وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ
Its commentaries
مسألة: (وإن حَلَف لَيَشْرَبَنَّ) هذا (الماءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا، فتَلِفَ المَحْلُوفُ عليه قبلَ الغَدِ، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ. وإن مَاتَ الحَالِفُ، لم يَحْنَثْ)
أمَّا إذا ماتَ الحالِفُ من يَوْمِه، فلا حِنْثَ عليه؛ لأنَّ الحنثَ إنَّما يحصُلُ بفواتِ المحلوف عليه في وقته، وهو الغَدُ، والحالِفُ قد خَرَج عن أهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قبلَ الغَدِ، فلا يُمْكِنُ حِنْثُه.
وكذلك إن جُنَّ الحالِفُ من يَوْمِه، فلم يُفِقْ إلَّا بعدَ خُروجِ الغَدِ؛ لأنَّه خَرَج عن كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن هَرَب العبدُ، أو مَرِضَ هو أو الحالِفُ، أو نحو ذلك، فلم يَقْدِرْ على ضَرْبِ العَبْدِ، حَنِثَ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه، مع كَوْنِه مِن أهلِ التَّكْلِيفِ.
وإن لم يَمُتِ الحالِفُ، ففيه مسائِلُ سبعٌ ؛ أحدُها، أن يَضْرِبَ العَبْد في غَدٍ، أيَّ وَقْتٍ كان منه، فإنَّه يَبَرُّ في يَمِينِه، بلا خِلافٍ. الثانِيَةُ، أمْكَنَه ضَرْبُه في غَدٍ، فلم يَضْرِبْه حتى مَضَى الغَدُ، وهما في الحَياةِ ، فيَحْنَثُ بلا خِلافٍ أيضًا. الثالِثَةُ، ماتَ العبدُ من يَوْمِه، فإنَّه يَحْنَثُ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. ويَتَخَرجُ أن لا يَحْنَثَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه فقدَ ضَرْبَه بغيرِ اختِيارِه، فلم يَحْنَث، كالمُكرَهِ والنَّاسِي.
ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلْ ما حَلَف عليه في وَقْتِه، مِن غيرِ إكْرَاهٍ ولا نِسْيانٍ، وهو مِن أهْلِ الحِنْثِ، فحَنِثَ، كما لو أتْلَفَه باخْتِيارِه، وكما لو حَلَف ليَحُجَّنَّ العامَ، فلم يَقْدِرْ على الحَجِّ؛ لمرَض، أو عَدَمِ النَّفَقَةِ، وفارَقَ الإكراهَ والنِّسيانَ،
فإنَّ الامْتِناعَ لمَعْنًى في الحَالِفِ ، وههُنا الامْتِناغُ لمَعْنًى في المَحَلِّ، فأشْبَهَ ما لو تَرَك ضَرْبَه لصُعُوبَتِه، أو تَرَك الحالِفُ الحَجَّ لصُعُوبَةِ الطَّريقِ وبُعْدِها عليه.
فأمَّا إن كان تَلَفُ المَحْلُوفِ عليه بفِعْلِه واخْتِيارِه، حَنِثَ، وَجْهًا. واحِدًا؛ لأنَّه فَوَّتَ الفِعْلَ على نَفْسِه. قال القاضي: ويَحْنَثُ الحالِفُ ساعةَ مَوْتِه؛ لأنَّ يَمِينَه انْعَقَدَتْ مِن حِينِ حَلِفِه، وقد تَعَذَّرَ عليه الفِعْلُ، فحَنِثَ في الحالِ، كما لو لم يُؤَقِّتْ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَحْنَثَ قبلَ الغَدِ؛ لأنَّ الحِنْثَ مُخالفَةُ ما عَقَدَ يَمِينَه عليه، فلا تحْصُلُ المُخالفَةُ إلَّا بتَرْكِ الفِعْلِ في وَقْتِه. الرابِعَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ قبلَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، فهو كما لو ماتَ في يَوْمِه.
الخامِسَةُ، ماتَ العبدُ في غَدٍ بعدَ التَّمَكُّنِ من ضَرْبِه، قبلَ ضَرْبِه، فإَّنه يَحْنَثُ، وَجْهًا واحدًا. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه قَوْلان. ولَنا، أنَّه تَمَكَّنَ من ضَرْبِه في وَقْتِه، فلم يَضْرِبْه، فحَنِثَ، كما لو مَضَى الغَدُ قبلَ ضَرْبِه. السادِسَةُ، ماتَ الحالِفُ في غَدٍ، بعدَ التَّمَكنِ من ضَرْبِه، فلم يَضْرِبْه، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، لِما ذَكَرْنا. السابِعَةُ، ضَرَبَه في يَوْمِه، فإنَّه لا يَبَرُّ.
