وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ بَاسِمِ اللَّهِ خَاصَّةً
Its commentaries
فصل: وإن قال: أُولِي باللهِ. أو: حَلَفْتُ باللهِ. أو: آليتُ باللهِ. أو: ألِيَّةً باللهِ. أو: حَلِفًا باللهِ. أو: قَسَمًا باللهِ. فهو يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى به اليَمِينَ أو أَطْلَقَ؛ لِما ذَكَرْناه في: أُقْسِمُ باللهِ. وحُكْمُه حُكْمُه في تَفْصِيله؛ لأنَّ الإيلاءَ والحَلِفَ والقَسَمَ واحِدٌ. قال اللهُ تعالى:{لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}.
وقال سعدُ بنُ مُعاذٍ: أحْلِفُ بِاللهِ، لقد جاءَكُم أُسَيدٌ بغيرِ الوَجْهِ الَّذي ذَهَبَ به .
وقال الشاعر :
أُولِي برَبِّ الرَّاقِصاتِ إلى مِنًى ... ومَطارِحِ الأكْوارِ حيثُ تَبِيتُ وقال ابنُ دُرَيدٍ :
ألِيَّةً باليَعْمَلاتِ تَرْتَمِي ... بِها النَّجاءُ بَينَ أجْوازِ الفَلَا وقال :
بَلْ قَسَمًا بالشُّمِّ مِنْ يَعْرُبَ ... هَلْ لمُقْسِمٍ مِنْ بَعْدِ هذا مُنْتَهَى
فصل: فأمَّا إن قال: أقْسَمْتُ، أو: آليتُ، أو: شَهِدْتُ لأفعَلَنَّ. ولم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ، فعن أحمدَ رِوايتان؛ إحداهُما، أنَّها يَمِينٌ، سَواءٌ نَوَى اليَمِمنَ أو أطْلَقَ. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباسٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه. وعن أحمدَ، إن نوَى اليَمِينَ بالله كِان يَمِينًا، وإلَّا فلا. وهو قولُ مالكٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ القَسَمَ بالله وبغيرِه، فلم يَكُن يَمِينًا حتى يَصْرِفَه بنِيَّتِهِ إلى ما تَجِبُ به الكَفَّارَةُ.
وقال الشافِعيُّ: ليس بيَمِينٍ وإن نوَى. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّها عَرِيَتْ عن اسمِ الله تعالى وصِفتِه، فلم تَكُنْ يَمِينًا، كما لو قال: أقْسَمْتُ بالبَيتِ. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت لها عُرْفُ الشَّرْعِ والاسْتِعْمالِ،
فإنَّ أبا بكرٍ قال: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ اللهِ، لَتُخْبِرَنِّي بما أصَبْتُ ممَّا أخْطَأتُ. فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُقْسِمْ يا أبَا بَكْرٍ». رَواه أبو داودَ .
وقال العبّاسُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أقْسَمْتُ عليك يا رَسولَ الله لِتُبَايِعَنُّه. فبايَعَه النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وقال:«أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي، ولَا هِجْرَةَ».
وفي كتابِ الله تعالى:{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}. إلى قولِه:{اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. فسَمَّاها يَمِينًا، وسَمَّاها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمًا. وقالت عاتِكَةُ بنتُ عبدِ المطَّلِبِ : حَلَفْتُ لَئِنْ عَادُوا لنَصطَلِمَنَّهُمْ ... بجَأْواءَ تُرْدِي حَجْرتَيها المَقانِبُ وقالت عاتِكَةُ بنتُ زيدِ بنِ عمرِو بنِ نُفَيلٍ :
فَآلَيتُ لا تَنْفَكُّ عَينِي حَزِينةً ... عَلَيكَ ولا يَنْفَكُّ جِلْدِيَ أغْبَرَا وقولُهم: يَحْتَمِلُ القَسَمَ بغيرِ اللهِ. قُلْنا: إنَّما يُحْمَلُ على القَسَمِ المشروعِ، ولهذا لم يكُنْ مَكْرُوهًا،
ولو حُمِلَ على القَسَمِ بغيرِ اللهِ، كان مَكْرُوهًا،
ولو كان مَكْرُوهًا لم يَفْعَلْه أبو بكرٍ بينَ يَدَيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أَبرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ العَبَّاسِ حينَ أقْسَمَ عليه.
