تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَتَذْكِيرُهُ التَّوْبَةَ وَالْوَصِيَّةَ
Its commentaries
كتَابُ الجَنائِزِ يُسْتَحَبُّ ذِكْرُ المَوْتِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، فما ذُكِرَ في كَثِيرٍ إِلَّا قَلَّلَهُ، وَلَا في قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ». روَى البخارىُّ أَوَّلَه . قال ابنُ عَقِيلٍ: مَعْناه، متى ذُكِر في قَلِيلٍ مِن الرِّزْقِ اسْتَكْثَرَه الإِنْسانُ؛ لاسْتِقْلالِ ما بَقِىَ مِن عُمُرِه،
ومتى ذَكَرَه في كَثِيرٍ قَلَّلَه؛ لأنَّ كثِيرَ الدُّنْيَا إِذا عُلِم انْقِطَاعُه بالمَوْتِ قَلَّ عِندَه.
ويُسْتَحَبُّ الاسْتِعْدَادُ للمَوْتِ، قال اللَّه تعالى:{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا}.
وِإذا مَرِض الإِنْسَانُ اسْتُحِبَّ أن يَصْبِرَ؛ لِما وَعَد اللَّهُ الصَّابِرِينَ مِن الأجْرِ، قال اللَّهُ تعالى:{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
ويُكْرَهُ الأنِينُ؛ لأنَّه رُوِى عن طاوُسٍ كَراهَتُه. ولا يَتَمَنَّى المَوْتَ لِضُرٍّ نَزَل به؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أحْيِنِى مَا كانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِى، وَتَوَفَّنِى إِذَا كانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِى». مُتَّفَقٌ عليه .
وقال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ويُحْسِنُ ظَنَّه بِرَبِّه تعالى؛ لِما روَى جَابرٌ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قبلَ مَوْتِهِ بِثَلاثةِ أيَّامٍ يقولُ:«لَا يَمُوتَنَّ أحَدُكُمْ إلَّا وهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ باللهِ عَزَّ وَجَلَّ». رواه مسلمٌ بمَعْناه، وأبو داودَ .
وقال مُعْتَمِرٌ، عن أبيه، أنَّه قال عندَ مَوتِه: حَدِّثْنِى بالرُّخَصَ.
٧٢١ - مسألة: و (تُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المَرِيضِ، وتَذْكِيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ) عِيادَةُ المَرِيضِ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِما روَى البَرَاءُ، قال: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بِسَبْعٍ، ونَهانا عن سَبْعٍ؛ أمَرَنا بعِيادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الجِنازَةِ. وذَكَر الحديثَ. رَواه البُخارىُّ، ورَواه مسلمٌ بمَعْناهُ . وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا، إلَّا ابْتَعَثَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، أىَّ سَاعَةٍ مِنَ النَّهارِ كَانَتْ حَتَّى يُمْسِىَ، وَأَىَّ سَاعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ كَانَتْ حَتَّى يُصْبِحَ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجهْ، والتِّرْمِذِىُّ ، وزاد: «وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ في الْجَنَّةِ».
وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا». رَواه التِّرْمِذِىّ، وابنُ ماجه ، وهذا لَفْظُه.
وعنه قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِى. قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِى فُلَانًا مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِى عِنْدَهُ». وذَكَر الحديثَ. رَواه مسلمٌ .
وِإذا دَخَل على المَرِيضِ سَأله عن حالِه ودَعا له، وَرَقاه. قال ثابِتٌ لأنَسٍ: يا أبا حَمْزَةَ، اشْتَكَيْتُ. قال أنَسٌ: أفَلَا أرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: بلى، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذْهِبَ الْبَاسِ، اشْفِ أنْتَ الشَّافِى، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» . وروَى أبو سعيدٍ، قال: أتَى جِبْرِيلُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا محمدُ، اشْتَكَيْتَ؟ قال:«نَعَمْ». قال: بِاسْمِ اللَّهِ أرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يُوذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ وَعَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ» .
قال أبو زُرْعَةَ: كلا الحَدِيثَيْن صحيحٌ .
ورُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ، فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنْ قَضَاءِ اللهِ شَيْئًا، وَإنَّهُ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ».
