وَلَا وَقَفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْكَلْبُ وَلَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا، كَالْأَثْمَانِ وَالْمَطْعُومُ، وَالرَّيَاحِينُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ
Its commentaries
مسألة: (ولا) يَصِحُّ (وَقْف) ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والكَلْبِ) والمَرْهُونِ،
وكذلك الخِنْزِيرُ، وسائِرُ سِباعِ البَهائِم التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، وجَوارِحُ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ فيها في الحياةِ، فلم يَجُزْ، كالبَيع، ولأنَّ الوَقْف تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه مُباحة فلا يَحْصُلُ فيه تَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، والكلْبُ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به على خِلافِ الأصْلِ للضَّرُورَةِ، فلم يَجُزِ التَّوَسُّعُ فيها، والمَرْهُونُ في وَقْفِه إبْطال حَقِّ المُرْتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ إبْطالُه.
ولا يَصِحُّ وَقْف الحَمْلِ المُنْفَرِدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيعُه. فصل: (ولا) يَصِحُّ وَقْفُ (ما لا يُنْتَفَعُ به مع بَقائِه دائِمًا؛ كالأثْمانِ، والمَطْعُومِ، والرَّياحِينِ) ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عينه؛ كالدّارهم والدنانير، المَطعُوَم ، والمَشْرُوب، وأشْباهه من الرَّياحِينِ، لايجوزُ وَقْفُه في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ، إلَّا شيئًا حُكِيَ عن مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، في وَقْفِ الطَّعامِ، أنَّه يجوزُ. ولم يَحْكِه أصْحابُ مالكٍ. وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيل المَنْفَعَةِ، وما لا يُنْتَفعُ به إلَّا بالإتْلافِ لا يَصِحُّ ذلك فيه.
وقيل في الدَّراهِمِ والدنانِيرِ: يَصِحُّ وَقْفُها. عندَ مَن أجاز إجارَتَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأن تلك المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ الذي خُلِقَتْ له الأثْمانُ، ولهذا لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فلم يَجُزِ الوَقْفُ له، كوقفِ الشَّجَرِ على نَشْرِ الثِّيابِ، والغَنَمِ على دَوْسِ الطِّينِ، والشَّمْعِ ليُتَجَمَّلَ به.
وكذلك لا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ للإِشْعالِ؛ لأنَّه يَتْلَف بالانْتِفاعِ به، فهو كالمَأكَولِ. (الثاني، أن يكونَ على بِرٍّ، كالمَساكِينِ، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، والأقارِبِ مسلمين كانوا أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْفَ لا يَصِحُّ إلَّا على بِرٍّ أو مَعْرُوفٍ؛ كوَلَدِه وأقارِبِه، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، وكُتُبِ الفِقْهِ والعِلْمِ، والقُرْآنِ، والسقاياتِ، والمَقابِرِ، وسبيلِ اللهِ، وإصْلاحِ الطرق، ونحو ذلك مِن القُرَبِ.
ويَصِحُّ على أهْلِ الذِّمَّةِ، لأنَّهم يَمْلِكُون مِلْكًا محْتَرَمًا، وتَجُوزُ الصَّدَقَةُ عليهم، قال اللهُ تعالى:{لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ}.
وإذا جازتِ الصدَقَةُ عليهم جاز الوَقْفُ عليهم، كالمسلمين. ورُوِيَ أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَتْ على أخٍ لها يَهُودِيّ . ولأنَّ مَن جاز أن يَقِفَ عليه الذِّمِّيُّ جاز أن يَقِفَ المسْلِم عليه، كالمسْلِمِ.
