وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يُفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ
Its commentaries
مسألة: (ومَن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، أحْبَبْنا له أن يَفْسَخَ إذا طاف وَسَعى ويَجْعَلَها عُمْرَةً؛ لأمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه بذلك، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ، فيَكُونَ على إحْرامِه) إذا كان مع المُفْرِدِ والقارِنِ هَدْىٌ، فليس له أن يَحِلَّ مِن إحْرامِه ويَجْعَلَه عُمْرَةً، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قَدِم مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم أهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه . فأمّا مَن لا هَدْىَ معه، فيُسْتَحَبُّ له إذا طاف وسَعَى أن يَفْسَخَ نِيَّتَه بالحَجِّ، ويَنْوِىَ عُمْرِةً مُفْرَدَةً، فَيُقَصِّرَ ويَحِلَّ مِن إحْرامِه؛ ليَصِيرَ مُتَمَتِّعًا، إن لم يَكُنْ وقَف بعَرَفَةَ. وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَرَى أنَّ مَن طافَ بالبَيْتِ وسَعَى فقد حَلَّ،
وِإن لم يَنْوِ ذلك. وبهذا الذى ذَكَرْناه قال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وداودُ. وذَهَب أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّه لا يَجُوزُ له ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْن، فلم يَجُزْ فَسْخُهُ، كالعُمْرَةِ. وروَى ابنُ ماجه عن بِلالِ بنِ الحارِثِ المُزَنِىِّ، عن أبِيهِ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً، أو لِمن يَأْتِىِ؟ قال:«لَنَا خَاصَّةً». ورُوِىَ أيضًا عن المُرَقِّعِ الأَسَدِىِّ ، عن أبِى ذرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: كان ما أذِنَ لَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ دَخَلْنا مَكَّةَ أن نَجْعَلَها عُمْرَةً، ونَحِلَّ مِن كلِّ شَئٍ، أنَّ تلك كانَتْ لَنا خاصَّةً، رُخْصَةً مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، دُونَ جَمِيعِ النّاسِ .
ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمَرَ أصْحابَه في حَجَّةِ الوَداعِ الذين أفْرَدُوا الحَجَّ وقَرَنُوا أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَن كان معه الهَدْىُ، في أحاديثَ كَثِيرَةٍ مُتَّفَقٍ عليها، بحيثُ يَقْرُبُ مِن المُتَواتِرِ، ولم يَخْتَلِفْ في صِحَّةِ ذلك وثُبُوتِه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلِمْناه. وذَكَر أبو حَفْصٍ، في «شَرْحِه» بإسْنادِه عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ ، وقد سُئِلَ عن فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، فقالَ: قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، كلُّ شئٍ منك حسنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً واحِدَةً.
فقالَ: وما هى؟ قال: تَقُولُ بفَسْخِ الحَجِّ. قال أحمدُ: قد كُنْتُ أرَى أنَّ لك عَقْلًا، عندِى ثمانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحاحًا جِيادًا، كلُّها في فَسْخِ الحَجِّ، أتْرُكُها لقَوْلِك! وقد روَى فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وأحاديثُهم مُتَّفَقٌ عليها. ورَواه غيرُهم مِن وُجوهٍ صِحاحٍ. قال جابِرٌ: أهْلَلْنا - أصْحابَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ خالِصًا وَحْدَه وليس معه عُمْرَةٌ ، فقَدِمَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - صُبْحَ رابِعَةٍ مَضَتْ مِن ذِى الحَجَّةِ، فلَمّا قَدِمْنا أمَرَنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن نَحِلَّ، قال:«أحِلُّوا وَأصِيبُوا مِنَ النِّساءِ».
قال: فبَلَغَه عَنّا أنَّا نَقُولُ: لم يَكُنْ بينَنا وبينَ عَرَفَةَ إلَّا خمْسُ لَيالٍ، أمَرَنا أن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، فنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا بالمَنِىِّ. قال: فقامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ:«قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أتْقَاكُمْ للهِ وَأصْدَقُكُمْ وَأُبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى تَحَلَّلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ». قال: فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطَعْنا. قال: فقالَ سُراقَةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسولَ اللهِ لعامِنا هذا، أم للآبَدِ؟
فَظَنَّه محمدُ بنُ بَكْرٍ ، أنَّه قال:«لِلأبَدِ». مُتَّفَقٌ عليه .
