Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K
Mas’ala 6564المقنعHanbalivol. 8, p. 70vol. 8, p. 70

وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا

Its commentaries

الشرح الكبير على المقنعIbn Abi 'Umar

مسألة: (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيرِ قَصْدٍ إِلَيهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ. وَبَلَى وَاللهِ. في عُرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ) هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لأنَّها من لَغْو اليَمِينِ. نَقَل عبدُ اللهِ، عن أبِيه، أنَّه قال: اللَّغْوُ عندِي أن يَحْلِفَ على اليَمِينِ، يَرَى أنَّها كذلك، والرجلُ يَحْلِفُ فلا يَعْقِدُ قَلْبَه على شيءٍ. وممَّن قال: إنَّ اللَّغْوَ اليَمِينُ التي لا يَعْقِدُ عليها قَلْبَه؛ عمرُ، وعائشةُ، رَضِيَ اللهُ عنهما. وبه قال عَطاءٌ، والقاسِمُ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والشافعيُّ؛

لِما رُوِيَ عن عَطاءٍ، قال: قالت عائشةُ: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال، يَعْنِي في اللَّغْو في اليَمِينِ:«هُوَ كَلَامُ الرَّجُلِ في بَيتِه: لَا واللهِ. و: بَلَى واللهِ». أخرَجَه أبو داودَ . قال: ورَواه الزُّهْرِيُّ، وعبدُ الملكِ بنُ أبي سُلَيمانَ، ومالِكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ مَؤقُوفًا. وروَى الزُّهْرِيُّ، أنَّ عُروَةَ حَدَّثَه أنَّ عائشةَ، قالت: أيمانُ اللَّغْو، ما كان في المِرَاءِ، والهَزْلِ، والْمُزَاحَةِ، والحديثِ الَّذي لا يُعْقَدُ عليه القَلْبُ، وأيمانُ الكَفَّارَةِ كلُّ يَمِينٍ حَلَف عليها على وَجْهٍ من الأمْرِ، في غَضَبٍ أو غيرِه، ليَفْعَلَنَّ، أو ليَتْرُكَنَّ، فذاك عَقْدُ الأيمانِ التي فَرَض اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيها الكَفَّارَةَ .

ولأنَّ اللَّغْوَ في كلامِ العَرَبِ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وهذا كذلك. وممَّن قال: لا كَفَّارَةَ في هذا؛ ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو مالكٍ، وزُرَارَةُ بنُ أوْفَى، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ، وممالكٌ. وهو قولُ مَن قال: إنَّه مِن لَغْو اليَمِينِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. ووَجْهُ ذلك قولُ اللهِ تعالى:{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}. فجَعَلَ الكفَّارَةَ لليَمِينِ التي يُؤْاخَذُ بها، ونَفَى المُؤاخَذَةَ باللَّغْو، فيَلْزَمُ انْتِفاءُ الكفَّارَةِ، ولأنَّ المُؤاخَذَةَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَعْناها إيجابَ الكَفَّارَةِ، بدليلِ أنَّها تَجِبُ في الأيمانِ التي لا مَأْثَمَ فيها،

36,700

وإذا كانتِ المُؤاخَذَةُ إيجابَ الكَفَّارَةِ، فقد نَفَاها في اللَّغْو، فلا تَجِبُ، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّ قولَ عائشةَ في تفسيرِ اللَّغْو، وبَيانِ الأيمانِ التي فيها الكَفَّارَةُ، خَرَج منها تفسيرًا لكلامِ اللهِ تعالى، وتَفْسِيرُ الصَّحابِيِّ مَقبولٌ.

فصل: الشَّرطُ (فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا،

36,701

وَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أو ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه.

36,702

وعنه، على النَّاسِي كَفَّارَةٌ) إذا حَلَف لا يَفْعَلُ شيئًا، فَفَعَلَه ناسِيًا، فلا كَفَّارَةَ عليه. نَقَلَه عن أحمدَ الجماعَةُ، إذا كان في غيرِ الطَّلاقِ والعَتاقِ. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. اخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.

36,703

فأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فإنَّه يَحْنَثُ فيهما، في ظاهرِ المذهبِ.

