وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً كَالذُّبَابِ وَغَيْرِهِ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ
Its commentaries
مسألة: (ولا يَنْجُسُ الآدمي بالمَوْتِ، ولا ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، كالذُّبابِ وغيرِه) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الآدَمِيّ طاهِرٌ حَيًّا ومَيتًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «الْمُؤمِنُ لَا يَنْجُسُ». مُتَّفَقٌ عليه . وعن أحمدَ، أنه سُئِل عن بِئْرٍ وَقَع فيها إنْسان، فماتَ، فقال: تُنْزَحُ حتَّى تَغْلِبَهمْ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، قال: ينجس، ويَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّه حَيَوانٌ له نَفسٌ سائِلَة، فنَجُس بالمَوْتِ، كسائِرِ الحيواناتِ. وللشافعي قَوْلان، كالرِّوايَتَين.
والصحيحُ الأوَّلُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه آدَمِيٌّ، فلم يَنْجُسْ بالمَوْتِ، كالشَّهِيدِ، ولأنَّه لو نَجُسَ بالمَوتِ، لم يَطْهُرْ بالغَسْلِ، كالحيواناتِ التي تَنْجُسُ بالموتِ. فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ المسلمِ والكافرِ؛ لاسْتِوائِهما في حالِ الحياةِ، قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أن يَنْجُسَ الكافِرُ بموتِه؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في المسلم، ولا يُقاسُ الكافرُ عليه؛ لأنَّه لا يُصَلَّى عليه، ولا حُرْمَةَ له كالمسلمَ.
فصل: وحُكْمُ أجزاءِ الآدَمِي وأُبعاضِه حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواء انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ ، فكانَ حُكْمُها [كحُكْمِها، كسائِرِ] الحيواناتِ الطّاهِرَةِ والنَّجِسَةِ. وذَكَر القاضي أنها نَجِسَة، رِوايَةً واحِدةً؛ لأنَّه لا حُرمَةَ لها، بدَلِيلِ أنها لا يُصَلَّى عليها. وما ذكره مَمْنُوع؛ لأنَّ لها حُرْمَة؛
فإن كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَيٌّ، ولأنَّه يُصَلَّى عليها إذا وُجِدَتْ مِن المَيِّتِ، ثم يَبْطُلُ بشَهِيدِ المَعْرَكَةِ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه، وهو طاهِرٌ. فصل: وما لا نَفْسَ له سائِلَةً، لا يَنْجُسُ بالمَوتِ، والمُرادُ بالنَّفْسِ الدَّمُ،
فإن العَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا،
قال الشاعر :
نُبِّئْتُ أنَّ بني سُحَيم أدْخَلُوا ... أبياتَهُمْ تامُورَ نَفْس المُنْذِرِ أي دَمِه . ومِنه قِيل للمرأةِ: نُفَساءُ؛ لسيلانِ دَمِها عندَ الولادَةِ، ويقال: نَفِسَتِ المرأةُ. إذا حاضَتْ. فكلُّ ما ليس له دَمٌ سائِلٌ مِن حَيَوانِ البَرِّ والبَحْرِ، مِن العَلَقِ، والدِّيدانِ، والسَّرَطانِ، ونَحْوها، لا يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ولا يُنَجِّسُ الماءَ إذا ماتَ فيه، في قَوْلِ عامَّةِ العلماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما كان مِن أحدِ قَوْلَي الشافعيِّ،
فإن عندَه في تَنْجِيسِ الماءِ إذا ماتَ فيه قَوْلَين.
فأمّا الحَيَوانُ في نَفسِه، فهو عندَه نَجِسٌ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُؤكَلُ، لا لحُرْمَتِه، فنَجُس بالمَوْتِ، كالبَغْلِ والحِمارِ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً». رَواه البُخارِيُّ.
وفي لَفْظٍ:«فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطرحْهُ».
