وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُحْرَقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ إِلَّا السِّلَاحَ وَالْمُصْحَفَ وَالْحَيَوَانَ وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ
Its commentaries
مسألة: (والغالُّ مِن الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُه كُلُّه، إلَّا السِّلاحَ والمُصْحَفَ والحَيَوانَ) الغالُّ: الذى يكْتُمُ ما يأْخُذُه مِن الغَنِيمَةِ، ولا يُطْلِعُ الإِمامَ عليه، ولا يَطْرَحُه في الغَنِيمَةِ، فحُكْمُه أن يُحَرَّقَ رَحْلُه كلُّه. وبه قال الحسنُ، وفُقَهاءُ الشامِ؛ منهم مَكْحُولٌ، والأوْزَاعِىُّ، والوَليدُ بنُ هِشامٍ ، ويَزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ . وأُتِىَ سعيدُ بنُ عبدِ المَلِكِ بغالٍّ، فجَمَعَ مالَه وأحْرَقَه، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ حاضِرٌ، فلم يَعِبْه.
وقال يزيدُ بنُ يزيدَ بنِ جابِرٍ: السُّنَّةُ في الذى يَغُلُّ أن يُحَرَّقَ رَحْلُه. رَواهما سعيدٌ، في «سُنَنِه».
وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى: لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُحَرِّقْ؛
فإنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو روَى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا أصابَ غَنِيمَةً، أمَرَ بِلالًا فنادَى في الناسِ، فيَجِيئُون بغَنائِمِهم، فيُخَمِّسُه ويَقْسِمُه، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلك بزِمامٍ مِن شَعَرٍ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، هذا فيما كُنّا أصَبْنا مِن الغَنِيمَةِ. فقال:«سَمِعْتَ بِلالًا يُنَادِى؟» ثَلَاثًا. قال: نعم. قال:«فَمَا مَنَعَكَ أنْ تَجِئَ بهِ». فاعْتَذَرَ. فقال: «كُنْ أنْتَ تَجِئُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ ». أخْرَجَه أبو داودَ .
ولأنَّ إحْراقَ المتاعِ إضاعَةٌ له، وقد نَهَى النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عن إضاعَةِ المالِ. ولَنا، ما روَى صالحُ بنُ محمدِ بنِ زائِدَةَ، قال: دخَلْتُ مع مَسْلَمَةَ أرْضَ الرُّومِ، فأُتِىَ برَجُلٍ قد غَلَّ، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«إذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ، فَاحْرِقُوا مَتَاعَهُ، واضْرِبُوهُ». قال: فوَجَدْنا في مَتاعِه مُصْحَفًا، فسألَ سالِمًا عنه، فقال: بِعْه، وتَصَدَّقْ بثَمَنِه.
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ، والأثْرَمُ . وروَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ وعُمَرَ، أحْرَقُوا مَتاعَ الغالِّ. رَواه أبو داودَ .
فأمّا حدِيثُهم، فلا حُجَّةَ لهم فيه؛
فإنَّ الرجلَ لم يَعْتَرِفْ أنَّه أخَذَ ما أخَذَه على سبيلِ الغُلولِ، ولا أخَذَه لنَفْسِه، وإنَّما تَوانَى في المَجِئِ به، وليس الخِلافُ فيه، ولأنَّ الرجلَ جاءَ به مِن عندِ نفْسِه تائِبًا مُعْتَذِرًا، والتَّوْبَةُ تَجُبُّ ما قبلَها.