36,704

وعنه، لا يَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعتَاقِ أيضًا. وهو قولُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وإسْحَاقَ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ؛ لقولِه تعالى. {لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}.

36,705

وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجاوَز لأُمَّتِي عَنَ الخَطَأْ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» . ولأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنَّائِم والمجْنُونِ. ولأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِينِ، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتِداءِ بها. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يَحْنَثُ، وتَلْزَمُه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافِعِيِّ، لأنَّه خالفَ ما حَلَف عليه قاصِدًا لفِعْلِه، فلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانتِ اليَمِينُ بالطَّلاقِ والعَتاقِ.

ولَنا، على أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَجِبُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، ما تَقَدَّمَ من الآيةِ والخَبَرِ، ولأنَّها تَجِبُ لمَحْو الإثْمِ، ولا إثْمَ على النَّاسِي.

36,706

وأمَّا الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّقٌ بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه من غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنْتِ طالِقٌ، إنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.

فصل: فإن فَعَلَه غيرَ عالمٍ بالمَحْلُوفِ عليه، كرجلٍ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يَحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَف لا يُفارِقُه حتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّه، فأعْطاه، ففارَقَه ظَنًّا منه أنَّه قد بَرَّ ، فوَجَدَه مَعِيبًا أو رَدِيئًا، أو حَلَفَ: لا بِعْتُ لزيدٍ ثَوْبًا. فوَكَّلَ زيدٌ مَنْ يَدْفَعُه إلى مَن يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالنَّاسِي، لأنَّه غيرُ قاصِدٍ للمُخالفةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ. فصل: والمُكْرهُ على الفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسمَين؛ أحدُهما، أن يُلْجَأَ إليه، مثلَ مَن حَلَف لا يَدْخُل دارًا، فحُمِلَ فأُدْخِلَها.

أو لا يَخْرُجُ منها، فأُخْرِجَ مَحْمُولًا، ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، فلا يَحْنَثُ في قولِ الأكْثَرِين. وبه قال أصحابُ الرَّأْي.

36,707

وقال مالكٌ: إن دَخَل مَرْبُوطًا، لم يَحْنَث. وذلك لأنَّه لم يَفْعَلِ الدُّخولَ والخُروجَ، فلم يَحْنَث، كما لو لم يُوجَدْ ذلك. الثاني، أن يُكْرَهَ بالضَّرْبِ والتَّهْدِيدِ بالقَتْلِ ونحوه، فقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوايتان، كالنَّاسِي. وللشافعيِّ قَوْلان.

36,708

وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَحْنَثُ، لأنَّ الكَفَّارَةَ لا تَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، فوَجَبَت مع الإِكْراهِ والنِّسْيانِ، ككَفَّارَةِ الصَّيدِ. ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأ، والنِّسْيانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». ولأنَّه نَوْعُ إكْراهٍ، فلم يَحْنَثْ به، كما لو حُمِلَ ولم يُمْكِنْه الامْتِناعُ، لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْسَبُ إليه، فأشْبَهَ مَن لم يَفْعَلْه، ولا نُسَلِّمُ الكَفَّارَةَ في الصَّيدِ، بل إنَّما تَجِبُ على المُكْرِهِ. ٤٦٩٧ - مسألة: (فإن حَلَف فقال: إن شاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ، فَعَل أو تَرَك، إذا كان مُتَّصِلًا بيَمِينِه) وجملةُ ذلك، أنَّ الحالِفَ إذا قال: إن شاء اللهُ.

مع يَمِينِه، فهذا يُسَمَّى اسْتِثْناءً.

36,709

فإنَّ ابنَ عمرَ رَوَى عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. [فَقَدِ اسْتَثْنَى]». روَاه أبو داودَ . وأجْمَعَ العُلَماءُ على تَسْمِيَته اسْتِثْناءً، وأنَّه متى اسْتَثْنَى في يَمِينِه، لم يَحْنَث فيها؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَن حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». رَواه التِّرْمِذِي . وروَى أبو داودَ : «مَنْ حَلَفَ فَاسْتَثْنَى، فإنْ شَاءَ رَجَعَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ».