فأمّا حديثُهم، فقالَ أحمدُ: روَى هذا الحديث الحارِثُ بنُ بِلالٍ،
فمَن الحارِثُ بنُ بلالٍ؟ يَعنِى أنَّه مَجْهُولٌ. ولم يَرْوِه إلَّا الدَّرَاوَرْدِىُّ ، وحديثُ أبى ذَرٍّ رَواه مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ ،
فمَن مُرَقِّعٌ الأسَدِىُّ؟ شاعِرٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ لم يَلْقَ أبا ذَرٍّ. فقِيلَ له: أفليس قد روَى الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، عن أبيه، عن أبِى ذَرٍّ، قالَ: كانَت مُتْعَةُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً - أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أفيَقُولُ هذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كتابِ اللهِ، وقد أجْمَعَ النّاسُ على أنَّها جائِزَةٌ. قال الجُوزْجانِىُّ: مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ ليس بالمَشْهُورِ، ومثلُ هذه الأحاديثِ في ضَعْفِها وجَهالةِ رُواتِها لا تُقْبَلُ إذا انْفَردَتْ، فكيفَ تُقْبَلُ في رَدِّ حُكْمٍ ثابِتٍ بالتَّواتُرِ، مع أنَّ قولَ أبى ذَرٍّ مِن رَأْيِه، وقد خالَفَه مَنٍ هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلا يَكُونُ حُجَّةٌ.
وأمّا قِياسُهم فلا يُقْبَل في مُقابَلَةِ النَّصِّ الصَّحِيحِ، على أنَّ قِياسَ الحَجِّ على العُمْرَةِ في هذا لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوز قَلْبُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ في حَقِّ مَن فاتَه الحَجُّ ومَن حُصِرَ عن عَرَفَةَ، والعُمْرَةُ لا تَصِيرُ حَجًّا بحالٍ، ولأنَّ فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَصِيرُ به مُتَمَتِّعًا، فحَصَّلَ الفَضِيلَةَ، وفَسْخُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ يُفَوِّتُ الفَضِيلَةَ،
ولا يَلْزَمُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ ما يُحَصِّلُ الفَضِيلَةَ مَشْرُوعِيَّة ما يُفوِّتُها.
فصل: وإذا فَسَخ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ صار مُتَمَتِّعًا، حُكْمُه حُكْمُ المُتَمَتِّعِين، في وُجُوبِ الدَّمِ وغيرِه.
وقال القاضى: لا يَجبُ الدَّمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِه أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ أو في أثنائِها أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وهذه دَعْوَى لا دَلِيلَ عليها، تُخالِفُ عُمُومَ الكِتابِ وصَرِيحَ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ،
فإنَّ اللهَ تَعالى قال:{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ ولْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُم ثَلَاَثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ وُجُوبَ دَمِ المُتْعَةِ للتَّرَفُّهِ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، وهذا المَعْنَى لا يَخْتَلِفُ بالنِّيَّةِ وعَدَمِها، فوَجَبَ أن لا يَخْتَلِفَ في الوُجُوب، على أنَّه لو ثَبَت أنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فقد وُجِدَت، فإنه ما حَلَّ حتى نوَى أنَّه يَحِلٌ ثم يُحْرِمُ بالحَجِّ.
١١٦٥ -
(وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا أَحْبَبْنَا لَهُ)
وَكَذَا جَزَمَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " الرِّعَايَةِ " بِالِاسْتِحْبَابِ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالْمَجْدُ بِالْجَوَازِ،
وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ فَلَمْ يَجُزْ فَسْخُهُ كَالْعُمْرَةِ (أَنْ يُفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَقَرَنُوا أَنْ يُحِلُّوا كُلُّهُمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ لِأَحْمَدَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنْكَ حَسَنٌ جَمِيلٌ إِلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَقُولُ يُفْسَخُ الْحَجُّ قَالَ: كُنْتُ أَرَى أَنَّ لَكَ عَقْلًا! عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا كُلُّهَا فِي فَسْخِ الْحَجِّ أَتْرُكُهَا لِقَوْلِكَ؛! ، وَلِأَنَّهُ قَلْبٌ لِلْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَاسْتُحِبَّ لِمَنْ لَحِقَهُ الْفَوَاتُ،
وَفِي " الِانْتِصَارِ " وَ " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " لَوْ ادَّعَى مُدَّعٍ وُجُوبَ الْفَسْخِ لَمْ يَبْعُدْ مَعَ أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ.