وأمّا النَّهْىُ عن إضاعَةِ المالِ، فإنَّما نَهَى عنه إذا لم يكُنْ فيه مصْلَحَةٌ،
فأمَّا إذا كان فيه مَصْلَحَةٌ، فلا بَأْسَ، ولا يُعَدُّ تَضْيِيعًا، كإلْقاءِ المتاعِ في البَحْرِ عندَ خَوْفِ الغَرَقِ، وقَطْعِ يدِ العَبْدِ السّارِقِ، مع أنَّ المالَ لا تكادُ المصْلَحَةُ تَحْصُلُ به إلَّا بذهابِه، فأكْلُه إتْلافُه، وإنفاقُه إذْهابُه، ولا يُعَدُّ شئٌ مِن ذلك تَضْيِيعًا ولا إفْسادًا، ولا يُنْهَى عنه. إذا ثَبَتَ ذلك،
فإنَّ السِّلاحَ لا يُحَرَّقُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليه في القِتالِ، ولا نَفَقَتُه؛ لأنَّه ممّا لا يُحَرَّقُ عادةً. ولا يُحَرَّقُ المُصْحَفُ؛ لحُرْمَتِه،
ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ سالمٍ فيه. فعلى هذا يَحْتَمِلُ أن يُباعَ ويُتَصَدَّقَ بثَمَنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ سالمٍ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ له، كالحيوانِ والسِّلاحِ،
وكذلك الحيوانُ لا يُحَرَّقُ؛ لِنَهْى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يُعَذِّبَ بالنّارِ إلَّا رَبُّها . ولحُرْمَةِ الحيوانِ في نفْسِه، ولأنَّه لا يَدْخُلُ في اسْمِ المَتاعِ المأْمورِ بإحْراقِه. وهذا لا خِلافَ فيه. ولا تُحَرَّقُ آلَةُ الدَّابَّةِ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه يحْتاجُ إليها للانْتِفاعِ بها، ولأنَّها تابِعَةٌ لِما لا يُحَرَّقُ، أشْبَهَ جِلْدَ المُصْحَفِ وكِيسَه.
وقال الأوْزَاعِىُّ: يُحَرَّقُ سَرْجُه وإكافُه . ولَنا، أنَّه مَلْبُوسُ حيوانٍ، فلا يُحَرَّقُ، كثيابِ الغالِّ، فإنَّه لا تُحَرَّقُ ثيابُه التى عليه؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يُتْرَكَ عُرْيانًا، ولا يُحَرَّقُ ما غَلَّ؛ لأنَّه مِن غَنِيمَةِ المُسْلِمِين. قيلَ لأحمدَ: فالذى أصابَ في الغُلولِ، أىُّ شئٍ يُصْنَعُ به؟ قال: يُرْفَعُ إلى المَغْنَمِ.
وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ. وجميعُ ما لا يُحَرَّق وما أبْقَتِ النّارُ مِن حديدٍ أو غيرِه، فهو لصاحِبِه؛ لأنَّ مِلْكَه كان ثابِتًا عليه، ولم يُوجَدْ ما يُزِيلُه ، وإنَّما عُوقِبَ بإحْراقِ مَتاعِه، فما لم يَحْتَرِقْ يَبْقَى على ما كان.
وإن كان معه شئٌ مِن كُتُبِ العِلْمِ والحديثِ، فيَنْبَغِى أن لا يُحَرَّقَ أيضًا؛ لأنَّ نَفْعَ ذلك يَعُودُ إلى الدِّينِ، وليس المَقْصُودُ الإِضْرارَ به في دِينِه، وإنَّما القَصْدُ الإِضْرارُ به في بعضِ دُنْياه.
فصل: فإن لم يُحَرَّقْ رَحْلُه حتى اسْتَحْدَثَ مَتاعًا آخَرَ، أو رَجَع إلى بلَدِه، احْرِقَ ما كان معه حالَ الغُلولِ. نَصَّ عليه أحمدُ في الذى يَرْجِعُ إلى بلَدِه. قال: يَنْبَغِى أن يُحَرَّقَ ما كانَ معه في أرْضِ العَدُوِّ.
فإن مات قبلَ إحْراقِ رَحْلِه، لم يُحَرَّقْ. نَصَّ عليه؛ لأنَّه عُقُوبَةٌ، فيَسْقُطُ بالموتِ، كالحُدودِ، ولأنَّه بالموتِ انْتَقَلَ إلى وَرَثَتِه، وإحْراقُه عُقُوبةٌ لغيرِ الجانِى.
وإن باعَ مَتاعَه، أو وَهَبَه، احْتَمَلَ أن لا يُحَرَّقَ؛ لأنَّه صارَ لغيرِه، أشْبَهَ انْتِقالَه بالموتِ. واحْتَمَلَ أن يُنْقَضَ البَيْعُ والهِبَةُ ويُحَرَّقَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقٌّ سابِقٌ على البَيْعِ والهِبَةِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كالقِصاصِ في حَقِّ الجانِى.
