يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَأَرْجُلِكُمْ وَالْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ وَالْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ
Its commentaries
مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفَّين) لِما ذكرْنا. (و) يَجُوز على (الجُرْمُوقَين) . الجُرْمُوقُ مِثالُ الخُفِّ، إلَّا أَنَّه يُلْبَسُ فوقَ الخُفِّ في البلادِ البارِدَةِ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليه، قِياسًا على الخُفِّ. ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ عليه إذا كان فوقَ الخُفِّ، الحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْسَحُ عليه. وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ اللهُ، فيما إذا لَبِس خُفًّا فوقَ خُفٍّ آخَرَ. واللهُ أعلمُ. (والجَوْرَبَين) قال ابنُ المُنْذِرِ: يُرْوَى إباحَةُ المَسْحِ على الجَوْرَبَين عن تسعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ، وابنِ عُمَرَ، والبَرَاءِ، وبِلالٍ، وابنِ أبي أوْفَى، وسَهْلِ بنِ سعدٍ. وهو قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وغيرُهم: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهما، إلَّا أن يُنْعَلا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما، فهُما كالرَّقِيقَين. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الجَوْرَبَين والنَّعْلَين. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ،
وقال: حسنٌ صحيحٌ . وهذا يَدُلُّ على أنَّهُما لم يَكُونا مَنْعُولَين؛ لأنَّه لو كان كذلك، لم يَذْكُرِ النَّعْلَين، فإنَّه لا يُقالُ مَسَحْتُ على الخُفِّ ونَعْلِه. ولأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، مَسَحُوا على الجَوارِبِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم. والجَوْرَبُ في مَعْنَى الخُفِّ، لأنَّه مَلْبُوسٌ ساتِرٌ لمَحَلِّ الفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الخُفَّ. وقَوْلُهم: لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما. قُلْنا: إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليهما إذا ثَبَت بنَفْسِه، وأمْكَن مُتابَعَةُ المَشْي فيه، وإلَّا فلا.
فأمّا الرَّقِيقُ فليس بساتِرٍ.
فصل: وسُئل أحمدُ عن جَوْرَبٍ انْخَرَقَ، فكَرِهَ المَسْحَ عليه، ولَعَلَّه إنَّما كَرِهَه؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الخِفَّةُ، وأنَّه لا يَثْبُتُ بنَفْسِه.
فإن كان مثلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ في الصَّفاقَةِ، فلا فَرْقَ.
فإن كان لا يَثْبُتُ إلَّا بالنَّعْلِ، أُبِيحَ المَسْحُ عليه، ما دامَ النَّعْلُ عليه؛ لحديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
فإن خَلَع النَّعْلَ انْتَقَضَتِ الطهارةُ؛ لأنَّ ثُبُوتَ الجَوْرَب أحَدُ شَرْطَيْ جَوازِ المَسْحِ، وإنَّما حَصَل بالنَّعْلِ،
فإذا خَلَعَها، زال الشَّرْطُ المُبِيحُ للمَسْحِ، فبَطلَتِ الطهارةُ، كما لو ظَهَر القَدَمُ. قال القاضي: يَمْسَحُ على الجَوْرَبِ والنَّعْلِ، كما جاءَ في الحديثِ. والظّاهِرُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إنَّما مَسَح على سُيُورِ النَّعْلِ التي على ظاهِرِ القَدَمِ،
فأمّا أسْفَلُه وعَقِبُه، فلا يُسَنُّ مَسْحُه مِن الخُفِّ، فكذلك مِن النَّعْلِ.
١١١ - مسألة؛ قال: (والعِمامَةِ والجَبائِرِ) ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رضي الله عنه. وبه قال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وأنَسٌ، وأبو أُمامَةَ. ورُوِيَ عن سعدِ بنِ مالكٍ، وأبي الدَّرْداءِ، رَضِي اللهُ عنهم. وهو قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وقَتادَةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغَيرِهم.
وقال عُرْوَة، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والقاسِمُ ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَمْسَحُ عليها؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}. ولأنَّه لا تَلْحَقُه المَشَقَّةُ بنَزْعِها، أَشْبَهَتِ الكُمَّين. ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: تَوَضَّأَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - , ومَسَح على الخُفَّين، والعِمامَةِ قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وروَى مسلمٌ ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الخُفَّين والخِمارِ. وعن عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على عِمامَتِه وخُفَّيه.
رَواه البخاريُّ . ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم. ولأنَّه عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُه في التَّيَمُّمِ، فجازَ المَسْحُ علي حائِلِه، كالقَدَمَين. والآيةُ تَنْفِي ما ذَكَرْناه؛
فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُبَيِّنٌ لكلام اللهِ، وقد مَسَح على العِمامَةِ، وأمَرَ بالمَسْحِ عليها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالآية المَسْحُ على الرَّأْسِ وحائِلِه. ومِمّا يُبَيِّنُ ذلك، أنَّ المَسْحَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ على الشَّعَرِ، ولا يُصِيبُ الرَّأْسَ وهو حائِلٌ، كذلك العِمامَةُ، فإنَّهُ يقالُ لِمَن لَمَس عِمامَةَ إنسانٍ أو قَبَّلها: قَبَّلَ رَأْسَه. واللهُ أعلمُ.