وهذا قولُ أصحابِ الشافعيِّ. وقال القاضي، وأصحابُ أبي حنيفةَ: يَبَرُّ، لأنَّ يَمِينَه للحَثِّ على ضَرْبِه،
فإذا ضَرَبَه اليومَ، فقد فَعَل المحلوفَ عليه وزِيادَةً، فأشْبَهَ ما لو حَلَف ليَقْضِيَنَّه حَقَّه غَدًا، فقَضاه اليومَ. ولَنا، أنَّه لم يَفْعَلِ المَحْلُوفَ عليه في وَقْتِه، فلم يَبَرَّ، كما لو حَلَف ليَصُومَنَّ يومَ الجُمُعَةِ، فصامَ يومَ الخميسِ، وفارَقَ قَضاءَ الدَّينِ،
فإنَّ المقْصودَ تَعْجِيلُه لا غيرُ،
وفي قَضاءِ اليومِ زِيادَة في التَّعْجيلِ، فلا يَحْنَثُ فيها؛ لأَنه عُلِمَ من قَصْدِه إرادَةُ أن لا يَتَجاوَزَ غَدًا بالقَضاءِ، فصارَ كالمَلْفوظِ به، إذْ كان مَبْنَى الأيمانِ على النِّيَّةِ،
ولا يَصِحُّ قِياسُ ما ليس مثلُه عليه، وسائرُ المَحْلُوفاتِ لا يُعْلَمُ منها إرادَةُ التَّعْجيلِ عن الوَقْتِ الذي وَقَّتَه لها، فامْتَنَعَ الإلْحاقُ، وتَعَيَّنَ التَّمَسُّكُ باللَّفْظِ. الثامنَةُ، ضَرَبَه بعدَ مَوْتِه، فلا يَبَرُّ؛ لأن اليَمِينَ تَنْصَرِفُ إلى ضَرْبِه حَيًّا، يَتَألَّمُ بالضَّرْبِ، وقد زال هذا بالموتِ. التاسِعَةُ، ضَرَبَه ضَرْبًا لا يُولِمُه، لا يَبَرُّ؛ لِما ذَكَرْناه. العاشِرَةُ، خَنَقَه، [أو نَتَف] شَعَرَه، أو عَصَر ساقَه، بحيثُ يُؤْلِمُه، فإنَّه يَبرُّ؛ لأَنَّه يُسَمَّى ضَرْبًا، لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له.
الحادِيَةَ عَشَرَةَ، جُنَّ العبدُ، فضَرَبَه، فإنَّه يَبَرُّ؛ لأَنَّه حَى يَتَأَلَّمُ بالضَّرْبِ.
وإن لم يَضْرِبْه، حَنِثَ. وإن حَلَف لا يَضْرِبُه في غَدٍ، ففيه نحوُ هذه المَسائلِ.
ومتى فاتَ ضَرْبُه بمَوْتِه أو غيرِه، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يَضْرِبْه.
٤٧٨٥ -
(وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ لِمَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَ الْعَبْدِ لِصِغَرٍ بِهِ، أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ، وَيَحْنَثُ عُقَيْبَ تَلَفِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،
وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْغَدِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ،
أَمَّا لَوْ تَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَجْهًا وَاحِدًا،
قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، فَكَمَا لَوْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ،
وَإِنْ مَاتَ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا،
وَإِنْ ضَرَبَهُ الْيَوْمَ لَمْ يَبِرَّ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يَبِرُّ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَإِلَّا حَنِثَ،
وَإِنْ جُنَّ الْعَبْدُ فَضَرَبَهُ بَرَّ، وَإِلَّا فَلَا
وإنْ حلَف لَيَشْرَبَنَّ الماءَ، أو لَيَضْرِبَنَّ غُلامَه غَدًا، فتَلِفَ المحْلُوفُ عليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قبلَ الغَدِ، حَنِثَ عندَ الخِرَقِيِّ. وهو المذهبُ. نصَّ عليه. وجزَم به في «الوَجِيزِ»، و «مُنْتَخَبِ الأدَمِيِّ»، و «المُحَرَّرِ». وقدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ» ونَصَراه، و «الفُروعِ»، و «الزرْكَشِيِّ».
