Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 1711المقنعHanbalivol. 3, p. 287vol. 3, p. 287

وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ وَأَبِيهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (ولا يُجاهِدُ مَن عليهِ دَيْنٌ لا وَفاءَ له،

9,934

ومَن أحَدُ أبَوَيْه مُسْلِمٌ، إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، وأبِيهِ، إلَّا أن يَتَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فإنَّه لَا طَاعَةَ لَهُما في تَرْكِ فَرِيضَةٍ) مَن كان عليه دَيْنٌ حالٌّ أو مُؤَجَّلٌ، لم يَجُزْ له الخُروجُ إلى الغَزْوِ إلَّا بإذْنِ غَرِيمِه، إلَّا أنْ يَتْرُكَ وَفاءً، أو يُقِيمَ به كفِيلًا، أو يُوَثِّقَه برَهْنٍ. وبهذا قال الشافعى. ورَخَّصَ مالكٌ في الغَزْوِ لِمَن لا يَقْدِرُ على قَضاءِ دَيْنهِ؛ لأنَّه لا تَتَوَجَّهُ عليه المُطالَبَةُ به ولا حَبْسُه مِن أجْلِه، فلم يُمْنَعْ مِن الغَزْوِ، كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ.

ولَنا، أن الجِهادَ تُقْصَدُ منه الشَّهادَة التى تَفُوتُ بها النَّفْسُ، فيَفُوتُ الحَقُّ بفَواتِها، وقد رُوِى أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، يُكَفِّرُ عنى خَطاياىَ؟ قال:«نَعَمْ، إلَّا الدَّيْنَ، فَإنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لى ذَلِكَ».

9,935

وأمَّا إذا تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، فلا إذْنَ لِغَرِيمِه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بعَيْنِه، فكان مُقَدَّمًا على ما في ذِمَّتِه، كسائِرِ فُرُوضِ الأعْيانِ، ولكنْ يُسْتَحَبُّ له أن لا يتَعَرَّضَ لِمَظانِّ القَتْلِ؛ مِن المُبارَزَةِ، والوُقُوفِ في أوَّلِ المُقاتِلَةِ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بتَفْوِيتِ الحَقِّ.

9,936

فإن تَرَك وفاءً، أو أقامَ كفِيلًا، فله الغَزْوُ بغيرِ إذْنٍ. نصَّ عليه أحمدُ في مَن تَرك وَفاءً؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرو بنِ حَرامٍ، خَرَج إلى أُحُدٍ، وعليه دَيْنٌ كثيرٌ، فاسْتُشْهِدَ، وقَضاهُ عنه ابنُه جابرٌ بعِلْمِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولم يَلُمْه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على ذلك، ولم يُنْكِرْ فِعْلَه، بل مَدَحَه، وقال:«مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بأجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ».

9,937

وقال لابنهِ جابرٍ: «أشَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيَا أباكَ، وكَلَّمَهُ كِفَاحًا ».

9,938

فصل: ومَن كان أبَواه مُسْلِمَيْن، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنِهما تَطَوُّعًا. رُوِى نحوُ ذلك عن عُمَرَ، وعثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أُجاهِدُ؟ قال:«ألَكَ أبَوَانِ؟». قال: نعم. قال:«فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». وروَى ابنُ عَبّاسٍ نحوَه. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ.

وفى رِوايَةٍ، قال: جِئْتُ أُبايِعُكَ على الهِجْرَةِ، وتَرَكْتُ أُبوَىَّ يَبْكِيان. قال:«ارْجِعْ إِلَيْهِمَا، فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أبكَيْتَهُمَا». وعن أبى سعيدٍ، أنَّ رَجُلًا هاجَرَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هَلْ لَكَ بِالْيَمَنِ أحَدٌ؟» قال: نعم، أَبَواىَ. قال:«أذِنَا لَكَ؟». قال: لا. قال: «فَارْجِعْ، فَاسْتَأذِنْهُمَا، فَإِنْ أذِنَا لكَ فَجَاهِدْ، وإلَّا فَبِرَّهُمَا». رَواهُنَّ أبو داودَ . ولأنَّ بِرَّ الوالدَيْن فَرْضُ عَيْنٍ، والجِهادَ فَرْضُ كِفايَةٍ، وفرضُ العَيْنِ يُقَدَّمُ.

9,939

وكذلك إن كان أحَدُهما مُسْلِمًا، لم يُجاهِدْ بغيرِ إذْنهِ؛ لأنَّ بِرَّه فَرْضُ عَيْنٍ، فقُدِّمَ على الجِهادِ، كالأبَوَيْن.

9,940

فأمَّا إن كانَا غيرَ مُسْلِمَيْن، فلا إذْنَ لهما. وهذا قولُ الشافعىِّ.