فصل:[ويَجُوزُ المَسْحُ] على الجَبائِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صاحِبِ الشَّجَّةِ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ [أو يَعْصِرَ] عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ». رَواه أبو داودَ .
ولِما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: انكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ ، فأمَرَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أمْسَحَ على الجَبائِرِ. رَواه ابنُ ماجه . وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: يُعِيدُ كل صلاةٍ صَلّاها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالغَسْلِ، ولم يَأْتِ به. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا. ولأنَّه مَسَح على حائِلٍ أُبِيحَ له المسْحُ عليه، فلم تَجِبْ معه الإِعادَةُ كالخُفِّ.
١١٢ - مسألة: (وفي المَسْحِ على القَلانِسِ، وخُمُرِ النِّساءِ المُدارَةِ تحتَ حُلُوقِهِنَّ، رِوايَتان) أرادَ القَلانِسَ المُبَطَّناتِ، كدَنِّيَّاتِ القُضاةِ، والنّومياتِ
فأمّا الكَلتةُ فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا تَسْتُرُ جميعَ الرَّأسِ عادةً، ولا تَدُومُ عليه،
فأمّا القَلانِسُ التي ذَكَرْناها، ففيها رِوايتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها. رَواه عنه إسحاقُ بنُ إبراهيمَ. وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وسعيدِ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والنُّعْمانِ ، وإسحاقَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا قال به، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن أنَسٍ أنَّه مسَح على قُلَنْسِيَتِه . لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، أَشْبَهَتِ الكَلتةَ، ولأنَّ العِمامَةَ التي ليست مُحَنَّكَةً ولا ذُؤابَةَ لها، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، [وهذه أدْنَى منها. والرِّوايةُ الثّانِيَةُ، يجوزُ المَسْحُ عليها].
وهو اختيارُ الخَلّالِ. قال: لأنَّه قد رُوِيَ عن رَجُلَين مِن أصحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأسانِيدَ صِحاحٍ، فرَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن عُمَرَ، أنَّه قال: إن شاءَ حَسَر عن رَأْسِه،
وإن شاءَ مَسَح على قُلَنْسِيَتِه وعِمامَتِه. وروَى بإسْنادِه عن أبي موسى، أنَّه خَرَج مِن الخَلاءِ، فمَسَحَ على القَلَنْسُوَةِ. ولأنَّه مَلْبُوسٌ مُعْتادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، أَشْبَهَ العِمامَةَ المُحَنَّكَةَ، وفارَقَ العِمامَةَ التي قَاسُوا عليها؛ لأنَّها مَنْهِيٌّ عنها. واللهُ أعلمُ.
وفي مَسْحِ المرأةِ على خِمارِها رِوايَتان، إحْداهُما، يَجُوزُ. يُرْوَى ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. ولأنَّه مَلْبُوسٌ للرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُه، أشْبَهَ العِمامَةَ. والثانيةُ، لا يَجُوزُ. وهو قولُ نافِع، والنَّخَعِيِّ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلْبُوسٌ يَخْتَصُّ المرأةَ، أشْبَهَ الوقايَةَ، ولا يُجْزِئٌ المَسْحُ على الوقايَةِ، رِوايَةً واحِدَةً. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فهي كطاقِيَّةِ الرَّجُلِ.
(يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ) وَهُوَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ،
وَقَالَ الْحَسَنُ: رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا فِعْلًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَوْلًا،
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنَ الْمَسْحِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قُلْتُ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقَدِ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (وَأَرْجُلِكُمْ) بِالْجَرِّ، وَحَمْلُ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغَسْلِ لِئَلَّا تَخْلُوَ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ
فَائِدَةٍ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ الْمَسْحُ حَتَّى لِزَمِنٍ، وَامْرَأَةٍ،
وَمَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ الْأُخْرَى شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَاجُّ إِذَا لَبِسَهُمَا لِحَاجَةٍ.
[حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ وَالْجَوْرَبَيْنِ] (وَالْجُرْمُوقَيْنِ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، أَشْبَهَ الْخُفَّ.
تَنْبِيهٌ: الْمُوقُ هُوَ الْجُرْمُوقُ، وَهُوَ خُفٌّ صَغِيرٌ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ،
وَكَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ. (وَالْجَوْرَبَيْنِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ حَتَّى قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: النَّاسُ كُلُّهُمْ يَرْوُونَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ أَبِي قَيْسٍ،
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عَنِ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ النَّعْلَيْنِ، كَمَا لَا يُقَالُ: مَسَحْتُ الْخُفَّ وَنَعْلَهُ، وَلِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ مَسَحُوا عَلَيْهِمَا، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِلْقَدَمِ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُجَلَّدِ وَالْمُنَعَّلِ، وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَ الْمَسْحِ عَلَى جَوْرَبِ الْخِرَقِ، وَهُوَ أَشْهَرُ،
وَعَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " التَّلْخِيصِ "،
فَإِنْ ثَبَتَ بِفِعْلٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ مَسَحَهُمَا فِي قَوْلِ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "،
وَعَنْهُ: أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْجَوْرَبَ وَحْدَهُ،
وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، و" الشَّرْحِ ": الظَّاهِرُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا مَسَحَ عَلَى سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ،
فَأَمَّا أَسْفَلَهُ وَعَقِبَهُ فَلَا يُسَنُّ مَسْحُهُ فِي الْخُفِّ، فَكَذَا النَّعْلُ،
وَيَبْطُلُ الْوُضُوءُ، وَقِيلَ: بَلِ الْمَسْحُ بِخَلْعِ أَحَدِهِمَا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسَحَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْمَسْحِ، كَمَا لَوْ ظَهَرَ قَدَمُ الْمَاسِحِ.