فصل: وإن قال: أعْزِمُ. أو: عَزَمْتُ. لم يَكُنْ قَسَمًا، نَوَى به القَسَمَ أو لم يَنْوه، لأنَّه لم يَثْبُتْ لهذا اللَّفْظِ عُرْفٌ في الشَّرْعِ، ولا هو مَوْضُوعٌ للقَسَمَ، ولا فيه دَلالة عليه، ولذلك إن قال: أسْتَعِينُ باللهَ. أو: أعْتَصِمُ باللهِ. أو: أتَوَكَّلُ على اللهِ. أو: عَلِمَ اللهُ. أو: عَزَّ اللهُ. أو: تبارَكَ اللهُ. أو نحوَ هذا، لم يَكُنْ يَمِينًا، نَوَى أو لم يَنْو؛ لأنَّه ليس بمَوْضُوعٍ للقَسَمِ لُغَةً، ولا ثَبَت له عُرْفٌ في شَرْع ولا اسْتِعْمالٍ، فلم يَجبْ به شيءٌ؛
لو قال: سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِه، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فصل: (وحُروفُ القَسَمَ) ثلاثَةٌ (الباءُ، والواوُ، والتاءُ في اسْمِ اللهِ تعالى خاصَّةً) الأصْلُ في حُروفِ القَسَمِ الباءُ، وتَدْخُلُ على والمُظْهَرِ جميعًا، كقَوْلِكَ: باللهِ، وبِكَ. والواوُ، وهي بَدَلٌ مِن الباءِ، تَدْخُلُ على المُظْهَرِ دُونَ المُضْمَرِ، وهي أكْثرُ اسْتِعْمالًا، [وبها جاءَت] أكثرُ الأقْسام في الكتابِ والسُّنَّةِ، وإنَّما كانتِ الباءُ الأصْلَ؛ لأنَّها الحَرْفُ الَّذي تَصَلُ به الأفْعالُ القاصِرَةُ عنَ التَّعَدِّي إِلى مَفْعُولاتِها، والتَّقْديرُ في القَسَمِ، أُقْسِمُ باللهِ، كما قال اللهُ سبحانَه:{وَاقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ}.
والتاءُ بَدَلٌ مِن الواو، وتَخْتَصُّ باسْم واحدٍ مِن أسماءِ الله تعالى، وهو اللهُ، ولا تَدْخُلُ على غيرِه، فيقالُ: تاللهِ.
ولو قال: تالرَّحْمَنِ. أو: تَالرَّحِيمِ. لم يَكُنْ قَسَمًا.
فإذا أقْسَمَ بأحَدِ هذه الحروفِ الثلاثَةِ في مَوْضِعِه، كان قَسَمًا صحيحًا؛ لأنَّه مَوْضوعٌ له. وقد جاءَ في كتابِ الله تعالى وكلام العربِ، قال اللهُ تعالى:{تَاللهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ}. {تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَينا}. {تَاللهِ تَفْتَوأ تَذْكُرُ يُوسُفَ}. {تَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أصْنَامَكُم}.
وقال الشاعرُ :
تَاللهِ يَبْقَى على الأيَّامِ ذُو حِيَدٍ ... بمُشْمَخِرٍّ به الظَّيَّانُ والْآسُ وإن قال: ما أرَدْتُ به القَسَمَ. لم يُقْبَلْ قولُه، لأنَّه أتَى باللَّفْظِ الصَّريحِ في القَسَمِ، واقْتَرَنَتْ به قَرِينَة دالَّة عليه، وهو الجوابُ بجَوابِ القَسَمِ، [ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه في قولِه : تاللهِ لأقُومَنَّ. إذا قال: أرَدْتُ أنَّ قِيامي بمَعُونَتِه وفَضْلِه. لأنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما يَحْتَمِلُه، ولا يُقْبَلُ في الحرفين الآخرَين؛ لعَدَمِ الاحْتِمالِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أجابَه بجَوابِ القَسَمَ] .
