وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ وَحَدُّ حَرَمِهَا مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ
Its commentaries
مسألة: (وحَدُّ حَرَمِها بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشرً مِيلًا حِمًى) حَدُّ حَرَمِ المَدِيتَةِ ما بَيْنَ لابَتَيْها؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». مُتَّفَقٌ عليه . واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهى أرْضٌ بِها حِجارَةٌ سُودٌ. قال أحمدُ، رَحِمَه اللهُ: ما بينَ لابتَيْها حَرامٌ. بريدٌ في بَرِيدٍ، كذا فَسَّرَه مالكُ بنُ أنَسٍ.
والبَرِيدُ أرْبَعَةُ فَرَاسِخَ. وروَى أبو هُرَيْرةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل حَوْلَ المَدينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى. رَواه مسلمٌ . وقد روَى علىٌّ، رَضِىَ الله عنه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«حَرَمُ المدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ». مُتَّفَقٌ عليه . قال أهْلُ العِلْمِ بالمَدِينَةِ: لا نَعْرِف بها ثَوْرًا ولا عَيْرًا، وإنَّما هُما جَبلان بمَكَّةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَرادَ قَدْرَ ما بينَ ثَوْرٍ وعَيْرٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ جَبَلَيْن بالمَدِينَةِ، وسَمّاهُما ثَوْرًا وعَيْرًا تَجَوُّزًا .
واللهُ تَعالَى أعْلَمُ. فصل: ولا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ ولا شَجَرُه، وهو وادٍ بالطّائِفِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ؛ لأنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال:«صَيْدُ وَجٍّ وَعِضَاهُهَا مُحَرَّمٌ». رَواه الإِمامُ أحْمَدُ . ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، والحَدِيثُ ضَعَّفَه أحمدُ، ذَكَرَه أبو بكْرٍ الخَلَّالُ، في كتابِ «العِلَلِ». بابُ ذِكرِ دُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لدُخُولِ مَكَّةَ؛ لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا دَخَل أدْنَى الحَرَمِ أمْسَكَ عن التَّلْبِيَةِ، ثم يَبِيتُ بذِى طُوَى، ثم يُصَلِّى به الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ، ويُحَدِّثُ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، كان يَفْعَلُ ذلك.
رَواه البخارىُّ . ولأنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أهْلِ النُّسُكِ،
فإذا قَصَدَها اسْتُحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالخارِجِ إلى الجُمُعَةِ. والمَرْأةُ كالرَّجُلِ،
وإن كانت حائِضًا، لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ، وقد حاضَتْ:«افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطوفِى بِالْبَيْتِ». ولأنَّ الغُسْلَ يُرادُ للتَّنْظِيفِ، وهو يَحْصُلُ مع الحَيْضِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وفَعَلَه عُرْوَةُ، والأسْوَدُ بنُ يَزِيدَ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، والحارثُ بنُ سُوَيْدٍ .
١٢٥٥ - مسألة (ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخلَ مَكَّةَ مِن أعْلَاها، مِن ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، ثم يَدْخُلَ المَسْجِدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ) لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ مِن الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التى بالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ مِن السُّفْلَى. ورَوَتْ عائِشَةُ، أنّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا جاءَ مَكَّةَ دَخَلَ مِن أعْلاهَا، وخَرَجَ بِن أسْفَلِها. مُتَّفَقٌ عليهما . ولا بَأْسَ بدُخُولِها لَيْلًا ونَهارًا. لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل مَكَّةَ لَيْلًا ونَهارًا، رَواهما النَّسائىُّ .
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ المَسْجدَ مِن بابِ بَنِى شَيْبَةَ؛ لِما روَى جابِرٌ في حَدِيثِه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفاعَ الضُّحَى، وأناخَ راحِلَتَه عندَ بابِ بَنِى شَيْبَةَ، ودَخَلَ المَسْجِدَ. رَواهُ مسلمٌ وغيرُه .