فَائِدَةٌ: الْجَوْرَبُ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ.
[حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْجَبَائِرِ] (وَالْعِمَامَةِ) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ: «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ،
وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَلِأَنَّ الرَّأْسَ يَسْقُطُ فَرْضُهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلِهِ كَالْقَدَمَيْنِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْأَكْثَرُ. (وَالْجَبَائِرِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ:«انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَذَّبَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ، وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ أُبِيحَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْخُفِّ.
فَائِدَةٌ: الْجَبَائِرُ وَاحِدَتُهَا جَبِيرَةٌ، وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا، تُوضَعُ عَلَى الْكَسْرِ لِيَنْجَبِرَ.
[حُكْمُ الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ وَخُمُرِ النِّسَاءِ] (وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ) وَاحِدُهَا قَلَنْسُوَةٌ، وَأَرَادَ بِهِ الْمُبَطَّنَاتِ كَدَنِيَّاتِ الْقُضَاةِ، وَالنَّوْمِيَّاتِ، نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ": أَنَّهُ لَا يَمْسَحُ عَلَيْهَا كَكِلَّةٍ، وَلِأَنَّهَا أَدْنَى مِنْ عِمَامَةٍ غَيْرِ مُحَنَّكَةٍ، وَلَا ذُؤَابَةَ لَهَا، وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "،
وَقَالَ: رُوِيَ عَنْ رَجُلَيْنِ صَحَابِيَّيْنِ: عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا، وَلِأَنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ سَاتِرٌ لِلرَّأْسِ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّاقِيَّةَ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَخُمُرِ النِّسَاءِ) وَاحِدُهَا: خِمَارٌ، وَهُوَ الْقِنَاعُ الَّذِي تُغَطِّي بِهِ رَأْسَهَا (الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ)
وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ، لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ:«مَسَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ يَشُقُّ نَزْعُهُ، أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ، وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ بِالْمَسْحِ مِنْ تَحْتِهِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَالْوِقَايَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُدَارًا تَحْتَ حَلْقِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
[شُرُوطُ الْمَسْحِ على الخفين والجبيرة ونحوهما]
بابُ المَسْحِ على الخُفَّين بابُ مَسْحِ الخُفَّين فوائد؛ منها، المسْحُ عليهما وعلى شِبْهِهما يرْفَعُ الحَدَثَ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه.
وقيلَ: لا يَرْفعُه. ومنها، المسْحُ أفْضَلُ مِن الغَسْلِ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه. وهو مِن المُفْرَداتِ. قالي القاضي: لم يَرِدِ المُداومَةُ على المَسْح.
وعنه، الغَسْلُ أفْضَلُ. وقيل: إنَّه آخِرُ أقْوالِه. وقدَّمه في «الرِّعايتَين».
وعنه، هما سواءٌ في الفَضِيلَة. وأطْلَقَهُنَّ في «الحاويَين»، و «الفائقِ».
وقيلَ: إنْ لم يُداومِ المَسْحَ فهو أفْضَلُ. اخْتارَه القاضي. قال الشيخُ تقيُّ الدِّين: وفصْلُ الخِطَاب أنَّ الأفْضَلَ في حَقِّ كل واحدٍ ما هو المُوافِقُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لحالِ قدَمِه، فَالأفْضَلُ لمَنْ قَدَماه مَكْشُوفَتان غَسْلُهما، ولا يَتَحَرَّى لُبْسَ الخُفِّ ليَمْسَحَ عليه، كان عليه أفضْلُ الصَّلاةِ والسَّلَامِ يَغْسِلُ قدمَيه إذا كانَتا مَكْشُوفتَين، ويَمْسَحُ قَدَمَيه إذا كان لابِسًا للخُفِّ. انتهى. ومنها، لا يُسْتَحَبُّ له أنْ يَلْبَسَ ليَمْسَحَ، كالسَّفَرِ ليُرَخِّصَ. ومنها، المسْحُ رُخْصَة على الصَّحيحِ مِن المذهب.
وعنه، عزِيمَةٌ. قال في «الفُروعِ»: والطاهرُ أن مِن فَوائدِها المسْحَ في سفَرِ المَعْصِيَة، وتَعْيِينَ المسْحِ على لابِسِه.
قال في «القَواعِدِ الأصُولِيَّةِ»: وفيما قاله نظَرٌ. ومنها، لُبْسُ الخُفِّ مع مُدافَعَةِ أحَدِ الأَخْبَثَين مَكْرُوةٌ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه.