9,941

وقال الثَّوْرِىُّ: لا يَغْزُو إلَّا بإذْنِهما؛ لعُمُومِ الأخْبارِ. ولَنا، أنَّ أصحابَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا يُجاهِدُونَ، وفيهم مَن أبَواه كافِرانِ، ولم يَسْتَأذِنْهُما؛ منهم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وأبو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ، كان مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يومَ بَدْرٍ، وأبوه رئيسُ المُشْرِكِين يوْمَئِذٍ، وأبو عُبَيْدَةَ، قَتَل أباه في الجهادِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تعالى:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الأخْبارِ.

9,942

فإن كانا رَقِيقَيْن، فعُمُومُ كلامِه ههُنا يَقْتَضِى وُجُوبَ اسْتِئْذَانِهما. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لظاهِرِ الأخْبارِ، ولأنَّهما مُسْلِمان، أشبَها الحُرَّيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُعْتَبَرَ إذْنُهما؛ لأنَّه لا وِلَايةَ لهما.

9,943

فإنْ كانا مَجْنُونَيْن، فلا إذْنَ لهما؛ لعَدَمِ اعْتِبارِ قَوْلِهما.

فصل: فإن تَعَيَّنَ عليه الجِهادُ، سَقَط إذْنُهما،

9,944

وكذلك كلُّ فَرائِضِ الأعْيانِ، لا طَاعَةَ لهما في تَرْكِها؛ لأنَّ تَرْكَها مَعْصِيَةٌ، ولا طاعَةَ لأحَدٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

9,945

وكذلك كلُّ ما وَجَب، كالحَجِّ، وصَلاةِ الجَماعَةِ والجُمَعِ، والسَّفَرِ للعِلْمِ الواجِبِ؛ لأنَّها فَرْضُ عَيْنٍ، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُ الأبَوَيْنِ فيها، كالصَّلاةِ، ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}. ولم يَشْتَرِطْ إذْنَ الوَالِدَيْن.

9,946

فصل: فإن خَرَج في جِهادِ تَطَوُّعٍ بإذْنِهما، فمَنَعاه منه بعدَ سَيْرِه وقبلَ تَعَيُّنه عليه، فعليه الرجُوعُ؛ لأنَّه معنًى لو وُجِدَ في الابتدَاءِ مَنَع، فمَنَعَ إذا وُجِدَ في أثْنائِه، كسائِرِ المَوانِعِ، إلَّا أن يَخافَ على نفْسِه في الرُّجُوعِ، أو يَحْدُثَ له عُذْرٌ مِن مَرَضٍ أو نحوِه،

9,947

فإن أمْكَنَه الإِقامَةُ في الطرِيقِ، وإلَّا مَضَى مع الجَيْشِ وإذا حَضَر الصَّفَّ تَعَيَّنَ عليه؛ لحُضُورِه، وسَقَط إذْنُهما.

9,948

وإن كان رُجُوعُهما عن الإِذْنِ بعدَ تَعَيُّن الجِهادِ عليه، لم يُؤَثِّرْ شيئًا.

9,949

وإن كانا كافِرَيْن، فأسْلَما ومَنَعَاه، كان كمَنْعِهما بعدَ إذْنِهما، سواءٌ. وحُكْمُ الغَرِيمِ يأذَنُ في الجِهادِ ثم يَمْنَعُ منه، حُكْمُ الوالدِ على ما فَصَّلْناه.

9,950

فأمَّا إن حَدَث للإِنْسانِ في نفْسِه مَرَضٌ أو عَمًى أو عَرَجٌ، فله الانْصِرافُ، سواءٌ الْتَقَى الصَّفَّانِ أوْ لا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه القِتالُ، فلا

9,951

فائِدَةَ في مُقامِه.

فصل: فإن أذِنَ له والداه في الجِهادِ، وشَرَطا عليه أن لا يُقاتِلَ، فحَضَرَ القِتالَ، تَعَيَّنَ عليه، وسَقَط شَرْطُهما. كذلك قال الأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه صارَ واجِبًا عليه، فلم يَبْقَ لهما في تَرْكِه طاعةٌ.

9,952

ولو خَرَج بغيرِ إذْنِهما، فحَضَرَ القِتالَ، ثم بَدا له الرجُوعُ، لم يَجُزْ له ذلك . ١٣٩٣ - مسألة: (ولا يَجُوزُ للمسلمين الفِرارُ مِن ضِعْفِهم، إلَّا مُتَحَرِّفِين لقِتالٍ، أو مُتَحَيِّزِين إلى فِئَةٍ، فإن زاد الكُفَّارُ، فلهم الفِرارُ، إلَّا أن يَغْلِبَ على ظَنِّهِم الظَّفَرُ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا الْتَقَى المسلمون والكُفَّارُ، وَجَب الثَّباتُ، وحَرُمَ الفِرارُ؛ لقولِه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا}. وقولِه سبحانه:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} الآية.