١٢٥٦ -
(وَعَنْهُ: جَزَاؤُهُ سَلَبُ الْقَاتِلِ لِمَنْ أَخَذَهُ) نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَالْمَيْمُونِيُّ، وَهِيَ الْمَنْصُورَةُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ مِنْ كُتِبِ الْخِلَافِ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَحْرِيمِهَا كَمَكَّةَ، وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ لِحُرْمَةِ ذَلِكَ كَحَرَمِ مَكَّةَ وَالْإِحْرَامِ، وَسَلَبُهُ: ثِيَابُهُ قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالسَّرَاوِيلُ، زَادَ جَمَاعَةٌ: وَزِينَةٌ كَمِنْطَقَةٍ وَسِوَارٍ وَخَاتَمٍ وَآلَةِ اصْطِيَادٍ؛ لِأَنَّهَا آلَة لفِعْل الْمَحْظُورِ، وَلَيْسَتِ الدَّابَّةُ مِنْهُ،
بِخِلَافِ قَاتِلِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى الْأَشْهَرِ لِئَلَّا يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْحَرْبِ، فَعَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَسْلُبْهُ أَحَدٌ لَزِمَهُ التَّوْبَةُ فَقَطْ، (وَحَدُّ حَرَمِهَا) مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. اللَّابَةُ: الْحَرَّةُ، وَهِيَ أَرْضٌ بِهَا حِجَارَةٌ سُودٌ قَالَ أَحْمَدُ: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ،
وَكَذَا فَسَّرَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدُّهَا مِنْ جِهَتِيِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ،
وَمَنْ رَوَى «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا» فَالْمُرَادُ بِهِ مِنْ جِهَتِيِ الْجَنُوبِ وَالشَّمَالِ، وَالْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ يَقُولُهُ. (مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ) لِمَا رَوَى عَلَيٌّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«حَرَمُ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عَيْرٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ عِيَاضٌ: أَكْثَرُ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرُوا عَيْرًا،
فَأَمَّا ثَوْرٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَنَّى عَنْهُ بِكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ مَكَانَهُ بَيَاضًا، لِأَنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ذِكْرَ ثَوْرٍ خَطَأً قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَصْلُ الْحَدِيثِ «مِنْ عَيْرٍ إِلَى أُحُدٍ» وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ، حَرَمُ الْمَدِينَةِ قَدْرُ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ وَعَيْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَمَنَعَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَجُودَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ عَيْرًا جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِهَا
وَكَذَا ثَوْرٌ، وَهُوَ جَبَلٌ خَلْفَ أُحُدٍ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الثِّقَاتُ، يُؤَيِّدُهُ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ ( «وَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوْلَ الْمَدِينَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا حِمًى» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
تَذْنِيبٌ: مَكَّةُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي سُوقِ مَكَّةَ:«وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلِمُضَاعَفَةِ الصَّلَاةِ.
وَعَنْهُ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ،
قَالَ: فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَسُئِلَ عَنِ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ: بِالْمَدِينَةِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مُهَاجَرُ الْمُسْلِمِينَ.
وَعَنْ رَافِعٍ مَرْفُوعًا:«الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى وَقْتِ كَوْنِ مَكَّةَ دَارَ حَرْبٍ، أَوْ عَلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهَا، وَالشَّرْعُ يُؤْخَذُ مِنْهُ،
وَكَذَا لَا يُعْرَفُ «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ» قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ: بَعْدَ مَكَّةَ، وَمَا رُوِيَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَفْضِيلِهَا لَا أَفْضَلِيَّتُهَا، وَكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - خُلِقَ مِنْهَا، وَهُوَ خَيْرُ الْبَشَرِ فَتَرْبَتُهُ خَيْرُ التُّرَبِ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ فَضْلَ الْخِلْقَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ التُّرْبَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَدُلَّ أَنَّ تُرْبَتَهُ أَفْضَلُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنَ الْحُجْرَةِ
فَأَمَّا مَنْ هُوَ فِيهَا، فَلَا وَاللَّهِ وَلَا الْعَرْشُ وَحَمْلَتُهُ وَالْجَنَّةُ؛ لِأَنَّ بِالْحُجْرَةِ جَسَدًا لَوْ وُزِنَ بِهِ لَرَجَحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَجَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ، وَالْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ، وَتَضَاعُفُ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٌ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ أَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّيِّئَاتِ.