وقال الشافعي: مَقْلُه ليس بقَتْلِه . قُلْنا: اللَّفْظُ عام في كل شَرابٍ بارِدٍ، أو حار، أو دُهْن، مِمّا يَمُوتُ بغَمْسِه فيه،
فلو كان يُنَجِّسُ الشَّرابَ كان أمْرًا بإفْسادِه، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسَلْمانَ: «يَا سَلْمَانُ، أيُّمَا طَعَام أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فيهِ دَابَّةٌ، لَيسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَة، فَهُوَ الْحَلَالُ؛ أكْلُهُ، وشُرْبُه، وَوُضُوءُهُ» . وهذا صَرِيحٌ. أخْرَجَه الدّارقُطْنِي . قال الترمِذِيُّ: يَرْويه بَقِيَّةُ ، وهو يُدَلِّسُ،
فإذا روَى عن الثِّقاتِ جَوَّدَ. ولأنَّه لا نَفْس له سائِلَةً، أشْبَهَ دُودَ الخَلِّ إذا مات فيه، فإنَّهم سَلَّمُوا أنَّ ذلك لا يُنَجِّسُ إلَّا أن يُؤخَذَ ويُطرحَ فيه، أو يَشُقَّ الاحْتِرازُ منه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا،
وإذا ثَبَت أنه لا يُنَجِّسُ الماءَ، لَزِمَ أن لا يكُونَ نَجِسًا، وإلَّا لنَجَّسَ الماءَ كسائِرِ النَّجاساتِ.
فصل: فأمّا إن كان مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاساتِ كدُودِ الحُشِّ ، وصَراصِرِه، فهو نَجِسٌ حيًّا ومَيتًا. [إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ]؛ لأنَّه مُتَوَلِّدٌ مِن النَّجاسَةِ، فكان نَجِسًا، كالمُتَوَلِّدِ مِن الكلبِ والخِنْزِيرِ. قال المَرُّوذِيُّ: قال أحمدُ: صَراصِرُ الكَنِيفِ والبالُوعَةِ إذا وَقَعِ في الإِناءِ صُبَّ، وصَراصِرُ البِئْرِ ليس هي بقَذِرَةٍ؛ لأنَّها لا تَأكلُ العَذِرَة. فصل: وما له نَفْسٌ سائِلَةٌ مِن الحَيَوانِ غيرَ الآدَمِيِّ، يَنْقَسِمُ قِسْمَين؛ أحَدُهما، [ما مَيتَتُه]. طاهِرَةٌ، وهو السَّمَكُ وسائِرُ حيوانِ البَحْرِ الذي لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فهو طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، لأنَّه لو كان نَجِسًا لم يُبَح أكلُه.
القِسْمُ الثاني، ما لا تُباحُ مَيتَتُه غيرَ الآدَمِيِّ؛ كحَيَوانِ البَرِّ المَأكُولِ، وغيرِه، وحيوانِ البَحْرِ الذي يَعِيشُ في البَرِّ، كالضُّفْدَعِ، والحَيَّةِ، والتِّمْساحِ، ونَحْوه، فكلُّ ذلك يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ويُنَجِّسُ الماءَ القَلِيلَ إذا مات فيه، والكَثِيرَ إذا غَيَّرَه. وهذا قَوْلُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، في الضُّفْدَعِ: لا تُفْسِدُ الماءَ إذا ماتَتْ فيه؛ لأنَّها تَعِيشُ في الماءِ، أشْبَهَتِ السَّمَكَ. ولَنا، أنَّها تُنَجِّسُ غيرَ الماءِ، فنَجَّسَتِ الماءَ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه حيوانٌ له نَفْسٌ سائِلَةٌ لا تُباحُ مَيتَتُه ، أشْبَهَ طَيرَ الماءِ، وبهذا فارَقَ السَّمَكَ.
فصل: وفي الوَزَغِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْجُسُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه لا نَفْسَ له سائِلَةً، أشْبَهَ العَقْرَبَ.
والثاني، أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِي الله عنه، كان يقولُ: إن ماتَتِ الوَزَغَةُ أو الفَأْرَةُ في الحُبِّ يُصَبُّ ما فيه،
وإن ماتَتْ في بِئْرٍ فانْتَزِحْها حتَّى تَغْلِبَكَ.
