وَلَا تَغْرِيقُهُ وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ إِلَّا لِأَكْلٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَفِي إِحْرَاقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ
Its commentaries
مسألة: (ولَا يَجُوزُ إحْرَاقُ نَحْلٍ، ولَا تَغْرِيقُه) هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ.
وقِيلَ لمالِكٍ: أنُحَرِّقُ بُيوتَ نَحْلِهم؟
فقال: أمَّا النَّحْلُ فلا أدْرِى ما هو. ومُقْتَضَى مَذْهَبِ أبى حنيفةَ إباحَتُه؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم وإضْعافًا، فأشْبَهَ قَتْلَ بهائِمِهم حالَ قِتالِهم. ولَنا، ما رُوِى عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال ليزيدَ بنِ أبى سفيانَ، حينَ بعَثَه أمِيرًا على القِتالِ بالشامِ: ولا تُحَرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَّه. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قَدِمَ عليه ابنُ أخيه مِن غَزاةٍ غَزاها، فقال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ حَرْثًا؟ قال: نعم.
قال: لَعَلَّكَ حَرَّقْتَ نَحْلًا؟ قال: نعم. قال: لَعَلَّك قَتَلْتَ صَبِيًّا؟ قال: نعم. قال: لِيَكُنْ غَزْوُك كِفافًا. أخْرَجَهُما سعيدٌ . ونحوُ ذلك عن ثَوْبانَ . ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ النَّحْلَةِ . ولأنَّه إفْسادٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. ولأنَّه حيوانٌ ذو رُوحٍ، فلم يَجُزْ قَتْلُه لِيَغِيظَهم، كنِسائِهم وصِبْيانِهم.
فأمَّا أخْذُ العَسَلِ وأكلُه فمُباحٌ، لأنَّه مِن الطَّعامِ المُباحِ. وهل يجوزُ أخْذُ الشَّهْدِ كلِّه؟ فيه رِوايتان، إحْدَاهما، لا يجوزُ، لأن فيه هَلاكَ النَّحْلِ. والثانيةُ، يجوزُ، لأنَّ هَلاكَه إنَّما يَحْصُلُ ضِمنًا غيرَ مَقْصودٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ في البَياتِ.
١٣٩٦ - مسألة: (ولا) يَجُوزُ (عَقْرُ دابَّةٍ ولا) ذَبْحُ (شاةٍ، إلَّا لأكْلٍ يُحْتاجُ إليه)
أمَّا عَقْرُ دَوابِّهم في غيرِ حالِ الحربِ؛ لمُغايَظَتِهم، والإِفْسادِ عليهم، فلا يجوزُ، سَواءٌ خِفْنا أخْذَهم لها أو لم نَخَف. وبهذا قال اللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يجوزُ؛ لأنَّ فيه غَيْظًا لهم، وإضْعافًا لقُوَّتِهم، فأشْبَهَ قَتْلَها حالَ قِتالِهم. ولَنا، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه،
قال في وَصِيَّته ليزيِدَ، حينَ بعَثَه أميرًا: يا يزيدُ، لا تَقْتُلْ صَبِيًّا ولا امرأةً، ولا هَرِمًا، ولا تُخَرِّبَنَّ عامِرًا، ولا تَعْقِرَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، ولا دَابَّةً عَجْماءَ، ولا شاةً، إلَّا لمأكَلَةٍ، ولا تُحرِّقَنَّ نَحْلًا، ولا تُغَرِّقَنَه، ولا تَغْلُل، ولا تَجْبُنْ. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن قَتْلِ شئٍ مِن الدَّوابِّ صَبْرًا . ولأنَّه حيوانٌ ذو حُرْمَةٍ، فأشْبَهَ قَتْلَ النِّساءِ والصِّبْيانِ.
فأمَّا حالُ الحَرْبِ، فيجوزُ فيها قَتْلُ المُشرِكِين كيف أمْكَنَ،
بخِلافِ حالِهم إذا قُدِرَ عليهم، ولهذا جازَ قَتْلُ النِّساءِ والصِّبْيانِ في البَياتِ، وفى المَطْمُورَةِ ، إذا لم يتَعَمَّدْ قَتْلهم مُنْفرِدِين،
بخِلافِ حالَةِ القُدْرَةِ عليهم، وقتلُ بهائِمِهم حالَ القِتالِ يتوَصَّلُ به إلى قَتْلِهم وهَزِيمَتِهم. وقد رُوِى أنَّ حَنْظَلَةَ بنَ الرّاهِبِ، عَقَر فَرَسَ أبى سفيانَ به يومَ أُحُدٍ، فرمَتْ به، فخَلَّصَه ابنُ شَعُوب . وليس في هذا خِلافٌ.