فصل: وإن كان الغالُّ صَبِيًّا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه. وبه قال الأوْزاعِىُّ، لأنَّ الإِحْراقَ عُقُوبَةٌ، وليس هو مِن أهْلِها، فأشْبَهَ الحدَّ.
وإن كان عبدًا، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه، لأنَّه لسَيِّدِه، فلا يُعاقَبُ سَيِّدُه بجِنايَةِ عَبْدِه.
وإنِ اسْتَهْلَكَ ما غَلَّه، فهو في رَقَبَتِه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه.
وإن غَلَّتِ المرأةُ أو ذِمِّىٌّ أُحْرِقَ مَتاعُهُما؛ لأنَّهما مِن أهْلِ العُقُوبَةِ، ولذلك يُقْطَعان في السَّرِقَةِ، ويُحَدّانِ في الزِّنى.
وإن أنْكَرَ الغُلولَ، وذَكَر أنَّه ابْتاعَ ما بيَدِه، لم يُحَرَّقْ مَتاعُه حتى يَثْبُتَ غُلولُه بِبَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، لأنَّه عُقُوبَةٌ، فلا يَجِبُ قبلَ ثُبُوتِه بذلك، كالحَدِّ، ولا يُقْبَلُ في بَيِّنَتِه إلَّا عَدْلان؛ لذلك.
فصل ولا يُحْرَمُ الغالُّ سَهْمَه.
وقال أبو بكرٍ: في ذلك رِوايتان؛ إحْداهما، يُحْرَمُ سَهْمَه، لأنَّه قد جاءَ في الحديثِ:«يُحْرَمُ سَهْمَه».
فإن صَحَّ، فالحُكْمُ له. وقال الأوْزَاعِىُّ في الصَّبِىِّ يَغُل: يُحْرَمُ سَهْمَه، ولا يُحَرَّقُ مَتاعُه. ولَنا، أنَّ سَبَبَ الاسْتِحْقاقِ موْجُودٌ، فيَسْتَحِقُّ، كما لو لم يَغُلَّ، ولم يثْبُتْ حِرْمانُ سَهْمِه في خَبَرٍ، ولا يَدُلُّ عليه قِياسٌ، فيَبْقَى بحالِه. ولا يُحَرَّقُ سَهْمُه؛ لأنَّه ليس مِن رَحْلِه.
فصل: إذا تابَ الغالُّ قبلَ القِسْمَةِ، رَدَّ ما أخَذَه في المَغْنَمِ ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ رَدُّه إلى أهْلِه.
فإن تاب بعدَ القِسْمَةِ، فمُقْتَضَى المَذْهَبِ أن يُؤَدِّىَ خُمْسَه إلى الإِمامِ، ويَتَصَدَّقَ بالباقِى. وهذا قولُ الحسنَ، والزُّهْرِىِّ، ومالكٍ، والأَوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، واللَّيْثِ.
وقال الشافعىُّ: لا أعْرِفُ للصَّدَقَةِ وَجْهًا، وحديثُ الغالِّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال له:«لَا أقْبَلُهُ مِنْكَ، حَتَّى تَجِئَ بِهِ إلىَّ يَوْمَ القِيَامَةِ». ولَنا، ما روَى سعيدُ بنُ منصورٍ ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ المُبارَكِ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، عن حَوْشَبِ بنِ سَيْفٍ، قال: غَزا النّاسُ الرُّومَ، وعليهم عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ، فغَلَّ رَجُلٌ مائةَ دِينارٍ، فلمَّا قُسِمَتِ الغَنِيمَةُ وتَفَرَّقَ النّاسُ، نَدِمَ، فأتَى عبدَ الرحمنِ، فقال: قد غَلَلْتُ مائةَ دينارٍ، فاقْبِضْها .