وقد عَدَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الفِرارَ يومَ الزَّحْفِ مِن الكبائِرِ . وحُكِىَ عن الحَسَنِ، والضَّحاكِ، أنَّ هذا كان يومَ بَدْرٍ خاصَّةً،

9,953

ولا يَجِبُ في غيرِها. ولَنا، أنَّ الأمْرَ مُطْلَق، والخبرُ عامٌّ، فلا يجوزُ التَقْيِيدُ والتَّخْصِيصُ إلَّا بدليلٍ. وإنَّما يَجِبُ الثَّباتُ، بشَرْطَيْن، أحدُهما، أن لا يزيدَ الكُفَّارُ على ضِعْفِ المُسْلِمِين،

9,954

فإنْ زادُوا، جازَ الفِرارُ، لقولِ اللَّهِ تعالى:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}. وهذا وإن كان لفظُه لَفْظَ الخبرِ، فهو أمْرٌ، بدَلِيلِ قولِه:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ}.

9,955

ولو كان خَبرًا على حَقِيقَتِه، لم يكُنْ رَدُّنا مِن غَلَبَةِ الواحِدِ للعشرةِ إلى غَلَبَةِ الاثْنَيْن تَخْفِيفًا، ولأنَّ خَبَرَ اللَّهِ تعالى صِدْقٌ لا يَقعُ

9,956

بخِلافِ مُخْبِرِه، وقد عُلِمَ أنَّ الظَّفَرَ والغَلَبَةَ لا يَحْصُلُ للمُسْلِمِين في كل مَوْطِن يَكُونُ العَدُوُّ فيه ضِعْفَ المسلمين فما دُونَ، فعُلِمَ أنَّه أمْرٌ وفَرْضٌ، ولم يَأْتِ شئٌ يَنْسَخُ هذه الآيةَ في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، فوَجَبَ الحُكْمُ بها. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: نَزَلَتْ: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}. فشَقَّ ذلك على المسلمين حينَ فُرِضَ عليهم أن لا يَفِرَّ واحدٌ مِن عشرةٍ، ثم جاء تَخْفِيفٌ، فقال:{الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ}.

إلى قولِه:{يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} فلمَّا خَفَّف اللَّهُ عنهم مِن العَدَدِ، نقَصَ مِن الصَّبْرِ بقَدْرِ ما خَفَّفَ مِن العَدَدِ. رَواه أبو داودَ .

9,957

وقال ابنُ عباسٍ: مَن فَرَّ مِن اثْنَيْنِ فقد فَرَّ،

9,958

ومَن فَرَّ مِن ثَلاثةٍ فما فَرَّ. الثانى، أنْ لا يَقْصِدَ بفِرارِه التَّحَيُّزَ إلى فِئَةٍ، ولا التَّحَرُّفَ لقتالٍ،

9,959

فإن قَصَد أحَدَ هذَيْن، أُبِيحَ له؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال:{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ}. ومَعْنَى التَّحَرُّفِ للقِتالِ: أن ينْحازَ إلى مَوْضِعٍ يكونُ القِتالُ فيه أمْكَنَ، مثل أن ينْحازَ مِن مُواجَهَةِ الشَّمْسِ أو الرِّيحِ إلى اسْتِدْبارِهما، أو مِن نُزولٍ إلى عُلُو، أو مِنِ مَعْطَشَةٍ إلى مَوْضِعِ ماء، أو يَفِرَّ بينَ أيْدِيهم لتَنْتَقِضَ صُفُوفُهم، أو تَنْفرِدَ خَيْلُهم مِن رجّالَتِهم، أو لِيَجِدَ فيهم فُرْصَةً، أو ليَسْتَنِدَ إلى جَبَلٍ، ونحوِ ذلك ممّا جَرَتْ به عادَةُ أهْلِ الحرْبِ.

وقد رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه كان يومًا في خُطبتِهِ إذ قال: يا سارِيَةُ بن زُنَيْمٍ، الجَبَلَ، ظَلَمَ الذِّئْبَ مَن اسْتَرْعاه الغَنَمَ. فأنْكَرَها النّاسُ، فقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: دَعُوه. فلمّا نَزَل سألوه عمّا قال لهم، فلم يَعْتَرِفْ به، وكان بَعَث سارِيَةَ إلى ناحِيَةِ العِراقِ لغَزْوِهم، فلمّا قَدِمَ ذلك الجيشُ أخْبَرُوا أنَّهم لَقُوا عَدُوَّهم يومَ الجُمُعَةِ، وظَهَرَ عليهم، فسَمِعُوا صوتَ عُمَرَ، فتَحَيَّزُوا إلى الجبلِ، فنَجَوْا مِن عَدُوِّهم وانْتَصَرُوا عليهم .