ولأنَّه متى قال: لأَفعَلَنَّ إن شاء اللهُ. فقد عَلِمْنا أنَّه متى شاءَ اللهُ فَعَل،

36,710

ومتى لم يَفْعَلْ لم يَشَأ اللهُ ذلك،

36,711

فإنَّ ما شاءَ اللهُ كان، وما لم يَشَأْ لم يَكُنْ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشْتَرَطُ أن يكونَ الاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا باليَمِينِ، بحيث لا يَفْصِلُ بينَهما بكلامٍ أجْنَبِيٍّ، ولا يَسْكُتُ بينَهما سُكوتًا يُمْكِنُه الكَلامُ فيه،

36,712

فأمَّا السُّكوتُ لانْقِطاعِ نَفَسِه أو صَوْتِه، أو عِيٍّ، أو عارِضٍ، من عَطْسَةٍ، أو شيءٍ غيرها، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ، وثُبوتَ حُكْمِه. وبهذا قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ حَلَفَ، فاسْتَثْنَى». وهذا يَقْتَضِي كَوْنَه عَقِيبَه. ولأنَّ الاسْتِثْناءَ من تَمامِ الكلامِ، فاعْتُبرَ اتِّصالُه به، كالشَّرْطِ وجَوابِه، وخَبَرِ المُبْتَدَأ، والاسْتِثْناءِ بإلَّا، ولأنَّ الحالِفَ إذا سَكَت ثَبَت حُكْمُ يَمِينِه، وانْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لحُكْمِها، وبعدَ ثُبُوتِه لا يُمْكِنُ دَفْعُه ولا تَغْيِيرُه.

قال أحمدُ: حديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِعَبْدِ الرحمنِ بنِ سَمُرَةَ:«إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأيتَ غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ». ولَمْ يَقُلْ: فاسْتَثْنِ.

36,713

ولو جازَ الاسْتِثْناءُ في كلِّ حالٍ، لم يَحْنَثْ حالِفٌ به. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخرَى، أنَّه يجوزُ الاسْتِثْناءُ إذا لم يَطُلِ الفَصْلُ بينَهما.

36,714

قال في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: حديثُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«وَاللهَ لأغْزُوَنَّ قُريشًا». ثم سَكَت، ثم قال:«إنْ شَاءَ اللهُ». إنَّما هو اسْتِثْناءٌ بالقُرْبِ، ولم يخْلِطْ كلامَه بغيرِه. ونقَل عنه إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ مثلَ هذا، وزادَ: ولا أقولُ فيه بقَوْلِ هؤلاءِ. يَعْنِي مَن لم يَرَ ذلك إلَّا مُتَّصِلًا. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ؛ فإنَّه قال: إذا لم يَكُنْ بينَ اليَمِينِ والاسْتِثْناءِ كلامٌ. ولم يَشْتَرِطِ اتِّصال الكلام، وعدمَ السُّكوتِ.

وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، قال في رجلٍ، قال: لا أَفْعَلُ كذا

36,715

وكذا. ثم سَكَت ساعَةً لا يَتَكَلَّمُ، ولا يُحَدِّث نَفْسَه بالاسْتِثْناءِ، فقال له إنْسانٌ: قُلْ: إن شاءَ اللهُ. [فقال: إن شاء اللهُ]. أَيُكَفِّرُ عن يَمِينِه؟ قال: أراهُ قد اسْتَثْنَى.

36,716

وقال قَتادَةُ: له أن يَسْتَثْنِيَ قبلَ أن يقومَ أو يتَكَلَّمَ. ووَجْهُ ذلك، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَثْنَى بعدَ سُكُوتِه، إذْ قال:«وَاللهِ لَأغْزُوَنَّ قُرَيشًا». ثم سَكَتَ، ثم قال:«إنْ شَاءَ اللهُ». احْتَجَّ به أحمدُ، ورَواه أبو داودَ. وزاد : قال الوليدُ بنُ مسلم: ولم يَغْزُهُم.

