وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَطَلَتْ
Its commentaries
فصل: إذا كان بينَهما دارٌ، أو خانٌ كبيرٌ، فطَلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ ذلك، ولا ضَرَرَ في قِسْمَتِه، أُجْبِرَ المُمتَنِعُ على القِسْمَةِ، وتُفْرَدُ بعضُ المساكنِ عن بعضٍ وإن كَثُرُتِ المَساكنُ.
فإن كان بينَهما داران، أو خانان، أو أكْثَرُ، فطَلَبَ أحَدُهما أنْ يَجْمَعَ نصيبَه في إحْدَى الدّارَيْن، [أْو أحدِ الخانَيْن]، ويَجْعَلَ الباقِىَ نصيبًا للآخَرِ، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ.
وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ : إذا رأى الحاكمُ ذلك، فله فِعْلُه، سَواءٌ تقارَبَتا أو تَفَرَّقَتا؛ لأنَّه أنْفَعُ وأعْدَلُ.
وقال مالكٌ: إن كانتا مُتَجاوِرَتَيْن، أُجْبِرَ الممْتَنِعُ مِن ذلك عليه؛ لأنَّ المتَجاوِرَتَيْن تَتقارَبُ مَنْفَعَتُهما،
بخلافِ المُتباعِدَتَيْن. وقال أبو حنيفةَ: إن كانت إحْداهما حَجْزَةَ الأخْرَى، أُجْبِرَ، وإلَّا فلا، لأنَّهما يَجْرِيان مَجْرَى الدّارِ الواحدةِ. ولَنا، أنَّه نَقْلُ حَقِّه مِن عَيْنٍ إلى عَيْنٍ أُخْرَى، فلم يُجْبَرْ عليه، كالمتَفَرِّقَتَيْن عندَ مالكٍ، وكما لو لم تكنْ حَجْزَتَها عندَ أبي حنيفةَ، وكما لو كانتا دارًا و دُكَّانًا عند أبي يُوسُفَ ومحمدٍ. والحكمُ في الدَّكاكينِ كالحُكْمِ في الدُّورِ.
ولو كانت لهما عَضائدُ صغارٌ، لا يُمْكِنُ قِسْمةُ كلِّ واحدةٍ منهما مُنْفَردَةً، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن قِسْمَتِها عليها.
فصل: وإن [كانت بينَهما] أرضٌ واحدة تُمْكِنُ قِسْمَتُها، وتُوجَدُ فيها الشُّروطُ التى ذَكَرْناها، أُجْبِرَ المُمْتَنِعُ على قِسْمَتِها، سَواءٌ كانت فارِغةً أو ذاتَ شَجَر وبِناءٍ.
فإن كان فيها نَخْلٌ، وكَرْمٌ، وشَجَرٌ مُخْتَلِفٌ، وبِناء، فطَلَبَ أحدُهما قِسْمَةَ كل عَيْن على حِدَتِها، وطَلَب الآخَرُ قِسْمَةَ الجميعِ بالتَّعْدِيلِ بالقِيمَةِ، فقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ كلُّ عَيْن على حِدَتِها. وهو ظاهِرُ كلامِ شَيْخِنا في الكتابِ المَشْروحِ .
وكذلك كلُّ مَقْسُومٍ، إذا أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بينَ الشَّرِيكَيْن في جَيِّدِه ورَدِيئه، كان أوْلَى. ونحوَ هذا قال أصْحابُ الشافعيِّ؛ فإنَّهم قالوا: إذا أمْكَنَتِ التَّسْوِيَةُ بينَ الشَّرِيكَيْن في جَيِّدِه ورَدِيئِه، بأن يكونَ الجَيِّدُ في مُقَدَّمِها والرَّدِئُ في مُؤَخرِها،
فإذا قَسَمْناها صار لكلِّ واحدٍ مِن الجَيِّدِ والرَّدِئِ مثلُ ما للآخَرِ، وَجَبَتِ القِسْمَةُ، وأُجْبِرَ المُمْتَنِعُ عليها،
وإن لم تُمْكِنِ القِسْمَةُ، بأن تكونَ العِمارَةُ و الشَّجرُ والجَيِّدُ لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه وَحْدَه، وأمْكَنَ التَّعْدِيلُ بالقِيمَةِ، عُدِّلَتْ بالقيمةِ، وأُجبِرَ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ عليها.