فصل:[وإذا ماتَ الحَيَوانُ في ماءٍ لا نَعْلَمُ]، هل يَنْجُسُ بالمَوْت أم لا؟ فالماءُ طاهِرٌ، لأنَّ الأصْلَ طَهارَتُه، والنَّجاسَةُ مَشْكُوكٌ فيها.
وكذلك إن شَرِب مِنه حَيَوانٌ يُشَكُّ في نَجاسَةِ سُؤرِه وطَهارَتِه، لِما ذَكَرْنا. ٢٠٧ - مسألة: (وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثُه، ومَنِيُّه طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجسٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في بَوْلِ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثِه، فرُوِي عن أحمدَ، أَنَّه طاهِرٌ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ. ورَخَّصَ في أبوال الغَنَمِ الزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمٍ على إباحَةِ الصلاةِ في مَرابِض الغَنَمِ، إلَّا الشافعيِّ، فإنَّه اشْتَرَطَ أن تكُون سَلِيمَةً مِن أبعارِها وأبوالِها.
ورَخَّص في ذرْقِ الطّائِرِ الحَكَمُ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ. وعن أحمدَ، أنَّ ذلك نَجِسٌ. وهو قَوْل الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ. ونَحْوُه عن الحسنِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلَ». ولأنَّه رَجِيعٌ، فأشْبَهَ رَجِيعَ الآدَمِيِّ. ولَنا؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر العُرَنِيِّينَ أن يَشربُوا مِن أبْوالِ الإِبِلِ . والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه،
ولو أُبِيحَ للضَّرورَة لأمَرَهم بغَسْلِ أثَرِه إذا أرادُوا الصلاةَ. وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، وأمَرَ بالصلاةِ فيها. مُتَّفَقٌ عليه . وصَلَّى أبو موسى في مَوْضِعٍ فيه أبعارُ الغَنَمِ، فقِيلَ له: لو تَقَدَّمْتَ إلى ههُنا؟ فقال: هذا وذاك واحِدٌ. ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه ما يُصَلُّون عليه مِن الأوْطِئَةِ والمُصَلَّياتِ، وإنَّما كانوا يُصَلُّون على الأرضِ. ومَرابِضُ الغَنَمِ لا تَخْلُو مِن أبعارِها وأبوالها، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُباشِرُونها في صَلاتِهم، ولأنَّه لو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَتِ الحُبُوبُ التي تَدُوسُها البَقَرُ، فإنَّها لا تَسْلَمُ مِن أبوالِها، فيَتَنَجَّسُ بَعْضُها، فيَخْتَلِطُ النَّجسُ بالطّاهِرِ، فيَصِيرُ حُكْمُ الجَمِيع حُكْمَ النَّجِسِ.
وحُكْمُ قَيئِه ومَنِيِّهَ حُكْمُ بَوْلِه، لأنَّه في مَعْناه. فصل: في الخارِجِ مِن الحَيَوانِ الذي لا يُؤكَلُ لَحْمُه، وهو أرْبعةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، الآدَمِيُّ، فالخارِجُ منه ثلاثةُ أنواعٍ، أحدُها، رِيقُه وعَرَقُه ودَمْعُه ومُخاطُه ونُخامَتُه، فهو طاهِرٌ، لأنَّه جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ الحُدَيبِيَةِ، أنَّه ما تَنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه. رَواه البُخارِيُّ .
وفي حديثِ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فأقْبَلَ على النّاس، فقال:«مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أوْ تَحْتَ قَدَمِه، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا». ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَح بَعْضَه ببَعْضٍ. رَواه مسلمٌ .
ولو كانت نَجِسَةً لَما أمَرَ بمَسْحِها في ثَوْبه وهو في الصلاةِ، ولا تحتَ قَدَمِه. وسَواءٌ في ذلك البَلْغَمُ الخارِجُ مِن الرَّأسِ والصَّدْرِ. ذَكَره القاضي. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.