وقال: هذا المذهبُ المَنْصوصُ. وهو مِن مُفْرَدات المذهبِ.
وقيل: لا يَحْنَثُ. وهو تخْرِيجٌ في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقال في «التَّرْغيبِ»: لا يَحْنَثُ على قولِ أبي الخَطَّابِ. فعلى المذهبِ، يَحْنَثُ حال تَلَفِه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه.
وقيل: يَحْنَثُ في آخِرِ الغدِ. وهو أيضًا تَخْرِيجٌ في «المُغنِي»، و «الشَّرْحِ».
وقيل: يَحْنَثُ إذا جاءَ الغدُ. ذكَرَه الزَّرْكَشِيُّ وغيرُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، مَحَلُّ الخِلافِ في أصْلِ المَسْألةِ، إذا تَلِفَ بغيرِ اخْتِيارِ الحالِفِ،
فأمَّا أنْ تَلِفَ باخْتِيارِه -كما إذا قَتَلَه ونحوُه- فإنَّه يَحْنَثُ، قوْلًا واحدًا.
وفي وَقْتِ حِنْثِه الخِلافُ المُتَقَدِّمُ.
الثَّاني، مَفْهومُ كلامِه؛ أنَّه لو تَلِفَ في الغَدِ ولم يَضْرِبْه، أنَّه يَحْنَثُ، وشَمِلَ صُورَتَين؛ إحْداهما، أنْ لا يتَمَكَّنَ مِن ضَرْبِه في الغَدِ، فهو كما لو ماتَ مِن يَوْمِه. على ما تقدَّم. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. الثَّانيةُ، أنْ يتَمَكَّنَ مِن ضَرْبِه ولم يَضْرِبْه، فهذا يَحْنَثُ، قوْلا واحدًا.
فوائد؛ منها، لو ضَرَبَه قبلَ الغَدِ، لم يَبَرَّ. على الصحيحِ مِنَ المذهب. قدَّمه في «المُغْنِي»، و «الشرْحِ»، ونَصَراه.
وقال القاضي: يَبَرُّ؛ لأَنَّ يمِينَه للحِنثِ على ضَرْبِه؛
فإذا ضرَبَه اليَوْمَ، فقد فَعَل المَحْلوفَ عليه وزِيادَةً.
قلتُ: قرِيبٌ مِن ذلك، إذا حلَف ليَقْضِيَنَّه غدًا، فقَضاه قبلَه. على ما تقدَّم في أولِ البابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومَنها، لو ضرَبَه بعدَ مَوْتِه، لم يَبَرَّ.
ومنها، لو ضرَبَه ضَرْبًا لا يُؤْلِمُه، لم يَبَرَّ أيضًا.
ومنها، لو جُنَّ الغُلامُ وضرَبَه، بَرَّ.
قال: (وإن حلف ليشربنّ الماء أو ليضربنّ غلامه غداً فتلف المحلوف عليه قبل الغد حنث عند الخرقي. ويحتمل أن لا يحنث. وإن مات الحالف لم يحنث) .
أما كون من حلف بما ذكر يحنث إذا تلف المحلوف عليه قبل الغد عند الخرقي؛ فلأن الحالف لم يفعل المحلوف عليه في وقته وعدم إكراهه ونسيانه. أشبه ما لو حلف ليحجّن هذا العام فلم يقدر على الحج لمرض أو عدم نفقة.
وأما كونه يحتمل أن لا يحنث؛ فلأنه تعذر فعل المحلوف عليه لا من جهته. أشبه المكره والناسي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
والفرق بين ما ذكر وبين المكره والناسي: أن الامتناع في الإكراه والنسيان لمعنى فيه، وهاهنا الامتناع في المحل.
وأما كونه لا يحنث إذا مات الحالف؛ فلأن الحنث إنما يحصل بفوات المحلوف عليه في وقته وهو الغد، والحالف قد خرج عن أن يكون من أهل التكليف قبل ذلك فلا يمكن حنثه. وبأهلية الحالف ظهر الفرق بين موت الحالف وبين موت المحلوف عليه؛ لأن في تلف المحلوف عليه أهليّة الحالف باقية فصادف الحنث محله،
وفي موت الحالف أهليّته تبطل بموته. فلم يُصادف بالحنث محله.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.