Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 2771المقنعHanbalivol. 4, p. 409vol. 4, p. 409

الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ إِلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (الثّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بما يَحْصُلُ به مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ) قِياسًا عليه. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا. وقد رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«مَنِ اسْتَأجَرَ أجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أجْرَهُ». ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بالرُّؤيَةِ أو بالصِّفَةِ، كالبَيعِ.

16,974

فإن كان العِوَضُ مَعْلُومًا بالمُشاهَدَةِ دُونَ القَدْرِ، كالصُّبْرَةِ، جاز في أحَدِ الوَجْهَين، كالثَّمَنِ في البَيعِ.

16,975

والثاني، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه قد يَنْفَسِخُ العَقْدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبْرَةِ، فلا يَدْرِي بكم يَرْجِعُ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه، كعِوَضِ السَّلَمِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّ المَنْفَعَةَ هاهُنا أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ؛ لأنها مُتَعلِّقةٌ بعَينٍ حاضِرَةٍ، والسَّلَمُ يتَعَلَّقُ بمَعْدُومٍ، فافْتَرَقا. وللشافعيِّ نَحْوُ ما ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.

فصل: وكُلُّ ما جاز أن يكونَ ثَمَنًا في البَيعِ، جاز عِوَضًا في الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، أشْبَهَ البَيعَ. ٢١٤٨ - مسألة: (إلَّا أنَّه يجوزُ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بطَعَامِه وكُسْوَتِه، وكذلك الظِّئْرُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَهُ اللهُ، في مَن اسْتَأجَرَ أجيرًا بطَعامِه وكُسْوَتِه، أو جَعَل له أجْرًا وشَرَط طَعامَه وكُسْوَتَه، فرُوىَ عنه جوازُ ذلك. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وإسحاقَ. ورُوِيَ عن أبي بكر، وعُمَرَ، [وأبي موسى]، رَضِيَ الله عنهم، أنَّهم اسْتَأجَرُوا الأجَراءَ بطَعامِهم وكُسْوَتِهم.

ورُوِيَ عنه، أنَّ ذلك جائِزٌ في الظِّئْرِ دُونَ غيرِها. اخْتارَه القاضي. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، وإنَّما جازَ في الظِّئْرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. أوْجَبَ لَهُنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ على الرَّضاعِ، ولم يُفَرِّقْ بينَ المُطَلَّقَةِ وغيرِها، بل في الآيَةِ قَرينةٌ تَدُلُّ على طَلاقِها؛ لأنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُها وكُسْوَتُها بالزَّوْجِيَّةِ وإن لم تُرْضِعْ، ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ}. والوارِثُ ليس بزوجٍ. ولأنَّ المَنْفَعَةَ في الرَّضاعِ والحَضانَةِ غيرُ مَعْلُومةٍ، فجاز أن يكونَ عِوَضُها كذلك.

ورُوِيَ عنه رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ ذلك لا يَجُوزُ بحالٍ، في الظِّئْرِ ولا في غيرِها. وبه قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كثيرًا مُتَبايِنًا، فيَكُون مَجْهُولًا، والأجْرُ مِن شَرْطِه أن يَكُونَ مَعْلُومًا. ولَنا، ما روَى ابنُ ماجه عن عُتْبَةَ بنِ النُّدَّرِ، قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَرأ:{طسم} حتى إذا بَلَغ قِصَّةَ موسى عليه السَّلامُ قال.: «إنَّ موسَى أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ سِنِينَ أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وطَعَامِ بَطْنِه».

وشَرْعُ مَن قبلَنا شَرْعٌ لَنا ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه. وعن أبي هُرَيرَةَ أنَّه قال: كُنْتُ أجِيرًا لابنةِ غَزْوانَ بطعامِ بَطْنِي، وعُقْبَةِ رِجْلِي ، أحْطِبُ لهم إذا نَزَلُوا، وأحْدُو بهم إذا رَكِبُوا. رواه الأثْرَمُ، وابنُ ماجه . ولأنَّه فِعْلُ مَن ذَكَرْنا مِن الصَّحابَةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه قد ثَبَت في الظِّئرِ في الآيَةِ، فيَثْبُتُ في غيرِها بالقِياسِ عليها، ولأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فقام العُرْفُ فيه مَقامَ التَّسْمِيَةِ، كنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. ولأنَّ للكُسْوَةِ عُرْفًا، وهي كُسْوَةُ الزَّوْجاتِ، وللإطْعامِ عُرْفٌ، وهو الإطْعامُ في الكَفّاراتِ، فجاز إطْلاقُه، كنَقْدِ البَلَدِ.