وقيل: لا يُكْرَهُ. ومنها، يجوزُ المسْحُ للمُسْتَحاضَةِ ونحوها كغيرِها، على الصَّحيحِ مِن المذهب. نصَّ عليه.
وقيل: لا يجوزُ. وقيل: يَتَوقَّتُ المسْحُ بوَقْتِ كلِّ صلاةٍ. وصَحَّحَه في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين». واخْتارَه القاضي في «الجامع».
ومتى انْقَطَعَ الدَّمُ اسْتَأْنَفَتِ الوضوءَ، وَجْهًا واحدًا. ومنها، لو غسَل صحِيحًا تَيَمَّمَ لجُرْحٍ، فهل يَمْسَحُ على الخُفِّ؟ قال غيرُ واحدٍ: هو كالمُسْتَحاضَةِ. قاله في «الفُروعِ». ومنها، يجوزُ المَسْحُ للزَّمِنِ،
وفي رِجْلٍ واحِدَةٍ، إذا لم يَبْقَ مِن فَرْضِ الأُخْرَى شيءٌ. قاله في «الفُروعِ»، وغيرِه. يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ، وَالْجُرْمُوقَينِ، وَالْجَوْرَبَينِ،
تنبيه: قوله: يَجُوزُ المسْحُ على الخُفَّين والجُرْمُوقَين. وهو خُفِّ قَصيرٌ. والْجَوْرَبَينِ: بلا نِزَاعٍ إنْ كانا مُنَعَّلَين أو مُجلَّدَين،
وكذا إنْ كانا من خِرَقٍ، على الصَّحيحِ مِن المذهب، والرِّوايتَين. وعليه أكْثَرُ الأصحابِ.
وعنه، لا يجوزُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسْحُ. جَزَمَ به في «التَّلْخِيصِ». وحيثُ قُلْنا بالصِّحَّةِ فيُشْتَرَطُ أنْ يكونَ ضَيِّقًا، على ما يأْتِي. وجوازُ المسْحِ على الجَوْرَبِ مِن المُفْرَادتِ. وجَزَمَ به ناظِمُها.
وقال في «الفُروعِ»: يجوزُ المسْحُ على جَوْرَبٍ ضَيِّقٍ، خِلافًا لمالكٍ. وَالْعِمَامَةِ، وَالْجَبَائِرِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ. وفي المَسْحِ على القَلانِسِ وخُمُرِ النِّساءِ المُدَارَةِ تَحْتَ حُلوقِهِنَّ، روايتان. وأطْلَقَ الخِلافَ في جوازِ المسْحِ على القَلانِسِ، وأطْلَقَهُما في «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ تميمٍ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، إحْدَاهما، الإباحَةُ. وهو المذهبُ. اخْتارَه أبو المَعالِي في «النِّهايَةِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، وابنُ رَزِين في «شَرْحِه». والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، يُباحُ. صَحَّحه في «التَّصْحيحِ».
قال في «مَجْمَع البَحْرَين»: يجوزُ المسْحُ عليها في أظْهَرِ الرِّوايتَين.
قال في «نَظْمِه»: هذا المَنْصورُ. واخْتارَه الخَلَّالُ، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه». وجَزَمَ به في «الوَجيزِ»، و «الإِفاداتِ»، وناظمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها.
وقال صاحِبُ «التبصِرَةِ»: يُباحُ إذا كانتْ محْبوسَة تحتَ حَلْقِه بشيءٍ.
قال في «الفائقِ»: ولا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُشْتَرطُ للقَلانِسِ تَحْنِيكٌ. واشْتَرَطَه الشِّيرازِيُّ.
فائدة: القَلانِسُ [جمعُ قَلَنْسُوَةٍ، بفتْحِ القافِ واللَّامِ وسُكونِ النُّونِ وضمِّ المُهْمَلَةِ وفتْحِ الواو. وقد تُبْدَلُ مُثَنَّاةً مِن تحت. وقد تُبْدَلُ ألِفًا وتُفْتَحُ السِّينُ، فيقالُ: قَلَنْساة. وقد تُحْذَفُ النُّونُ مِن هذه بعدَها هاءُ تأنيثٍ]، مُبَطَّناتٌ تُتَّخَذُ للنَّوْمِ. والدَّنِّيَّاتُ قَلانِسُ كبارٌ أيضًا كانت القُضاةُ تَلْبَسُها قدِيمًا.
قال في «مَجْمَع البَحْرَين»: هي على هَيئَةِ ما تَتَخِذُه الصُّوفِيَّةُ الآنَ . وجوار المسْحِ على وَمِن شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، دَنِّيَّاتِ القُضاةِ مِن المُفْرَداتِ.
وأمَّا خُمُرُ النِّساءِ المُدارَةُ تحتَ حُلُوقِهنَّ، فأطْلَقَ المُصَنِّفُ في جوازِ المسْحِ عليها الخِلافَ، وأطْلَقَهُما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «التَّلْخِيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَررِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «ابنِ عُبَيدان»، إحْدَاهما، يجوزُ المسْحُ عليها. وهو المذهبُ. صَحَّحَه في «التَّصْحيحِ»، والمَجْدُ في شَرْحِ «الهِدايَةِ»، و «مَجْمَع البَحْرَين»، و «الحاوي الكبيرِ». قال النَّاظِمُ: هذا المنْصورُ.
وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الإفَادات»، و «نَظْمِ المُفْرَدَاتِ»، وهو منها. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «ابنِ رَزِين». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لا يجوزُ المسْحُ عليها. وهو ظاهِرُ ما قدَّمه في «تَجْريدِ العِنَايَةِ»، وهو ظاهِرُ «العُمْدَةِ».
قوله: ومِنْ شَرْطِه أن يَلبَسَ الجميعَ بَعْدَ كمالِ الطهارَةِ، إلا الجَبِيرةَ على إِحدى الروايتين. إنْ كان الممْسوحُ عليه غيرَ جَبِيرَةٍ، فالصحيحُ. مِن المذهب أنَّه يُشْتَرَطُ لجَوازِ المسْحِ عليه كمالُ الطَّهارَةِ قبلَ لُبْسِه. وعليه الأصحابُ.
وعنه، لا يُشْتَرَطُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كمالُها. اخْتارَه الشيخُ تقيُّ الدِّين، وصاحِبُ «الفائِق»،
وقال: وعنه، لا يُشْتَرَطُ الطَّهارَةُ لمسْحِ العِمامَةِ. ذكَره ابنُ هُبَيرَةَ. فعلَى الرِّوَايَتَينِ، الأوْلَى يُشْتَرطُ تَقَدُّمُ الطَّهارَةِ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. وهو المقْطوعُ به عندَ الأصحاب. وحكَى أبو الفَرَجِ رِوايَةً بعدَمِ اشْتِراطِ تقدُّمِ الطَّهارَةِ رأْسًا.
فإنْ لَبِسَ مُحْدِثًا ثم توَضَّأَ وغسَل رِجْلَيه في الخُفِّ، جازَ له المسْحُ. قال الزَّرْكَشيُّ: وهو غريبٌ بعيدٌ.
قلتُ: اخْتارَه الشيخُ تقيُّ الدِّين.
وقال أيضًا: ويَتَوَجهُ أنَّ العِمامَةَ لا يُشترَطُ لها ابْتِدَاءُ اللُّبْسِ على طهارَةٍ، ويَكْفِيه فيهما الطَّهارَةُ المُتَقَدِّمَةُ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ مَنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَوَضَّأَ مسَح رأْسَه ورفَع العِمامَةَ ثم أعادَها، ولا يَبْقَى مَكْشُوفَ الرأْسِ إلى آخِرِ الوضوءِ. انتهى. وما قاله رِوايةً عن أحمدَ حكَاها غيرُ واحدٍ.
تنبيه: مِن فوائدِ الرِّوايتَين، لو غسَل رِجْلًا ثم أدْخَلَها الخُفَّ، خلَع ثم لَبِسَ بعدَ غَسْلِ الأخْرى،
ولو لَبِسَ الأولَى طاهِرَةً ثم لَبِسَ الثَّانيةَ طاهِرَةً، خَلَعَ الأُولَى فقط. وظاهِرُ كلامِ أبي بَكْرٍ ويخْلَعُ الثَّانيةَ. وهذا مُفَرَّعٌ على المذهبِ. وعلى الثَّانيةِ، لا خَلْعَ.
ولو لَبِسَ الخُفَّ مُحْدِثًا وغَسَلَهُما فيه، خلَعَ على الأُولى، ثم لَبِسَه قبلَ الحدَثِ،
وإنْ لم يَلْبَسْ حتى أحْدَثَ، لم يَجُزْ له المسْحُ. وعلى الثّانيةِ، لا يَخْلَعُه ويَمْسَحُ.
قال في «الفُروعِ»: وجزَم الأكْثَرُ بالرِّوايةِ الأولَى في هذه المسْألةِ، وهي الطَّهارَةُ لابتِداءِ اللُّبْسِ،
بخِلافِ المسْألةِ قَبْلَها وهي كَمالُ الطَّهارَةِ، فذَكروا فيها الرِّوايةَ الثَّانيةَ.
قلتُ: وقد تقدَمَّتِ الروايةُ التي نقَلَها أبو الفَرَجِ، وأنَّه يجوزُ له . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المسْحُ عليها في هذه المسْألَةِ.
ولو نوَى جُنُبٌ رَفْعَ حَدَثِه وغَسَلَ رِجْلَيه وأدْخَلَهُما في الخُفِّ، ثم تَمَّمَ طَهارَتَه، أو فَعَلَه مُحْدِثٌ ولم نَعْتَبِرِ التَّرْتيبَ، لم يَمْسَحْ على الأُولَى، ويَمْسَحُ على الثَّانِيَةِ.
وكذا الحُكْمُ لو لَبِسَ عِمامَةً قبلَ طُهْرٍ كاملٍ،
فلو مَسَحَ رَأْسَه ثم لَبِسَهَا، ثم غَسلَ رِجْلَيه، خُلَعَ على الأُولَى ثم لَبِسَ، وعلى الثَّانِيةِ، يجوزُ المسْحُ.