وقال الشافعىُّ، في أحَدِ القوْلَيْن: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمةِ عليها. وقالوا: إذا كانتِ الأرضُ ثَلاثينَ جرِيبًا ، قِيمَةُ عَشَرَةٍ منها كقيمةِ عشرين، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ عليها؛ لتَعَذُّرِ التَّساوِى في الذَّرْعِ، ولأنَّه لو كان حَقْلان مُتجاوِران، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ مِن القِسْمَةِ، [إذا لم تُمْكِنْ] إلَّا بأن يُجْعَلَ كلُّ واحدٍ منهما سَهْمًا، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّه مكانٌ واحدٌ، أمْكَنَتْ قِسْمَتُه وتَعْدِيلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ ولا رَدِّ عِوَضٍ، فوَجَبَتْ قِسْمَتُه، كالدُّورِ.
ولأنَّ ما ذَكَرُوه يُفضِى إلى مَنْعِ وُجُوبِ القِسْمةِ في البَساتِينِ كُلِّها والدُّور؛ فإنَّه لا يُمْكِنُ تَساوِى الشَّجرِ وبناءِ الدُّورِ ومَساكِنِها إلَّا بالقِيمَةِ، ولأنَّه مكان لو بِيعَ بعضُه، وَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ لشريكِ البائِع، فوَجَبَتْ قِسْمَتُه، كما لو أمْكَنَتِ التَّسْويةُ بالذَّرْعِ .
فأمَّا إن كان بُسْتانان، لكلِّ واحدٍ منهما طريقٌ، أو حَقْلان، أو داران، أو دُكّانان مُتجاوِران أو مُتَباعِدان، فطَلَبَ أحدُ الشريكَيْن قِسْمَتَه، بجعْلِ كلِّ واحدٍ منهما سَهْمًا، لم يُجْبَرِ الآخَر على هذا، سواءٌ كانا مُتَساوِيَيْن أو مُخْتَلِفَيْن. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ؛ لأنَّهما شيئان مُتَمَيِّزان، لو بِيعَ أحَدُهما، لم تجبْ فيه الشُّفْعَةُ لمالكِ الآخَرِ،
بخِلافِ البُسْتانِ الواحدِ، والأرضُ الواحدةُ وإن عَظُمَتْ، فإنَّها إذا بِيعَ بعضُها، وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ لمالكِ البعضِ الباقى، والشُّفْعَةُ كالقِسْمَةِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُرادُ لإزالَةِ ضَرَرِ الشرِكةِ، ونُقْصانِ التَّصَرُّفِ، فما لا تَجِبُ قِسْمَتُه، لا تجبُ الشُّفْعةُ فيه،
وكذلك ما لا شُفْعَةَ فيه، لا تَجِبُ قِسْمتُه، وعكسُ هذا ما تجِبُ قِسْمتُه، تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ، وما تجبُ الشُّفْعَةُ فيه، تَجِبُ قِسْمتُه. ولأنَّه لو بَدَا الصَّلاحُ في بعضِ البُسْتانِ، كان صلاحًا لباقِيه وإن كان كثيرًا، ولم يكنْ صَلاحًا لِما جاوَرَه وإن كان صغيرًا.