رواه ابنُ ماجه .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُرَغِّبَه في التَّوْبَةِ مِن المَعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظالِمِ،
وفي الوَصِيَّةِ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَا حَقُّ امْرِئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، ولَهُ شَىْءٌ يُوصِى فِيهِ، إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». مُتَّفَقٌ عليه . ٧٢٢ -
كِتَابُ الْجَنَائِزِ][عِيَادَةُ الْمَرِيضِ] ِ الْجَنَائِزُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ لا غير جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْكَسْرِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ، وَيُقَالُ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ، وَيُقَالُ عَكْسُهُ،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَلَا يُقَالُ: نَعْشٌ وَلَا جِنَازَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ سَرِيرٌ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَالْمُضَارِعُ بِكَسْرِ النُّونِ، وَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لَكِنْ ذُكِرَ هُنَا؛ لِأَنَّ أَهَمَّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةُ، فَذُكِرَ فِي الْعِبَادَاتِ.
١ - فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ، وَالِاسْتِعْدَادِ. لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ،
وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا تَمَنِّي الْمَوْتِ عِنْدَ نُزُولِ الشَّدَائِدِ،
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ غَيْرُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ عَلَى مَا فِي الصَّحِيحِ «مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ» ،
وَلَا يُكْرَهُ لِضَرَرِ بَدَنِهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ،
وَفِي كَرَاهَةِ مَوْتِ الْفَجْأَةِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهِ خَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَعَلَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ،
وَكَذَا هُمَا فِي حُقْنَةٍ لِحَاجَةٍ، وَقَطْعِ الْعُرُوقِ وَفَصْدِهَا.
مَسْأَلَةٌ: التَّدَاوِي مُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ فِعْلَهُ،
وَقِيلَ: يَجِبُ، زَادَ بَعْضُهُمْ: إِنْ ظُنَّ نَفْعُهُ،
وَيَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ مِنْ صَوْتِ مَلْهَاةٍ وَغَيْرِهِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي أَلْبَانِ الْأُتُنِ وَاحْتُجَّ بِتَحْرِيمِهَا،
وَفِي التِّرْيَاقِ وَالْخَمْرِ، وَنَقَلَهُ الْمَرْوَذِيُّ فِي مُدَاوَاةِ الدُّبُرِ بِالْخَمْرِ،
وَيَجُوزُ بِبَوْلِ إِبِلٍ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ فِي حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ تُسْحَقُ، وَتُطْرَحُ مَعَ دَوَاءٍ: لَا بَأْسَ،
أَمَّا مَعَ الْمَاءِ فَلَا، وَشَدَّدَ فِيهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الدَّوَاءَ الْمَسْمُومَ إِنْ غَلَبَ مِنْهُ السَّلَامَةُ، وَرُجِيَ نَفْعُهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ،
وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلتَّلَفِ،
وَيُكْرَهُ أَنْ يَسْتَطِبَّ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ،
وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ دَوَاءً لَمْ يُبَيِّنْ مُفْرَدَاتِهِ الْمُبَاحَةَ، وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِجَوَازِهِ. (تُسْتَحَبُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ) وَالسُّؤَالُ عَنْ حَالِهِ لِأَخْبَارٍ،
وَقِيلَ: بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ، وَأَوْجَبَ الشِّيرَازِيُّ وَجَمَاعَةٌ عيادته لظاهر الْأَمْرَ بِهِ، وَالْمُرَادُ مَرَّةٌ، وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ،.