9,960

وأمَّا التَّحَيُّزُ إلى فِئَةٍ: فهو أن يَصِيرَ إلى فِئَةٍ مِن المسلمين؛ ليكُونَ معهم، فيَقْوَى بهم على عَدُوِّه. وسواءٌ بَعُدَتِ المسافَةُ أو قَرُبَتْ. قال القاضى: لو كانتِ الفِئَة بخُراسانَ، والفِئَةُ بالحِجَازِ، جازَ التَّحَيُّزُ إليها. ونحوَه ذكَرَ أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، روَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنى فِئَةٌ لَكُمْ». وكانُوا بمكانٍ بعيدٍ عنه.

9,961

وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: أنا فِئَةُ كلِّ مُسْلمٍ. وكان بالمدينةِ وجُيوشُه بمصرَ والشامِ والعِراقِ وخُراسان. رَواهما سعيدٌ .

9,962

وقال عُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: رَحِمَ اللَّهُ أبا عُبَيْدَةَ، لو كان تَحَيَّزَ إلىَّ، لكُنْتُ له فِئَةً .

9,963

وإذا خَشِىَ الأسْرَ، فالأوْلَى أن يُقاتِلَ حتى يُقْتَلَ، ولا يُسَلِّمَ نَفْسَه للأسْرِ؛ لأنَّه يَفُوزُ بالثَّوابِ والدَّرجَةِ الرَّفِيعَةِ، ويَسْلَمُ مِن تَحَكمِ الكُفَّارِ عليه بالتَّعْذِيبِ والاسْتِخْدامِ والفِتْنَةِ.

9,964

فإنِ اسْتأْسرَ جازَ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بَعَث عَشَرَةً عَيْنًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابِتٍ، فنَفَرَتْ إليهم هُذَيْلٌ بقريبٍ مِن مائَةِ رَجُلٍ رامٍ، فلمّا أحَسَّ بهم عاصِمٌ وأصحابُه، لَجَئُوا إلى فَدْفَدٍ ، فقالوا لهم: انْزِلُوا فأعْطُونا أيْدِيَكم، ولكم العَهْدُ والمِيثاقُ أنْ لا نَقْتُلَ منكم أحدًا.

9,965

فقال عاصمٌ: أمَّا أنَا فلا أنْزِلُ في ذِمَّةِ مُشْرِكٍ. فرَمَوْهُم بالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عاصِمًا مع سبعةٍ معه، ونزَل إليهم ثَلاثةٌ على العَهْدِ والمِيثاقِ، منهم خُبَيْبٌ، وزيدُ بنُ الدَّثِنَةِ، فلمّا اسْتَمْكَنُوا منهم أطْلَقُوا أوْتارَ قِسِيِّهم، فرَبَطُوهم بها. مُتَّفَقٌ عليه . فعاصِمٌ أخَذَ بالعَزِيمَةِ، وخُبَيْبٌ وزيدٌ أخَذَا بالرُّخْصَةِ، وكلُّهم مَحْمودٌ غيرُ مَذْمُومٍ ولا مَلُومٍ.

فصل: فإنْ كان العَدُوُّ أكثرَ مِن ضِعْفِ المُسْلِمِين، فغَلَب على ظَنِّ المسلمين الظَّفَرُ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ لِما في ذلك من المَصْلَحَةِ،

9,966

ويجوزُ لهم الانْصرافُ؛ لأنَّهم لا يَأْمَنُون العَطَبَ , والحُكْمُ عُلِّقَ على مَظِنَّتِه، وهو كَوْنُهم أقَلَّ مِن نِصْفِ عَدُوِّهم، ولذلك لَزِمَهم الثَّباتُ إذا كانُوا أكثرَ مِن النِّصْفِ،

9,967

وإن كان غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهم الثَّباتُ إذا غَلَب على ظَنِّهِم الظَّفَرُ؛ لِما فيه مِن المَصْلَحَةِ.

9,968

فإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ، والسَّلامَةُ في الانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الانْصِرافُ،

9,969

وإن ثَبَتُوا جازَ؛ لأنَّ لهم غَرَضًا في الشَّهادةِ، مع جَوازِ الغَلَبَةِ أيضًا.