وقال أبو الخَطّابِ: البَلْغَمُ نَجسٌ، لأنَّه اسْتَحال في المَعِدَةِ، أشْبَهَ القَيءَ. ولَنا، عُمُومُ الخَبَرَين، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَي النُّخامَةِ، أشْبَهَ الآخَرَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا، لنَجَّسَ الفَمَ ونَقَضَ الوُضُوءَ، ولم يُنْقَلْ عن الصَّحابَةِ، رَضِي اللهُ عنهم، فيما عَلِمْنا، شيءٌ مِن ذلك، مع عُمُومِ البَلْوَى به. وقَوْلُهم: إنَّه طعامٌ اسْتَحال في المَعِدَةِ. مَمْنُوعٌ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن الأبخِرَةِ، فهو كالمُخاطِ. ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنه، أشْبَهَ المُخاطَ. النَّوْعُ الثاني، قَيؤُه ودَمُه، و ما تَوَلَّدَ منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، فهو نَجِسٌ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه فيما مَضَى.
النَّوْعُ الثالث، الخارِجُ مِن السَّبِيلَين؛ مِن البَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والدَّمِ، وغيرِه، فلا نَعْلَمُ في نَجاسَتِه خِلافًا، إلَّا ما ذَكَرْنا في المَذْي ، وسيَأتِي حُكْمُ المَنِي، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: القِسْمُ الثاني، البَغْلُ والحِمارُ، وسِباعُ البَهائِم، والطَّيرِ؛
فإن قُلْنا بطَهارَتِها، فحُكْمُها حُكْمُ الآدَمِيِّ، على ما بَيَّنّا، إلَّا في مَنِيِّها،
فإن حُكْمَه حُكْمُ بَوْلِها. وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، فجَمِيعُ أجْزائِها وفَضَلاتِها نَجسَةٌ، إلَّا السِّنَّوْرَ وما دُونَها في الخِلْقَةِ، وسيَأتِي بَيانُ حُكْمِها، إن شاءَ اللهُ تعالى. القِسْمُ الثالثُ، الكلبُ والخِنْزِيرُ وما تَوَلَّدَ مِنهما، أو مِن أحَدِهما، فهو نَجِسٌ بجَمِيِع أجْزائِه وفَضَلاتِه، وما يَنْفَصِلُ عنه. القِسْمُ الرابعُ، ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، فهو طاهِرٌ بجَمِيع أجْزائِه وفَضَلاتِه المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ، إلَّا أن يكُونَ مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاسَةِ، وقد ذكَرْناه. ٢٠٨ -
(وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ بِالْمَوْتِ) عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْمُسْلِمُ لَيْسَ بِنَجِسٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ: عَلَى شَرْطِهِمَا، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ: بَلْ مَا عَدَا الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ: أَنَّ زِنْجِيًّا وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ فَمَاتَ فَأَمَرَ بِهَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُنْزَحَ، وَلِأَنَّهُ ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ، فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَطْهُرُ بِالْغُسْلِ، قُلْنَا: لَوْ نَجُسَ بِالْمَوْتِ لَمْ يَطْهُرْ بِالْغُسْلِ كَالْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تَنْجُسُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ كَالشَّهِيدِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَنْجُسُ مَا غَيَّرَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِـ " الْمُسْتَوْعِبِ "
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْآدَمِيَّةِ حَالَ الْحَيَاةِ،
وَفِي الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ، وَقِيلَ: يَنْجُسُ الْكَافِرُ وَشَعْرُهُ بِمَوْتِهِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْلِمِ، وَلَا يُقَاسُ الْكَافِرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا حُرْمَةَ لَهُ كَالْمُسْلِمِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ أَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ وَأَبْعَاضِهِ حُكْمُ جُمْلَتِهِ، سَوَاءٌ انْفَصَلَتْ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ نَجِسَةٌ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَتقضِي بِأَنَّ لَهَا حُرْمَةً بِدَلِيلِ أَنَّ كَسْرَ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ،
وَكَذَا شَعْرُهُ مُطْلَقًا، وَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ،
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ مَعَهُ،
وَعَنْهُ: نَجَاسَةُ شَعْرِ كُلِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حُكْمُ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ] (وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً) الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ السَّائِلَةِ الدَّمُ السَّائِلُ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا، وَمِنْهُ قِيلَ: لِلْمَرْأَةِ نُفَسَاءُ، لِسَيَلَانِ دَمِهَا عِنْدَ الْوِلَادَةِ، وَيُقَالُ: نُفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ، وَسُمِّيَ الدَّمُ نَفْسًا لِنَفَاسَتِهِ فِي الْبَدَنِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ،