فصل: إذا كانت بينَهما أرضٌ قِيمتُها مائةٌ، في أحدِ جانِبَيْها بئرٌ قِيمَتُها مِائةٌ، وفى الآخَرِ شَجَرةٌ قِيمَتُها مائةٌ، عُدِّلَتْ بالقِيمَةِ، وجُعِلَتِ البئرُ مع نِصْفِ الأرضِ نَصِيبًا، والشَّجرةُ مع النِّصْفِ الآخَرِ نصيبًا،
فإن كانت بينَ ثلاثةٍ أو أكْثَرَ، نَظَرْتَ في الأرْضِ؛
فإن كانت قِيمَتُها مائةً أو أقَل، لم تَجِبِ القِسْمَةُ؛ لأنَّها إذا كانت أقَلَّ، لم يُمْكِنِ التَّعْدِيلُ إلَّا بقِسْمةِ البئرِ أو الشجرةِ، وذلك ممّا لا تَجِبُ قِسْمَتُه،
وإن كانت قِيمتُها مائةً، فجَعَلْناها سَهْمًا، [والبِئْرَ سهْمًا]، والشَّجرةَ سَهْمًا، لم يَحْصُلْ مع البئرِ والشَّجرةِ شئٌ مِن الأرْضِ، فتصيرُ هذه كقِسْمَةِ الشَّجرِ وَحْدَه، وقِسْمةُ ذلك وَحْدَه ليستْ قِسْمَةَ إجْبارٍ.
وإن كانتِ الأرضُ كثيرةَ القِيمَةِ، بحيث يَأْخُذُ بعضُ الشُّرَكاءِ سِهامَهم منها، ويَبْقَى منها شئٌ مع البئرِ والشَّجرةِ، وَجَبَتِ القِسْمَةُ، ومِثالُه أن تكونَ قِيمَةُ الأرضِ مائَتَيْن وخمسين، فتُجْعَلُ مائةً وخمسين سهمًا، ويُضَمُّ إلى البئرِ ما قِيمتُه خمسون، وإلى الشَّجَرةِ مثلُ ذلك، فتصيرُ ثلاثةَ سِهامٍ مُتَساويةٍ، وفى كلِّ سَهْمٍ جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الأرضِ، فتَجِبُ القِسْمَةُ حِينَئِذٍ.
وكذلك لو كانوا أربعةً، وقِيمَةُ الأرضِ أربعَمائةٍ، وجَبَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّنا نَجْعَلُ ثلاثَمائةٍ منها سَهْمَيْن، ومائةً مع البئرِ والشجرةِ سَهْمَيْن، فتَعَدَّلَتِ السِّهامُ.
ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَيْن، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرِ دُونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجْبارٍ،
ولو اقْتَسماها بشَجَرِها، كانت. قِسْمَةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشَّجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيصيرُ الجميعُ كالشئِ الواحدِ، ولهذا تَجبُ فيه الشُّفْعَةُ إذا بِيعَ شئٌ مِن الأرضِ بشَجَرِه.
وإذا قُسِم ذلك دُونَ الأرَضِ، صار أصْلًا في القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشئٍ واحدٍ، فيصيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدَةٍ مِن الدُّورِ والدَّكاكينِ المُتَفَرِّقَةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعَةُ [إذا بِيعَ مُنْفَرِدًا. وكلُّ قِسمَةٍ غيرُ واجبةٍ إذا تَراضيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكْمُها حُكْمُ البيعِ].
فصل: وعلى الإِمامِ أن يَرْزُقَ القاسِمَ مِن بيتِ المالِ؛ لأنَّ هذا مِن المصالِحِ، وقد رُوِىَ أنَ عَلِيًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، اتَّخَذَ قاسِمًا، وجَعَل له رِزْقًا مِن بَيْتِ المالِ .
فإن لم يَرْزُقْه الإمامُ، قال الحاكمُ للمُتَقاسِمَيْن: ادْفَعا إلى قاسم أُجْرَةً ليَقْسِمَ بينَكما.