9,970

وإن غَلَب على ظَنِّهم الهَلاكُ في الإِقامَةِ والانْصِرافِ، فالأوْلَى لهم الثَّباتُ؛ ليَنالُوا دَرَجَةَ الشُّهَداء المُقْبلِين على القِتال مُحْتَسِبين، فيكونوا أفْضَلَ مِن المُوَلِّين، ولأنَّه يجوزُ أن يَغْلِبُوا أيضًا، فقد قال تعالى:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} الآية. ولذلك صَبَر عاصمٌ وأصحابُه، فقاتَلُوا حتى أكرَمَهُم اللَّه بالشَّهادَةِ.

فصل: فإن جاءَ العَدُوُّ بَلَدًا، فلأهْلِه التَّحَصُّنُ منهم،

9,971

وإن كانُوا أكْثَرَ مِن نِصْفِهم؛ ليَلْحَقَهم مَدَدٌ أو قُوَّةٌ، ولا يكُونُ ذلك تَوَلِّيًا ولا فِرارًا، إنَّما التَّوَلِّى بعدَ اللِّقاءِ.

9,972

فإن لَقُوهم خارِجَ الحِصْنِ، فلهُم التَّحَيُّزُ إلى الحِصْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ للقِتالِ، أو التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ.

9,973

وإن غَزَوْا فذَهَبَتْ دَوابُّهم، فليس ذلك عُذْرًا في الْفِرارِ؛ لأنَّ القِتالَ مُمْكِنٌ للرَّجّالَةِ.

9,974

وإن تَحَيَّزُوا إلى جَبَلٍ ليُقاتِلُوا فيه رَجَّالَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه تَحَرُّفٌ للقِتالِ.

9,975

وإن ذَهَب سِلاحُهم، فتَحَيَّزُوا إلى مكانٍ يُمْكِنُهم القِتالُ فيه بالحجارَةِ، والتَّستُّرُ بالشَّجَرِ ونحوهِ، أو لهم في التَّحَيُّزِ إليه

9,976

فائِدَةٌ، جازَ.

فصل: وإنْ فَرُّوا قبلَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، فلا شئَ لهم إذا أحْرَزَها غيرُهم؛ لأنَّ مِلْكَها لمَن أحْرَزَها.

9,977

وإنِ ادَّعَوْا أنَّهم فَرُّوا مُتَحَيزِين إلى فِئَةٍ، أو مُتَحَرِّفين للقتالِ، فلا شئَ لهم أيضًا؛ لذلك.

9,978

وإن فَرُّوا بعدَ إحْرازِ الغَنِيمَةِ، لم يسْقُطْ سهْمُهم منها؛ لأنَّهم مَلكُوا الغَنِيمَةَ بحِيازَتِها، فلم يَزُلْ مِلْكُهم عنها بفِرارِهم.

١٣٩٤ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَلَا يُجَاهِدُ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ) لِآدَمِيٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ.

8,463

وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّيْنِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ يُقْصَدُ مِنْهُ الشَّهَادَةُ، وَبِهَا تَفُوتُ النَّفْسُ فَيَفُوتُ الْحَقُّ بِفَوَاتِهَا،

8,464

وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَجْهٌ: لَا يَسْتَأْذِنُ مَعَ تَأْجِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الطَّلَبُ إِلَّا بَعْدَ حُلُولِهِ.

8,465

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ وَفَاءٌ، فَلَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، وَعَلَيْهِ دُيُونٌ كَثِيرَةٌ فَاسْتُشْهِدَ، وَقَضَى عَنْهُ ابْنُهُ مَعَ عِلْمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ،

8,466

وَفِي مَعْنَاهُ إِقَامَةُ الْكَفِيلِ أَوْ تَوَثُّقُهُ بِرَهْنٍ، لِعَدَمِ ضَيَاعِ حَقِّ الْغَرِيمِ بِتَقْدِيرِ قَتْلِهِ (وَلَا مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُجَاهِدُ؟ فَقَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَكَ أَبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ارْجِعْ فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وَإِلَّا فَبِرُّهُمَا» ، وَلِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ وَالْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ.

8,467

وَظَاهِرُهُ لَا تُشْتَرَطُ حُرِّيَّةُ الْآذِنِ، وَهُوَ وَجْهٌ. وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ،

8,468

وَالْمَذْهَبِ اشْتِرَاطُهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ. قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ لَهُ أُمٌّ: أَتَظُنُّ سُرُورَهَا؛

8,469

فَإِذَا أَذِنَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهَا، وَإِلَّا فَلَا تَغْزُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا كَافِرَيْنِ، أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِإِذْنِهِمَا كَالْمَجْنُونَيْنِ، وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَغَيْرَهُ كَانُوا يُجَاهِدُونَ بِدُونِ إِذْنِ آبَائِهِمْ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ إِلَّا فِي الْعُتْبِيَّةِ.