[
وحَرَمُها ما بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ. وهو ما بينَ لابَتَيها، وقدْرُه، بَرِيدٌ فى بَرِيدٍ. نصَّ عليه. قال المُصَنّفُ فى «المُغْنى»، والشَّارِحُ، وغيرُهما: قال أهْلُ العِلْمِ بالمدِينَةِ: لا يُعْرَفُ بها ثَوْرٌ ولا عَيْرٌ، وإنَّما ما جَبَلان بمَكَّةَ. فيَحْتَمِل أنَّه عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، أرادَ قَدْرَ ما بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ، وَيحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ جبَلَيْن بالمدِينةِ . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسمَّاهُما ثوْرًا وعَيْرًا تَجَوُّزًا . والله أعلمُ.
وقال فى «المُطْلِعِ»: عَيْرٌ جبَلٌ معْروفٌ بالمدِينَةِ مشْهورٌ. وقد أنكَرَه بعضُهم. قال مُصْعَبٌ الزُّبيْرِىُّ : ليس بالمدِينَةِ عَيْرٌ ولا ثَوْرٌ.
وأمَّا ثَوْرٌ، فهو جبَلٌ بمَكةَ معْروفٌ، فيه الغارُ الذى تَوارَى فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بَكْرٍ رَضِىَ الله عنه. وقد صحَّ عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه قال:«المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ». قال عِيَاضٌ: أكثرُ الرُّواةِ فى «البُخَارِىِّ» ذكَرُوا عَيْرًا،
فأما ثَوْرٌ، فمِنْهم مَن كنَّى عنه بكذا، ومنهم مَن ترَك مَكانَه بَياضًا؛ لأنَّهم اعْتقَدُوا ذِكْرَ ثَوْرٍ خَطَأ. قال أبو عُبَيْدٍ : أصْلُ الحَديثِ، «مِنْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَيْرٍ إلى أُحُدٍ».
وكذا قال الحَازِمِىُّ وجماعةٌ، وقال: الرِّوايَةُ صحيحَةٌ. وقدَّرُوا كما قدَّر المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. قال فى «المُطلِعِ»: وهذا كلُّه لأنَّهم لا يعْرِفُون ثَوْرًا بالمدِينَةِ، وقد أخْبَرَنا العَلَّامَةُ عَفِيفُ الدِّينِ عبدُ السَّلامِ بنُ مَزْرُوعٍ البَصْرِىُّ ، قال: صَحِبْتُ طائفَةً مِنَ العرَبِ مِن بَنِى هَيثمٍ، وكنتُ إذا صَحِبْتُ العرَبَ أسْأَلُهم عمَّا أراه مِن جَبَلٍ أو وادٍ، وغيرِ ذلك، فمرَرْنا بجَبَلٍ خلفَ أُحُدٍ، فقلْتُ: ما يُقالُ لهذا الجَبَلِ؟ قالوا: هذا جَبَلُ ثَوْرٍ. فقلْتُ: ما تقُولُون؟!
قالوا: هذا ثَوْرٌ معْروفٌ مِن زَمَنِ آبائِنا وأجْدادِنا. فنَزلْتُ وصلَّيْتُ رَكْعَتَيْن. انتهى.