ولو لَبِسَها مُحْدِثًا ثم تَوَضَّأ ومسَحَ رأسَه، ورَفَعَها رَفْعًا فاحِشًا فكذلك. قال الشيخُ تقِيُّ الدِّين: كما لو لَبِسَ الخُفَّ مُحْدِثًا، فلمَّا غَسَلَ رِجْلَيه رَفَعَها إلى السَّاقِ ثم أَعادَها،
وإنْ لم يَرْفَعْها رَفْعًا فاحِشًا، احْتَمَلَ أنَّه كما لو غَسَلَ رِجْلَيه في الخُفِّ؛ لأنَّ الرَّفْعَ اليَسِيرَ لا يُخْرِجُه عن حُكْمِ اللُّبْسِ، ولهذا لا تَبْطُل الطهارَةُ به، ويَحْتَمِلُ أنَّه كابْتِدِاءِ اللُّبْسِ؛ لأنه إنما عُفِىَ عنه هناك للمَشَقَّةِ. انتهى. وتقدَّمَ أنَّ الشيخَ تقِي الدِّين اخْتارَ أنَّ العِمامَةَ لا يُشْتَرطُ لها ابْتِداءُ اللُّبْسِ على طَهارَةٍ، ويكْفِي فيها الطَّهارَةُ المُسْتدامَةُ،
وقال أيضًا: يتوَجَّهُ أنْ لا يَخْلَعَها بعدَ وُضوئِه ثم يَلْبَسَهَا،
بخِلافِ الخُفِّ. وهذا مُرادُ ابنِ هُبَيرَةَ في «الإفْصاحِ»، في العِمامَةِ هل . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ لُبْسُها على طَهَارَةٍ؟ عنة رِوايَتان.
أمَّا ما لا يُعرَفُ عن أحمدَ وأصحابِه فبَعْيدٌ إرادَتُه جدًّا، فلا يَنْبَغِي حَمْلُ الكلامِ المُحْتَمِلِ عليه. قاله في «الفُروعَ».
فائدة: لو أحْدَثَ قبلَ وُصولِ القدَمِ مَحَلَّها لم يَمْسَحْ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. ولهذا لو غَسَلَها في هذا المكانِ ثم أدْخَلَها محَلَّها مسَحَ.
وعنه، يَمْسَحُ. إلَّا الجَبِيرَةَ على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ.
قدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى». وأمَّا إذا كان الممْسوحُ عليه جَبِيرَةً، فالصحيحُ مِن المذهب اشْتِراطُ تَقَدُّمِ الطَّهارَةِ لجَوازِ المسْحِ عليها.
قال في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»: يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لها في أصَحِّ الرِّوايتَين.
قال في «الخُلاصَةِ»: يُشْتَرَطُ على الأصَحِّ. وقطَع به الخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الإيضاحِ»، و «الإفادَاتِ». واخْتارَه القاضي في كتابِ «الرِّوايتَين»، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، وأبو الخَطَّابِ، في «خِلافَيهِما»، وابنُ عَبْدُوسٍ، وابنُ البَنَّا. وقدَّمه في «الهِدايَة»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»، و «الفُروعِ». والرِّوايَةُ الثَّانيةُ، لا يُشْتَرَطُ لها الطهارَةُ.
قال في «مَجْمَع البَحْرَين»: هذا أقْوَى الرِّوايتَين. وقوَّاه أيضًا في «نَظْمِه». واخْتارَه الخَلَّالُ، وصاحِبُه أبو بَكرٍ، وابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَقِيلٍ في «التَّذْكِرَةِ»، وصاحِبُ «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، فيهما، وابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، وإليه مَيلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِحَ، والمَجْدِ. وجزَم به في «الوَجيزِ»، وابنُ رَزِين في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الرعايَة الصُّغْرى»، و «الحاويَينِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وأطْلَقَهُما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الفائقِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الزَّرْكَشِيِّ». فعلى المذهبِ، إنْ شَدَّ على غيرِ طَهارَةٍ، نَزَعَ،
فإنْ خافَ تَيَمَّمَ فقط، على الصَّحيحِ مِن المذهب.
وقال القاضي: يَمْسَحُ فقط. وفي الإِعادَةِ رِوايتَان تخْرِيجًا.
وقيل: يَمْسَحُ ويتَيَمَّمُ. وحيثُ قُلْنا: يَتَيَمَّمُ. لو عَمَّتِ الجَبِيرَةُ مَحَلَّ فَرْضِ التَّيَمُّمِ ضرُورَةً، كفَى مَسْحُهُما بالماءِ ولا يُعيدُ ما صلَّى بلا تَيَمُّمٍ، في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أصَحِّ الوَجْهَين. قاله في «الرعايتَين». وبَقِيَّةُ فُروعِ هذه المسأَلةِ يأْتِي في آخِرِ البابِ، عندَ قولِه: ويَمْسَحُ على جميع الجَبِيرَةِ إذا لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجَةِ.
تنبيه: الخِلافُ في كلامِ المُصَنِّفِ يَحْتَمِلُ أنْ يعودَ إلى ما عَدَا الجَبِيرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يعودَ إلى الجَبِيرَة فقط، قال ابنُ مُنَجَّى في «شَرْحِه»: يَبْعُدُ أنْ يعودَ إلى الجَبيرَةِ وإنْ قَرُبَ منها لوَجْهَين، أحَدُهما، أنَّ الخِلافَ فيها ليس مُختَصًّا بالكَمالِ. الثَّاني، أنَّ الخِلافَ فيما عدَاها أشْهَرُ مِن الخِلافِ فيها.