فصل: فأمَّا عَقْرُها للأَكْلِ، فإن كانتِ الحاجَةُ داعِيَةً إليه، ولا بُدَّ منه، فمباحٌ؛ لأنَّ الحاجَةَ تُبِيحُ مالَ المَعْصُومِ، فمالُ الكُفَّارِ أوْلَى.
وإن لم تكُنِ الحاجَةُ داعِيَةً، وكان الحيوانُ لا يُرادُ إلَّا للأكلِ، كالدَّجاجِ والحَمامِ وسائِرِ الطَّيْرِ والصُّيُودِ، فحكمُه حُكْمُ الطَّعامِ، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّه لا يُرادُ لغيرِ الأَكْلِ، وتَقِلُّ قِيمَتُه، فأشْبَهَ الطَّعامَ.
وإن كان ممّا يُحْتاجُ إليه في القِتالِ، كالخيلِ، لم يَجُزْ ذَبْحُه للأَكْلِ، في قولِهم جميعًا.
وإن كان غيرَ ذلك، كالبَقَرِ والغَنَمِ، لم يُبَحْ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ إباحَتُه؛ لأنَّ هذا الحيوانَ في بابِ الأكْلِ مثلُ الطَّعامِ، فكانَ مِثْلَه في إباحَتِه، كالطَّيْرِ.
وإذا ذَبَح الحيوانَ، أكَل لَحْمَه، وليس له الانْتِفاعُ بجِلْدِه؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له ما يأكُلُه دُونَ غيرِه. قال عبدُ الرحمن بنُ مُعاذٍ: كُلوا لحمَ الشاةِ، ورُدُّوا إهابَها إلى المَغْنَمِ. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى سعيدٌ ، عن أبى الأحْوَصِ، عن سِماكِ بنِ حَرْب، عن ثَعْلَبَةَ بنِ الحَكَم، قال: أصَبْنَا غَنَمًا للعَدُوِّ، فانْتَهَبْناها، فنَصَبْنا قُدُورَنا، فمرَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقُدُورِ وهى تَغْلِى، فَأمَرَ بها فأُكْفِئَتْ، ثم قال لهم:«إِنَّ النُّهْبَةَ لَا تَحِلُّ».
ولأنَّ هذه الحيواناتِ تَكْثُرُ قِيمَتُها، وتَشِحُّ بها أنْفُسُ الغانِمين، ويُمْكِنُ حَمْلُها إلى دارِ الإِسْلامِ،
بخِلافِ الطَّيْرِ والطَّعامِ، لكنْ إن أذِنَ الأمِيرُ فيها، جازَ؛ لِما روَى عَطِيَّةُ ابنُ قَيْسٍ، قال: كُنَّا إذا خَرَجْنا في سَرِيَّةٍ فأصَبْنا غَنَمًا، نادَى مُنادِى الإِمامِ: ألَا مَن أرادَ أن يَتناوَلَ شَيْئًا مِن هذه الغَنَمِ فلْيَتَناولْ، إنَّا لا نَسْتَطِيعُ سِياقَتَها. رَواه سعيدٌ .