36,717

ويُشْتَرَطُ على هذه الرِّوايَةِ أن لا يُطِيلَ الفَصْلَ بينَهما، ولا يَتَكَلَّمَ بينَهما بكَلامٍ أجْنَبِيٍّ. وحَكَى ابنُ أبي موسى عن بعضِ أصحابِنا، أنَّه قال: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ ما دامَ في المَجْلِسِ. وحُكِيَ ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ. وعن عَطاءٍ أنَّه قال: قَدْر حَلْبِ النَّاقَةِ الغَرُوزَةِ . وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ له أن يَسْتَثْنِيَ بعدَ حِينٍ . وهو قولُ مُجاهِدٍ. وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْناه، وتَقْديرُه بمَجْلِسٍ أو غيرِه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّقْديراتِ بابُها التَّوْقِيفُ، فلا يُصارُ إليها بالتَّحَكُّمِ.

فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَسْتَثْنِيَ بلِسانِه، ولا يَنْفَعُه الاسْتِثْناءُ بالقَلْبِ في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأَوْزاعِيُّ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو حنيفةَ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». والقولُ هو النُّطْقُ، ولأنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ بالنَّيَّةِ،

36,718

وكذلك الاسْتِثْناءُ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ: إن كان مَظْلُومًا فاسْتَثْنَى في نفْسِه، رَجَوْتُ أنْ يجوزَ، إذا خافَ على نَفْسِه. فهذا في حَقِّ الخائِفِ على نفسِه؛ لأنَّ يَمِينَه غيرُ مُنْعَقِدَةٍ، أو لأنَّه بمنزِلَةِ المُتَأَوِّلِ،

36,719

وأمَّا في حَقِّ غيرِه فلا. فصل: واشْتَرَطَ القاضِي [أن يَقْصِدَ] الاسْتِثْناءَ،

36,720

فلو أرادَ الجَزْمَ، فسَبَقَ لِسانُه إلى الاسْتِثْناءِ مِن غيرِ قَصْدٍ، أو كانت عادَتُه جارِيَةً بالاسْتِثْناءِ، فجرَى على لِسانِه من غيرِ قَصْدٍ، لم يَصِحَّ، لأنَّ اليَمِينَ لَمّا لم تَنْعَقِدْ مِن غيرِ قَصْدٍ، فكذلك الاسْتِثْناءُ. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وذَكَر بعضُهم أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ حتَّى يَقْصِدَه مع ابتِدَاءِ يَمينِه ،

36,721

فلو حَلَف غيرَ قاصِدٍ للاسْتِثْناءِ، ثم عَرَض له بعدَ فَرَاغِه من اليَمِينِ فاسْتَثْنَى، لم يَنْفَعْه. وهذا القولُ يُخالِفُ عُمومَ الخَبَرِ، وهو قولُه، عليه السَّلامُ:«مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شَاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ». فلا يَصِحُّ، ولأنَّ لَفْظَ الاسْتِثْناء يكونُ عَقِيبَ يَمِينِه، فكذلك نِيَّتُه.

36,722

فصل: ويَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في كُلِّ يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى، والظِّهارِ، والنَّذْرِ. قال ابنُ أبي موسى. مَنْ اسْتَثْنَى في يَمِينٍ تَدْخُلُها كَفَّارَةٌ، فله ثُنْيَاهُ ؛ لأنَّها أَيمانٌ مُكَفَّرَةْ، فدَخَلَها الاسْتِثْناءُ، كاليَمِينِ باللهِ تعالى،

note

فلو قال: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاءَ اللهُ. [أو أنْتِ حَرامٌ، إن شاء اللهُ. أو: إن دخَلْتِ الدّارَ فأنْتِ عليَّ كظَهْرِ أُمِّي، إن شاء اللهُ]. أو: للهِ عليَّ أن أتَصَدَّقَ بمائَةِ دِرْهَمٍ، إن شَاءَ اللهُ. لم يَلْزَمْه شيءٌ؛ لأنَّها أيمانٌ، فتَدْخُلُ في عُمومِ قولِه:«مَنْ حَلَفَ، فَقَال: إنْ شاءَ اللهُ. لَمْ يَحْنَثْ».