فإنِ اسْتَأْجرَه كلُّ واحدٍ منهما بأجْرٍ مَعْلومٍ ليَقْسِمَ نصيبَه، جازَ،
وإنِ اسْتأجَرُوه جميعًا إجارةً واحدةً ليَقْسِمَ بينَهم بأجْرٍ واحدٍ مَعْلومٍ، لَزِم كلَّ واحدٍ منهم مِن الأجْرِ بقَدْرِ نصيبِه مِن المقسومِ. وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يكونُ عليهم على عَدَدِ رُءُوسِهم؛ لأنَّ عَمَلَه في نَصِيبِ أحدِهما مثلُ عَمَلِه في نَصِيبِ الآخَرِ، وسَواءٌ تَساوَتْ سِهامُهم أو اخْتَلَفَتْ، فكان الأجْرُ بينَهم سواءً. ولَنا، أنَّ أجْرَ القِسْمَةِ يَتَعَلَّقُ بالمِلْكِ، فكان بينَهم على قَدْرِ الأمْلاكِ، كنَفَقَةِ العَبْدِ، وما ذَكَرَه لا يصِحُّ؛ لأنَّ العَمَلَ في أكْبَرِ النَّصِيبَيْن أكْثَرُ، ألا تَرَى أنَّ المَقْسُومَ إذا كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان كَيْلُ الكثيرِ أكْثرَ عَمَلًا مِن كيلِ القليلِ،
وكذلك الوزن والذَّرْعُ، وعلى أنَّه يَبْطُلُ بالحافِظِ،
فإن حِفْظَ القليلِ والكثيرِ سَواءٌ، ويَخْتَلِفُ أجْرُه باخْتِلافِ المالِ.
فصل: وأُجْرَةُ القِسْمَةِ بينَهما وإن كان أحدُهما الطّالِبَ لها. وبهذا قال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هى على الطالِبِ للقِسْمَةِ؛ لأنَّها حَقٌّ له. ولَنا، أنَّ الأُجْرَةَ تَجِبُ بإفرازِ الأنْصِباءِ، وهم سواءٌ فيها، فكانتِ الأُجْرَةُ عليهما، كما لو تَراضَوْا عليها.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا ادَّعَى بعضُهم غَلَطًا فيما تقاسَمُوه بأنفسِهم، وأشْهَدُوا على تراضِيهم به، لم يُلْتَفَتْ إليه.
وإن كان فيما قَسَمَه قاسِمُ الحاكمِ، فعلى المُدَّعِى البَيِّنةُ، وإلَّا فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يمينِه.
وإن كان فيما قَسَمَه قاسِمُهم الذى نَصَبُوه، وكان فيما اعْتَبَرْنا فيه الرِّضا بعدَ القُرْعَةِ، لم تُسْمَعْ دَعْواه، وإلَّا فهو كقاسِمِ الحاكمِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا ادَّعَى بعضُ المُتَقاسِمِين غَلَطًا في القِسْمَةِ، وأنَّه اعْطِىَ دُونَ حَقِّه، وكانت قِسْمَتُه تَلْزَمُ بالقُرْعَةِ مِن غيرِ تَراضٍ منهم، فالقولُ قولُ المُدَّعَى عليه مع يمينِه، ولا يُقْبَلُ قولُ المُدَّعِى إلَّا ببينةٍ ،
فإن أقام شاهِدَيْن عَدْلَيْن، نُقِضَتِ القِسْمَةُ وأُعِيدَتْ،
وإن لم يُقِمْ بينةً عادِلَةً، وطَلَب يمينَ شَرِيكِه أنَّه لا فَضْلَ معه، أُحْلِفَ له. وإنَّما قَدَّمْنا قولَ المُدَّعَى عليه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ صِحَّةُ القِسْمَةِ، وأداءُ الأمانةِ فيها.
وإن كان ممّا لا يَلْزَمُ إلَّا بالتَّراضِى، كالذى قَسماه بأنفسِهما ونحوِه، لم تُسْمَعْ دَعْوَى [مَن ادَّعَى] الغَلَطَ. وهو الذى ذَكَرَه الأصْحابُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد رَضِىَ بذلك، ورضاه بالزِّيادةِ في نصيب شرِيكِه يَلْزَمُه.