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّفْسُ ذَاتُ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتُهُ، يُقَالُ: عِنْدِي كَذَا نَفْسًا، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَلْبِ: نَفْسٌ، لِأَنَّ النَّفْسَ بِهِ، كَقَوْلِهِمْ: الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ (كَالذُّبَابِ) هُوَ هُنَا الْمَعْرُوفُ، وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَجَمْعُهُ ذِبَّانٌ أَذِبَّةٌ، وَلَا يُقَالُ ذُبَابَةٌ (وَغَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ أَوِ الْبَحْرِ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَلَقِ وَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهَا لَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ بِمَوْتِهَا فِيهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً، وَفِي الْآخَرِ دَاءً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِالْغَمْسِ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَعِيشُ غَالِبًا،
وَلَوْ نَجَّسَ الطَّعَامَ لَأَفْسَدَهُ، فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ بِغَمْسِهِ إِزَالَةَ ضَرَرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، أَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إِذَا مَاتَ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: نَجِسٌ لَا يُؤْكَلُ لَا لِحُرْمَتِهِ، أَشْبَهَ الْحِمَارَ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ: يَنْجُسُ إِنْ لَمْ يُؤْكَلْ، فَيَنْجُسُ بِهِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ فِي الْأَصَحِّ إِنْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ غَالِبًا، وَقُلْنَا: يَنْجُسُ الْقَلِيلُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ دُونَ تَغَيُّرِهِ،
فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ النَّجَاسَةِ كَدُودِ الْحُشِّ، وَصَرَاصِرِهِ، فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِلَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ النَّجَاسَةَ تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَلَا يَرِدُ هَذَا عَلَى الْمَتْنِ، لِأَنَّ مَوْتَهُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ شَيْئًا، بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ضَرْبَانِ: نَجِسٌ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، إِذْ مَوْتُهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا خُبْثًا، وَطَاهِرٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: آدَمِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَمَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَسَمَكٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ لَوْ نَجُسَ بِهِ لَمْ يُبَحْ أَكْلُهُ،
وَعَنْهُ: نَجَاسَةُ الطَّافِي، وَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ، وَقُلْنَا: يَحْرُمُ الطَّافِي، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ دَمِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَمٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا لَا تُبَاحُ مَيْتَتُهُ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ الْمَأْكُولِ، وَحَيَوَانِ الْبَحْرِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ كَالضِّفْدَعِ وَالتِّمْسَاحِ وَنَحْوِهِمَا، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَيَنْجُسُ الْمَاءُ الْيَسِيرُ لِمُلَاقَاتِهِ، وَالْكَثِيرُ بِتَغَيُّرِهِ، وَلِلْوَزَغِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ كَالْحَيَّةِ لَا الْعَقْرَبِ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " فِي دُودِ الْقَزِّ وَبَزْرِهِ وَجْهَانِ.
[بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ] (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ) فِي الْمَنْصُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا» ، وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ،
وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إِذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ، «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا» ، وَطَافَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَنَجَّسَتِ الْحُبُوبُ الَّتِي تَدُوسُهَا الْبَقَرُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا، وَشَمَلَ كَلَامُهُ بَوْلَ سَمَكٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
ولا يَنْجُسُ الآدَمِي بالمَوْتِ. هذا المذْهبُ، وعليه جمهورُ الأصْحابِ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، وسواء جُمْلته وأطْرافُه وأبضاعُه. [وقاله الزَّرْكَشِي في بعض كتُبِه]، وقاله القاضي في بعْضِ كتُبِه. قال المُصَنِّفُ، في «المُغْنِي»: لم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ المُسْلِمِ والكافرِ؛ لاسْتِوائِهما في الآدَمِيَّةِ وفي الحياةِ.