فقال: قد تَفَرَّقَ النّاسُ، فلَنْ أقْبِضَها منك حتَّى تُوافِىَ اللَّهَ بها يومَ القِيامةِ. فأَتَى مُعاوِيَةَ، فذَكَرَ ذلك له، فقال له مثلَ ذلك، فخَرَجَ وهو يَبْكِى، فمَرَّ بعبدِ اللَّهِ بنِ الشاعرِ السَّكْسَكِىِّ، فقال: ما يُبْكِيكَ؟ فأخْبَرَه، فقال: إنَّا للَّه وِإنَّا إلَيْهِ راجِعُون، أمُطِيعٌ أنتَ يا عبدَ اللَّهِ؟ قال: نعم. قال: فانْطَلِقْ إلى مُعاوِيَةَ فقُلْ له: خُذْ مِنِّى خُمْسَكَ. فأعْطِه عشرين دينارًا، وانْظُرْ إلى الثمانين الباقيةِ، فتَصَدَّقْ بها عن ذلك الجَيْشِ،
فإنَّ اللَّهَ تعالى يَعْلَمُ أَسْماءَهم ومَكانَهم،
وإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عن عبادِه. فقال مُعاوِيَةُ: أحْسَنَ واللَّهِ، لأنْ أكونَ أنا أفْتَيْتُه بهذا، أحبُّ إلىَّ مِن أن يكونَ لى مثلُ كلِّ شئٍ امْتلَكْتُ. وعن ابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه رَأْى أن يُتَصَدَّقَ بالمالِ الَّذى لا يُعْرَفُ صاحِبُه. فقد قال به ابنُ مسعودٍ، ومُعاوِيَةُ،
ومَن بعدَهم، ولا نعْرِفُ لهم مُخالِفًا في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا. ولأنَّ تَرْكَه تَضْيِيعٌ له، وتعْطِيلٌ لمَنْفَعَتِه التى خُلِقَ لها، ولا يَتَخَفَّفُ به شئٌ مِن إثْمِ الغالِّ، وفى الصَّدقَةِ به نَفْعٌ لمَن يَصِلُ إليه مِن المَساكينِ، وما يَحْصُلُ مِن أجْرِ الصَّدَقَةِ يَصِلُ إلى صاحِبِه، فيذْهَبُ به الإِثْمُ عن الغالِّ، فيكونُ أوْلَى.
١٤٦٧ - مسألة: (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لأمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ) ما أُخِذَ مِن فِدْيَةِ الأسارَى، فهو غَنِيمَةٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا،
فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمِين. ولأنَّه مالٌ حَصَل بقُوَّةِ الجيشِ، أشْبَهَ الخَيْلَ والسِّلاحَ.
وأمَّا الهَدِيَّةُ للإِمامِ والقُوّادِ، فإن كان في حالِ الغَزْوِ، فهى غَنِيمَةٌ. وهكذا ذَكَر أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لا يَفْعَلُ ذلك إلَّا لخَوْفٍ مِن المُسْلِمِين. فظاهِرُ هذا يَدُلُّ على أنَّ ما أُهْدِىَ لآحادِ الرَّعِيَّةِ فهو له.
وقال القاضى: هو غَنِيمَةٌ؛ لِما ذَكَرْنَا.
وإن كانتِ الهَدِيَّةُ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسلامِ، فهى لمَن أُهْدِيَتْ له، سواءٌ كان الإِمامُ أو غيرُه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَبِلَ هَدِيَّةَ المُقَوْقِسِ، فكانتْ له دُونَ غيرِه وهذا قولُ الشافعىِّ، ومحمدِ بنِ الحسنِ.
وقال أبو حنيفةَ: هو للمُهْدَى له بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه خُصَّ بها، أشْبَهَ ما إذا كان في دارِ الإِسلامِ. وحُكِىَ ذلك رِوايَةً عن أحمدَ. ولَنا، أنَّه أخَذَ ذلك بظَهْرِ الجَيْشِ، أشْبَهَ ما لو أخَذَه قَهْرًا، ولأنَّه إذا أُهْدِىَ إلى الإِمامِ أو أميرٍ، فالظَّاهِرُ أنَّه يُدارِى عن نفْسِه به، فأشْبَهَ ما أُخِذَ منه قَهْرًا،
وأمّا الهَدِيَّةُ لآحادِ المُسْلِمِين، فلا يُقْصَدُ بها ذلك في الظَّاهِرِ؛ لعَدَمِ الخَوْفِ منه، فيكونُ كما لو أُهْدِىَ إليه إلى دارِ الإِسلامِ. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ؛
فإن كانت بينَهما مُهاداةٌ قبلَ ذلك، فله ما أُهْدِىَ إليه،
وإن تجَدَّدَ ذلك بالدُّخُولِ إلى دارِهم، فهو للمُسْلِمِين، كقَوْلِنا في الهَدِيَّةِ إلى القاضِى.
