليُمْنَى، واليُسْرَى باليُسْرَى، كاليَدَيْنَ.
٤١٣٣ - مسألة: (وهل يَجْرِى القِصاصُ في الأَلْيَةِ والشَّفْرِ؟ على وَجْهَيْنِ) يجبُ القِصاصُ في الأَلْيَتَيْن الناتِئَتَيْنِ بينَ الفَخِذِ والظَّهْرِ بجانِبَى الدُّبُرِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ. والوَجْهُ الثانى، لا يجبُ. وهو قولُ المُزَنِىِّ؛ لأنَّهما لَحْمٌ مُتَّصِلٌ بلَحْمٍ، أَشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذِ، ووَجْهُ الأَوَّلِ قولُى تعالى:{وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}. ولأَنَّ لهما حَدًّا يَنْتَهِيانِ إليه، فجَرَى القِصاصُ فيهما، كالذَّكَرِ.
٤١٣٤ - مسألة: وفى القِصاصِ في شَفْرَىِ المَرْأَةِ وجهان؛ أحدُهما، لا قِصاصَ فيهما؟ لأنَّه لَحْمٌ لا مَفْصِلَ له يَنْتَهِى إليه، فأشْبَهَ لَحْمَ الفَخِذَيْنِ. وهو قولُ القاضى. والثانى، فيهما القِصاصُ؛ لأَنَّ انْتِهاءَهما مَعْرُوفٌ، فأشْبَها الشَّفَتَيْنِ وجَفْنَىِ العَيْنَيْنِ. وهو قولُ أبى الخَطَّابِ. ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كهذَيْن.
(وَالْجَفْنُ بِالْجَفْنِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ وَيُؤْخَذَ جَفْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْبَصِيرِ، وَالضَّرِيرِ بِالْآخَرِ.
فَائِدَةٌ: الْجَفْنُ بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَحَكَى ابْنُ سِيدَهْ كَسْرَهَا. (وَالشَّفَةُ بِالشَّفَةِ) وَهُوَ مَا جَاوَزَ الذَّقَنَ، وَالْخَدَّيْنِ عُلُوًّا وَسُفْلًا (وَالْيَدُ بِالْيَدِ، وَالرِّجْلُ بِالرِّجْلِ) لِمَا ذَكَرْنَا،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْوَى بَطْشُهَا، أَوْ يَضْعُفَ (وَيُؤْخَذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَصَابِعِ، وَالْكَفِّ، وَالْمِرْفَقِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ بِمِثْلِهِ) لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَوْجُودَةٌ، وَالْقِصَاصُ مُمْكِنٌ فَوَجَبَ كَالْعَيْنِ بِمِثْلِهَا (وَهَلْ يَجْرِي فِي الْإِلْيَةِ، وَالشُّفْرِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِظَاهِرِ الْآيَةِ ; لِأَنَّ الْإِلْيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِاللَّحْمِ، وَالشُّفْرُ لَحْمٌ لَا مَفْصِلَ لَهُ،
وَالثَّانِي: لَا قَوَدَ فِيهِمَا، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَلَحْمِ الْفَخِذِ.
فَائِدَةٌ: الشُّفْرُ بِضَمِّ الشِّينِ أَحَدُ شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ،
فَأَمَّا شُفْرُ الْعَيْنِ، فَهُوَ مَنْبَتُ الْهُدْبِ، وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْفَتْحُ.
[شُرُوطُ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ] [الْأَوَّلُ الْأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ] فَصْلٌ
وهل يَجْرِى القِصاصُ فى الأَلْيَةِ والشَّفْرِ؟ على وَجْهَيْن. أطْلَقَ فى إجْراءِ القِصاصِ فى الأَلْيَةِ وَجْهَيْن. وأطْلَقَهما فى «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»؛ أحَدُهما، يجْرِى القِصاصُ فيها. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
وجزَم به فى «الكافِى»، و «الوَجيزِ». والوَجْهُ الثَّانى، لا يجْرِى القِصاصُ فيها.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وصحَّحه فى «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن». وأطْلَقَ المُصَنِّفُ فى إجْراءِ القِصاصِ فى الشَّفْرِ وَجْهَيْن، وأطْلَقَهما فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُغْنِى»، و «الكافِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ مُنَجَّى»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»،
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِلْقِصَاصِ فى الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، الْأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ، بأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِى إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الْأَنْفِ، وَهُوَ مَا لَانَ مِنْهُ،
فَإِنْ قَطَعَ الْقَصَبَةَ، أَو قَطَعَ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ أوِ السَّاقِ، فَلَا قِصَاصَ فى أَحدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِى الْآخَرِ، يَقْتَصُّ حَدِّ الْمَارِنِ،
وَمِنَ الْكُوعِ وَالْكَعْبِ. وَهَلْ يَجِبُ لَهُ أَرْشُ الْبَاقِى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
و «الفُروعِ»؛ أحدُهما، يجْرِى القِصاصُ فيه. وهو المذهبُ. صحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وجزَم به فى «الوَجيزِ». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ. والوَجْهُ الثَّانى، لا يجْرِى القِصاصُ فيه.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال فى «الخُلاصَةِ»: فلا قِصاصَ فيه فى الأَظْهَرِ. واخْتارَه القاضى. وصحَّحه فى «النَّظْمِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن».