وعنه، يَنْجُس مُطْلقًا. فعليها قال شارِحُ «المُحَرَّرِ»: لا يَنْجُس الشَّهيدُ بالقَتْلِ. ذكرَه القاضي، والشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، والمَجْدُ، وصاحِبُ «المُغْنِي»، وغيرُهم. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ».
وقيل: يَنْجُسُ الكافِرُ، دُونَ المُسْلمِ. وهو احْتِمال في «المُغْنِي». قال المَجْدُ في «شَرْحِه»، وتابعَه في «مَجْمَع البَحْرَين»: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يَنْجُسُ الكافِرُ بمَوْتِه، على كِلا المذهبَين في المسلمِ، ولا يَطْهُرُ بالغُسْلِ أبدًا، كالشَّاةِ. وخَصَّ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، في شَرْحِ «العُمْدَةِ» الخِلافَ بالمسلمِ. وأطْلقَهما ابنُ تَميم في الكافر.
وعنه، يَنْجُسُ طَرَفُ الآدَمِيِّ، مُسْلِمًا كان أو كافِرًا. صَحَّحَهُما القاضي وغيرُه، وأبطَلَ قِياسَ الجُمْلةِ على الطَّرَفِ في النَّجاسَةِ بالشهيدِ، فإنَّه يَنْجُسُ طَرَفُه بقَطْعِه،
ولو قُتِلَ كان طاهِرًا؛ لأنَّ للجُمْلَةِ مِنَ الحُرْمَةِ ما ليس للطَّرَفِ، بدَليلِ الغُسْلِ والصَّلاةِ. ورَده المُصَنِّفُ في «المُغْنِي»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه. وأطْلَقهما في «المُحَرَّرِ». فعلى القوْلِ بأنَّه لا يَنْجُسُ بالموْتِ، لو وقَع في ماءٍ فغَيَّرَه، لم يَنْجُس الماءُ. ذكرَه في «الفُصولِ»، وغيرِه. وقدَّمه في «الفُروع» خِلافًا «للمُسْتَوْعِبِ». واقْتَصَرَ عليه ابنُ تَميم.
قلتُ: فيُعايَى بها على قولِ صاحِبِ «المُسْتَوْعِبِ».
وقال ابنُ عَقِيل: قال أصحابُنا: رِوايَةُ التنجيسِ، حيثُ اعْتُبِرَ كثْرَةُ الماءِ الخارجِ، يُخَرَّجُ منه، لا لنَجاسَةٍ في نفْسِه.
قال: ولا يصِحُّ، كما لا فرْقَ بينَه وبينَ بقِيَّةِ الحيوانِ. ويأتي إذا سَقَطَتْ سِنُّه فأعادَها بحَرارتها.
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ في غيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم-، فإنه لا خِلافَ فيه. قاله الزَّرْكشي.
قلتُ: وعلي قِياسِه سائرُ الأنْبِياءِ، عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهذا ممَّا لا شَكَّ فيه. ومَا لا نَفْسَ لَهُ سَائلةً. يعْني لا ينْجُسُ بالموْتِ إذا لم يَتَوَلَّدْ مِنَ النَّجاسَةِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ.
وعنه، يَنْجُسُ. واخْتارَه بعْضُ الأصحابِ. إنْ لم يكُنْ يُؤكَلُ. فعلى المذهبِ أيضًا، لا يُكْرَهُ ما ماتَ فيه. ووَجَّهَ في «الفُروعِ» احْتِمالًا بالكَراهَةِ. وعلي المذهبِ أيضًا، لا يَنْجُسُ ما ماتَ فيه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ. وقيل: لا يَنْجُس إنْ شَقَّ التَّحَرُّزُ منه، وإلَّا تَنَجَّسَ. وجزَم به ابنُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَميم. وقال: جعَل بعْضُ أصحابِنا الذُّبابَ والبَقَّ ممَّا لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ، يَنْجُسُ ما ماتَ فيه، على الصَّحيحِ. قدَّمه الزَّرْكَشِيُّ، وابنُ تَميمٍ، و «الفُروعِ».
وقيل: لا يُنَجِّسُه. قلتُ: فيُعايَى بها.
وقيل: لا يُنَجِّسُه، إنْ شقَّ التَّحَرُّزُ منه، وإلَّا نَجُسَ.