ونَخُصُّ أبا حَنِيفةَ بأنَّ ما جاز عِوَضًا في الرَّضاعِ، جاز في الخِدْمَةِ، كالأثْمانِ. إذا ثَبَت هذا، وتَشاحّا في مِقْدارِ الطعامِ والكُسْوةِ، رَجَع في القُوتِ إلى الإطْعامِ في الكَفّارَةِ،

16,976

وفي الكُسْوَةِ إلى أقَل مَلْبُوسِ مثلِه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ يُجْزِء فيه أقَلُّ ما يَتَناوَلُه اللَّفْظُ، كالوَصِيَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ على المَلْبُوسِ في الكَفّارَةِ، كالمَطْعُومِ. قال أحمدُ: إذا تَشاحّا في الطَّعامِ حُكِم بمُدٍّ كُلَّ يَوْمٍ. ذَهَب به إلى ظاهِرِ ما أمَرَ الله تعالى مِن إطْعامِ المَساكِينِ، ففَسَّرَتْ ذلك السُّنَّةُ بأَنه مُدٌّ لكُلِّ مِسْكِين. ولأنَّ الإِطْعامَ مُطْلَقٌ في المَوْضِعَين، فما فُسِّرَ به أحَدُهما يُفَسَّرُ به الآخَرُ. وليس له إطْعامُ الأجِيرِ إلَّا ما يُوافِقُه مِن الأغْذِيةِ؛

لأنَّ عليه ضَرَرًا، ولا يُمْكِنُه اسْتِيفاءُ الواجِبِ له منه.

فصل: فإن شَرَط الأجِيرُ كُسْوَةً ونَفَقَةً مَعْلُومة مَوْصُوفَةً، كصِفَتِها في السَّلَمِ، جاز عندَ الجميعِ،

16,977

وإن لم يَشْرُطْ طَعامًا ولا كُسْوَةً، فنَفَقَتُه وكُسْوَتُه على نَفْسِه،

16,978

وكذلك الظِّئرُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن أحَدٍ خِلافًا فيما ذَكَرْتُ.

16,979

وإن شَرَط للأجِيرِ طَعامَ غيرِه وكُسْوَتَه مَوْصُوفًا، جاز؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، فهو كما لو شَرَط دَراهِمَ مَعْلُومَةً، ويَكُونُ ذلك للأجِيرِ، إن شاء أطْعَمَه،

16,980

وإن شاء تَرَكَه. وإن لم يَكُنْ مَوْصُوفًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، احْتَمَلَ فيما إذا شَرَطَه للأجِيرِ للحاجةِ إليه وجَرْيِ العادَةِ به، فلا يَلْزَمُ احْتِمالُها مع عَدَمِ ذلك.

16,981

ولو اسْتَأجَرَ دابَّةً بعَلَفِها، أو بأجْرٍ مُسَمَّى وعَلَفِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا عُرْفَ له يَرْجِعُ إليه، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بجَوازِه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه مَوْصُوفًا، فيَجُوزُ.

فصل: فإنِ اسْتَغْنَى الأجِيرُ عن طَعامِ المُسْتَأجِرِ بطَعامِ نَفْسِه أو غيرِه، أو عَجَز عن الأكْلِ لمَرَضٍ أو غيرِه، لم تَسْقُطْ نَفَقتُه، وكان له المُطالبَةُ بها؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا تَسْقُطُ بالغِنَى عنه، كالدَّراهِمِ.

16,982

وإنِ احْتاجَ إلى دَواءٍ لمَرَضِه، لم يَلْزَمِ المُسْتَأجِرَ؛ لأنَّه لم يَشْرُطْ له إلَّا طَعامَ الأصِحّاءِ، لكنْ يَلْزَمُه بقَدْرِ طَعام الصَّحِيحِ؛ لأنَّ ما زاد على ذلك لم يَقَعِ العَقْدُ عليه، فلم يَلْزَمْ، كالزَّائِدِ في القَدْرِ.