وَفِي " الرِّعَايَةِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ كَوَجْهٍ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ، وَيَغُبُّ بِهَا، وَظَاهِرُ إِطْلَاقِ جَمَاعَةٍ خِلَافُهُ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَالْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا،
وَيُكْرَهُ وَسَطَ النَّهَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَفِي رَمَضَانَ لَيْلًا، لَا مُبْتَدَعَ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِفِعْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ، وَيُخْبِرُ بِمَا يَجِدُ بِلَا شَكْوَى، وَكَانَ أَحْمَدُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَوَّلًا لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إِذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍّ، وَيُنَفَّسُ لَهُ فِي أَجَلِهِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ،
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا، وَيَدْعُو لَهُ،
وَيُسْتَحَبُّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عبد مُسْلِمٍ يَعُودُ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ يَقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسَالُ اللَّهَ العظيم رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عُوفِيَ» لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُكْرَهُ أَنْ يَعُوَدَ امْرَأَةً غَيْرَ مُحْرِمَةٍ، أَوْ تَعُودُهُ، وَتَعُودُ امْرَأَةٌ امْرَأَةً مِنْ أَقَارِبِهَا،
وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَهَلْ يُكْرَهُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَأَطْلَقَ غَيْرُهُ عِيَادَتَهَا (وَتَذْكِيرُهُ) إِذَا خِيفَ مَوْتُهُ، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " (التَّوْبَةَ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» يَعْنِي: مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ إِلَى حَلْقِهِ (وَالْوَصِيَّةَ) لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
[مَا يُسَنُّ فِعْلُهُ إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ]
وتُسْتَحَبُّ عِيادَةُ المريضِ. يعْنى، مِن حينِ شُروعِه فى المَرَضِ. وهذا المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقيل: يُسْتَحَبُّ عِيادَتُه بعدَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ. وجزَم به ابنُ تَميمٍ.
وقال فى «المُبْهِجِ»: تجِبُ العِيادةُ. واخْتارَه الآجُرِّىُّ.
وقال فى «الفُروعِ»: والمُرادُ مرَّةً.
وقال فى أوَاخِرِ «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: عِيادَةُ المريضِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فرْضُ كِفايَةٍ. قال الشَّيْخُ تقِىُّ الدِّينِ: والذى يقْتَضِيه النَّصُّ. وصوَّب ذلك. فيقالُ: هو واجِبٌ على الكِفَايَةِ. واخْتارَه فى «الفائقِ».
وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ: السَّنَّةُ عِيادَةُ المرِيضِ مرةً واحدةً. وما زادَ، نافِلَةٌ.
فوائد؛ الأُولَى، قال أبو المَعالِى ابنُ مُنَجَّى: ثلاثَةٌ لا تُعادُ، ولا يُسَمَّى صاحِبُها مرِيضًا؛ وَجَعُ الضِّرْسِ، والرَّمَدُ، والدُّمَّل. واحْتَجَّ بقوْلِه، عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ:«ثَلَاَثَةٌ لَا تُعَادُ»، فذكَرَه. رَواه النَّجَّادُ عن أبى هُرَيْرَةَ مَرْفوعًا. واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
وقال فى «الآدَابِ»: وظاهرُ كلامِ الأصحابِ يدُلُّ على خِلافِ هذا.
وكذا ظاهرُ الأحاديثِ. والخَبَرُ المذْكورُ لا تُعْرفُ صِحَّتُه، بل هو ضعيفٌ. وذكَرَه ابنُ الجَوْزِىِّ فى المَوْضُوعاتِ. ورَوَاه الحاكِمُ فى «تَارِيخِه» بإسْنادٍ جيِّدٍ، عن يَحْيى بنِ أبِى كَثِيرٍ قوْلَه. وعن زَيْدِ بنِ أرْقَمَ، قال: عادَنِى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، مِن وَجَعِ عَيْنِى. انتهى. الثَّانيةُ، لا يُطِيلُ الجُلوسَ عندَ المريضِ.
وعنه، قدْرُه، كما بينَ خُطْبَتَى الجُمُعَةِ. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ اخْتِلافُه باخْتِلافِ النَّاسِ، والعمَلِ بالقَرائنِ وظاهرِ الحالِ، ومُرادُهم فى الجُمْلَةِ. انتهى. وهو الصَّوابُ. ثم رأَيْتُ النَّاظِمَ قطع به. الثَّالثةُ، قال الإِمامُ أحمدُ: يعودُ المرِيضَ بُكْرَةً وعَشِيًّا.