ولو وَقَف على مَن يَنْزِلُ كَنائِسَهم وبِيَعَهم مِن المارَّةِ والمُجْتازِين مِن أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، صَحَّ، لأنَّ الوَقْف عليهم لا على المَوْضِعِ. ٢٥٦١ -
(وَلَا وَقَفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ صَحَّ بَيْعُهَا (وَالْكَلْبُ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِلضَّرُورَةِ، فَلَمْ يَجُزِ التَّوَسُّعُ فِيهَا،
وَكَذَا لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحَمْلِ مُنْفَرِدًا (وَلَا) يَصِحُّ وَقْفُ (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا، كَالْأَثْمَانِ) وَهِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، (وَالْمَطْعُومُ، وَالرَّيَاحِينُ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ،
وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَثْمَانِ بِنَاءً عَلَى إِجَارَتِهَا، وَرُدَّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتِ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ، فَلَمْ يَجُزِ الْوَقْفُ لَهُ كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْ وَقَفَ فَرَسًا بِسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَدْخُلُ تَبَعًا، نَصَّ عَلَيْهِ،
أَمَّا لَوْ وَقَفَهُمَا لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ، فَاخْتَارَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الصِّحَّةَ كَإِجَارَتِهَا لِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَعَ ضِدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ،
فَإِنْ أُطْلِقَ بَطَلَ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ قِنْدِيلِ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ، وَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ،
وَقِيلَ: يَصِحُّ فَيُكْسَرُ، وَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ،
وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: تَمْثِيلُهُ بِالْمَطْعُومِ وَالرَّيَاحِينِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ، فَيُحْذَفَانِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى التَّمْثِيلِ بِالْأَثْمَانِ، أَوْ يَبْقَيَانِ مَعَ حَذْفِ " مَعَ بَقَائِهِ " فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِمَا دَائِمًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهُمَا يَحْصُلُ فِي بَعْضِ الزَّمَنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ وَقْفَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى، نَعَمْ إِنْ وَقَفَهَا مُدَّةَ الْإِجَارَةِ إِذَا انْقَضَتْ صَحَّ إِنْ قِيلَ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطِ. (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) وَمَعْرُوفٍ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى،
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بِرٍّ لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ (كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ) ،
فَإِذَا قَالَ: جَعَلْتُ مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ - صَارَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُ نَاظِرِهِ؛ لِتَعَذُّرِهِ بِالْقَبُولِ كَحَالَةِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْفِ
ولا يَصِح وَقْفُ غيرِ مُعَيَّن، كأحَدِ هذين. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «التَّلْخيصِ»: ويَحْتَمِلُ أنْ يصِحر، كالعِتْقِ. ونقَل جماعة عن أحمدَ، في مَن وقَفَ دارًا، ولم يَحُدَّها، قال: يصِحُّ،
وإنْ لم يَحُدَّها، إذا كانتْ معْروفَةً. اخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فعلى الصِّحَّةِ، يخْرُجُ المُبْهَمُ بالقُرْعَةِ. قلَه الحارِثِي، وصاحِبُ «الرِّعايَةِ»، وغيرُهما. ولا يَصِح وَقْفُ ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والكَلْبِ.
أمَّا أم الوَلَدِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، أنَّه لا يصِح وَقْفُها. قطَع به في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ الحارِثِي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: يصِحُّ. قاله في «الفائقِ». وأطْلَقَهما في «الرعايَةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الضغِيرِ».
قلتُ: فلعَل مُرادَ القائلِ بذلك إذا قيلَ بجَوازِ بيعِها، أو أنَّه يصِحُّ ما دامَ سيِّدُها حيًّا، على قوْلٍ يأتِي.
ثم وجَدْتُ صاحِبَ «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» قال: وفي أم الوَلَدِ وَجْهان،
قلتُ: إنْ صح بيعُها، صح وَقْفُها، وإلا فلا. انتهى. لكِنْ ينْبَغِي على هذا أنْ يصِح وقْفُها، قوْلًا واحدًا، وعندَ الشَّيخِ تَقِي الدينِ، يصِحُّ وَقْفُ مَنافِعِ أم الوَلَدِ في حَياتِه.
فائدتان؛ إحْداهما، قال الحارِثِي: المُكاتَبُ؛ إنْ قيلَ بمَنْعِ بيعِه، فكأمِّ الوَلَدِ،
وإنْ قيل بالجَوازِ، كما هو المذهبُ، فمُقْتَضَى ذلك صِحةُ وَقْفِه، ولكِنْ إذا أدَّى، هل يبْطُلُ الوَقفُ؟ يحْتاجُ إلى نظَر. انتهى. الثانيةُ، حُكْمُ وَقف المُدَبَّرِ حُكْمُ بيعِه، على ما يأتِي في بابِه. ذكَرَه في «الرِّعايتَين»، و «الزَّرْكَشِي»، وغيرِهم.