وقال العَلَّامَةُ ابنُ حجَرٍ فى «شَرْحِ البُخَارِىِّ »: وذكَر شيْخُنا أبو بَكْرِ بنُ حُسَيْنٍ المرَاغِىُّ ، نزِيلُ المدِينَةِ، فى «مُخْتَصَرِه» لأخْبارِ المدِينَةِ، أنَّ خَلَفَ أهْلِ المدِينَةِ ينْقُلُون عن سَلَفِهم؛ أنَّ خَلْفَ أُحُدٍ، مِن جِهَةِ الشَّمالِ، جبَلًا صغِيرًا إلى الحُمْرَةِ بتَدْويرٍ، يُسَمَّى ثَوْرًا. قال: وقد تحَقَّقْتُه بالمُشاهَدَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . .
انتهى. وقال المُحِبُّ الطَّبَرِىُّ ، بعدَ حِكايَةِ كلام أبى عُبَيْدٍ ومَن تَبِعَه، قال: أخْبَرنِي الثِّقَةُ العالِمُ عبدُ السَّلامِ البَصْرِىُّ، أنَّ حِذاءَ أُحُدٍ، عن يَسارِه جانِحًا إلى وَرائِه، جَبَلًا صغيرًا يُقالُ له ثَوْرٌ، وأخْبَرَ أنَّه تكَرَّرَ سُؤالُه عنه لطَوائِفَ مِنَ العرَبِ العارِفِين بتِلْك الأرْضِ وما فيها مِنَ الجِبالِ، فكُلٌّ أخْبَرَ أنَّ ذلك الجَبَلَ اسْمُه ثَوْرٌ، وتَوارَدُوا على ذلك. قال: فعَلِمْنا أنَّ ذِكْرَ ثَوْرٍ فى الحديثِ صحيحٌ،
وأنَّ عدَمَ عِلْمِ أكابِرِ العُلَماءِ به لعدَمِ شُهْرَتِه، وعدَمِ بَحْثِهم عنه. قال: وهذه
فائدَةٌ جلِيلَةٌ. انتهى. وقال فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفَائقِ»، وغيرِهم: وحَرَمُها ما بينَ جَبَلَيْها.
وقيل: كما بينَ ثَوْرٍ إلى عَيْرٍ.
وقال فى «الفُروعِ»: وحَرَمُها ما بينَ لابَتَيْها، بَرِيدٌ فى بَرِيدٍ. نصَّ عليه. انتهى. وقد ورَد:«أُحَرِّمُ ما بينَ لابَتَيْهَا»، وفى رِوايَةٍ:«ما بينَ جَبَلَيْهَا»، وفى رِوايَة:«ما بينَ مَأْزِمَيْهَا». قال الحافِظُ العَلَّامَةُ ابنُ حَجَرٍ فى «شَرْحِه»: رِوايَةُ: «ما بَيْنَ لابَتَيْهَا» أرْجَحُ؛ لتَوارُدِ الرِّوايَةِ عليها، ورِوايَةُ:«جَبَلَيْهَا» لا تُنافِيها، فيكونُ عندَ كلِّ جَبَلٍ لابَةٌ. أو «لابَتَيْهَا» مِن جِهَةِ الجَنُوبِ والشَّمالِ، و «جَبَلَيْهَا» مِن جِهَةِ المَشْرِق والمَغْرِبِ، وعاكَسَه فى «المُطْلِعِ».
وأمَّا رِوايَةُ «مَأْزِمَيْهَا»، فالمَأْزِمُ، المَضِيقُ بينَ الجبَلَيْن، وقد يُطْلَقُ على الجَبَلِ نفسِه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فوائد؛ الأولَى، مَكَّةُ أفْضَلُ مِنَ المدِينةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، ونَصَره القاضى وأصحابُه وغيرُهم. وأخذَه مِن روايَةِ أبى طالِبٍ، وقد سُئِلَ عن الجِوارِ بمَكَّةَ، فقال: كيف لنا به؟ وقد قال النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّكِ لَأحَبُّ البِقَاعِ إلَى اللهِ، وإنَّكِ لَأحَبُّ البِقَاعِ إلَىَّ».