قال في «مَجْمَع البَحْرَين»: الخِلافُ هنا في غيرِ الجَبيرَةِ.
وقال ابنُ عُبَيدان: قيل: يَحْتَمِلُ أنْ يعودَ إلى ما عدَا الجَبِيرَةَ مِنَ المَمْسُوحِ؛ لأنَّ الخِلافَ في الجَبيرَةِ. ليس مُختَصًّا بالكَمالِ، وإنَّما هو في تَقَدُّمِ أصْلِ الطَّهارَةِ مِن حيثُ الجُمْلَةُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يعودَ الخِلافُ إلى الجَبِيرَةِ لقُرْبِها، ولأنَّ الخِلافَ فيها أشْهَرُ، وهذا هو الذي أشارَ إليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
صاحِبُ «المُحَرَّرِ»، في «شَرْحِ الهِدَايَةِ»، وكلامُ الشيخِ، وكلامُ أبي الخَطَّابِ سواءٌ في المعْنَى، قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: ولابدَّ مِن بَيانِ موْضِع الرِّوايتَين، فإنَّه في الجَبِيرَةِ
بخِلافِ غيرِها. وكذا ذكَرَه في «شَرْحِ المُقْنِعِ». انْتهى كلامُ ابنِ عُبَيدان.
فائدة: لو لَبِسَ خُفًّا على طَهارَةٍ مسَحَ فيها على عِمامَةٍ أو عكسه، فهل يجوزُ المسْحُ على المَلْبُوسِ الثَّاني؟ فيه وجَهْان. وأطْلَقَهُما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الزَّرْكَشِيِّ». قال ابنُ عُبَيدان: قال أصحابُنا: ظاهِرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ لا يجوزُ المسْحُ.
قال في «الفُصولِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»: قال بعضُ أصحابِنا: ظاهرُ كلامِ أحمدَ لا يجوزُ المسْحُ. قال القاضي: يَحْتَمِلُ جوازَ المسْحِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: أصَحُّهما عندَ أبي البَرَكاتِ الجوازُ جَزْمًا، على قاعِدَتِه مِن أنَّ المَسْحَ يَرْفَعُ الحَدَثَ. انتهى.
قلتُ: المذهبُ الرَّفْعُ، كما تَقَدّمَ أوَّلَ البابِ، ويأتِي آخِرَه.
وكذا الحُكْمُ لو شَدَّ جَبِيرَةً على طَهارَةٍ مسَحَ فيها عِمامَةً وخُفًّا، أو أحَدَهما، وقُلْنا: يُشْتَرَطُ لها الطهارَةُ. قاله في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميمٍ». وأطْلَقَ الخِلافَ في هذه المسْألةِ صاحِبُ «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ»، وابنِ عُبَيدان. وضَعَّفَ في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» جوازَ المسْحِ في هذه المسْأَلةِ.
وقيلَ: يجوزُ المسْحُ هنا وإن مَنَعْناه في وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، الأولَى؛ لأنَّ مَسْحَهما عزِيمَةٌ. وجزَم بالجَوازِ في «الرِّعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاويَين»، و «الهِدَايَةِ». واخْتارَه المَجْدُ أيضًا.
ولو شَدَّ جَبِيرَةً على طَهارَةٍ مسَحَ فيها جَبِيرَةً، جازَ المسْحُ عليها. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الفُروعِ».
ولو لَبِسَ خُفًّا أو عِمامَةً على طَهارَةٍ مسَحَ فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المسْحُ عليه، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ مُطْلقًا. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الحاويَين»، و «الرعايَةِ الصُّغْرَى». وصَحَّحَه في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «ابنِ تميمٍ».
وقال ابنُ حامِدٍ: إنْ كانتِ الجَبِيرَةُ في رِجْلِه وقد مسَحَ عليها ثم لَبِسَ الخُفَّ، لم يَمْسَحْ عليه.
فائدة: لا يَمْسَحُ على خُفٍّ لَبِسَه على طَهارَةِ تَيَمُّم، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. نصَّ عليه في رِوايةِ عبدِ الله. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». وقدَّمه ابنُ عُبَيدان،
وقال: هو أوْلَى. وقال في رِوايةِ مَن قال: لا يَنْقُضُ طَهَارَتَه إلَّا وُجودُ الماءِ. له أنْ يَمْسَحَ. وتقدَّمَ في أوَّلِ البابِ إذا تَيَمَّمَ لجُرْحٍ ونَحْوه. قوله: ويَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيلَةً، والمسافِرُ ثلاثةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ. وهذا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبُ بلا رَيبٍ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: يَمْسَحُ كالجَبِيرَةِ. واخْتارَه الشيخ تقِيُّ الدِّين. قاله في «الفُروعِ».