وأمَّا الكَلْبُ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنه لا يصِحُّ وَقْفُه، وعليه الأصحاب؛ لأنه لا يصِحُّ بيعُه.
وقَال الحارِثِيُّ في «شَرْحِه»: وقد تُخَرَّجُ الصِّحَّةُ مِن جوازِ إعارَةِ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، كما خُرِّجَ جوازُ الإجارَةِ؛ لحُصولِ نقْلِ المَنْفَعَةِ، والمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَة بغيرِ إشْكالٍ، فجازَ أنْ تُنْقَلَ.
قال: والصَّحيحُ اخْتِصاصُ النَّهْي عنِ البَيعِ بما عَدا كَلْبَ الصَّيدِ؛ بدَليلِ رِوايَةِ حمَّادِ بنِ سَلَمَةَ، عن أبِي الزْبيرِ، عن جابر قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ثَمَنِ الكَلْبِ، والسِّنَوْرِ، إلَّا كَلْبَ الصَّيدِ . والإسْنادُ جيِّدٌ، فيَصِحُّ وقف مُعَلمِ؛ لأن بيعَه جائز.
وفي وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقائِهِ دَائِمًا؛ كَالْأثْمانِ، وَالمَطْعُومِ، وَالريَاحِينَ.
مَعْناه جَوارِحُ الطيرِ، وسِباع البهائمِ الصَّيادَةُ، يصِحُّ وقْفُها،
ويجوزُ بيعُها، بخِلافِ غيرِ الصَّيَّادَةِ. ومَر في المذهبِ رِوايَة بامْتِناعِ بيعِها، أعْنِي الصيَّادَةَ، فيَمْتَنِعَ وقْفُها. والأوَّلُ أصحُّ. انتهى.
قال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ويصِحُّ وَقْفُ الكَلْبِ المُعَلَّمِ، والجَوارِحِ المعَلَّمَةِ، وما لا يُقْدَرُ على تَسْليمِه. وما لا يُنتَفَعُ به مع بقائِه دَائمًا، كالأثْمانِ. إذأ وقَف الأثْمانَ، فلا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يقِفَها للتَّحَلِّي والوَزْنِ، أو غيرِ ذلك،
فإنْ وقَفَها للتحَلي والوَزْنِ، فالصَّحيح مِنَ المذهبِ، أنه لا يصِحُّ. ونَقَله الجماعَةُ عن أحمدَ، وهو ظاهِرُ ماقدمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ». قال الحارِثِي: وعدَمُ الصِّحَّةِ أصحُّ.
وقيل: يصِحُّ؛ قِياسًا على الإجارَةِ.
قال في «التَّلْخيصِ»: إنْ وقَفَها للزنَةِ بها، فقِياسُ قوْلِنا في الإجارَةِ، أنه يصِحُّ. فعلى هذا؛ إنْ وقَفَها وأطْلَقَ، بطَل الوَقْفُ. على الصَّحيحِ.
وقيل: يصِحُّ، ويُحْمَلُ عليهما. وإنْ وقَفَها لغيرِ ذلك، لم يصِحَّ على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقال في «الفائقِ»: وعنه، يصِحُّ وَقْفُ الدَّراهمِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيُنْتَفَعُ بها في القَرْضِ ونحوه. اخْتارَه شيخُنا. يعْنِي به الشيخَ تَقِي الدينِ.
وقال في «الاخْتِياراتِ»: ولو وقَف الدَّراهِمَ على المُحْتاجِين، لم يكُنْ جوازُ هذا بعيدًا.
فائدتان؛ إحْداهما، لو وقَف قِنْديلَ ذَهَبٍ، أو فِضةٍ على مسْجِدٍ، لم يصِح، وهو باقٍ على مِلْكِ رَبه، فيُزَكِّيه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يصِح، فيُكْسرُ ويُصرَفُ في مصَالحِه. اخْتارَه المُصَنفُ.
