وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ إِلَى انْقِضَائِهِ
Its commentaries
مسألة: (وإن نَذَر اعْتِكافَ شَهْرٍ بعَيْنهِ، لَزِمَه الشُّرُوعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انْقِضائِه) إذَا عَيَّنَ بنَذْرِه زَمَنًا تَعَيَّنَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَيَّنَ للعِبادَةِ زَمَنًا، فَتَعَيَّنَ بتَعْيِينِ العَبْدِ، ويَلْزَمُه الشُّرُوعُ فيه قبلَ دُخُولِ لَيْلَتِه إلى انْقِضائِه. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ. وحَكَى ابنُ أبى مُوسَى، عن أحمدَ، رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَدْخُلُ في مُعْتَكَفِه قبلَ طُلوعِ الفَجْرِ مِن أوَّلِه. وهو قَوْلُ اللَّيْثِ، وزُفَرَ؛ لأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أرادَ أن يَعْتَكِفَ صَلّى الصُّبْحَ، ثم دَخَل مُعْتَكَفَه.
مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
ولا يَلْزَمُ الصَّوْمُ إلَّا مِن قَبْلِ طُلُوعِ الفَجْرِ. ولأنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ في الاعْتِكافِ، فلم يَجِبِ ابْتِداؤُه قبلَ شَرْطِه. ولَنا، أنَّه نَذَر الشَّهْرَ، وأوَّلُه غُروبُ الشَّمْسِ؛ بدَلِيلِ حَلِّ الديونِ المُعَلَّقَةِ به، ووُقُوعِ الطَّلاقِ والعَتاقِ المُعَلَّقَيْن به، فوَجَبَ أن يَدْخُلَ قبلَ الغُرُوبِ، ليَسْتَوْفِىَ جميعَ الشَّهْرِ، فإنَّه لا يُمْكِنُ إلَّا بذلك، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ، كإمْساكِ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ في الصَّوْمِ.
وأمّا الصَّوْمُ فمَحَلُّه النَّهارُ، فلا يَدْخُلُ فيه شَئٌ مِن اللَّيلِ في أثْنائِه، ولا ابْتِدائِه، إلَّا ما حَصَل ضَرُورَةً،
بخِلافِ الاعْتِكافِ. وأمّا الحَدِيثُ، فقال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ أحَدًا مِن الفُقَهاءِ قال به. على أنَّ الخَبَرَ إنَّما هو في التَّطَوُّعِ، فمتى شاء دَخَل ، وفى مَسْألَتِنا نَذَر شَهْرًا، فَيَلْزَمُه اعْتِكافُ شَهْرٍ كامِلٍ، ولا يَحْصُلُ إلَّا أن يَدْخُلَ فيه قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِن أوَّلِه، ويَخْرُجَ بعدَ غُرُوبِها مِن آخِرِه، فأشْبَهَ ما لو نَذَر اعْتِكافَ يومٍ، فإنَّه، يَلْزَمُه الدُّخُولُ فيه قبلَ طُلُوعِ فَجْرِه، ويخرُجُ بعدَ غُروبِ شَمْسِه. وقولُه: إنَّ الاعْتِكافَ لا يَصِحُّ بغيرِ صَوْمٍ.
قد أَجَبْنا عنه فيما مَضَى.
فصل: وإن أحَبَّ اعْتِكافَ العَشْرِ الأواخِرِ تَطَوُّعًا، ففيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَدْخُلُ قبلَ غُروبِ الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ إحْدَى وعِشْرِينَ؛ لِما رُوِىَ عن أبى سعيدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوْسَطَ مِن رمضانَ، حتى إذا كان لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين، وهى اللَّيْلَةُ التى يَخْرُجُ مِن صَبِيحَتِها مِن اعْتِكافِه، قال: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ معِى، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأوَاخِرَ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأَنَّ العَشْرَ بغَيْرِ هاءٍ عَدَدُ اللَّيَالِى، فإنّها عَدَدُ المُؤَنَّثِ، قال اللهُ تعالى:{وَلَيَالٍ عَشْرٍ}.