وقال في «الاخْتِياراتِ»: ولا تَتَوَقَّتُ مُدَّةُ المسْحِ في حَق المُسافِرِ الذي يَشُقُّ اشْتِغالُه بالخَلْعِ واللُّبْسِ، كالبَرِيدِ المُجَهَّزِ في مَصْلَحَةِ المُسْلِمِين. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيه: مُرادُه بقولِه: والمُسافِرُ ثلاثَةَ أَيَّام ولَيالِيَهُنَّ. غيرُ العاصِي بسَفَرِه،
فأمَّا العاصِي بسَفَرِه فحُكْمُهُ حكمُ المُقيمِ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ.
وقال في «الفُروعِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ يَمْسَحَ عاصٍ بسَفَرِه كغيرِه، ذكَرَه ابنُ شِهَابٍ.
وقيل: لا يَمْسَحُ مُطْلقًا، عُقوبَةً له.
فائدة: لو أقامَ وهو عاص بإقامَتِه، كمَن أمَرَه سَيِّدُه بسَفَرٍ فأَبَى وأَقَامَ، فلَه مسحُ مُقيمٍ، على الصَّحيحِ مِن المذهب. وذكَر أبو المَعالِي، هل هو كعاصٍ بسَفرِه في مَنْع التَّرَخُّصِ؟ فيه وَجْهان.
قلتُ: فعلَى المَنْع يُعايَى بها. إلا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيهَا إِلَى حَلِّهَا.
تنبيه: قولُه: إلا الْجَبِيرَةَ، فإنّه يمَسَحُ عليها إلى حَلِّها. بلا نِزاعٍ ولا تَقْييدٍ بوَقْتِ الصَّلاةِ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وعليه الأصحابُ. وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، أنَّ مسْحَ الجَبِيرَةِ كالتَّيَمُّمِ يَتَقَيَّدُ بوَقْتِ الصَّلاةِ، فلا يجوزُ قبلَه، وتَبْطُلُ بخُروجِه. ذكَرَه ابنُ تَميمٍ وغيرُه، وذكرَه ابنُ حامِدٍ، وأبو الخَطَّابِ وَجْهًا.
فائدة: قال في «الرِّعايتَين»: يَمْسَحُ المُقِيمُ غيرَ الجَبيرَةِ،
وقيلَ: اللَّصُوقِ. يوْمًا ولَيلةً. وقال في «الحاويَين»: ويمْسَحُ المُقِيمُ غيرَ اللَّصُوقِ والجَبِيرَةِ يوْمًا وليلةً.
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ، وأنَّ اللَّصُوقَ حيثُ تضَرَّرَ بقَلْعِه يمْسَحُ عليه إلى حَلِّه كالجَبِيرَةِ، ويَنْبَغِي أنْ لا يكونَ فيها خِلافٌ. وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ.
وَعَنْهُ، مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ.
[باب مسح الخفين] قال المصنف رحمه الله: (يجوز المسح على الخفين، والجرموقين، والجوربين، والعمامة، والجبائر. وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان) .
أما كون المسح على الخفين يجوز فلما روى جرير قال:«رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ومسح على خفيه»
متفق عليه.
قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الخف وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
وأما كونه على الجرموقين يجوز فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على موق».
والجرموق: خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو بالفارسية موق فعرب.
وأما كونه على الجوربين يجوز فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجوربين والنعلين» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين. كما لا يقال: مسحت الخف ونعله.
ولأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم مسحوا عليهما ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
ولا بد أن يلحظ أن لجواز المسح على ذلك شرطين:
أحدهما: أن يكون صفيقًا لا يبدو منه شيء من القدم.
والثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه.
وأما كونه على العمامة يجوز فلما روى المغيرة قال:«توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسح على الخفين والعمامة» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى بلال رضي الله عنه «مسح رسول [الله] - صلى الله عليه وسلم - على الخفين» رواه مسلم.
وروي أيضًا عنه أنه قال:«امسحوا على الخفين والخمار» رواه أحمد.
وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث جيشًا وأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ».
قال أبو عبيد: المشاوذ العمائم.
وأما كونه على الجبائر يجوز فلما روى جابر قال:«خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه. ثم احتلم. فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. فقال: قتلوه قتلهم الله. ألا سألوا إذا لم يعلموا. إنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه. ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» رواه أبو داود.
فهذا في الكبرى ففي الصغرى بطريق الأولى.
وروي «أن عليًا رضي الله لما انكسرت زنده يوم أحد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسح عليه».
ولأنه قول ابن عمر رضي الله عنهما ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا.
وأما كونه على القلانس يجوز في روايةٍ فلما روي عن عمر أنه قال:«إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته» رواه الأثرم.
وعن أبي موسى الأشعري «أنه خرج من الخلاء فمسح على قَلنسوته» رواه حرب.
ولأنه ملبوس معتاد. أشبه العمامة.
وأما كونه لا يجوز عليها في روايةٍ؛ فلأنه لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة.
وأما كونه على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن يجوز في روايةٍ فلما روي «أن أم سلمة رضي الله عنها كانت تمسح على الخمار» رواه ابن المنذر.
ولأنه ساتر للرأس معتاد للمرأة أشبه العمامة.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنه لا يشق المسح من تحته ولا تدعو الحاجة إليه أشبه الوقاية.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.