وكذلك قَسْمُها؛ لِما روَى مُعاذٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: غَزَوْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيْبَرَ، فأصَبْنا غَنَمًا، فقسَم بيْنَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- طائِفَةً، وجَعَل بَقِيَتّهَا في المَغْنَمِ. رَواه أبو داودَ . وروَى سعيدٌ ، بإسْنادِه، أنَّ رَجُلًا نَحَر جَزُورًا بأرْضِ الرُّومِ، فلمّا بَرَدَت، قال: أَيُّها الناسُ، خُذُوا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ، فقد أذِنَّا لكُم. فقال مكحولٌ: يا غَسَّانِىُّ، ألا تَأْتِينا مِن لَحْمِ هذا الجَزُورِ؟ فقال: يا أبا عبدِ اللَّهِ ألا تَرَى ما عليها مِن النُّهْبَى؟
قال مَكْحُولٌ: لا نُهْبَى في المَأْذُونِ فيه. قال شيخُنا : ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ جميعِ البهائِمِ في هذه المسألَةِ، ويَقْوَى عندِى أنَّ ما عَجَزَ المسلمون عن سياقَتِه وأخذِه، إن كان ممَّا يسْتَعِينُ به الكُفَّارُ، كالخَيْلِ، جازَ عَقْرُه وإتْلافُه؛ لأنَّه ممّا يَحْرُمُ إيصالُه إلى الكُفَّارِ بالبَيْعِ، فتَرْكُه لهم بغيرِ عِوَضٍ أوْلَى بالتَّحْرِيمِ،
وإن كان ممَّا يَصْلُحُ للأَكْلِ، فللمسلمين ذَبْحُه، والأَكْلُ منه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها، وما عدا هذَيْن القِسْمَيْن، لا يَجُوزُ إتْلافُه؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إفْسادٍ وإتْلافٍ، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذَبْحِ الحيوانِ لغيرِ مَأْكَلَةٍ . ١٣٩٧ - مسألة: (وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ. وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا، وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ) وحملةُ ذلك، أنَّ الزَّرْعَ والشَّجَرَ ينْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛
أحَدُها، ما تدْعُو الحاجَةُ إلى إتْلافِه، كالذى يَقْرُبُ مِن حُصُونِهم، ويَمْنَعُ مِن قِتالِهم، أو يَسْتَتِرُون به مِن المسلمين، أو يُحْتاجُ إلى قَطْعِه؛ لتَوْسِعَةِ الطَّرِيقِ، أو تَمَكُّن مِن قِتالٍ، أو سَدِّ شئٍ، أو إصْلاحِ طَرِيقٍ، أو سِتارَةِ مَنْجَنِيقٍ، أو غيرِه، أو لا يُقْدَرُ عليهم إلَّا به، أو يَكُونُون يفْعلُون ذلك بنا، فيُفْعَلُ ذلك بهم؛ ليَنْتَهُوا، فهذا يجوزُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. الثانى، ما يتَضَرَّرُ المسلمون بقَطْعِه؛ لكَوْنِهم يَنْتَفِعُونَ ببَقائِه لعَلُوفَتِهم، أو يَسْتَظِلُّون به، أو يَأْكُلُون مِن ثَمَرِه، أو تَكُونُ العادَةُ لم تَجْرِ بذلك بَيْنَنا وبينَ عَدُوِّنا،
فإذا فعَلْناه بهم فَعَلُوه بنا، فهذا يَحْرُمُ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمسلمين. الثالثُ، ما عَدا هذَيْن القِسْمَيْن، ممّا لا ضَرَرَ فيه بالمسلمين، ولا نَفْعٌ سِوَى غَيْظِ الكُفّارِ، والإِضْرارِ بهم، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، لا يجوزُ؛ لحديثِ أبى بكرٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ووَصِيَّتِه ، وقد رُوِى نحوُ ذلك مَرْفُوعًا إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّ فيه إتْلافًا مَحْضًا، فلم يَجُزْ، كعَقْرِ الحيوانِ. وبه قال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ، يجوزُ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال إسْحاقُ: التَّحْرِيقُ سُنَّةٌ، إذا كان أنْكَى في العَدُوِّ، ولقولِ اللَّهِ تعالى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ}. وروَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَرَّقَ نَخْلَ بَنِى النَّضِيرِ، وقَطَعَ، وهى البُوَيْرَةُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعالَى:{مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ}.
ولها يقولُ حَسّان :
وَهانَ على سَراةِ بَنِى لُؤَىٍّ ... حَرِيق بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ مُتَّفَقٌ عليه . وعن الزُّهْرِىِّ، قال: فحدَّثَنى عُرْوَةُ، قال: فحَدَّثَنِى أُسامَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان عَهِدَ إليه، فقال: «أغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا، وحَرِّقْ». رَواه أبو داودَ . قيل لأبِى مُسْهِرٍ: أُبْنَى ؟ قال: نحن أعْلمُ، هى يُبْنا فِلَسْطِين.