8,470

وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي الْجِدِّ لِأَبٍ،

8,471

فَلَوْ أَذِنَا لَهُ فِيهِ، وَشَرَطَا عَلَيْهِ عَدَمَ الْقِتَالِ وَحَضَرَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِتَالُ، وَسَقَطَ حُكْمُ الشَّرْطِ (إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) كَرِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، وَيَتَوَجَّهُ لَوِ اسْتَنَابَ مَنْ يَقْضِي دَيْنَهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ. (وَأَبِيهِ) خَصَّ الْأَبَ وَحْدَهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُمَّ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ الْأَبِ، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَهُوَ كَلَامُ الْأَكْثَرِ (إِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ) فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةً، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِلْمَدِينِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِمَظَانِّ الْقَتْلِ مِنَ الْمُبَارَزَةِ وَالْوُقُوفِ فِي أَوَّلِ الْمُقَاتِلَةِ؛

لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِفَوَاتِ الْحَقِّ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " (فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ فَرِيضَةٍ) لِأَنَّ الْجِهَادَ عِبَادَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إِذْنُ أَحَدٍ، كَفُرُوضِ الْأَعْيَانِ.

8,472

وَأَمَّا السَّفَرُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ فَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ، قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ؛ قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا خَاصَّةً يَطْلُبُهُ بِلَا إِذْنٍ،

8,473

وَفِي " الرِّعَايَةِ ": مَنْ لَزِمَهُ التَّعَلُّمُ،

8,474

وَقِيلَ: أَوْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ،

8,475

وَقِيلَ: أَوْ نَفْلًا، وَلَا يَحْصُلُ بِبَلَدِهِ، فَلَهُ السَّفَرُ لِطَلَبِهِ بِلَا إِذْنِ أَبَوَيْهِ.

[لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ]

الإنصافal-Mardawi

ولا يُجاهِدُ مَن عليه دَيْنٌ لا وَفاءَ له، إلا بإذْنِ غَرِيمِه. هذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَعُوا به.

15,407

وقيلَ: يَسْتَأذِنُه فى دَيْنٍ حالٍّ فقط.

15,408

وقيلَ: إنْ كان المَدْيُونُ جُنْدِيًّا موْثُوقًا، لم يَلْزَمْه اسْتِئْذانُه، وغيرُه يَلْزَمُه.

15,409

قلتُ: يأتِى حُكْمُ هذه المسْأَلَةِ فى أوَّلِ كتابِ الحَجْرِ بأتمِّ مِن هذا مُحَرَّرًا. فعلى المذهبِ، لو بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، وَأَبِيهِ، إِلَّا أنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ، فَإِنَّهُ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِى تَرْكِ فَرِيضَةٍ.

أقامَ له ضامِنًا، أو رَهْنًا مُحْرَزًا , أو وَكِيلًا يقْضِيه، جازَ.

تنبيهان؛ أحدُهما، مفْهومُ قوْلِه: لا وَفاءَ له. أنَّه إنْ كان له وَفاءٌ، يُجاهِدُ بغيرِ إذْنِه. وهو صحيحٌ. وصرَّح به الشَّارِحُ وغيرُه. وكلامُه فى «الفُروعِ» كلَفْظِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المُصَنِّفِ. وقيل: لا يُجاهِدُ إلَّا بإذْنِه أيضًا. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وهو ظاهِرُ كلامِه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، وغيرِهم؛ لإطلاقِهم عدَمَ المُجاهدَةِ بغيرِ إذْنِه.

15,410

قلتُ: لعَلَّ مُرادَ مَن أطْلَقَ، ما قالَه المُصَنِّفُ وغيرُه، وتَكونُ المَسْألةُ قوْلًا واحدًا، ولكِن صاحِبَ «الرِّعايَةِ»،

15,411

ومَن تابَعه، حكَى وَجْهَيْن، فقالوا: ويَسْتَأْذِنُ المَدْيُونُ.

15,412

وقيلَ: المُعْسِرُ. الثَّانى، عُمومُ قوْلِه: ومَن أحَدُ أبوَيْه مُسْلِمٌ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إلَّا بإذْنِ أبيه. يَقْتَضِى وُجوبَ استِئْذانِ الأبوَيْن الرَّقِيقَين المُسْلِمَين، أو أحَدِهما كالحُرَّين. وهو أحَدُ الوَجْهَين. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، وصاحبِ «الهِدايَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ. والوَجْهُ الثَّانى، لا يجِبُ استِئْذانُه. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وهو المذهبُ. وجزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «اْلمُنَوِّرِ»، و «النَّظْمِ»، وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الكافِى»، و «البُلْغَةِ»، و «الفُروعِ».