فصل: فإن قَبَضَ الأجيرُ طَعامَه، فأحَبَّ أن يَسْتَفْضِلَ بعضَه لنَفْسِه، وكان المُؤجِرُ دَفَع إليه أكْثَرَ مِن الواجِبِ له ليَأكُلَ منه قَدْرَ حاجَتِه ويُفْضِلَ الباقيَ، أو كان في تَرْكِه لأكْلِه كُلِّه ضَرَرٌ على المُؤْجِرِ، بأن يَضْعُفَ عن العَمَلِ، أو يَقِلَّ لَبَنُ الظِّئْرِ، مُنِع منه؛ لأنَّه في الصُّورَةِ الأولَى لم يُمَلِّكْه، وإنَّما أباحَه قَدْرَ حاجَتِه.

16,983

وفي الثانيةِ على المُؤْجِرِ ضَرَرٌ بتَفويتِ بعضِ مَنْفَعَتِه عليه، فمُنِع منه، كالجَمّالِ إذا امْتَنَعَ مِن عَلْفِ الجِمالِ.

16,984

وإن دَفَع إليه قَدْرَ الواجِبِ فَقَط أو أكثرَ منه، فمَلَّكَه إيّاه، ولم يكنْ في تَفْضِيله لبعضِه ضَرَرٌ بالمُؤْجِرِ، جاز؛ لأنَّه [حَقٌّ لا ضَرَرَ] فيه على المُؤْجِرِ، أشْبَهَ الدَّراهِمَ.

16,985

فصل: فإن قَدَّمَ إليه طَعامًا فنُهِبَ أو تَلِف قبلَ أكْلِه، وكان على مائِدةٍ لا يَخُصُّه فيها بطَعامِه، فهو مِن ضَمانِ المُسْتَأجِرِ؛ لكَوْنِه لم يُسَلِّمْه إليه.

16,986

وإن خَصَّه بذلك وسَلَّمَه إليه، فهو مِن [ضَمانِ الأجِيرِ]؛ لأنَّه تَسَلَّمَ عِوَضَه على وَجْهِ التَّمليكِ، أشْبَهَ البَيعَ.

فصل: قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا: لا بَأسَ أن يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ويَصْرِمَ النَّخْلَ، بسُدْسِ ما يَخرُجُ منه، وهو أحَبُّ إليَّ مِن المُقاطَعَةِ. إنَّما جاز هاهُنا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وهي أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ،

16,987

ومَن عَلِم شيئًا عَلِم جُزْءَه المُشاعَ، فيكونُ أجْرًا مَعْلُومًا. واختارَه على المُقاطَعَةِ معَ جَوازِها ؛ لأنَّه رُبَّما لم يَخْرُجْ مِن الزَّرْعِ مثلُ الذي قاطَعَ عليه، وهاهُنا هو أقَلُّ منه يَقِينًا.

فصل: يَجُوزُ اسْتِئْجارُ الظِّئْرِ بطَعامِها وكُسْوَتِها، وفيه خِلافٌ ذَكَرْناه. وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهي المُرْضعَةُ؛ لقولِ اللهِ تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. واسْتَرْضَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لوَلَدِه إبراهيمَ . ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إليه أكْثَرَ مِن الحاجَةِ إلى غيرِه،

16,988

فإنَّ الطِّفْلَ في العادَةِ إنَّما يَعِيشُ بالرَّضاعِ، وقد يَتَعَذَّرُ رَضاعُه مِن أُمِّه، فجاز ذلك، كالإجارَةِ في سائرِ المَنافِعِ.

16,989

فإنِ اسْتَأجَرَها للرَّضاعِ دُونَ الحَضانَةِ، أو للحضانَةِ دُونَ الرَّضاعِ، أو لَهما، جازَ.

16,990

وإن أطْلَقَ العَقْدَ على الرَّضاعِ، دَخَلَتْ فيه الحَضانةُ في أحدِ الوَجْهَينِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأي؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ المُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِيَّ، فَحُمِلَ الإطْلاقُ عليه.

16,991

والثاني، لا تَدْخُلُ. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ العَقْدَ ما تَناوَلَها. ولأصْحابِ الشافعيِّ كهذين الوَجْهَينِ. والحَضانَةُ: تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ وحِفْظُه وجَعْلُه في سَرِيرِه، ورَبْطُه، ودَهْنُه، وكَحْلُه، وتَنْظِيفُه، وغَسْلُ خِرَقِه، وأشْباهُ ذلك. واشْتِقاقُه مِن الحِضْنِ، وهو ما تحتَ الإِبطِ وما يَلِيه. وسُمِّيَتِ التَّرْبِيةُ حَضانةً تَجَوُّزًا مِن حَضانَةِ الطَّيرِ لبَيضِه وفِراخِه؛ لأنَّه يَجْعَلُها تحتَ جَناحِه، فَسُمِّيَتْ تَرْبِيةُ الصَّبِيِّ بذلك أخْذًا مِن فِعْلِ الطّائِرِ.