والصَّحيحُ أنَّها أُبْنَى كما جاءَتِ الرِّوايةُ، وهى قريبةٌ مِن أرْضِ الكَرْكِ، في أطْرافِ الشامِ، في النَّاحِيَةِ التى قُتِلَ فيها أَبُوه،
فأمَّا يُبْنا فهى مِن أرضِ فِلَسْطِين، وَلم يَكُنْ اُسامَةُ ليَصِلَ إليها، ولا أمَرَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإِغارَةِ عليها؛ لبُعْدِها، والخَطَرِ بالمصيرِ إليها، لتَوَسُّطها في البلادِ، وبُعْدِها مِن أطْرافِ الشامِ، فما كان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليَأْمُرَه بالتَّغْرِيرِ بالمسلمين، فكيف يُحْمَلُ الخبرُ عليها، مع مُخالَفَةِ لَفْظِ الرِّوايَةِ، وفَسادِ المَعْنَى!
فصل: ومتى قُدِرَ على العَدُوِّ، لم يَجُزْ تَحْرِيقُه بالنَّارِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. وقد كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يَأْمُرُ بتحْرِيقِ أهلِ الرِّدَّةِ بالنّارِ . وفَعَلَه خالدُ بنُ الوليدِ بأمْرِه.
فأمَّا اليومَ فلا نعلمُ فيه خِلافًا بينَ النّاسِ. وقد روَى حَمْزَةُ الأَسْلَمِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّرَه على سَرِيَّةٍ، قال: فَخَرَجْتُ فيها، فقال:«إنْ أخَذْتُمْ فُلَانًا، فأحْرِقُوه بِالنَّارِ». فوَلَّيْتُ، فنادانِى، فرَجَعْتُ، فقاك:«إِنْ أَخَذْتُمْ فُلَانًا، فَاقْتُلُوهُ، ولَا تُحْرِقُوهُ؛ فَإنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ». رَواه أبو داودَ، وسعيدٌ . وروَى البخارىُّ ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نحوَ حديثِ حمزةَ.
فأمَّا رَمْيُهم بالنَّارِ قبلَ أخْذِهم،
فإن أمْكَنَ أخْذُهم بدُونِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم في مَعْنى المَقْدورِ عليه،
وأمَّا عندَ العَجْزِ عنهم بغيرِها، فجائِزٌ في قولِ أَكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ. وقد روَى سعيدٌ بإسْنادِه، عن صَفْوانَ بن عمرٍو، وجَرِيرِ بنِ عُثمانَ، أنَّ جُنادَةَ بنَ أبى أُمَيَّةَ الأزْدِىَّ، وعبدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ الفَزَارِىَّ، وغيرَهما مِن وُلاةِ البَحْرِ،
ومَن بعدَهم، كانُوا يَرْمُون العَدُوَّ مِن الرُّومِ وغيرِهم بالنَّارِ، ويُحَرِّقونَهم، هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء. قال عبدُ اللَّهِ بنُ قَيْسٍ: ولم يَزَلْ أمْرُ المسلمين على ذلك.
وكذلك الحُكْمُ في فَتْحِ البُثُوقِ عليهم؛ لغَرَقِهم.
وإِن قُدِرَ عليهم بغيرِه، لم يَجُزْ، إذا تَضَمَّنَ ذلك إتْلافَ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، الذين يَحْرُمُ إتْلافُهم قَصْدًا،
وإن لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا به، جازَ كما يجوزُ البَياتُ المُتَضَمِّنُ لذلك.