15,413

وقال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَن أحَدُ أبوَيْه مُسْلِمٌ

15,414

-وقيلَ: أو رَقِيقٌ- لم يتَطَوَّعْ بلا إذْنِه، ومع رِقِّهما فيه وَجْهان. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

15,415

فائدة: لا إذْنَ لجَدٍّ ولا لجَدَّةٍ. ذكَرَه الأصحابُ.

15,416

وقال فى «الفُروعِ»: ولا يحْضُرُنى الآنَ عن أحمدَ فيه شئٌ. ويتَوَجَّهُ تخْرِيجٌ واحْتِمالٌ فى الجَدِّ أبى الأبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يعْنِى، أنَّه كالأَبِ فى الاسْتِئْذانِ.

تنبيهان؛ أحدُهما، مفْهومُ قوْلِه: إلَّا أنْ يَتَعَيَّنَ عليه الجِهَادُ، فإنَّه لا طَاعَةَ لهما فى تَرْكِ فَرِيضَةٍ. أنَّه إذا لم يتَعَيَّنْ، أنَّه لا يُجاهِدُ إلَّا بإذْنٍ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ.

15,417

وقال فى «الرَّوْضَةِ»: حُكْمُ فَرْضِ الكِفايَةِ فى عدَمِ الاسْتِئْذانِ حُكمُ المُتَعيِّنِ عليه. الثَّانى، أفادَنا المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللَّه، بقَوْلِه: فإنَّه لا طاعةَ لهما فى تَرْكِ فرِيضَةٍ. أنَّه يتَعَلَّمُ مِنَ العِلْمِ ما يقومُ به دِينُه مِن غيرِ إذْنٍ؛ لأنَّه فَرِيضَةٌ عليه. قال الإِمامُ أحمدُ: يجِبُ عليه فى نَفْسِه صَلاتُه وصِيامُه ونحوُ ذلك. وهذا خاصَّةً يَطْلُبُه بلا إذْنٍ. ونقَل ابنُ هانِئٍ، فى مَن لا يَأْذَنُ له أبواه، يطْلُبُ منه بقَدْرِ ما يحْتاجُ إليه، العِلمُ لا يَعْدِلُه شئٌ.

15,418

وقال فى «الرِّعايَةِ»: مَن لَزِمَه التعَلُّمُ

15,419

-وقيلَ: أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كان فَرْضَ كِفايَةٍ. وقيل: أو نفْلًا- ولا يحْصُلُ ذلك ببَلَدِه، فله السَّفَرُ لطَلَبِه، بلا إذْنِ أبوَيْه. انتهى. وتقدَّم فى أوَاخِرِ صِفَةِ الصَّلاةِ، هل يُجِيبُ أبوَيْه وهو فى الصَّلاةِ؟

15,420

وكذلك لو دَعاه النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ الْفِرَارُ مِنْ ضِعْفِهِمْ، إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ، أوْ مْتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ،

15,421

وَإنْ زَادَ الكُفَّارُ، فَلَهُمُ الْفِرَارُ، إِلَّا أنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الظَّفَرُ.

15,422

فائدة: قوله: ولا يَحِلُّ للمُسْلِمِين الفِرارُ مِن ضِعْفِهم، إلَّا مُتَحَرِّفِين لقِتَالٍ، أو مُتَحَيِّزِين إلى فِئةٍ. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَعُوا به.

15,423

وقال فى «المُنْتَخَبِ»: لا يَلْزَمُ ثبَاتُ واحدٍ لاثْنَيْن على الانْفِرادِ.

15,424

وقال . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فى «عُيُونِ المسَائلِ»، و «النَّصِيحَةِ»، و «النِّهايَةِ»، و «الطَرِّيقِ الأقْرَبِ»، و «الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم: يَلْزَمُه الثَّباتُ. وهو ظاهِرُ كلامِ مَن أطْلَقَ. ونقَلَه الأَثْرَمُ، وأبو طالِب.

15,425

وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: لا يخْلُو؛

15,426

إمَّا أنْ يكونَ قِتالَ دَفْعٍ أو طَلَبٍ، فالأَوَّلُ، بأنْ يكونَ العَدُوُّ كثيرًا لا يُطِيقُهم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المُسْلِمون، ويَخافُون أنَّهم إنِ انْصَرفُوا عنهم عَطَفُوا على مَن تَخَلَّفَ مِنَ المُسْلِمِين، فهُنا صرَّح الأصحابُ بوُجُوبِ بَذْلِ مُهَجِهم فى الدَّفْعِ حتى يَسْلَمُوا.