فصل: ولهذا العَقْدِ أرْبَعةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، العِلْمُ بمُدَّةِ الرَّضاعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه إلَّا بِها؛ لأنَّ السَّقْيَ والعَمَلَ فيها يَخْتَلِفُ. الثاني، مَعْرِفةُ الصَّبِيِّ بالمُشاهَدَةِ؟ لأنَّ الرَّضاعَ يَخْتَلِفُ بكِبَرِ الصَّبِيِّ وصِغَرِه، ونَهْمَتِه وقَناعَتِه.

16,992

وقال القاضي: يُعْرَفُ بالصِّفَةِ، كالرَّاكِبِ. الثالثُ، مَوْضِعُ الرَّضاعِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، فيَشُقُّ عليها في بَيته، ويَسْهُلُ في بَيتها. الرابعُ، مَعْرِفة العِوَضِ؛ لِما ذَكَرْنا. فصل: والمَعْقُودُ عليه في الرَّضاعِ خِدْمَةُ الصَبِيِّ وحَمْلُه ووَضْعُ الثَّدْيِ في فِيه، واللَّبَنُ تَبَعٌ، كالصِّبْغِ في إجارَةِ الصَّبّاغِ، وماءِ البِئْرِ في الدّارِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ عَينٌ، فلا يُعْقَدُ عليه في الإِجارَةِ، كلَبَنِ غيرِ الآدَمِيِّ.

16,993

وقِيلَ: هو اللَّبَنُ. قال القاضي: وهو أشْبَهُ؛ لأنَّه المَقْصُودُ دُونَ الخِدْمَةِ، ولهذا لو أرْضَعَتْه ولم تَخْدُمْه، اسْتَحَقَّتِ الأجْرَةَ،

16,994

ولو خَدَمَتْه ولم تُرْضِعْه، لم تَسْتَحِقَّ شيئًا، ولأنَّ اللهَ تعالى قال:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}. فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإِرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه. ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمها سَقْيُه لَبَنَها، وإنَّما جازَ العَقْدُ عليه مع كَوْنِه عَينًا رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفائِه. وإنَّما جازَ في الآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِ الحَيَوانِ؛ للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِيِّ، والحاجةِ إلى إبْقائِه.

فصل: وعلى المُرْضِعَةِ أن تَأكُلَ وتَشْرَبَ ما يُدِرُّ لَبَنَها، ويَصْلُحُ به، وللمُكْتَرِي مُطالبَتُها بذلك؛ لأنَّه مِن تَمامِ التَّمْكِينِ مِن الرَّضاعِ،

16,995

وفي تَرْكِه إضْرارٌ بالصَّبِيِّ. فإن لم تُرْضِعْه، لكِنْ سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَ لها؛ لأنَّها لم تُوَفِّ المَعْقُودَ عليه، أشْبَهَ ما لو اسْتَأجَرَها لخِياطَةِ ثَوْبٍ، فلم تَخِطْه.

16,996

وإن دَفَعَتْه إلى خادِمِها فأرْضَعَتْه، فكذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ.

16,997

وقال أصحابُ الرَّأي : لها أجْرُها؛ لأنَّ رَضاعَه حَصَل بفِعْلِها. ولَنا، أنَّها لم تُرْضِعْه، أشْبَهَ ما لو سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ،

16,998

فإن قالت: أرْضَعْتُه. فأنْكَرَ المُسْتَرْضِعُ، فالقولُ قَوْلُها؛ لأنَّها مُؤْتَمَنَة.

٢١٤٩ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(الثَّانِي مَعْرِفَةُ الْأُجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ أَجْرُهُ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِهَا مَضْبُوطًا بِالْكَيْلِ، أَوِ الْوَزْنِ ; لِأَنَّهَا أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَتُهَا كَالْعِوَضِ فِي الْبَيْعِ،

12,058

فَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِالْمُشَاهَدَةِ كَصَبْرَةِ نَقْدٍ، أَوْ طَعَامٍ، فَوَجْهَانِ،

12,059

فَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَكَالثَّمَنِ،

12,060

وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَكَالْمَبِيعِ، فَلَوْ آجَرَ الدَّارَ بِعِمَارَتِهَا لَمْ تَصِحَّ لِلْجَهَالَةِ،

