وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ الْمُذْهَبِ وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَ الْوَتْرِ فِي جَمَاعَةٍ النِّهَايَةِ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ
Its commentaries
مسألة: (ويُكْرَهُ التَّطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. وفي التَّعْقِيبِ رِوايَتان؛ وهو أن يَتَطَوَّعَ بعدَ التراويحِ والوتر في جَماعَةٍ) يُكْرَهُ التطَوعُ بينَ التَّراوِيحِ. نَص عليه أحمدُ،
وقال: فيه عن ثَلَاثةٍ مِن أصْحابِ رَسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ عُبادَةُ، وأبو الدَّرْداءِ، وعُقْبَةُ بنُ عامِرٍ. وذُكِر لأبي عبدِ الله رُخْصَة فيه عن بعض الصحابةِ، فقال: هذا باطِلٌ، إنما فيه عن الحسنِ، وسعيدِ ابن جُبَيْرٍ.
وقال أحمدُ: يَتَطَوعُ بعدَ المَكْتُوبَةِ، ولا يَتَطَوَّعُ بعدَ التَّراوِيحِ. وروَى الأثْرَمُ، عن أبي الدَّرْداءِ, أنَّه أبصَرَ قوْمًا يُصَلُّون بينَ التَّراوِيح، فقال: ما هذه الصلاةُ؟ أتُصَلِّي وإمامُك بينَ يَدَيْك؟ ليس مِنّا مَن رَغِب عَنَّا.
وقال: مِن قِلَّةِ فِقهِ الرجلِ أن يرى أنَّه في المَسْجِدِ وليس في صلاةٍ.
فصل: فأما التَّعقِيبُ، أو صلاةُ التَّراوِيحِ في جَماعَة أخرَى، فعنه الكَراهَةُ. نَقَلَها عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، إلَّا أنَّه قول قدِيم. قال أبو بكرٍ: إذا أخَّرَ الصلاةَ إلى نِصْفِ الليْلِ أو آخِره، لم يُكْرَهْ، رِوايَة واحِدَة، وإنَّما الخِلافُ فيما إذا رَجَعُوا قبل النوْم .
وعنه، لا بَأس به. نقَلَها عنه الجَماعَةُ. وهو الصحِيحُ، لقَوْلِ أنس، رَضِيَ الله عنه: ما يَرْجِعُون إلَّا بخيْرٍ يَرْجُونَه، أو لَشرٍّ يَحْذَرُونَه . وكان لا يَرَى به بَأسًا. ولأنَّه خَيرٌ وطاعَةٌ، فلم يُكْرَهْ، كما لو أخَّرَه إلى آخِرِ الليْلِ.
فصل: ويُسْتَحَب أن يَجْمَعَ أهلَه عندَ خَتْمِ القُرآنِ وغيرَهم؛ لحُضُورِ الدُّعاءِ. وكان أنس إذا خَتَم القُرْآنَ جَمع أهْلَه ووَلَدَه . ورُوىَ ذلك عن ابن مسعودٍ وغيرِه. ورَواه ابنُ شاهِين مَرْفُوعًا. واسْتَحْسَنَ أبو عبدِ الله التَّكبِيرَ عندَ آخِرِ كلِّ سُورَةٍ من سُورَةِ الضُّحَى إلى آخِرِ القُرْآنِ، لأنَّه رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ أنّه قَرَأ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فأمَرَه بذلك. رَواه القاضي بإسنادِه في «الجامِع». ولا بَأسَ بقِراءَةِ القُرْآنِ في الطَّريقِ، ولا وهو مُضْجعٌ.
قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: خَرَجْتُ مع أبي عبدِ اللهِ إلى الجامع فسَمعتُه يَقْرأ سُورَةَ الكَهْفِ. وعن إبراهِيمَ التيمِي، قال: كنتُ أقْرَأ على أبي موسى وهو يَمْشى في الطَّرِيقِ،
فإذا قَرَأتُ السجْدَةَ قلتُ له: أسْجُدُ في الطرِيقِ؟ قال: نعم. وعن عائشةَ أنها قالت: إنِّي لَأقْرأ القُرْآنَ وأنا مُضْطَجعَةٌ على سرِيرِي. رَواه الفِرْيابِيّ، في فَضائِلِ القُرآنِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ خَتَم القُرْآنِ في كلِّ سَبْعَةِ أيامٍ. قال عبدُ الله بنُ أحمدَ: كان أبي يَخْتِمُ القُرْآنَ في النَّهارِ في كل سَبعٍ؛ يَقْرَأ في كُل يَوم سُبْعا، لا يَكادُ يَتْرُكه نَظرا. وذلك لِما رُوِي أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال لعبدِ الله بِنِ عمرٍو:«اقْرَأِ الْقُرْآنَ في كل سَبْع، وَلَا تَزِيدَن عَلَى ذَلِكَ». رَواه أبو داودَ . وعن أوْسِ بنِ حذَيْفَةَ، قال: قُلْنا لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: لقد أبْطَأْتَ عنّا اللَّيْلَةَ.
قال:«إنَّه طَرَأ عَلَيَّ حِزْبي مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَرِهْتُ، أنْ أجئَ حَتَّى أتِمَّهُ». قال أوْسٌ: سَألْتُ أصْحابَ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف تُحَزبُون القُرْآنَ؟ قالُوا: ثَلاثٌ، وخَمْسٌ، وسبْعٌ، وتِسْعٌ، وإحدى عَشْرَةَ، وثلاثَ عَشرَة، وحِزْبٌ منَ المُفصَّلِ وحْدَه. رَواه أبو داودَ. ورَواه الإمامُ أحمدُ ، وفيه: وحِزْبُ المُفَصَّلِ مِن {ق} حتَّى يَخْتِمَ. ورَواه الطَّبْرَانِيّ . فسَألْنا أصْحابَ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: كيف كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحَزِّبُ القُرْآنَ؟
فقالُوا: كان يحُزبُه ثَلاثًا، وخَمسًا. وذَكَرَه.
وإن قَرَأه في ثَلاث فحَسَنٌ؛ لأنَّه رُوِيَ عن عبدِ الله بِنِ عَمْرو، قال: قُلْت لرسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: إن لي قُوةً. قال:«اقرَأهُ في ثَلَاثٍ». رَواه أبو داودَ .
فإن قرَأه في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ، فعنه، يُكْرَهُ ذلك؛ لِما روَى عبدُ الله بنُ عَمْرٍو، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأهُ في أقَلَّ مِنْ ثلَاثٍ». رواه أبو داودَ .
وعنه، أن ذلك غيرُ مُقَدَّرٍ، بل هو على حسَب ما يَجدُ مِن النَّشاطِ والقُوَّةِ؛ لأنَّ عُثْمانَ كان يَخْتِمُه في لَيْلة، ورُوِيَ ذلك عن جَماعة مِن السَّلَفِ. والأفْضَلُ التَّرْتِيلُ؛ لقَوْلِ الله تعالى:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. وعن عائشةَ، أنها قالت: لا أعْلمُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَرَأ القُرْآنَ كلَّه في لَيْلَةٍ. رَواه مسلم . وعنها قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يَخْتِمُ القُرْآنَ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ. رَواه أبو عُبَيْدٍ في «فضائِلِ القُرْآن».
وقال ابنُ مسعودٍ، في مَن قَرَأ القُرْآنَ في أقَل مِن ثَلاثٍ: فهَذٌّ كَهَذِّ الشِّعْر، ونَثرٌ كَنَثْرِ الدَّقلِ .