فيَمْتَنِعُ صَرْفُه إلى غيرِه.
٤٦٩١ -
(وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ) وَهِيَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهَا الْحَرْفُ الَّتِي تَصِلُ بِهَا الْأَفْعَالُ الْقَاصِرَةُ عَنِ التَّعَدِّي إِلَى مَفْعُولَاتِهَا، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ، (وَالْوَاوُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنْهَا، وَيَلِيهَا الْمُظْهَرُ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، (وَالتَّاءُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَتَخْتَصُّ، (بَاسِمِ اللَّهِ خَاصَّةً) فَإِذَا أَقْسَمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ،
فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْقَسَمَ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ،
وَقِيلَ: بَلَى، فِي: تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ، إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ قِيَامِي بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: جَوَابُهُ فِي الْإِيجَابِ: بـ إِنَّ خَفِيفَةً وَثَقِيلَةً، وَبِاللَّامِ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مَقْرُونًا بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وَقَدْ يَتَعَاقَبَانِ،
وَفِي الْمَاضِي مَعَ قَدْ، وَقَدْ تُحْذَفُ مَعَهَا اللَّامُ لِطُولِ الْكَلَامِ،
وَفِي النَّفْيِ بِمَا، وَإِنَّ بِمَعْنَاهَا، وَبِلَا، وَتُحْذَفُ لَامُهُ لَفْظًا نَحْوَ: وَاللَّهِ أَفْعَلُ.
فَصْلٌ: وَحُرُوفُ الْقَسَم؛ الْبَاءُ، وَالْواوُ، وَالتَّاءُ فِي اسْمِ اللهِ تَعَالى خَاصَّةً. وحُرُوفُ القَسَمِ، الباءُ، والواوُ، والتَّاءُ. فالباءُ يَلِيها مُظْهَرٌ ومُضْمَرٌ. والواوُ يلِيها مُظْهَرٌ فقطْ. والتَاءُ في اللهِ خاصَّة. على ما يأْتِي. وظاهرُ كلامِ المُصنِّفِ، أنَّ هذه حُروفُ القَسَمِ لا غيرُ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وقطَع به أكثرُهم.
وقال في «المُسْتَوْعِبِ»: ها اللهِ، حَرْفُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قَسَم. والصَّحِيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّها يمينٌ بالنِّيَّةِ. والتَّاءُ في اسْمِ اللهِ تَعالى خاصَّةً. بلا نِزاعٍ، وهو يمينٌ مُطْلَقًا. وهو المذهبُ. وعليه الأصحابُ.
وفي «المُغْنِي» احْتِمالٌ في: تاللهِ لأَقُومَنَّ. يُقْبَلُ قوْلُه بنِيَّةِ أنَّ قِيامَه بمَعُونَةِ اللهِ.
وقال في «التَّرْغيبِ»: إنْ نَوَى: باللهِ أَثِقُ، ثم
وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللهَ لأَفْعَلَنَّ. بالْجَرِّ والنَّصْبِ،
فَإِنْ قَال: اللهُ لأَفْعَلَنَّ. مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إلا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْويَ الْيَمِينَ.
ابْتدَأَ: لأفْعَلَنَّ. احْتَمَلَ وَجْهَين باطِنًا.
قال في «الفُروعِ»: وهو كطَلاقٍ.
فصل [في حروف القسم] قال المصنف رحمه الله: (وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة) .
أما كون حروف القسم ما ذكر؛ فلأنها جاءت مستعملة فيه في الكتاب والسنة وكلام العرب.
وأما كون الباء أولها؛ فلأنها هي الأصل، وتدخل على المظهر والمضمر جميعاً.
وأما كون الواو بعدها؛ فلأنها بدل الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر. وبه جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة.
وأما كون التاء بعد الواو؛ فلأنها بدل منها. وتختص باسم الله تعالى.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.