12,061

وَلَوْ آجَرَهَا بِمُعَيَّنٍ عَلَى أَنَّ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَأْجِرِ مُحْتَسَبًا بِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ صَحَّ ; لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ عَلَى الْمَالِكِ، وَقَدْ وَكَّلَهُ فِيهِ،

12,062

وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ خَارِجًا عَنِ الْأُجْرَةِ لَمْ يَصِحَّ (إِلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ) رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى» الْخَبَرَ، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهُ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى الظِّئْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَقَامَ الْعِوَضُ فِيهِ مَقام التَّسْمِيَةِ كَنَفَقَةِ الزَّوْجةِ،

12,063

وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي الظِّئْرِ لِلنَّصِّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ كَالزَّوْجَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ،

12,064

وَعَنْهُ: كَمِسْكِينٍ فِي الْكَفَّارَةِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لِأَنَّ لِلْكُسْوَةِ عُرْفًا، وَهِيَ كُسْوَةُ الزَّوْجَاتِ، وَلِلْإِطْعَامِ عُرْفًا، وَهُوَ الْإِطْعَامُ فِي الْكَفَّارَاتِ،

12,065

وَفِي الْمَلْبُوسِ إِلَى أَقَلِّ مَلْبُوسِ مِثْلِهِ ; لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُجْزِئُ فِيهِ أَقَلُّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ كَالْوَصِيَّةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ إِلَّا مَا يُوَافِقُهُ مِنَ الْأَغْذِيَةِ،

12,066

فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى دَوَاءٍ لِمَرَضِهِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَأْجِرَ لِعَدَمِ شَرْطِهِ،

12,067

وَعَنْهُ يَصِحُّ فِي دَابَّةٍ بِعَلَفِهَا

الإنصافal-Mardawi

فَصْلٌ: وَالثَّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ،

21,935

فائدة: يُشْترَطُ مَعْرِفَةُ المَتاعِ المَحْمولِ برُؤيَةٍ أو صِفَةٍ، وذِكْرُ جِنْسِه وقَدْرِه بالكَيلِ، أو بالوَزْنِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ». واكْتَفَى ابنُ عَقِيلٍ، وصاحِبُ «التَّرغيبِ»، وغيرُهما بذِكْرِ وَزْنِ المَحْمولِ،

21,936

وإنْ لم يُعْرَفْ عَينُه. وتقدَّم كلامُه في «الرعايةِ»، في المَحْمِلَ.

21,937

فائدة: يُشْترَطُ مَعْرِفَةُ أرْضِ الحَرْثِ. جزَم به في «الفُروعِ»، وغيرُه مِنَ الأصحابِ. الثَّانِي، مَعْرِفَةُ الأجْرَةِ بما تَحْصُلُ به مَعْرِفَةُ الثَّمَنِ. هذا المذهبُ في الجُمْلَةِ، إلَّا ما اسْتَثْنَى مِنَ الأجِيرِ، والظِّئْرِ، ونحوهما، وعليه الأصحابُ، وقطَع به كثير منهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه.

21,938

قال في «الرِّعايتَين»، و «الفُروعِ»، و «الحاوي»، وغيرِهم: يُشْترَطُ مَعْرِفَةُ الأُجْرَةِ،

21,939

فإنْ كانتْ في الذِّمَّةِ، فكثَمَنٍ، والمُعَيَّنَةُ، كمَبِيعٍ.

21,940

وعنه، تصِحُّ إجارَةُ الدَّابةِ بعَلَفِها. وتأتِي هذه الرِّوايَةُ،

21,941

ومَنِ اخْتارَها، بعدَ أحْكامِ الظِّئرِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فائدتان؛ إحْداهما، لو جعَل الأُجْرَةَ صُبْرَةَ دَراهِمَ أو غيرَها، صَحتِ الإجارَةُ. على الصحيحِ. صحَّحه في «النّظْمِ» وغيرِه، كما يصِحُّ البَيعُ بها، على الصّحيحِ، كما تقدّم. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تصِحُّ. وأطْلَقهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». الفائدةُ الثَّانيةُ،

21,942

قال في [«التَّلْخيصِ»] «الرِّعايةِ»: وإنِ اسْتَأجَرَ في الذمةِ ظَهْرًا يَرْكَبُه، أو يَحْمِلُ عليه إلى مَكَّةَ بلَفْظِ السَّلَمِ، اشْتُرِطَ قَبْضُ الأجْرَةِ في المَجْلِسِ، وتأجِيلُ السّفَرِ مُدَّةً مُعَينَّةَ. [زادَ في «الرِّعايَةِ»] ،

21,943

وإنْ إلا أنَّهُ يَصِحُّ أن يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بِطَعَامِهِ وَكُسْوَتِهِ.