فصل: قال الأوْزَاعِىُّ: إذا كان العَدُوُّ في المَطْمُورَةِ، فعَلِمْتَ أنَّكَ تَقْدِرُ عليهم بغيرِ النّارِ، فأحَبُّ إلىَّ، أن يَكُفَّ عن النّارِ،
وإن لم يُمْكِنْ ذلك، وأَبَوْا أن يَخْرُجُوا، فلا أرَى بَأْسًا،
وإن كان معهم ذُرِّيَّةٌ، قد كان المسلمون يُقاتِلُون بها. ونحوَ ذلك قال سفيانُ، وهشامٌ: ويُدَخَّنُ عليهم. قال أحمدُ: أهلُ الشامِ أعْلَمُ بهذا. ١٣٩٨ -
(وَلَا تَغْرِيقُهُ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْصَى أَبَا هُرَيْرَةَ بِأَشْيَاءَ. قَالَ:«إِذَا غَزَوْتَ فَلَا تُحْرِقْ نَحْلًا، وَلَا تُغْرِقْهُ» ، وَرَوَى مَالِكٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَحْوَهُ، وَلِأَنَّ قَتْلَهُ فَسَادٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى:{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ} الْآيَةَ وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ ذُو رُوحٍ فَلَا يَجُوزُ إِهْلَاكُهُ لِغَيْظِهِمْ كَنِسَائِهِمْ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعَسَلِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ،
وَفِي أَخْذِ كُلِّ شَهْدِهِ بِحَيْثُ لَا يُتْرَكُ لِلنَّحْلِ شَيْءٌ رِوَايَتَانِ (وَلَا عَقْرُ دَابَّةٍ وَلَا شَاةٍ إِلَّا لِأَكْلٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ)
أَمَّا عَقْرُ دَوَابِّهِمْ لِغَيْرِ الْأَكْلِ، فَلَا يَخْلُو
إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْحَرْبِ أَوْ فِي غَيْرِهَا،
فَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَّلِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ، إِذْ قَتْلُ بَهَائِمِهِمْ مِمَّا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى قَتْلِهِمْ وَهَزِيمَتِهِمْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ،
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، لَمْ يَجُزْ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ صَبْرًا. وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " جَوَازَ ذَلِكَ. مِمَّا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْقِتَالِ كَالْخَيْلِ، وَذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " بِشَرْطِ عَجْزِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ سِيَاقِهِ وَأَخْذِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ إِيصَالُهُ إِلَى الْكُفَّارِ لِلْبَيْعِ، فَتَرْكُهُ لَهُمْ بِلَا عِوَضٍ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَعَكْسُهُ أَشْهَرُ.
وَفِي " الْبُلْغَةِ " يَجُوزُ قَتْلُ مَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ،
وَأَمَّا عَقْرُهَا لِلْأَكْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، فَيُبَاحُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تُبِيحُ مَالَ الْمَعْصُومِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى،
وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةً إِلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ لَا يُرَادُ إِلَّا لِلْأَكْلِ كَالدَّجَاجِ وَسَائِرِ الطَّيْرِ؛ فَحُكْمُهُ كَالطَّعَامِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَالِ، كَالْخَيْلِ، لَمْ يُبَحْ ذَبْحُهُ لِلْأَكْلِ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَخْتَارُ عَقْرَهَا لِغَيْرِ الْأَكْلِ بِشَرْطِهِ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لَمْ يُبَحْ فِي قَوْلِ الْجَمَاعَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَالطَّعَامِ، وَاسْتَثْنَى فِي الْمُغْنِي مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: إِذَا أَذِنَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ ".
فَرْعٌ: إِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُ مَتَاعٍ فَتُرِكَ، وَلَمْ يُشْتَرَ، فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِحْرَاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِمَا. وَإِلَّا حَرُمَ إِذَا جَازَ اغْتِنَامُهُ حَرُمَ إِتْلَافُهُ، وَإِلَّا جَازَ إِتْلَافُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ،
وَإِذَا قَالَ الْأَمِيرُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ نَقْلِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، أَخَذَهُ،
وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقُلْ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ،
وَيَجِبُ إِتْلَافُ كُتُبِهِمُ الْمُبَدَّلَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْبُلْغَةِ ". (وَفِي إِحْرَاقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ) . قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " قال الزركشي وَهُوَ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا} الْآيَةَ
وَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَرَقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وَقَطَعَ،
وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْآيَةَ» ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَزَادَ: وَلَا نَفَعَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا يَتَضَرَّرُ الْمُسْلِمُونَ بِقَطْعِهِ لِكَوْنِهِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِبَقَائِهِ لِعُلُوفِهِمْ أَوْ يَسْتَظِلُّونَ بِهِ أَوْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثَمَرِهِ، لَمْ يَجُزْ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا
ولا عَقْرُ دَابَّةٍ ولا شَاةٍ، إلَّا لأَكْلٍ يُحْتَاجُ إليه. يعْنِى، لا يجوزُ فِعْلُه إلَّا لذلك. وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ». وجزَم به فى «المُحَرَّرِ» وغيرِه. وهو ظاهِرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلامِ الخرَقِىِّ. وعنه، يجوزُ الأكْلُ مع الحاجَةِ وعدَمِها فى غيرِ دَوابِّ قِتالِهم، كالبَقَرِ والغنَمِ. وجزَم به بعضُهم. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وذكَرَا ذلك إجْماعًا فى دَجاجٍ وَطيْرٍ. واخْتارا أيضًا جَوازَ قَتْلِ دَوابِّ قِتالِهم إنْ عجَز المُسْلِمون عن سَوْقِها، ولا يَدَعُها لهم. وذكرَه فى «المُسْتَوْعِبِ». وجزَم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
به فى «الوَجيزِ». قال فى «الفُروعِ»: وعكْسُه أشْهَرُ.