قال في «الرِّعايَةِ»: وعنه، يَنْجُسُ إنْ لم يُؤكَلْ؛ فيَنْجُسُ الماءُ القلِيلُ في الأصَح، إنْ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه غالِبًا.
تنبيه: قوله: كالذُّبابِ ونحوه. فنَحْوُ الذُّبابِ؛ البَقُّ، والخَنافِسُ، والعَقارِبُ، والزَّنابِيرُ، والسَّرطانُ، والقُمَّلُ، والبَراغِيثُ، والنَّحْلُ، والنَّمْلُ، والدُّودُ، والصَّراصِيرُ، والجُعَلُ، ونحوُ ذلك.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أن الوَزَغَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لها نفْسٌ سائلَةٌ. نصَّ عليه. كالحَيَّةِ، وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «مَجْمَع البَحْرَين». واخْتارَه القاضي.
وقيل: ليس لها نفْسٌ سائِلَةٌ. وأطْلَقَهما «ابنِ تَميم»، و «المُذْهَبِ»، و «الرِّعايتَين»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الحاويَين».
وقال في «الرِّعايَةِ»: وفي تَنْجِيسِ الوَزَغِ ودُودِ القَزِّ وبَزْرِه وَجْهان.
فائدة: إذا ماتَ في الماءِ اليسيرِ حَيوانٌ لا يُعْلَمُ، هل يَنْجُسُ بالموْتِ أم لا؟ لم يَنْجُسِ الماءُ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. جزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». قال المَجْدُ في «شَرْحِه»: لم يَنْجُسْ في أظْهَرِ الوَجْهَين. وصَحَّحَه في «مَجْمَعِ البَحْرَين».
قال في «القَواعِدِ»: وهو المُرَجَّحُ عندَ الأكْثَرين.
وقيل: ينْجُسُ. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمْدانَ، وابنُ عُبَيدان.
وكذا الحكْمُ لو وُجِدَ فيه رَوْثَة، خِلافًا ومَذْهَبًا. قاله في «القَواعِدِ»، وغيرِه. وَبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُهُ، وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ.
وأطْلقَهما في «الفُروعِ»، في كتابِ الطَّهارةِ. وَبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُه ومَنِيُّه، طاهرٌ. وهذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه الأصْحابُ.
وعنه، يَنْجُسُ. وأطْلَقَهما في الرَّوْثِ والبَوْلِ، في «الهداية».
فائدة: قال في «الرعايَة»، و «ابنِ تَميم»: ويجوزُ التَّداوي ببَوْلِ الإِبِلِ؛ للأثرِ،
وإنْ قُلْنا: هو نجِسٌ. وقال في «الآدابِ»: يجوزُ شُرْبُ أبوالِ الإِبِلِ للضَّرورَةِ. نصَّ عليه في رِواية صالحٍ، وعبدِ اللهِ، والمَيمُونِيِّ، وجماعةٍ.
وأمَّا شربُها لغيرِ ضَرُورَةٍ؛
فقال في رواية أبي داودَ: أمَّا مِن عِلَّةٍ فنَعَمْ،
وأمَّا رَجُلٌ صحيحٌ، فلا يُعْجِبُنِي. قال القاضي. في كتابِ «الطِّبِّ»: يجِبُ حمْلُه على أحَدِ وَجْهَين؛
إمَّا على طَريقِ الكَراهَةِ، أو على رِوايَةِ نَجاسَتِه،
وأمَّا على رِوايَةِ طَهَارَتِه، فيَجوزُ شُرْبُه لغيرِ ضَرُورَةٍ، كسائرِ الأشْرِبَةِ. انتهى. وقطَع بعْضُ أصحابِنا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالتَّحْريمِ مُطْلقًا لغيرِ التَّداوي. قال في «الآدابِ»: وهو أشْهَرُ. ويأتِي هذا وغيرُه في أوَّلِ كتابِ الجَنائزِ مُسْتَوْفًى مُحَرَّرًا.