15,427

ومِثْلُه، لو هجَم عَدُوٌّ على بِلادِ المُسْلِمِين، والمُقاتِلَةُ أقَلُّ مِنَ النِّصْفِ، لكنْ إنِ انْصَرفُوا اسْتَوْلَوْا على الحَرِيمِ. والثَّانى، لا يَخْلُو؛

15,428

إمَّا أنْ يكونَ بعدَ المُصَافَّةِ أو قبلَها، فقَبْلَها وبعدَها حينَ الشُّروعِ فى القِتالِ، لا يجوزُ الإِدْبارُ مُطلقًا، إلا لتَحَرُّفٍ أو تحَيُّزٍ. انتهى. يعْنى،

15,429

ولو ظَنُّوا التَّلَفَ. [إذا عَلِمْتَ ذلك]، فقال الأصحابُ: مَعْنَى التَّحَرُّفِ، أنْ يَنْحازَ إلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

مَوْضِعٍ يكونُ القِتالُ فيه أمْكَنَ، مثْلَ أنْ ينْحازَ مِن مُقابلَةِ الشَّمْسِ أو الرِّيحِ،

15,430

ومِن نُزولٍ إلى عُلُوٍّ، ومِن مَعْطَشَةٍ إلى ماء، أو يَفِرَّ بينَ أَيْدِيهم ليَنْقُضَ صُفُوفَهم، أو تَنْفَرِدَ خَيْلُهم مِن رجَّالَتِهِم ، أو ليَجِدَ فيهم فُرْصَة، أو يَسْتَنِدَ إلى جبَلٍ، ونحوُ ذلكْ مما جرَت به عادَةَ أهْلِ الحَرْبِ. وقالُوا فى التَّحَيُّزِ إلى فِئَةٍ: سواءٌ كانتْ قرِيبَةً أو بعِيدَةً.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

قال: (ولا يجاهِد من عليه دينٌ لا وفاءَ له، ومن أحد أبويه مسلم: إلا بإذن غريمه وأبيه، إلا أن يَتعين عليه الجهادُ فإنه لا طاعةَ لهما في ترك فريضةٍ) .

5,065

أما كونُ من عليه دين لا وفاء له لا يجاهد إذا لم يأذن له غريمه في الجهاد مع عدم تعيّنِ ذلك عليه؛ فلأن الجهاد يُقصد منه الشهادة وبها تفوت النفس فيفوت الحق لفواتها.

5,066

وفي تقييد المصنف رحمه الله الدين بأنه لا وفاء له إشعار بأنه إن كان له وفاءٌ فله أن يجاهد بغير إذنٍ وهو صحيح. نص عليه أحمد رحمه الله؛ «لأن عبدالله بن حزام أبا جابر خرج إلى أُحُدٍ وعليه دين كثير. فاستشهد وقضاه عنه ابنه بعلم النبي صلى الله عليه وسلم» ولم ينكر ذلك.

5,067

وفي معنى الوفاء إقامة الكفيل المليء لأن الدَّين الذي له وفاء إنما لم يمنع من الجهاد لعدم ضياع حق الغريم بتقدير قتله في الجهاد وذلك حاصل في الكفيل المليء.

5,068

وأما كون من أحد أبويه مسلم لا يجاهد إذا لم يأذن له أبوه مع عدم تعيّن الجهاد عليه «فلأن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له: هل لك باليمن أحد؟ قال: نعم. أبوان. قال: ارجع فاستأذنهما: فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» رواه أبو داود.

وروى عبدالله بن عمرو بن العاص قال:«جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أجاهد. فقال لك أبوان؟ فقال: نعم. قال: ففيهما فجاهد».

وروى الترمذي عن ابن عباس مثله،

5,069

وقال هذا حديث حسن صحيح.

ولأن بر الوالدين فرض عين والجهاد فرض كفاية وفرض العين مقدم.

ولا فرق فيما ذُكر بين الأب والأم.

5,070

ولذلك قال المصنف رحمه الله: ومَن أحد أبويه مسلم.

5,071

وفي قول المصنف رحمه الله: مسلم

5,072

تنبيه على أنه لا يعتبر إذن الكافر منهما. وصرح به في المغني؛ لأن كثيراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهدون وآباؤهم مشركون لا يستأذنونهم منهم: أبو بكر الصديق، وأبو عبيدة.

5,073

وأما كون من ذكر يجاهد بغير إذن من ذكر إذا تعين الجهاد عليه فلأنه يصير حينئذ فرض عين وتركه معصية. ولذلك قال المصنف: فإنه لا طاعة لهما في ترك فريضة.

ولأن الجهاد حينئذ عبادة متعينة فلم يعتبر إذن أحد فيها كالصلاة.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.