قلت: وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ. وقدَّمه الزَّرْكَشِىُّ.
وقال فى «البُلْغةِ»: يجوزُ قتْلُ ما قاتَلُوا عليه فى تلك الحالِ. وجزَم به المُصَنِّفُ، والشَّارِح، وقالا: لأنَّه يُتَوَصَّلُ به إلى قَتْلِهم وهَزِيمَتِهم. وقالا: ليس فى هذا خِلافٌ. وهو كما قالا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، لو حُزْنا دَوابَّهم إلينا، لم يَجُزْ قَتْلُها إلَّا للأَكْلِ.
ولو تَعذَّرَ حَمْلُ مَتاعٍ، فتُرِكَ ولم يُشْتَرَ، فلِلْأَميرِ أخْذُه لنَفْسِه وإحْراقُه. نصَّ عليهما، وإلَّا حَرُمَ؛ إذْ ما جازَ اغْتِنامُه، حَرُمَ إتْلافُه، وإلَّا جازَ إتْلافُ غيرِ الحَيوانِ. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«البُلْغَةِ»: ولو غَنِمْناه، ثم عجَزْنا عن نَقْلِه إلى دارِنا، فقال الأمِيرُ: مَن أخَذ شيئًا، فهو له.
فمَن أخَذ منه شيئًا، فهو له،
وكذا إنْ لم يقُلْ ذلك فى أكثرِ الرِّواياتِ.
وعنه، غَنِيمَة. الثَّانيةُ، يجوزُ إتْلافُ كُتُبِهم المُبْدَلَةِ. جزَم به فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال فى «البُلْغةِ»: يجِبُ إتْلافُها. واقْتَصرَ عليه فى «الفُروعِ».
قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: وقيل: يجِبُ إتْلافُ كُفْر أو تَبْديلٍ. وَفِى حَرْقِ شَجَرِهِمْ وَزَرْعِهِمْ وَقَطْعِهِ رِوَايَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا، يَجُوزُ، إِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمُسْلِمِينَ. وَالأُخْرَى، لَا يَجُوزُ، إِلَّا أنْ لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِهِ، أوْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَه بِنَا،
وَكَذَلِكَ رَمْيُهُمْ بِالنَّارِ، وَفَتْحُ الْمَاءِ لِيُغْرِقَهُمْ. وفى جَوَاز حَرْقِ شَجَرِهم وزَرْعِهم وقَطْعِه روايَتان. وأطْلَقهما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ». اعْلمْ أنَّ الزَّرْعَ والشَّجَرَ ينْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، ما تدْعُو الحاجَةُ إلى إتْلافِه لغرَضٍ ما، فهذا يجوزُ قَطْعُه وحَرْقُه. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: بغيرِ خِلافٍ نعْلَمُه. الثَّانى، ما يتَضَرَّرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
المُسْلِمون بقَطْعِه، فهذا يَحْرُمُ قَطْعُه وحَرْقُه. الثَّالثُ، ما عدَاهُما، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يجوزُ. وهو المذهبُ. جزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الخِرَقِىِّ». وصحَّحه فى «التَّصْحيحِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». واخْتارَه أبو الخَطَّابِ وغيرُه. والأُخْرى، لا يجوزُ، إلَّا أنْ لا يُقْدَرَ عليهم إلَّا به، أو يكونُوا يفْعَلُونه بنا. قال فى «الفُروعِ»: . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . .
نقلَه واخْتارَه الأَكْثرُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو أظْهَرُ. وقدَّمه ناظمُ «المُفْرَداتِ»،
وقال: هذا هو المُفْتَى به فى الأشْهَرِ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
وقال فى «الوَسِيلَةِ»: لا يحْرِقُ شيئًا ولا بهِيمَةً، إلَّا أنْ يفْعَلُوه بنا. قال الإِمامُ أحمدُ: لأَنَّهم يُكافَئُون على . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِعْلِهم.