فصل: فإن قال: واللهِ لأَشْرَبَنَّ اليومَ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ. أو: لا أشْرَبُ، إلَّا أن يشاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ بالشُّرْبِ ولا تَرْكِه، لِما ذَكَرْنا في الإِثْباتِ. ولا فَرْقَ بينَ تَقْديمِ الاسْتِثْناءِ وتَأْخيرِه في هذا كُلِّه،

36,723

فإذا قال: واللهِ، إن شَاءَ اللهُ، لا أشْرَبُ اليومَ. أو: لأشْرَبَنَّ . ففَعَلَ أو تَرَك، لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ وتَأْخِيرَه سَواءٌ، قال اللهُ تعالى:{إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ}.

فصل: فإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ اليومَ، إن شاءَ زَيدٌ. فشاءَ زَيدٌ، ولم يَشْرَبْ حتَّى مَضَى اليومُ، حَنِثَ،

36,724

وإن لم يَشَأْ زَيدٌ، لم تَلْزَمْه يَمِينٌ،

36,725

فإن لم تُعْلَمْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو جُنونٍ أو مَوْتٍ انْحَلَّتِ اليَمِينُ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ الشَّرْطُ.

36,726

وإن قال: واللهِ لا أشْرَبُ، إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ. فقد مَنَع نَفسَه الشُّرْبَ إلَّا أن تُوجَدَ مَشِيئَةُ زيدٍ،

36,727

فإن شاءَ فله الشُّرْبُ، وإن لم يَشأْ لم يَشْرَبْ،

36,728

وإن خَفِيَتْ مَشِيئَتُه لغَيبَةٍ أو موتٍ أو جُنونٍ، لم يَشْرَبْ،

36,729

وإنْ شَرِبَ حَنِثَ؛ لأنَّه مَنَع نَفْسَه إلَّا أن تُوجَدَ المَشِيئَةُ. ولم يَكُنْ له أن يَشْرَبَ قبلَ وُجودِها.

36,730

وإن قال: واللهِ لأشْرَبَنَّ، إلَّا أن يشاءَ زيدٌ. فقد ألْزَمَ نَفْسَه الشُّرْبَ إلَّا أن يَشاءَ زيدٌ أن لا يَشْرَبَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ ضِدُّ المُسْتَثْنَى منه، والمُسْتَثْنَى منه إيجابٌ لشربِه بيَمِينِه،

36,731

فإن شَرِبَ قبلَ مَشِيئَةِ زيدٍ بَرَّ.

36,732

وإن قال زيدٌ: قد شِئتُ أن لا يَشْرَبَ. انْحَلَّتْ يَمِينُه؛ لأنَّها مُعَلَّقَةٌ بعَدَمِ مَشِيئَتِه لتَرْكِ الشربِ،

36,733

وإن لم تَتَقَدَّمْ فلم يُوجَدْ شَرْطُها.

36,734

وإن قال: قد شِئْتُ أن يَشْرَبَ. أو: ما شِئْتُ أن لا يَشْرَبَ. لم تَنْحَلَّ اليَمِينُ؛ لأنَّ هذه المَشِيئَةَ غيرُ المستثناةِ،

36,735

فإن خَفِيتْ مَشِيئَتُه، لَزِمَه الشربُ؛ لأنَّه عَلَّقَ وُجوبَ الشُّرْبِ بعَدَمِ المشيئةِ، وهي مَعْدُومَةٌ بحُكْمِ الأصلِ.

36,736

وإن قال: واللهِ لا أشربُ اليومَ، إن شاء زيدٌ. فقال زيدٌ: قد شِئْتُ أن لا يشربَ. فشربَ حَنِث،

36,737

وإن شَرِب قبلَ مشيئتِه لم يَحْنَثْ؛ لأنَّ الامْتِناعَ من الشُّرْبِ مُعَلَّقٌ بمشيئتِه، ولم تَثْبُتْ مشيئتُه، فلم يَثْبُتْ الامْتناعُ،

36,738

بخلافِ التي قبلَها. وإن خفِيَتْ مشيئتُه، فهي في حكمِ المعْدومةِ. والمشيئةُ في هذه المواضِعِ أن يقولَ: قد شئتُ. بلسانِه.