وقال عن قُرْبِ وَسَطِ النَّهارِ: ليس هذا وَقْتَ عِيادَةٍ. فقال بعضُ الأصحابِ: يُكْرَهُ إذَنْ. نصَّ عليه. قال المَجْدُ: لا بأْسَ به فى آخِرِ النَّهارِ. ونصَّ الإِمامُ أحمدُ على أنَّ العِيادَةَ فى رَمضانَ ليْلًا. قال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ: وتكونُ العِيادَةُ غِبًّا. قال فى «الفُروعِ»: وظاهرُ إطْلاقِ جماعَةٍ، خِلافُ ذلك. قال: ويتَوجَّهُ اخْتِلافُه باخْتِلافِ النَّاسِ، والعمَلِ بالقَرائنِ وظاهرِ الحالِ. قال: ومُرادُهم فى ذلك كلِّه فى الجُمْلَةِ. الرَّابعةُ، نصَّ الإِمامُ أحمدُ، أنَّ المُبْتَدِعَ لا يُعادُ.
وقال فى «النَّوَادِرِ»: تحْرُمُ عِيادَتُه.
وعنه، لا يُعادُ الدَّاعِيَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فقط. واعْتَبَرَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، المَصْلَحَةَ فى ذلك.
وأمَّا مَن جهَر بالمَعْصِيَةِ مُطْلَقًا مع بَقاءِ إسْلامِه، فهل يُسَنُّ هجْرُه؟ وهو الصَّحيحُ. قدَّمه ابنُ عَبْدِ القَوِىِّ فى «آدَابِهِ»، و «الآدَابِ الكُبْرى»، و «الوُسْطى» لابنِ مُفْلِحٍ، أو يجِبُ إنِ ارْتدَع، أم يجِبُ مُطْلَقًا إلًّا مِنَ السَّلامِ، أو تركُ السَّلامِ فرْضُ كِفايَةٍ،
ويُكْرَهُ لبَقِيَّةِ النَّاسِ؟ فيه أوْجُهٌ للأصحابِ. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ». وترْكُ العِيادَةِ مِنَ الهَجْرِ. الخامسةُ، تُكْرَهُ عِيادَةُ الذِّمِّىِّ. وعنه، تُباحُ.
قال فى «الرِّعايَةِ»: قلتُ: ويجوزُ الدُّعاءُ له بالبَقاءِ والكثْرَةِ لأجْلِ الجِزْيَةِ. السَّادسةُ، يُحْسِنُ المريضُ ظنَّه بربِّه. قال القاضى: يجِبُ ذلك. قال المَجْدُ: يَنْبَغِى أنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ باللَّهِ تعالى. وتَبِعَه فى «مَجْمعِ البَحْرَيْن».
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُغَلِّبُ رَجاءَه على خوْفِه.
وقال فى «النَّصِيحَةِ»: يُغَلِّبُ الخوْفَ. ونصَّ أحمدُ، يَنْبَغِى للمُؤْمِنِ أنْ يكونَ رَجاؤُه وخوْفُه واحِدًا. زادَ فى روايَةٍ، فأَيُّهما غلَب صاحِبُه هلَك. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: هذا هو العَدْلُ. السَّابعةُ، تَرْكُ الدَّواءِ أفْضَلُ. ونصَّ عليه. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، وغيرِه. واخْتارَ القاضى، وابنُ عَقِيلٍ، وابنُ الجَوْزِىِّ، وغيرُهم، فِعْلُه أفْضَلُ. وجزَم به فى «الإفْصَاحِ».
وقيل: يجِبُ. زادَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بعضُهم، إنْ ظنَّ نفْعَه. ويحْرُمُ بمُحَرَّمٍ مأْكُولٍ وغيرِه، وصَوْتِ مَلْهاةٍ وغيرِه،
ويجوزُ التَّداوِى ببَوْلِ الإبِلِ فقط. ذكَره جماعةٌ. نصَّ عليه. وظاهرُ كلامِه في مَوْضِعٍ، لا يجوزُ. وهو ظاهِرُ «التَّبْصِرَةِ» وغيرِها.
قال: وكذا كلُّ مأْكولٍ مُسْتَخْبَثٍ، كبَوْلِ مأْكُولٍ أو غيرِه، وكلُّ مائعٍ نَجِسٍ. ونَقَلَه أبو طالِبٍ، والمَرُّوذِىُّ، وابنُ هَانِيَّ، وغيرُهم.
ويجوزُ ببَوْلِ ما أُكِلَ لَحْمُه.