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: ويُشْتَرَطُ للقِصاصِ فى الطَّرَفِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، الأمْنُ مِنَ الحَيْفِ. أنَّه لا يجِبُ القِصاصُ فى اللَّطْمَةِ ونحوها؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ فى ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ الحَيْفِ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ. ونقَل حَنْبَلٌ، والشَّالَنْجِىُّ، القَوَدُ فى اللَّطْمَةِ ونحوِها. ونقَل حَنْبلٌ، قال الإِمامُ أحمدُ: الشَّعْبِىُّ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، قالوا: ما أصابَ بسَوْطٍ أو عصًا، وكانَ دُونَ النَّفْسِ،
ففيه القِصاصُ . قال أحمدُ: وكذا أرَى. ونقَل أبو طالِبٍ، لا قِصاصَ بينَ المرْأةِ وزَوْجِها فى أدَبٍ يُؤَدِّبُها به،
فإنِ اعْتَدَى، أو جرَح، أو كسَر، يُقْتَصُّ لها منه. ونقَل ابنُ مَنْصُورٍ، إذا قَتَلَه بعَصًا، أو خَنَقَه، أو شدَخ رأَسَه بحَجَرٍ، يُقْتَلُ بمِثْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الذى قتَل به؛ لأَنَّ الجُروحَ قِصاصٌ. ونقَل أيضًا، كلُّ شئٍ مِنَ الجِراحِ والكَسْرِ، يُقْدَرُ على الاقْتِصاصِ، يُقْتَصُّ منه؛ للأَخْبارِ. واخْتارَ ذلك الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ،
وقال: ثَبَتَ ذلك عنِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِين، رَضِىَ اللَّهُ تعالَى عنهم.
تنبيهان؛ أحدُهما، تقدَّم فى أَثْناءِ الغَصْبِ ، قُبَيْلَ قوْلِه: فإنْ كانَ مَصُوغًا أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تِبْرًا، هل يُقْتَصُّ فى المالِ، مِثْلُ شَقِّ ثوْبِه ونحوِه؟
الثَّانى، قوْلُه: ويُشْتَرَطُ للقِصاصِ فى الطَّرَفِ الأَمنُ مِنَ الحَيْفِ. قال الزَّرْكَشِىُّ: واعلمْ أنَّ ظاهِرَ كلامِ ابنِ حَمْدانَ -تَبَعًا لأبى محمدٍ- أنَّ المُشْتَرَطَ لوُجوبِ القِصاصِ، أمْنُ الحَيْفِ، وهو أخصُّ مِن إمْكانِ الاسْتِيفاءِ [بلا حَيْفٍ، والخِرَقِىُّ إنَّما اشْتَرَطَ إمْكانَ الاسْتِيفاءِ بلا حَيْفٍ، وتَبِعَه أبو محمدٍ فى «المُغْنِى»، والمَجْدُ، وجعَل المَجْدُ أمْنَ الحَيْفِ شَرْطًا لجوازِ الاسْتِيفاءِ] . وهو التَّحْقيقُ. وعليه، لو أقْدَمَ واسْتَوْفَى ولم يَتَعَدَّ، وقَع المَوْقِعَ، ولا شئَ عليه.
وكذا صرَّح المَجْدُ. وعلى مُقْتَضَى قولِ ابنِ حَمْدانَ وما فى «المُقْنِعِ»، تكونُ جِنايَةً مُبْتَدَأَةً، يتَرَتَّبُ عليها مُقْتَضَاها. انتهى.
قلتُ: الذى يظْهَرُ، أنَّه لا يَلْزَمُ ما قالَه عن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ابنَ حَمْدانَ، والمُصَنِّفِ، إذا أقْدَمَ واسْتَوْفَى. أكثرُ ما فيه، أنَّا إذا خِفْنَا الحَيْفَ، منَعْناه مِنَ الاسْتِيفاءِ،
فلو أقْدَمَ وفعَل، ولم يحْصُلْ حَيْفٌ، فليس فى كلامِهما ما يقْتَضِى الضَّمانَ بذلك.
قال: (ويؤخذ كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين بمثله. وهل يجري في الإلية والشفر؟ على وجهين) .
أما كون كل واحد من الأصابع والكف والمرفق والذكر والأنثيين يؤخذ بمثله؛ فلأن المماثلة موجودة والقصاص ممكن. فوجب؛ كالعين بالعين والأنف بالأنف.
وأما كون القصاص يجري في الإلية والشفر في وجهٍ؛ فلعموم قوله تعالى:{والجروحَ قصاص}.
ولأن لذلك حداً ينتهي إليه. فجرى القود فيه؛ كالذَّكَر.
وأما كونه لا يجري فيهما في وجهٍ؛ فلأن الإلية متصلة بلحم والشفر لحم لا مفصل له. فلم يجر القود فيها؛ كلحم الفخذ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.