٤٦٩٨ -

المبدع في شرح المقنعIbn Muflih

(وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ) عُرْضُ الشَّيْءِ، بِالضَّمِّ: جَانِبُهُ، وَبِالْفَتْحِ: خِلَافُ طُولِهِ، (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ لِمَا رَوَى عَطَاءٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ: وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا،

23,372

وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الكلام غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ إِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ يَمِينٌ عَلَى قَوْلٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّ يَمِينَهُ تَنْعَقِدُ فِي رِوَايَةٍ،

23,373

فَإِنْ حَنِثَ فِيهَا، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ،

23,374

وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ،

23,375

وَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، سَوَاءٌ قُلْنَا هِيَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، أَمْ لَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ هُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ.

[الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ] (الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الْقَسَمِ، (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ) لِأَنَّ الْحِنْثَ الْإِثْمُ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا الْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي، وَنَبَّهَ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ

الإنصافal-Mardawi

وإنْ سَبَقَتِ اليَمِينُ على لِسانِه مِن غيرِ قَصْدٍ إِليها، كَقَوْلِه: لا واللهِ. وبلى واللهِ. في عُرْضِ حَدِيثه، [فلا كَفَّارَةَ عليه. هذا المذهبُ. وعليه أكثرُ الأصحابِ.

38,798

قال في «الفُروعِ»] : فلا كفَّارَةَ على الأصحِّ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «النَظْمِ».

38,799

قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: فلا كفَّارَةَ في الأشْهَرِ.

38,800

وعنه، عليه الكفَارَةُ مُطْلَقًا. وعنه، لا كفَّارَةَ في الماضِي. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ».

38,801

وقال في «الرِّعايَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الصُّغْرَى»: فلا كفَّارَةَ في الأشْهَرِ،

38,802

وفي المُسْتَقْبَلِ رِوايَتان. وقال في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصغِيرِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»: لا كفَّارَةَ فيه إنْ كانَ في الماضِي،

38,803

وإنْ كانَ في المُسْتَقْبَلِ، فرِوايَتان.

38,804

تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ هذا ليس مِن لَغْو اليَمينِ، بل لَغْوُ اليمينِ أنْ يحْلِفَ على شيءٍ يظُنُّه، فيَبِينَ بخِلافِه. كما قاله قبلَ ذلك. وهو إحْدَى الرِّوايتَين. وقدَّمه في «الرِّعايتَين». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، أنَّ هذا لَغْوُ اليَمِينِ فقط. [وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ]. وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «العُمْدَةِ»، مع أنَّ كلامَه يَحْتَمِلُ أنْ يشْمَلَ الشَّيئَين. وأَطْلقَهما في «الفُروعِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ».

38,805

وقيل: كِلاهُما لَغْوُ اليمينِ. [وقطَع الشَّارِحُ أنَّ قوْلَه: لا واللهِ، وبلَى واللهِ. في عُرْضِ حديثه مِن غيرِ قَصْدٍ، مِن لَغْو اليَمينِ]، وقدَّم فيما إذا حَلَفَ على شيءٍ يظُنُه، فتبين خِلافَه، فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْحِنْثُ في يَمِينهِ، بَأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، مُخْتَارًا ذَاكِرًا،

38,806

وَإِنْ فَعَلَهُ أنَّه مِن لَغْو اليمينِ أيضًا. قال الزَّرْكَشِيُّ: الخِرَقِيّ يجْعَلُ لَغْوَ اليمينِ شيئَينِ؛ أحدُهما، أنْ لا يقْصِدَ عَقْدَ اليمينِ، كقَوْلِه: لا واللهِ، وبلَى واللهِ. وسواءٌ كانَ في الماضي أو المُسْتَقْبَلِ.

38,807

والثَّاني، أنْ يحْلِفَ على شيءٍ، فيَبِينَ بخِلافِه. وهي طريقَةُ. ابنِ أبي مُوسى وغيرِه. وهي في الجُمْلَةِ ظاهِرُ المذهبِ. والقاضي يجْعَلُ الماضيَ لَغْوًا، قوْلًا واحدًا،

38,808

وفي سَبْقِ اللِّسانِ في المُستَقْبَلِ رِوايتَين، وأبو محمدٍ عَكَسَه، فجعَل سبْقَ اللِّسانِ لغْوًا، قوْلًا واحدًا،

38,809

وفي الماضِي رِوايَتين. ومِنَ الأصحابِ مَن يحْكِي رِوايتَين في الصُّورَتَين، ويجْعَلُ اللَّغْوَ في إحْدَى الرِّوايتَين هذا دُونَ هذا،

38,810

وفي الأُخْرَى عكْسَه. وجمَع أبو البَرَكاتِ بينَ طرِيقَتَيِ القاضي وأبي محمدٍ، فحكَى في المسْأَلةِ ثلاثَ رواياتٍ؛

38,811

فإذا سبَق على لِسانِه في الماضي، لا واللهِ، وبلَى واللهِ، في اليمينِ، مُعْتَقِدًا أنَّ الأمْرَ؛ حَلَفَ عليه، فهو لَغْوٌ اتِّفاقًا.