وأولُ اللَّيالِى العَشْرِ لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِينَ. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، يَدْخُلُ بعد صَلاةِ الصُّبْحِ، قال حَنْبَلٌ، قال أحمدُ: أحَبُّ إلَىَّ أن يَدْخُلَ قبلَ اللَّيْلِ. ولكنْ حَدِيثُ عائِشَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّى الفَجْرَ، ثم يَدْخُلُ مُعْتَكَفَه. وبهذا قال الأوْزاعِىُّ، وإسحاقُ. ووَجْهُه ما رَوَتْ عَمْرَةُ، عن عائِشَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صَلَّى الصُّبْحَ دَخَل مُعْتَكَفَه. مُتَّفَقٌ عليه .
وإن نَذَر اعْتِكافَ العَشْرِ، فَفى وَقتِ دُخُولِه الرِّوايَتان.
فصل: ومَن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ، اسْتُحِبَّ أن يَبِيتَ لَيْلَةَ العِيدِ في مُعْتَكَفِه. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ عن النَّخَعِىِّ، وأبى مِجْلَزٍ، وأبى بَكْرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، والمُطَّلِبِ بنِ حَنْطَبٍ، وأبى قِلابَةَ، أنَّهُم كانُوا يَسْتَحِبُّون ذلك. وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن أيُّوبَ، عن أبى قِلابَةَ، أنَّه كان يَبِيتُ في المَسْجِدِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، ثم يَغْدُو كما هو إلى العِيدِ، وكان، يَعْنِى في اعْتِكافِه، لا يُلْقَى له حَصِيرٌ، ولا مُصَلَّى يَجْلِسُ عليه، كان يَجْلِسُ كَأنَّه بَعْضُ القَوْمِ.
قال: فأتَيْتُه في يومِ الفِطْرِ،
فإذا في حِجْرِه جُوَيْرِيَةٌ مُزَيَّنَةٌ، ما ظَنَنْتُها إلَّا بَعْض بَناتِه،
فإذا هى أمَةٌ له، فأعْتَقَها، وغدا كما هو إلى العِيدِ.
وقال إبراهيمُ: كانوا يُحِبُّون لمَن اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رمضانَ، أن يَبِيتَ لَيْلَةَ الفِطْرِ في المَسْجِدِ، ثم يَغْدُوَ إلى المُصَلَّى مِن المَسْجِدِ .
١١١٩ -
(وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ) تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَ (لَزِمَهُ الشُّرُوعُ فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ لَيْلَتِهِ) أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذِ الشَّهْرُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلَةِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِهِ مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِينَ بِهِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ،
وَعَنْهُ: يَدْخُلُ قَبْلَ فَجْرِهَا الثَّانِي رُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ «بِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ فِيهِ فَلَمْ يَجِبِ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ شَرْطِهِ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا بَعْدَ الصُّبْحِ وَهُمْ يُوجِبُونَ الدُّخُولَ قَبْلَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ اعْتِكَافَهُ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ مَتَى شَاءَ شُرِعَ. عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛
لِأَنَّهُ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، والليث وَإِسْحَاقَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ يَدْخُلُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ، وَحُمِلَ عَلَى الْجَوَازِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَدْخُلُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى (إِلَى انْقِضَائِهِ) لِدُخُولِهِ فِي مُسَمَّى نَذْرِهِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى الشَّهْرِ،
وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى نَذْرِهِ لَكِنْ إِذَا اعْتَكَفَ رَمَضَانَ، أَوِ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الْمُصَلَّى، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ.
Says nothing on this mas’ala.
قال: (ومن نذر اعتكاف شهر بعينه لزمه الشروع فيه قبل دخول ليلته إلى انقضائه) .
أما كون من نذر ما ذكر يلزمه الشروع في الاعتكاف قبل دخول ليلة الشهر فلأن الشهر يدخل بغروب الشمس ولا يتمكن من استيفاء الليل إلا أن يدخل قبل غروب الشمس بلحظة وما لا يمكن استيفاء الواجب إلا به واجب كغسل جزء من الرأس مع الوجه وإمساك جزء من الليل مع النهار في الصوم.
وأما كون الاعتكاف إلى انقضاء الشهر فلأن ذلك داخل في مسمى نذره وفيه
تنبيه على أنه لا يلزم ثلاثون يوماً بل يجزئه ذلك الشهر وإن كان ناقصاً لأن ذلك مقتضى نذره.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.