ويُكْرَهُ أن يُؤخرَ خَتْمَه أكثَرَ مِن أرْبعِين يَوْمًا! لأنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، سألَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في كَمْ يَخَتم القرْآنَ؟ قال:«في أرْبَعِينَ يَوْما». ثم قال:«في شَهْر». ثم قال:«في عِشْرينَ». ثم قال:«في خَمس عَشْرَةَ». ثم قال:««في عَشْرٍ». ثم قال:«في سَبعٍ». لم يَنْزِلْ مِن سَبْعٍ. أخْرَجه أبو داودَ . قال أحمدُ: أكْثَرُ ما سَمِعْتُ أن يُخْتَمَ القُرْآنُ في أرْبَعِين. ولأنَّ تأخيرَه أكثَرَ مِن هذا يُفْضِي إلى نِسْيانِه والتَّهاوُنِ به، وهذا إذا لم يَكُنْ عُذْر، فأمَّا مع العُذْرِ فذلك واسعٌ.
فصل: قال أبو داودَ: قلتُ لأحمدَ: قال ابنُ المُبارَكِ: إذا كان الشتاءُ فاخْتِمِ القُرْآنَ في أولِ الليْلِ، وإذا كان الصيفُ فَاخْتِمْه في أوَّلِ النهارِ. فكَأنه أعْجَبَه؛ لِما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرّفٍ ، قال: أدْرَكْتُ أهلَ الخَيْرِ مِن صَدْرِ هذه الأمَّةِ يَسْتَحِبُّون الخَتْمَ في أولِ اللَّيْل، وأوَّلِ النهارِ، يَقُولُون: إذا خَتَم في أولِ النهارِ صَلَّتْ عليه المَلائِكَةُ حتَّى يُمْسِيَ، وإذا خَتَم في أوَّلِ الليْلِ صَلَّتْ عليه المَلائكةُ حتَّى يُصْبِحَ. وقال بعضُ العُلَماءِ: يُسْتَحَبُّ أن يَجْعَلَ خَتْمَةَ النهارِ في رَكْعَتَي الفَجْر أو بعدَهما، وخَتْمةَ اللَّيْلِ في رَكْعَتَيِ المَغْرِبِ أو بعدَهما.
فصل: وكَرِه أحمدُ قراءَةَ القُرْآنِ بالألْحانِ، وقال: هي بِدْعَةٌ، لِما رُوِيَ أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- ذَكَر في أشْراطِ السّاعَةِ أن يُتَّخَذَ القُرآنُ مَزامِيرَ، يُقَدِّمُون أحَدَهم ليس بأقرَئِهم ولا أفْضَلِهم، إلَّا ليُغنيهم غِناءً . ولأنَّ مُعْجزَةَ القُرْآنِ في لَفْظِه ونَظْمِه، والألْحانُ تُغَيره. قال شيخُنا : وكلامُ أَحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الإفْراطِ في ذلك, بحيث يَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُرُوفًا، ويَمُدُّ في غير مَوْضِعِه. وأمّا تحْسِينُ القُرآنِ والترجِيعُ فلا يُكْرَهُ، فإن عبدَ اللهِ بنَ المُغفلِ قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقْرَأُ سُورَةَ الفَتْحِ. قال: فقَرَأ ابنُ مغَفل، ورَجَّعَ في قِراءَتِه. وفي لَفْظٍ، قال: قَرَأ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عامَ الفَتْحِ في مَسِيرٍ له سُورَةَ الفَتْحِ على راحِلَتِه، فرَجَّعَ في قِراءَتِه. قال مُعاوِيَةُ بنُ قرَّةَ: لولا أنِّي أخافُ أن يَجْتَمعَ عليَّ النّاسُ لحَكَيْتُ لكم قراءَتَه. رَواهما مسلم . وفي لفظٍ فقال : «أأ أ». وروَى أبو هُريَرةَ، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أذِنَ الله لِشَيْء كأذَنِه لِنَبِيٍّ يَتَغَنى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه». رَواه مسلمٌ . وقال -صلى الله عليه وسلم-: «زَيِّنوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكمْ». وقال:«لَيْس مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغنَّ بِالْقُرْآنِ». رَواه البخارِي . قال أبو عُبَيْدٍ وجَماعَةٌ: يَتَغَنَّى بالقرْآنِ يَسْتَغْنِي به. وقالت طائفَةٌ: مَعْناه يُحْسِنُ قِراءَتَه، ويَتَرَنَّمُ به، ويَرْفَعُ صَوْتَه به. كما قال أبو موسى للنبي -صلى الله عليه وسلم-: لو عَلِمْتُ أنَّك تسْمَعُ قِراءَتِي لحبَّرتُه لك تَحْبِيرًا. وقال الشَّافعيّ: يَرْفَعُ صَوْتَه به. وقال أبو [عبدِ اللهِ]: يَقْرَأ بحُزْنٍ مثلِ صَوْتِ أبي موسى. وعلى كلِّ حالٍ فتَحْسِينُ الصوْتِ بالقُرْآنِ وتطريبُه