وفي «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّرْغِيبِ»، يجوزُ بدِفْلَى ونحوِه لا تضُرُّ. نقَل ابنُ هانِىَّ، والفَضْلُ، في حَشِيشَةٍ تُسْكِرُ، تُسْخَقُ وتُطْرَحُ مع دَواءٍ، لا بأْسَ إلَّا مع الماءِ فلا.
وذكَر غيرُ واحدٍ، أنَّ الدَّواءَ المَسْمومَ إنْ غَلَبَتْ منه السَّلامَةُ -زادَ بعضُهم، وهو مَعْنَى كلامِ غيرِه- ورُجِى نفْعُه، أُبِيحَ شُرْبُه؛ لدَفْعِ ما هو أعْظَمُ منه، كغيرِه مِنَ الأدْوِيَةِ.
وقيل: لا. وفي «البُلْغَةِ»، لا يجوزُ التَّدَاوِى بخَمْرٍ في مرَضٍ.
وكذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بنَجاسَةٍ أكْلًا وشُرْبًا. وظاهِرُه، يجوزُ بغيرِ أكْلٍ وشُرْبٍ، وأنَّه يجوزُ بطاهرٍ.
وفي «الغُنْيَةِ»، يحْرُمُ بمُحَرَّمٍ؛ كخَمْرٍ وشَىْءٍ نَجِسٍ. ونقَل الشَّالَنْجِىُّ، لا بأْسَ بجَعْلِ المِسْكِ في الدَّواءِ، ويُشْرَبُ. وذكَر أبو المَعَالِى، يجوزُ اكْتِحالُه بمِيلِ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ. وذكَره الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ،
وقال: لأنَّها حاجَةٌ. وفي «الإيضاحِ»، يجوزُ بتِرْياقٍ. انتهى. ولا بأْسَ بالحِمْيَةِ. نقلَه حَنْبَلٌ. الثَّامنةُ، يُكْرَهُ الأَنِينُ على أصحِّ الرِّوايتَيْن،
والمذهبِ منهما.
تنبيه: ظاهر قوله-: وتَذْكيرُه التَّوْبَةَ والوَصِيَّةَ. أنَّه سواءٌ كان مرَضُه مَخُوفًا أو لا. وهو ظاهرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وصرَّح به كثيرٌ منهم. وقدَّمه في «الفُروعِ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ.، خُصوصًا التَّوْبَةَ، فإنَّها مَطْلوبَةٌ في كلِّ وَقْتٍ، وتَتَأَكَّدُ فى المَرَضِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «الهِدايَةِ»: هذا في المَرَضِ فَإِذَا نَزَلَ بِهِ، تَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَنَدَّى [٣٨ و] شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ، وَلَقَّنَهُ قَوْلَ: لَا إلهَ إِلَّا اللهُ. مَرَّةً، المَخُوفِ. وجزَم به في «الخُلاصَةِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الرِّعايَةِ»، و «الحَواشِى»، و «ابنِ تَميمٍ»، وغيرِهم. وجزَم به في «المُسْتَوْعِبِ» فى الوَصِيَّةِ.
قلتُ: وهو ضعيفٌ جدًّا في التَّوْبَةِ.
كتاب الجنائز] الجنازة بالفتح والكسر واحد.
وقيل: بالفتح الميت، وبالكسر الأعواد التي يحمل عليها.
قال المصنف رحمه الله: (يستحب عيادة المريض، وتذكيره التوبة والوصية) .
أما كون عيادة المريض تستحب؛ فلما روى البراء بن عازب:«أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع الجنائز وعيادة المرضى» رواه البخاري.
ولقوله عليه السلام:«عائد المريض في مخرف من مخارف الجنة».
والمخرف البستان.
وقال: «ما من رجل عاد مريضاً مُمْسِياً إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له [حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة، وإن عاده مُصْبِحاً خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له] حتى يمسي» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وخريف: فعيل بمعنى مفعول.
وأما كون تذكيره التوبة يستحب فلأنها واجبة عليه على كل حال. وهو أحوج إليها في هذه الحال من بقية الأحوال.
فإذا ذكره فتاب كان سبباً لحصول مثل هذه التوبة العظيمة المخلصة له من الهلكة.
وأما كون تذكيره الوصية يستحب؛ فليخرج عن عهدة قوله عليه السلام:«ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده» متفق عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.