قوله.: وكذلك رَمْيُهم بالنَّارِ، وفَتْحُ المَاءِ ليُغْرِقَهم.
وكذا هَدْمُ عامِرِهم. يعْنِى، أنَّ رَمْيَهم بالنَّارِ، وفَتْحَ الماءِ ليُغْرِقَهم، كحَرْقِ شَجَرِهم وزَرْعِهم وقَطْعِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خِلافًا ومذهَبًا. وهو إحْدَى الطريقَتَيْن. جزَم به الخِرَقِىُّ، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و [«الهِدَايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُقْنِعِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم] . والطَّريقَةُ الثَّانيةُ، الجوازُ مُطْلَقًا. وجزَم فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ» بالجوازِ إذا عجَزُوا عن أخْذِه بغيرِ ذلك، وإِلَّا لم يَجُزْ. وأطْلَقهما وَإذَا ظُفِرَ بِهِمْ، لَمْ يُقْتَل صَبِىٌّ، وَلَا امْرَأةٌ، وَلَا رَاهِبٌ، وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَلَا زَمِنٍ، وَلَا أَعْمَى، لَا رَأْىَ لَهُمْ، إِلَّا أنْ يُقَاتِلُوا.
فى «الفُروعِ».
قال: (ولا يجوز إحراقُ نحل، ولا تغريقه، ولا عَقْرُ دابة ولا شاة إلا لأكلٍ يُحتاج إليه. وفي حرق شجرهم وزرعهم وقطعِه روايتان: إحداهما: يجوز إن لم يضر بالمسلمين.
والأخرى: لا يجوز إلا أن لا يُقدر عليهم إلا به، أو يكونوا يفعلونه بنا.
وكذلك رميهم بالنار، وفتح المياه ليغرقهم).
أما كون إحراق النحل وتغريقه وعقر دابة أو شاة لغير أكل يحتاج إليه لا يجوز فـ «لأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال ليزيد وهو يوصيه حين بعثه أميراً: يا يزيد! لا تحرقن نحلاً ولا تغرقه، ولا تَعقرن دابة عجماء ولا شاة إلا لمأكلة» أخرجه سعيد بن منصور.
ولأن في ذلك إتلاف مال الغانمين من غير حاجة.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله الحاجة في الأكل لأن قيمة الحيوان تكثر وتسمح بها أنفس الغانمين.
وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه مثل الطعام. أي يجوز لهم ذبح الحيوان وأكله من غير حاجة كما يجوز لهم أكل الطعام.
وأما كون حرق شجرهم وزرعهم وقطعه يجوز في رواية فلقوله تعالى:{ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين}.
وروى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها ... الآية} [الحشر: ٥] . ولها يقول حسان:
وهانَ على سَراةِ بني لُؤيٍ ... حريقٌ بالبويرةِ مستطيرُ» متفق عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة:«حَرِّق» رواه أبو داود.
وأما كونه لا يجوز في روايةٍ فلأن في حديث أبي بكر المتقدم:«ولا تعقرن شجراً مثمراً».
ولأنه قد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
ولأن فيه إتلافاً محضاً فلم يجز كعقر الحيوان.
واشتراط المصنف رحمه الله في الرواية الأولى أن لا يُضر بالمسلمين؛ لأن الضرر منفي شرعاً بقوله عليه السلام:«لا ضرر ولا إضرار».
واستثنى في الرواية الثانية أمرين: أن لا يُقدر عليهم إلا به،
أو يكونوا يفعلونه بنا: أما إذا لم يُقدر عليهم إلا بذلك فلأنه لو لم يجز لأدى إلى ترك الجهاد،
وأما إذا فعلوا ذلك بنا فلينزجروا عن فعل ذلك.
وأما قول المصنف رحمه الله: وكذلك رميهم بالنار وفتح الماء ليغرقهم فمعناه أن في ذلك روايتين كحرق الشجر والزرع وقطعهما: إحداهما: يجوز لأن القصد نكايتهم وإقامة كلمة الحق فإذا كان وسيلة إليه جاز كالقتل.
والثانية: لا يجوز: أما النار فلأنها لا يعذب بها إلا الله،
وأما الماء فلأن الإتلاف به يعم. مع أن عنه مندوحة. فعلى هذا لو لم يقدر عليهم إلا به أو فعلوه بنا جاز لما مر في حرق الشجر.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.