وَجَوَابُهُ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا قَدِمَ لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا» ، وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} وَرَدَّ بِأَنَّ الْفَسْخَ: نَقْلُهُ إِلَى غَيْرِهِ لَا إِبْطَالُهُ مِنْ أَصْلِهِ،
وَلَوْ سُلِّمَ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ مَسْأَلَتِنَا، قَالَهُ الْقَاضِي، وَمَحِلُّهُ إِذَا اعْتَقَدَ فِعْلَ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ لَا بُدَّ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِهِ لِيَسْتَفِيدَ فضيلة التَّمَتُّعَ، وَلِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يُؤَخِّرُهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ فَكَيْفَ وَقَدْ أَحْرَمَ،
وَشَرَطَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " إِذَا طَافَا وَسَعَيَا، وَنَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَجْعَلُهَا عُمْرَةً إِذَا طَافَ وَسَعَى، وَلَا يَجْعَلُهَا، وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ لِمَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي مُوسَى: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ» فَعَلَى هَذَا يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهَا ذَلِكَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً،
فَإِذَا فَرَغَا مِنْهَا، وَحَلَّا مِنْهَا أَحْرَمَا بِالْحَجِّ لِيَصِيرَا مُتِمَّيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ قَبْلَهُ، وَاسْتَأْنَفَ عُمْرَةً لَعَرِيَ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ عَنْ نُسُكٍ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجُوزُ فَيَنْوِي إِحْرَامَهُ بِالْحَجِّ عُمْرَةً، وَخَبَرُ أَبِي مُوسَى أَرَادَ أَنَّ الْحِلَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَلْبِ النِّيَّةِ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمَنْجَا يُوَافِقُهُ؛ لِأَنَّ " إِذا " ظَرْفٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحْبَبْنَا أَنْ يُفْسَخَ وَقْتَ طَوَافِهِ أَيْ: وَقْتَ جَوَازِهِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ يُعَضِّدُهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ،
فَإِنَّ مَنْ وَقَفَ بِهَا أَتَى بِمُعْظَمِ الْعِبَادَةِ، وَأَمِنَ فَوْتَهَا
بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ وُضُوحه (إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا فَيَكُونَ عَلَى إِحْرَامِهِ) لِلنَّصِّ وَلِلْأَخْبَارِ، وَكَامْتِنَاعِهِ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -،
ومَن كان قَارِنًا أو مُفْرِدًا، أحْبَبْنَا له أنْ يَفْسَخَ إذا طافَ وسَعَى ويَجْعلَها عُمْرَةً؛ لأمْرِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه بذلك. اعلمْ أنَّ فَسْخَ القَارِنِ والمُفْرِدِ حجَّهما إلى العُمْرَةِ، مُسْتَحَبُّ بشَرطِه. نصَّ عليه، وعليه الأصحابُ قاطِبَةً. وعبَّرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . .
القاضى، وأصحابُه، والمَجْدُ، وغيرُهم، بالجَوازِ، وأرَادُوا فَرْضَ المَسْأَلَةِ مع المُخالِفِ. قالَه فى «الفُروعِ». وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ، لكِنَّ المُصَنِّفَ هنا ذكَر الفَسْخَ بعدَ الطَّوافِ والسَّعْىِ. وقطَع به الخِرَقِىُّ، والمُصَنِّفُ فى «المُغْنِى»، والشَّارِحُ، وصاحِبُ «الفَائقِ». وقدَّمه الزَّرْكَشِى،
وقال: هذا ظاهِرُ الأحادِيثِ. وعنِ ابنِ عَقِيل، الطَّوافُ بنِيَّةِ العُمْرَةِ هو الفَسْخُ، وبه حصَل رَفْضُ الإحْرامِ لا غيرُ. فهذا تحْقِيقُ الفَسْخِ وما ينْفَسِخُ به.
قال الزَّرْكَشِى: قلتُ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا جَيِّدٌ، والأَحادِيثُ لا تأْبَاه. انتهى.
وقال فى «الهِدَايَةِ»، وتَبِعَه فى «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلَاصَةِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم، وهو مَعْنَى كلامِ القاضى وغيرِه: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للقَارِنِ والمُفْرِدِ أنْ يفْسَخا نُسُكَهما إلى العُمْرَةِ، بشَرْطِ أنْ لا يكُونا وَقَفا بعَرَفَةَ، ولا سَاقَا هَدْيًا. فلم يُفْصِحُوا بوَقْتِ الفَسْخِ، بل ظاهِرُ كلامِهم، جوَازُ الفَسْخِ، سَواءٌ طَافَا وسعَيَا أوْلا، إذا لم يَقِفَا بعَرَفةَ. قال الزَّرْكَشِى: ولا يَغُرَّنَّكَ كلامُ ابنِ مُنَجَّى؛ فإنَّه قال: ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّ الطَّوافَ والسَّعْىَ شَرْطٌ فى اسْتِحْبابِ الفَسْخِ. قال: وليس الأمْرُ كذلك؛ لأنَّ الأخْبارَ تَقْتَضِى الفَسْخَ . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبلَ الطَّوافِ والسَّعْىِ؛ لأنَّه إذا طافَ وسَعَى ثم فسَخَ، يحْتاجُ إلى طَوافٍ وَسعْىٍ لأجْلِ العُمْرَةِ، ولم يَرِدْ مِثْلُ ذلك. قال: ويُمْكِنُ تأُوِيلُ كلامِ المُصَنِّفِ، على أنَّ «إذا» ظَرْفٌ لـ «أَحْبَبْنَا له أنْ يفْسَخَ وَقْتَ طَوافِه»، أىْ وَقْتَ جَوازِ طَوافِه. انتهى كلامُ ابنِ مُنَجَّى. وغفَل عن كلامِ الخِرَقِىِّ، والمُصَنِّفِ فى «المُغْنِى»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
والشَّارِحِ. وكلامُ القاضى، وأبى الخَطَّابِ وغيرِهما لا يَأْبَى ذلك. قال الزَّرْكَشِىُّ: وليس فى كلامِهم ما يَقْتَضِى أنَّه يطُوفُ طَوافًا ثانِيًا، كما زعَم ابنُ مُنَجَّى. انتهى.