38,812

وإنْ سبَقَ على لِسانِه اليمينُ في المُسْتَقْبَلِ، أو تعَمَّدَ اليمينَ على أمْرٍ يظُنُّه؛ حَلَفَ عليه فتَبَيَّنَ بخِلافِه، فثَلاثُ رِواياتٍ، كِلاهما لَغْوٌ، وهو المذهبُ؛ الحِنْثُ في الماضِي دُونَ ما سبَق على لِسانِه، وعكْسُه. وقد تلَخَّصَ في المسْأَلةِ خَمْسُ طُرُقٍ.

38,813

والمذهبُ منها -في الجُملةِ- قَوْلُ الخِرَقِيِّ. انتهى.

38,814

تنبيه: شمِلَ قولُه: الثَالِثُ، الحِنْثُ في يَمِينِه، بأَن يَفْعَلَ ما حلَف على تَرْكِه، مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيهِ.

38,815

وَعَنْهُ، عَلَى النَّاسِي كَفَّارَة.

أو يَتْرُكَ ما خلَف على فِعْلِه، مُخْتَارًا ذَاكِرًا. ما لو كانَ فِعْلُه معْصِيَةً أو غيرَها؛

38,816

فلو حَلَفَ على فِعْلِ معْصِيَةٍ، فلم يفْعَلْها، فعليه الكفَّارَةُ. على الصَّحيحِ مِن المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا قولُ العامَّةِ.

38,817

وقيل: لا كفَّارَةَ في ذلك.

38,818

ويأْتِي عندَ قوْلِه: وإنْ حلَفَ على يمينٍ، فرأَى غيرَها خيرًا منها. تحْريمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فِعْلِه، [وأنَّه لا كفَّارَةَ مع فِعْلِه]. على الصَّحيحِ، وفُروعٌ أُخَرُ.

الممتع في شرح المقنعIbn al-Munajja

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله: (الثالث: الحنث في يمينه بأن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله، مختاراً ذاكراً. وإن فعله مكرهاً أو ناسياً فلا كفارة عليه. وعنه: على الناسي كفارة) .

15,505

أما كون من شروط وجوب الكفارة الحنث في يمينه؛ فلأن من لم يحنث لا كفارة عليه؛ لكونه لم يهتك حرمة القسم.

15,506

وأما كون الحنث في اليمين أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله؛ فلأن الحنث الإثم، ولا وجود لذلك إلا بما ذكر.

15,507

وأما كون الحانث مختاراً ذاكراً؛ فلأن غير المختار المكره، وغير الذاكر الناسي. وسيأتي ذكرهما.

15,508

وأما كون من فعل ما تقدم ذكره مكرهاً لا كفارة عليه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«عُفيَ لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه».

ولأن فعل المكره لا يُنسَبُ إليه. فلم يكن عليه كفارة؛ كما لو لم يفعله.

15,509

وقال أبو الخطاب: الإكراه كالنسيان؛ لشمول الحديث لهما.

والأول أولى؛ لأن الحديث وإن شملهما إلا أن المكره لا ينسب إليه الفعل.

15,510

بخلاف النسيان.

وأما كون من فعل ما تقدم ذكره ناسياً لا كفارة عليه على المذهب؛ فلما تقدم.

ولأن الكفارة تجب لرفع الإثم، ولا إثم على الناسي.

15,511

وأما كونه عليه كفارة على روايةٍ؛ فلأن الفعل ينسب إليه في الجملة. أشبه الذاكر. والأول أصح.

والفرق بين الناسي والذاكر ظاهر فلا قياس مع الفرق.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.