(وَالْغَالُّ مِنَ الْغَنِيمَةِ) وَهُوَ مَنْ كَتَمَ مَا غَنِمَهُ، أَوْ بَعْضَهُ، فَيَجِبُ أَنْ (يُحْرَقَ رَحْلُهُ كُلُّهُ) قَالَهُ الْحَسَنُ وَجَمَاعَةٌ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِحَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِذَلِكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ لَا الْحَدَّ الْوَاجِبَ، فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ. فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَخْتَصُّ التَّحْرِيقُ بِالْمَتَاعِ الَّذِي غُلَّ، وَهُوَ مَعَهُ،
فَلَوِ اسْتَحْدَثَ مَتَاعًا، أَوْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ وَلَهُ فِيهِ مَتَاعٌ، لَمْ يُحْرَقْ، وَكَمَا لَوِ انْتَقَلَ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ فِي الْأَشْهَرِ. وَهَذَا إِذَا كَانَ حَيًّا حُرًّا مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا. جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ " وَ " الْآدَمِيُّ " الْبَغْدَادِيَّانِ،
وَلَوْ أُنْثَى أَوْ ذِمِّيًّا. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا ينْفي، نَصَّ عَلَيْهِ، بَلْ يُضْرَبُ لِلْخَبَرِ،
وَفِي السَّارِقِ: لَا يُحْرَقُ مَتَاعُهُ،
وَقِيلَ: بَلَى، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ ". (إِلَّا السِّلَاحَ) لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْقِتَالِ (وَالْمُصْحَفَ) لِحُرْمَتِهِ. وَشَمِلَ الْجِلْدَ، وَالْكِيسَ، وَمَا هُوَ تَابِعٌ لَهُ،
وَقِيلَ: يُبَاعُ وَيُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ؛ لِقَوْلِ سَالِمٍ: بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ.
وَالْأَصَحُّ: وَكُتُبُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْقَصْدُ الْإِضْرَارَ بِهِ فِي دِينِهِ، بَلْ فِي بَعْضِ دُنْيَاهُ. (وَالْحَيَوَانَ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا، وَعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْمَتَاعِ الْمَأْمُورِ بِإِحْرَاقِهِ،
وَكَذَا آلَتُهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا،
وَكَذَا نَفَقَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْرَقُ عَادَةً، وَكَسَهْمِهِ وَثِيَابِهِ الَّتِي عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُتْرَكَ عُرْيَانًا،
وَقِيلَ: سَاتِرُ عَوْرَتِهِ. جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ".
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْرَمُ سَهْمَهُ، لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ،
وَعَنْهُ: بَلَى، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ إِلَّا الْمُصْحَفَ وَالدَّابَّةَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحْمَدَ.