تنبيهان؛ أحَدُهما، شَمِلَ كلامُ المُصَنِّفِ بَوْلَ السَّمَكِ ونحوه، ممَّا لا يَنْجُسُ بمَوْتِه، وهو صحيحٌ، لكنَّ جمهورَ الأصْحابِ لم يَحْكِ في طَهارَتِه خِلافًا. وذكَرَ في «الرِّعايَةِ» احْتِمالًا بنَجاسَتِه.
وفي «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه رِوايةٌ بنَجاسَتِه. الثَّاني، مفْهومُ كلامِه، أنَّ بَوْلَ ما لا يُؤكَلُ لَحْمُه ورَوْثَه، إذا كان طاهِرًا، نَجِسٌ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصْحابُ. ومفْهومُ كلامِه، أن مَنِيَّ ما لا يُؤكَلُ لَحْمُه، إنْ كان طاهِرًا، نَجِسٌ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. جزَم به في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «ابنِ عُبَيدان».
وقيل: طاهِرٌ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميم»، و «الرِّعايَةِ»، و «الفائقِ». ومحَلُّ هذا في غيرِ ما لا نفْسَ له سائِلَةٌ،
فإن كان ممَّا لا نفْسَ له سائِلَةٌ، فبَوْلُه ورَوْثُه طاهرٌ في قَوْلنا. قاله ابنُ عُبَيدان.
وقال بعْضُ الأصْحابِ: وَجْهًا واحدًا. ذكرَه ابنُ تَميم،
وقال: وظاهرُ كلامِ أحمدَ نَجاسَتُه، إذا لم يكُنْ مأكولًا. وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ. وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ.
قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا ما لا نفس له سائلة كالذباب وغيره) .
أما كون الآدمي لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس».
وقال عليه السلام:«لا تنجسوا موتاكم إن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا» رواه الدارقطني.
ولأنه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد.
وفارق بقية الحيوانات لحرمته.
ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر؛ لاستوائهما في الآدمية.
ولأنهما استويا حالة الحياة فكذلك بعد الممات.
وعن الإمام أحمد: أنه ينجس قياسًا على سائر ما ينجس بالموت.
وأما كون ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه. فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» رواه البخاري.
أمر بمقله فلو تنجس بالموت لما أمر به لأن الظاهر موته بمقله لا سيما إذا كان الطعام حارًا
فلو تنجس بالموت لكان ذلك تنجيسًا للطعام والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بذلك.
فإذا لم يَنجس الذباب بالموت لم ينجس سائر ما لا نفس له سائلة؛ لأن الكل مشترك معنى فوجب أن يشترك حكمًا.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالذباب فتمثيل لما لا نفس له سائلة.
قال: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر. وعنه أنه نجس) .
أما كون بول ما يؤكل لحمه طاهرًا على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العُرَنِيّين بشرب أبوال الإبل».
ولو كانت نجسة لما أمر بشربها.
فإن قيل: أمر به؛ لأن التداوي بالنجس يجوز.
قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:«إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها».
وعلى تقدير التسليم لا ينبغي حمل الحديث عليه لأنه لو كان للتداوي لا للطهارة لأمرهم بغسل أفواههم وأيديهم لأجل الصلاة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة. فلما لم يأمرهم بالغسل علم أن الأمر بالشرب للطهارة.
وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:«لا بأس ببول ما أُكل لحمه».
وروى جابر عليه السلام أنه قال:«ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله» رواهما الدارقطني.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه اللبن.
وأما كون روثه طاهرًا على المذهب فـ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابض الغنم» قبل المسجد. وهي لا تخلو من أبعارها. ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه يصلون على الأوطية ولم ينقل عنهم تنظيفها.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه البول واللبن.
وأما كون منيه طاهرًا على المذهب؛ فلأنه إذا حكم بطهارة بوله وروثه؛ فلأن يحكم بطهارة منيّه بطريق الأولى.
وأما كون بوله وروثه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه رجيع أشبه رجيع غير مأكول اللحم.
وأما كون منيه نجسًا على روايةٍ؛ فلأن طهارته بالقياس على طهارة البول والروث فإذا حكم بنجاستهما وجب الحكم بنجاسته لانتفاء الحكم في المقيس عليه، ولثبوت التنجيس فيه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.