وعنه، المدِينَةُ أفْضَلُ. اخْتارَه ابنُ حامِدٍ وغيرُه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُنونِ»: الكَعْبَةُ أفْضَلُ مِن مُجَرَّدِ الحُجْرَةِ،
فأمَّا وهو فيها، فلا والله وِلا العَرْشُ وحمَلته والجَنَّةُ؛ لأنَّ بالحُجْرَةِ جسَدًا لو وُزِنَ به لرجَح. قال فى «الفُروعِ»: فدَلَّ كلامُ الأصحابِ، أنَّ التُرْبَةَ على الخِلافِ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا أعلَمُ أحَدًا فضَّلَ التُّرْبَةَ على الكَعْبَةِ إلَّا القاضِىَ عِيَاضًا، ولم يَسْبِقْه أحدٌ.
وقال فى «الإرْشَادِ» وغيرِه: محَلُّ الخِلافِ، فى المُجاوَرَةِ، وجَزمُوا بأَفضَلِيَّةِ الصَّلاةِ وغيرِها فى مَكةَ. واخْتارَه الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّين وغيرُه. قال فى «الفُروعِ»: وهو ظاهِرٌ. ومَعْنَى ما جَزَم به فى «المُغنِى» وغيرِه، أنَّ مَكَّةَ أفْضَلُ،
وأنَّ المُجاوَرَةَ بالمَدِينَةِ أفْضَلُ. الثَّانيةُ، تُسْتَحَبُّ المُجاوَرَةُ بمَكَّةَ،
ويجُوزُ لمَن هاجرَ منها المُجاوَرَةُ بها. ونقَل حَنْبَلٌ، إنَّما كَرِهَ عمرُ، رَضِىَ الله عنه، الجِوَارَ بمَكَّةَ لمَن هاجَرَ منها. قال فى «الفُروعِ»: فيَحْتَمِلُ القَوْلُ به، فيكونُ فيه رِوايَتان. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: المُجاوَرَةُ فى مَكانٍ يتَمَكَّنُ فيه إيمَانُه وتقوَاه، أفْضَلُ حيثُ كان. انتهى. الثَّالثةُ، تُضاعَفُ الحسَنَةُ والسَّيِّئَةُ بمَكانٍ أو زَمانٍ فاضِلٍ. ذكَرَه القاضى وغيرُه، وابنُ الجَوْزِىِّ، والشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ. . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد سُئِلَ فى رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ، تُكْتَبُ السَّيِّئةُ أكثرَ مِن واحِدَةٍ؟ قال: لا، إلَّا بمَكَّةَ. وذكَر الآجُرِّىُّ، أنَّ الحَسَناتِ تُضاعَفُ، ولم يَذْكُرِ السَّيِّئاتِ. الرَّابعةُ، لا يَحْرُمُ صَيْدُ وَجٍّ وشَجَرُه، وهو وادٍ بالطَّائفِ، وفيه حديثٌ روَاه أحمدُ، وأبو داودَ، عن الزُّبيْرِ مرْفُوعًا:«إنَّ صَيْدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حَرَمٌ مُحَرمٌ لله». لكنَّ الحديثَ ضعَّفَه الإمامُ أحمدُ وغيرُه مِنَ النُّقادِ.
وقال فى «الرعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»: ويُباحُ للمُحْرِمِ صَيْدُ وَجٍّ. وهو خَطَأٌ لا شَكَّ فيه؛ لأنَّ الخِلافَ الذى وقَع بينَ العُلَماءِ إنَّما هو فى إباحَتِه للمُحِلِّ، فعندَ الإمامِ أحمدَ، يُباحُ له. وعندَ الشَّافِعِىِّ، لا يُباحُ.
وأمَّا المُحْرِمُ، فلا يُباحُ له، بلا نِزاعٍ. واللهُ أعلمُ.
قال: (وحد حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى) .
أما كون حد حرم المدينة ما بين ثور إلى عير؛ فلما تقدم من حديث علي رضي الله عنه المتفق عليه .
وأما جعل النبي صلى الله عليه وسلم حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى» رواه مسلم. [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.