قلتُ: قال فى «الكَافِى»: يُسَنُّ لهما، إذا لم يكُنْ معهما هَدْىٌ، أنْ يفْسَخا نِيَّتَهما بالحَجِّ، ويَنْوِيَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً، ويحِلَّا مِن إحْرامِهما بطَوافٍ وسَعْىٍ وتَقْصير، ليَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْن. انتهى. قال الزَّرْكَشِىُّ: وقَوْلُ ابنِ مُنَجَّى. إنَّ الأخْبارَ تَقْتَضِى الفَسْخَ قبلَ الطَّوافِ والسَّعْىِ. ليس كذلك، بل قد يقالُ: إنَّ ظاهِرَها، أنَّ الفَسْخَ إنَّما هو بعدَ الطَّوافِ. ويُؤيِّدُه حدِيثُ جابرٍ؛ فإنَّه كالنَّصِّ،
فإنَّ الأَمْرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالفَسْخِ إنَّما هو بعدَ طَوافِهم. انتهى.
وقال فى «الفُروعِ»: لهما أنْ يَفْسَخا نِيَّتَهما بالحَجِّ. زادَ المُصَنِّفُ، إذا طَافَا وَسعَيا، فيَنْوِيَان بإحْرامِهما ذلك عُمْرَةً مُفْرَدَةً،
فإذا فرَغَا فها وحَلَّا، أحْرَما بالحَجِّ، ليَصِيرَا مُتَمَتِّعَيْن.
وقال فى «الانْتِصَارِ»، و «عُيُونِ المَسائِلِ»: لو ادَّعَى مُدَّعٍ وُجوبَ الفَسْخِ، لم يَبْعُدْ.
وقال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: يجِبُ على مَن اعْتَقَدَ عدَمَ مسَاغِه. نقَله فى «الفَائقِ». إلَّا أنْ يكونَ قد سَاقَ معه هَدْيًا، فيكونَ على إحْرامِه. هذا شَرْطٌ فى صِحَّةِ فَسْخِ القَارِنِ والمُفْرِدِ حَجَّهما إلى العُمْرَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. ويأْتِى حِكايَةُ الخِلافِ بعدَ هذا.
ويُشْتَرطُ أيضًا كوْنُه لم يَقِفْ بعرَفَةَ. قالَه الأصحابُ.
وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعِّ هَدْيًا، لَمْ يَكنْ لَهُ أنْ يَحِلَّ.
قال رحمه الله: (ومن كان قارناً أو مفرداً أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمرة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، إلا أن يكون قد ساق هدياً فيكون على إحرامه) .
أما استحباب فسخ القارن والمفرد نسكهما وجعله عمرة في الجملة فلأنه قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أنه أمر أصحابه الذين أفردوا بالحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه هدي» متفق عليه. وروي عن سلمة بن شبيب أنه قال لأحمد: كل شيء منك حسن جميل إلا خلة واحدة. فقال: وما هي؟ قال: تقول: بفسخ الحج. قال: قد كنت أرى أن لك عقلاً. عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك.
ولأنه قلب للحج إلى العمرة فجاز. دليله من لحقه الفوات.
وأما ما يشترط للفسخ فأمران:
أحدهما: أن لا يكون معه هدي؛ للحديث المتقدم.
ولقوله تعالى:{ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}.
وثانيهما: أن لا يكون قد وقف بعرفة؛ لأن الواقف بها قد أتى بمعظم العبادة وأيِس من فواتها
بخلاف غيره.
ولم يصرح المصنف رحمه الله بهذا الشرط اكتفاء بقوله: إذا طاف وسعى؛ لأن ذلك يكون قبل الوقوف.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله: إذا طاف وسعى شرط في استحباب الفسخ أم لا؟
قيل: ظاهره ذلك. وليس الأمر كذلك؛ لأن الأخبار الواردة في ذلك تقتضي الفسخ قبل الطواف والسعي.
ولأنه إذا طاف وسعى ثم فسخ يحتاج إلى طواف وسعي لأجل العمرة ولم يرد مثل ذلك فيما ذكر.
ويمكن تأويل كلام المصنف رحمه الله على أن إذا ظرف. ويكون المراد: أحببنا له أن يفسخ وقت طوافه أي وقت جواز طوافه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.