قلتُ: وهذا هو الصَّوابُ. وقال الشَّيخُ تَقِي الدينِ: لو وقَف قِنْدِيلَ: نقْدٍ للنَّبِي، - صلى الله عليه وسلم -، صُرِفَ لجِيرانِه، - صلى الله عليه وسلم - قِيمَتُه.
وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: النَّذْرُ للقُبورِ هو للمَصالِحِ، ما لم يُعلمْ رَبُّه،
وفي الكفَارَةِ الخِلافُ، وإنَّ مِنَ الحُسْنِ صَرْفَه في نَظيرِه مِنَ المَشْرُوعِ.
ولو وقَف فَرَسًا بسَرْجٍ ولِجامٍ مُفَضَّض، صحَّ. نصَّ عليه تَبَعًا.
وعنه، تُباعُ الفِضَّةُ، وتُصْرَفُ في وَقْفٍ مِثْلِه.
وعنه، تُنْفَقُ عليه. الثانيَةُ، قال في «الفائقِ»: ويجوزُ وَقْفُ الماءِ. نصَّ عليه.
قال في «الفُروع»: وفي «الجامِعِ»، يصِح وَقْفُ الماءِ. قال الفَضْلُ: سألتُه عن وَقْفِ الماءِ؟ فقال: إنْ كان شيئًا اسْتَجازُوه بينَهم، جازَ. وحمَلَه القاضي وغيرُه على وَقْفِ مَكانِه. قال الحارِثِي: هذا النَّص يقْتَضِي تَصْحيحَ الوَقْفِ لنَفْسِ الماءِ، كما يفْعَلُه أهْلُ دِمَشقَ؛ يقِفُ أحَدُهم حِصَّةً أو بعضَها مِن ماء النَّهْرِ. وهو مُشْكِلٌ مِن وَجْهَين؛ أحدُهما، إثباتُ الوَقْفِ فيما لم يَمْلِكْه بعدُ،
فإنَّ الماءَ يتَجددُ شيئًا فشيئًا. الثَّانِي، ذَهابُ العَينِ بالانْتِفاعِ. ولكِنْ قد يُقالُ: بَقاءُ مادَّةِ الحُصولِ مِن غيرِ تَأثُّر بالانْتِفاعِ يتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ بَقاءِ أصْلِ العَينِ مع الانْتِفاعِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويُؤيِّدُ هذا صِحَّةُ وَقْفِ البِئْرِ،
فإنَّ الوَقْفَ وارِد على مَجْموعِ الماءِ والحَفيرَةِ، فالماءُ أصْل في الوَقْفِ. وهو المَقْصودُ مِنَ البِئْرِ. ثم لا أثَرَ لذَهابِ الماءِ بالاسْتِعْمالِ؛ لتجدُّدِ بدَلِه، فهنا كذلك، فيجوزُ وَقْفُ الماءِ كذلك. الهى. والمَطْعومِ والرَّياحِينِ. يعْنِي، لا يصِحُّ وَقْفُها. وهو صحيح، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لو تصَدَّقَ بدُهْنٍ على مَسْجِدٍ ليُوقَدَ فيه، جازَ، وهو مِن بابِ الوَقْفِ، وتَسْمِيَتُه وَقْفًا، بمَعْنَى أنَّه وُقِف على تلك الجِهَةِ، لا يُنْتَفَعُ به في غيرِها، لا تأباه اللُّغَةُ، وهو جارٍ في الشَّرْعِ.