فَرْعٌ: مَا أَبْقَتِ النَّارُ مِنْ حَدِيدٍ وَنَحْوِهِ، فَهُوَ لَهُ،
فَإِذَا تَابَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، رَدَّ مَا أَخَذَهُ فِي الْغَنِيمَةِ، وَبَعْدَهَا يُعْطِي الْإِمَامَ خُمُسَهُ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْرِفُ لِلصَّدَقَةِ وَجْهًا. قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ فَيُقَسِّمُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ،
وَمَنْ سَتَرَ عَلَى الْغَالِّ وَأَخَذَ مَا أُهْدِيَ لَهُ مِنْهَا، أَوْ بَاعَهُ إِمَامٌ، أَوْ حَابَاهُ، فَهُوَ غَالٌّ. (وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ) أَيْ: مِنْ فِدْيَةِ الْأُسَارَى، فَهُوَ غَنِيمَةٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَسَّمَ فِدَاءَ أُسَارَى بَدْرٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ حَصَلَ بِقُوَّةِ الْجَيْشِ أَشْبَهَ السِّلَاحَ (أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ) أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ) جَمْعُ قَائِدٍ؛ وَهُوَ نَائِبُهُ (فَهُوَ غَنِيمَةٌ) أَيْ: لِلْجَيْشِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْجَيْشِ، فَيَكُونُ غَنِيمَةً كَمَا لَوْ أَخَذَهُ بِغَيْرِهَا.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ،
وَعَنْهُ: هُوَ لِلْمُهْدَى لَهُ، وَقِيلَ: فَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ،
فَلَوْ كَانَتْ بِدَارِنَا، فَهِيَ لِمَنْ أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَبِلَ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ، وَاخْتُصَّ بِهَا،
وَقِيلَ: فَيْءٌ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْهَدِيَّةَ لِأَحَدِ الرَّعِيَّةِ فِي دَارِهِمْ يُخْتَصُّ بِهَا، كَمَا لَوْ أُهْدِيَ إِلَيْهِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ،
وَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ غَنِيمَةٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالٌ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَادَاةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهِيَ لَهُ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ كَهَدِيَّةِ الْقَاضِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [
والغَالُّ مِنَ الغَنِيمَةِ يُحَرَّقُ رَحْلُه كلُّه -سواءٌ كان ذكَرًا أو أُنْثَى مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا- إلَّا السِّلاحَ والمُصْحَفَ والحيوانَ
وكذا نفَقَتُه. يعْنِى، يجِبُ حَرْقُ ذلك. وهذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وهو مِن مُفْرَداتِ المذهبِ. ولم يَسْتَثْنِ الخِرَقِىُّ، والآجُرِّىُّ مِنَ التَّحْرِيقِ إلَّا المُصْحَفَ والدَّابَّةَ.
وقال: هو قوْلُ أحمدَ. واخْتارَ الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ، وبعضُ الأصحابِ المُتَأَخِّرِين، أن تَحْرِيقَ رَحْلِ الغالِّ مِن بابِ التَّعْزيرِ لا الحَدِّ، فيَجْتَهِدُ الإِمامُ بحسَبِ المَصْلَحَةِ. قال فى «الفُروعِ»: وهذا أظْهَرُ.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، مُرادُه بالحَيوانِ؛ أنَّ الحَيوانَ بآلَتِه؛ مِن سَرْجٍ ولِجامٍ وحَبْلٍ ورَحْلٍ وغيرِ ذلك. نصَّ عليه، وقالَه الأصحابُ. قال فى «الرِّعايَةِ»: وعَلَفِها. الثَّانِى، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يُحَرِّقُ كُتُبَ العِلْمِ وثِيابَه التى عليه. وهو أحَدُ الوَجْهَيْن. اخْتارَه الآجُرِّىُّ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّهما لا يُحَرَّقان.
قال فى «الفُروعِ»: والأصحُّ لا تُحَرَّقُّ كُتُبُ عِلْمٍ وثِيابُه التى عليه. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وجزَم فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، أنَّ ثِيابَه التى عليه لا تُحَرَّقُ. وقالا فى كُتُبِ العِلْمِ والحديثِ: يَنْبَغِى أنْ لا تُحَرَّقَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
انتهيا. وقيل: تُحَرَّقُ ثِيابُه إلَّا ما يسْتُرُ عوْرَتَه فقط. وجزَم به فى «المُنَوِّرِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «النَّظْمِ». قال فى «البُلْغَةِ»: إلَّا المُصْحَفَ والحَيوانَ وثِيابَ سُتْرَتِه.
فوائد؛ الأُولَى، ما لم تأْكُلْه النَّارُ يكونُ لرَبِّه،
وكذا ما اسْتُثْنِى مِنَ التَّحْرِيقِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقيل: يُباعُ المُصْحَفُ ويُتَصدَّقُ به. وهما احْتِمالان . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». الثَّانيةُ، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه يَسْتَحِقُّ سَهْمَه مِنَ الغَنِيمَةِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ. قدَّمه فى «الفُروعِ»، و «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونَصرَاه. وصحَّحه فى «النَّظْمِ».