قال شيخُنا : والصَّحِيحُ عندِى أنَّ هذه كالتى قبلَها، وأَنَّه متى أقام البينةَ بالغَلَطِ، نُقِضَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ ما ادَّعاه مُحْتَمِلٌ، ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ عادِلةٍ، فأشْبَهَ ما لو أشْهَدَ على نفسِه بقَبْضِ الثَّمَنِ أو المُسْلَمِ فيه، ثم ادَّعَى غَلَطًا في كَيْلِه. وقولُهم: إنَّ حَقَّه في الزِّيادةِ سَقَطَ بِرضاه. ممنوعٌ؛ فإنَّه إنَّما يَسْقُطُ إذا عَلِمَه،
أمَّا إذا ظَنَّ أنَّه أُعْطِىَ حَقَّه فرَضِىَ بِناءً على هذا، ثم بان له الغَلَطُ، فلا يَسْقُطُ به حَقٌّ، كالثَّمَنِ والمُسْلَمِ فيه، فإنَّه لو قَبَض المُسْلَمَ فيه بِناءً على أنَّه عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، راضِيًا بذلك، ثم تَبَيَّنَ له ثمانيةٌ، أو ادَّعَى المُسْلِمُ إليه أنَّه غَلِطَ، فأعْطاه اثْنَىْ عَشَرَ، وثَبَت ذلك بِبَيِّنَةٍ، لم يَسْقُطْ حَقُّ واحدٍ منهما بالرِّضا به، ولا يَمْتَنِعُ سَماعُ دَعْواه وبَيِّنتِه، ولأنَّ المُدَّعَى عليه في مَسْألتِنا لو أقَرَّ بالغَلَطِ، لنُقِضَتِ القِسْمَةُ،
ولو سَقَط حقُّ المُدَّعِى بالرِّضا، لَما نُقِضَتِ القِسْمَةُ بإقْرارِه، كما لو وَهَبَه الزائِدَ، وقد ذَكَر أصْحابُنا وغيرُهم في مَن باع دارًا على أنَّها عَشَرَةُ أذْرُعٍ،، فبانَتْ تِسْعَةً أو أحدَ عَشَرَ، أنَّ البَيْعَ باطِلٌ في أحدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخرِ، تكونُ الزِّيادةُ للبائِع، والنَّقْصُ عليه، والبَيْعُ إنَّما يَلْزَمُ بالتَّراضِى،
فلو كان التَّراضِى يُسْقِطُ حَقَّه مِن الزِّيادةِ، لسَقَطَ حَقُّ البائِعِ مِن الزِّيادةِ، وحَقُّ المشْتَرِى مِن النَّقْصِ. ولأنَّ مَن رَضِى بشئٍ بِناءً على ظَنٍّ تَبَيَّنَ خِلافُه، لم يَسْقُطْ به حَقُّه، كما لو اقْتَسما شيئًا، وتَراضَيا به، ثم بان نَصِيبُ أحدِهما مُسْتَحَقًّا.