وقال أيضًا: يصِحُّ وَقْفُ الرَّيحانِ ليَشُمَّه أهْلُ المَسْجِدِ. قال: وطِيبُ الكَعْبَةِ حُكْمُه حُكْمُ كُسْوَتِها. فعُلِمَ أن التطيبَ مَنْفَعَة مقْصودَة، لكِنْ قد تطُولُ مُدَّةُ التَّطيُّبِ، وقد تَقْصُرُ، ولا أثرَ لذلك. قال الحارِثِيُّ: وما يبقَى أثَرُه مِنَ الطيبِ؛ كالندِّ، والصَّنْدَلِ، وقِطَعِ الكافُورِ، لشَمِّ المَريضِ وغيرِه، فيصِحُّ وَقْفُه على ذلك؛ لبَقائِه مع الانْتِفاعِ، وقد صحتْ إجارَتُه لذلك، فصَحَّ وَقْفُه. انتهى. وهذا ليس داخِلًا في كلامِ المُصَنِّفِ، والظَّاهِرُ أن هذا مِنَ المُتَّفَقِ على صِحَّتِه؛
لوُجودِ شُروطِ الوَقْفِ فيه. الثَّانِي، أنْ يَكونَ عَلَى بِرٍّ؛ كَالْمَسَاكِينِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْأقَارِبِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أوْ مِنْ أهْلِ الذمَّةِ. الثانِي، أنْ يكونَ على بِرٍّ -وسواء كان الواقِفُ مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا، نصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه الإمامُ أحمدُ- كالمَساكِينِ، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، والأقارِبِ. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وقيل: يصِحُّ الوَقْفُ على مُباحٍ أيضًا.
وقيل: يصِحُّ على مُباح ومَكْرُوهٍ.
قال في «التَّلْخيصِ»: وقيل: المُشْتَرَط أنْ لا يكونَ على جِهَةِ مَعْصِيَةٍ، سواء كان قُرْبَةً وثَوابًا، أو لم يكُنْ. انتهى. فعلى هذا، يصِحُّ الوَقْفُ على الأغْنِياءِ. فعلى المذهبِ، اشْتِراطُ العُزوبَةِ باطل؛ لأنَّ الوَصْفَ ليس قُرْبَة، ولتَمْييزِ الغَنِيِّ عليه. وعلى هذا، هل يلْغُو الوَصْفُ ويَعُمُّ، أو يلْغُو الوَقْفُ، أو يُفَرَّقُ بينَ أَنْ يقِفَ
ويَشْتَرِطَ، أو يذْكُرَ الوَصْفَ ابْتِداءً، فيُلْغَى في الاشْتِراطِ،
ويصِحُّ الوَقْفُ؟ يحْتَمِلُ أوْجُهًا. قاله في «الفائقِ».
فائدتان؛ إحْداهما، أبطَلَ ابنُ عَقِيلٍ وَقْفَ الستورِ لغيرِ الكعْبَةِ؛ لأنه بِدْعَة، وصحَّحَه ابنُ الزاغُونِيِّ، فيُصْرَفُ لمَصْلَحَةٍ. نَقَله ابنُ الصَّيرَفِيِّ عنهما.
وفي «فَتاوَى ابنِ الزاغُونِيِّ»، المَعْصِيَةُ لا تنعَقِدُ. وأفْتَى أبو الخَطَّابِ بصِحتِه، ويُنْفَقُ ثمَنُها على عِمارَته ولا يُسْتَرُ؛ لأنَّ الكَعْبَةَ خُصَّتْ بذلك، كالطَّوافِ. الثَّانيَةُ، يصِحُّ وَقْفُ عَبْدِه على حُجْرَةِ النَّبِيِّ، - صلى الله عليه وسلم -؛ لإخراجِ تُرابِها، وإشْعالِ قَنادِيلِها وإصْلاحِها، لا لإشْعالِها وحْدَه، وتَعْليقِ سُتُورِها الحريرِ، والتَّعْليقِ، وكَنْسِ الحائطِ، ونحو ذلك. ذكَرَه في «الرِّعايَةِ».
قال: (الثاني: أن يكون على برٍّ؛ كالمساكين، والمساجد، والقناطر، والأقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة) .
أما كون الثاني من شروط صحة الوقف: أن يكون على برٍّ؛ فلأن المقصود من الوقف التقربُ إلى الله عز وجل.
فإذا لم يكن الوقف على برٍّ لم يحصل المقصود من الوقف.
وأما قول المصنف رحمه الله:"كالمساكين ... إلى مسلمين"؛ فتمثيلٌ للبر الذي يصح الوقف عليه.
وأما كون الوقف يصح على الأقارب مسلمين كانوا أو من أهل الذمة؛ فلأن القريب الذمي موضع القربة. بدليل جواز الصدقة عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.