وعنه، يُحْرَمُ سَهْمَه. اخْتارَه الآجُرِّىُّ. وجزَم به ناظِمُ «المُفْرَداتِ»، وهو منها. وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». الثَّالثةُ، يؤخَذُ ما غَلَّه [مِنَ المَغْنَمِ]؛
فإنْ تابَ قبلَ القِسْمَةِ، رَدَّه للمَغْنَمِ،
وإنْ تابَ بعدَ القِسْمَةِ، رَدَّ خُمْسَه للإِمامِ، وتصَدَّقَ بالباقى. نصَّ عليه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال الآجُرِّىُّ: يأْتِى به الإمامَ، فيَصْرِفُه فى مَصالِحِ المُسْلِمِين.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. الرَّابعةُ، يُشْترَطُ لإحْراقِ رُحْلِه، أنْ يكونَ الغالُّ حَيًّا، نصَّ عليه، حُرًّا مُكَلَّفًا،
ولو كان ذِمِّيًّا أو امْرأَةٌ. صرَّح به المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما. وهو ظاهِرُ «الفُروعِ». قال فى «الفُروعِ»: والمُرادُ مُلْزَمًا . ذكَرَه الآدَمِىُّ البَغْدادِىُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ».
وقال فى «الرِّعايَةِ»: مُسْلِمًا. ويُشْتَرطُ أيضًا، أنْ لا يكونَ باعَه ولا وَهَبَه. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قدَّمه فى «الفُروعِ».
وقيل: يُحَرقُ بعدَ البَيعِ والهِبَةِ أيضًا. وهما احْتِمالان مُطْلَقان فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، وبنَياهُما على صِحَّةِ البَيْعِ وعدَمِه؛
فإنْ صحَّ البَيْعُ، لم يُحَرَّقْ، وإلَّا حُرِّقَ. وأطْلَقهما فى «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ». الخامسةُ: يُعَزَّرُ الغالُّ أيضًا، مع إحْراقِ رَحْلِه، بالضَّرْبِ ونحوِه، لكنْ لا يُنْفَى. نصَّ عليه.
تنبيهان؛ أحدُهما، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه، أنَّ السَّارِقَ مِنَ الغنِيمَةِ لا يُحَرَّقُ رَحْلُه. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وهو ظاهِرُ كلامِ كثيرٍ مِنَ الأصحابِ. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن».
وقيل: حُكْمُه حُكْمُ الغَالِّ. جزَم به فى «التَّبْصِرَةِ»، وأنَّه سواءٌ كان له سَهْمٌ أوْ لا. الثانى، ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ أيضًا، أنَّ مَنْ ستَر على الغَالِّ، أو أخَذ منه ما أَهْدَى له منها، أو باعَه أمامَه، أو حابَاه، لا يكونُ غالًّا. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ، إلَّا الآجُرِّىَّ؛ فإنَّه قال: هو غالٍّ أيضًا. الثَّالِثُ، لو غَلَّ عَبْدٌ أو صَبِىٌّ، لم يُحَرَّقْ رَحْلُهما، بلا نِزاعٍ. وَمَا أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ. وما أُخِذَ مِنَ الْفِدْيَةِ، أَوْ أَهْدَاهُ الْكُفَّارُ لِأمِيرِ الْجَيْشِ، أَوْ بَعْضِ قُوَّادِهِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ.
ما أُخِذَ مِنَ الفِدْيَةِ، فهو غَنِيمَةٌ، بلا خِلافٍ نعْلَمُه.
وأمَّا ما أهْدَاه الكُفَّارُ لأميرِ الجَيْشِ، أو بعضِ قُوَّادِه، فلا يخْلُو؛
إمَّا أنْ يُهْدَى فى أرْضِ الحَرْبِ، أوْ لا.
فإنْ أُهْدِىَ فى دارِ الحَرْبِ، فهو غَنِيمَةٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. كما جزَم به المُصَنِّفُ، وجزَم به فى «الوَجيزِ»، و «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم. وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «الفُروعِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرِهم.