فإن قيلَ: فلِمَ لم يُعْطَ المظْلومُ حَقَّه في هاتَيْن المسألتَيْن، ولا تنْقَضُ القِسْمةُ،؛ لو تَبَيَّنَ الغَلَطُ في الثمنِ أو المُسْلَمِ؟ قُلْنا: لأنَّ الغَلَطَ ههُنا في نَفْسِ القِسْمَةِ بتَفْويتِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِها، وهو تَعْدِيلُ السِّهامِ، فتَبْطُلُ لفَواتِ شَرْطِها، وفى السَّلَمِ والثمنِ الغَلَطُ في القَبْضِ دُونَ العَقْدِ،
فإنَّ العَقْدَ [قد تَمَّ] بشُروطِه، فلا يُؤَثِّرُ الغلطُ في قَبْضِ عِوَضِه في صِحَّتِه،
بخِلافِ مَسْألتِنا. ٤٩٥٤ - مسألة: (وإن تَقاسَمُوا ثم اسْتُحِقَّ مِن حِصَّةِ أحَدِهما شئٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتِ) القِسْمةُ
(وَإِنْ تَقَاسَمُوا ثُمَّ اسْتَحَقَّ مِنْ حِصَّةِ أَحَدِهِمَا شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَطَلَتْ) الْقِسْمَةُ، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَقَاسِمَيْنَ لَمْ يَأْخُذْ حَقَّهُ، وَكَمَا لَوْ فَعَلَا ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمَا بِالْحَالِ،
وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ لَمْ تَبْطُلْ فِيمَا بَقِيَ عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الْمُسْتَحِقِّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ، كَسَدِّ طَرِيقِهِ أَوْ مَجْرَى مَائِهِ أَوْ ضَوْئِهِ وَنَحْوِهِ، فَيَبْطُلُ لِأَنَّ هَذَا يَمْنَعُ التَّعْدِيلَ.
وَقِيلَ: تَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْبَاقِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ مَا بَقِيَ لِلْآخَرِ
وإنْ تَقَاسَمُوا ثُم اسْتُحِقَّ مِن حِصَّةِ أحَدِهِما شَئٌ مُعَيَّنٌ، بَطَلَتْ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. وجزَم به فى «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الهادِى»، و «الكافِى»، و «المُغْنِى»، و «المُحَرَّرِ»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِىِّ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوسٍ»، وغيرِهم.
وقال فى «القَواعِدِ»: ومِن الفَوائدِ، لو اقْتَسَمَا دارًا نِصْفَيْن، ظهَر بعْضُها مُسْتَحَقًّا؛
فإنْ قُلْنا: القِسْمَةُ إفْرازٌ. انْتَقَضَتِ القِسْمَةُ لفَسادِ الإفْرازِ،
وإنْ قُلْنا: بَيْعٌ. لم تنْتَقِضْ، ويرْجِعُ على شَريكِه بقَدْرِ حقِّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى المُسْتَحَقِّ،؛ إذا قُلْنا بذلك [فى تفْريقِ] الصَّفْقَةِ، كما لو اشْتَرَى دارًا، فبانَ بعْضُها مُسْتَحَقَّا. ذكَره الآمِدِىُّ. وحكَى فى «الفوائدِ»، عن صاحِبِ «المُحَرَّرِ»، أنَّه حكَى فيه فى هذه المَسْأَلةِ ثلاَثَةَ أوْجُهٍ، وظاهِرُ ما فى «المُحَرَّرِ» يُخالِفُ ذلك.
فائدة: لو كانَ المُسْتَحَقُّ مِن الحِصَّتَيْن، وكان مُعَينًا، لم تَبْطُلِ القِسْمَةُ فيما بَقِىَ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ».
وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «القَواعِدِ».
وقيل: تَبْطُلُ. وهو احْتِمالٌ فى «الكافِى»، بِناءً على عدَمِ تفْريقِ الصَّفْقَةِ، إذا قُلْنا: هى بَيْعٌ.
قال: (وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهما شيء معين بطلت. وإن كان شائعاً فيهما فهل تبطل القسمة؟ على وجهين) .
أما كون القسمة تبطل إذا استحق من حصة أحد المتقاسمين شيء معين؛ فلأنه تبيَّن أن أحد المتقاسمين لم يأخذ حقه.
وأما كونها تبطل إذا كان المستحق شائعاً فيهما على وجه؛ فلأن الثالث شريكهما، وقد اقتسما من غير حضوره ولا إذنه.
وأما كونها لا تبطل على وجه؛ فلأنه يمكن بقاء حقه في يديهما جميعاً مع بقائهما فيما عدا ذلك على ما كانا عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.