21,944

وَكَذَلِكَ الظِّئْرُ.

كان بلَفْظِ الإجارَةِ، جازَ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ. وهل يجوزُ تأخِيرُه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين. انتهى.

21,945

تنبيه: تقدَّم في أوَّلِ بابِ المُساقاةِ، هل تجوزُ إجارَةُ الأرْضِ بجِنْسِ ما يَخْرُجُ منها، أو بغيرِه؛ فَلْيُعاوَدْ. وتقدَّم أيضًا، في أثْناءِ المُضارَبَةِ، لو أخَذ ماشِيَةً ليَقُومَ عليها بجُزْءٍ مِن دَرِّها، ونَسْلِها، وصُوفِها، وبعضُ مَسائِلَ تتَعَلَّقُ بذلك. إلَّا أنَّه يَصِحُّ أنْ يَسْتَأجِرَ الأجِيرَ بطَعامِه وكُسْوَتِه، وكذلك الظِئرُ. وهذا المذهبُ مُطْلَقًا، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.

21,946

قال في «القواعِدِ»: مِنَ الأصحابِ مَن لم يَحْكِ فيه خِلافًا. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المَشْهورُ مِنَ الرِّوايتَين، واخْتِيارُ القاضي في «التَّعْليقِ»، وجماعَةٍ. قال الطوفِيُّ في «شَرْحِ الخِرَقِيِّ»: هذا ظاهِرُ المذهبِ.

21,947

قال في «القواعِدِ»: هذا أصحُّ. ونصَرَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وابنُ رَزِينٍ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه في «المُحَرَّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «النظْمِ»، و «الفائقِ».

21,948

وعنه، لا يصح فيهما حتى يَصِفَ الطعامَ والكُسْوَةَ.

21,949

وعنه، لا يصح في الأجِيرِ،

21,950

ويصح في الظِّئرِ. اخْتارَه القاضي في بعضِ كُتُبِه. قال الزرْكَشِيُّ: أظُنُّه في «المُجَرَّد». وقدَّم في «التَّلْخيصِ»، الصِّحةَ في الظِّئرِ، وأطْلَقَ في الأجِيرِ الرِّوايتَين.

21,951

قال في «الرِّعايةِ الكُبْرى»: فإنْ قَدَّرَ للظِّئرِ حالةَ الإجارَةِ، وإلَّا فلها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الوَسَطُ. فعلى المذهبِ، لو تَنازَعا في قَدْرِ الطَّعامِ والكُسْوَةِ، رجَع فيهما إلى العُرْفِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، فيَكونُ لها طَعامُ مِثْلِها أو مِثْلِه، وكُسْوَةُ مِثْلِها أو مِثْلِه، كالزَّوْجَةِ مع زَوْجِها. نصَّ عليه. وجزَم به في «التَّلْخيصِ». وجزَم بمِثْلِه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . .

«المُحَرَّر»، في المُضارِبِ. وقدَّمه في «الفُروعِ».

21,952

وعنه، كالمِسْكينِ في الكفَّارَةِ في الطَّعامِ والكُسْوَةِ. وقدَّمه الطوفِيُّ في «شَرْحِه»، وزادَ، أو يرجِعُ إلى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كُسْوَةِ الزوْجاتِ. وأطْلَقهما الزَّرْكَشِيُّ. وقيل: يرْجِعُ في الإطْعامِ إلى إطْعامِ المِسْكَينِ في الكفَّارَةِ،

21,953

وفي المَلْبُوسِ إلى أقل مَلْبُوسِ مِثْلِها. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ». وجزَم به في «الرِّعايةِ الكُبْرى». قال الزَّرْكَشِيُّ: وهو تَحَكُّمٌ.

21,954

قال في «الرعايةِ الصُّغْرى»: وله الوَسَطُ مع النِّزاعِ، كإطْعامِ الكفَّارَةِ. وهذا القَوْلُ نَظِيرُ ما قطَع به المُصَنِّفُ وغيرُه، في نفَقَةِ المُضارِبِ مع التَّنازُعِ.

21,955

وَيُسْتَحَبُّ أن تُعْطىَ عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أوْ وَلِيدَةً، إِذَا كَانَ الْمُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

its words on this mas’ala come with mas’ala 2770 before it

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.