وعنه، هو لمَن أُهْدِىَ له.
وعنه، هو [فَىْءٌ اخْتارَه القاضى] فى «الأحْكامِ السُّلْطانِيَّةِ». وجزَم به ابنُ عَقِيلٍ فى «تَذْكِرَتِه».
وإنْ أُهْدِىَ مِن دارِ الحَرْبِ إلى دارِ الإِسْلامِ، فقيلَ: هو لمَن أُهْدِىَ له. جزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ونصَرَاه.
وقيل: هو فَىْءٌ.
فائدتان؛ إحْداهما، إذا أُهْدِىَ لبعضِ الغانِمِين فى دارِ الحَرْبِ، فقيلَ: هو غَنِيمَةٌ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. اخْتارَه القاضى. وقَدَّمه فى «الفُروعِ». وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ».
وعنه، يكونُ لمَن أُهْدِىَ له. قدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ». وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقيل: إنْ كان بينَهما مُهاداةٌ، فله، وإلَّا فغَنِيمَةٌ. وهو احْتِمالٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ».
وإنْ أُهْدِىَ إليه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى دارِ الإِسْلامِ، فهو له. الثَّانيةُ، لو أسْقَطَ بعضُ الغانِمِين حقَّه،
ولو كان مُفْلِسًا، فهو للباقِين. وفى الشُّفْعَةِ وَجْهان. وأطْلقَهما فى «الفُروعِ».
قلتُ: الأَوْلَى أنَّه يسْقُطُ مِلْكُ التَّمَلُّكِ، وفى مِلْكِه بتَمَلُّكِه قبلَ القِسْمَةِ وَجْهان. وأطْلَقهما فى «الفُروعِ». قال القاضى: لا يمْلِكُون قبلَ القِسمَةِ، وإنَّما ملَكُوا أنْ يَتَملَّكُوا.
وقال أيضًا: لأنَّ الغَنِيمَةَ إذا قُسِمَتْ بينَهم، لم يَمْلِكْ حَقَّه منها إلَّا بالاخْتِيارِ؛ وهو أنْ يقولَ: اخْتَرْتُ تَمَلُّكَها.
فإذا اخْتارَه، ملَك حقَّه. قال الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ: وهذا ليس بصَحيحٍ.
قلت: وهو الصَّوابُ. وإنْ أسْقَطَ كُلُّ الغانِمِين حَقَّهم، فهو فَىْءٌ.
قال: (والغالّ من الغنيمة يحرق رَحْلُه كلُّه إلا المصحف والسلاح والحيوان) .
أما كون الغالّ من الغنيمة. وهو: الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة. يحرق رحله كله غير سلاحه ومصحفه وحيوانه فلما روى صالح بن محمد قال: دخلت مع سلمة أرض الروم فأُتي برجل قد غلّ فسأل سالماً عنه. فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً. فسأل سالماً عنه. فقال: بعه وتصدق بثمنه» رواه أبو داود والأثرم.
وأما كونه لا يحرق سلاحه فلأن الحاجة تدعو إليه.
وأما كونه لا يحرق مصحفه فلأنه مذكور في حديث صالح.
ولأن له حرمة.
وأما كونه لا يحرق حيوانه فلأن له حرمة في نفسه.
ولأنه لا يدخل في اسم المتاع.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعذب بالنار».
قال: (وما أُخذ من الفدية، أو أهداه الكفار لأمير الجيش، أو بعض قواده: فهو غنيمة) .
أما كون ما أُخذ من الفدية غنيمة فلأنه عوض عما هو غنيمة فكان غنيمة لأن حكم العوَض حكم المعوّض.
وأما كون ما أهداه الكفار لأمير الجيش أو بعض قواده غنيمة فلأنه يغلب على الظن إنما فعلوا ذلك خوفاً من المسلمين؛ أشبه ما أُخذ بالقتل.
وشرط المصنف رحمه الله في الكافي أن يكون الهدية في دار الحرب.
فإن كانت في دار الإسلام فهي لمن أهديت له؛ لأنه مال تبرع له به من غير خوف أشبه هدية المسلم. [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.