مُسْتَحبٌّ، ما لم يَخْرُجْ بذلك إلى تَغْيِيرِ لَفْظِه، أو زيادَة حُرُوفٍ فيه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. ورُوِيَ عن عائشةَ، أنها قالَت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: كُنْتُ أسمع قراءَةَ رجل في المَسْجِدِ لم أسمعْ قِراءَةً أحسنَ مِن قِراءته. فقام النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَمَعَ، ثم قال:«هَذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبِي حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي جَعَلَ في أمتِي مِثْلَ هَذَا». ٥٠٣ - مسألة: (وصلاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن صلاةِ النهارِ) قد ذَكَرْنا النَّوافِلَ المعَيَّنَةَ. فأمَّا النَّوافِلُ المُطْلَقَةُ فتُسْتَحَبُّ في جَمِيع الأوْقاتِ، إلَّا في أوْقاتِ النُّهْيِ؛ لِما سيَأتي بَيانُه، إن شاء الله تعالى. وتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِن تَطَوُّعِ النَّهارِ. قال أحمدُ: ليس بعدَ المَكْتُوبَةِ عندِي أفْضَلُ مِن قِيامِ اللَّيْلِ. وقد أمِر النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- بذلك، بقَوْلِه تعالى:{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ}. وكان قِيامُ اللَّيْلِ مَفْرُوضًا بقَوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} . ثم نُسِخ بآخِر السُّورَةِ. وعن أبي هُرَيرةَ، قال: قالَ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أفْضَلُ الصلَاةِ بَعدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». رَواه مسلمٌ، والتِّرمِذِي ، وقال: هذا حديث حسن.
٥٠٤ -
(وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ) نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ: رُوِيَ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّطْوِيلِ، وَلِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِمْ،
وَلَا يُكْرَهُ الطَّوَافُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَعَ إِمَامِهِ. (وَفِي التَّعْقِيبِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ إِحْدَاهُمَا: يُكْرَهُ، جَزَمَ بِهِ فِي (الْمُذْهَبِ) وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " وَ " التَّلْخِيصِ " لِمُخَالَفَةِ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، زَادَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَجْدُ: مَا لَمْ يَنْتَصِفِ اللَّيْلُ. رِوَايَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِيَةُ: وَنَقَلَهَا عَنْهُ لِجَمَاعَةٍ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ ": أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ لِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا يَرْجِعُونَ إِلَّا لِخَيْرٍ يَرْجُونَهُ أَوْ لِشَرٍّ يَحْذَرُونَهُ.
قِيلَ: وَالْكَرَاهَةُ قَوْلٌ قَدِيمٌ، نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ (وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ) أَيْ: يُصَلِّي مُطْلَقًا. (بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَ) بَعْدَ (الْوَتْرِ فِي جَمَاعَةٍ) . نَصَّ عَلَيْهِ، هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى التَّعْقِيبِ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا تَطَوَّعَ بَعْدَهُمَا وَحْدَهُ لَا يُكْرَهُ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَذَكَرَهُ مَنْصُوصًا، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " التَّرْغِيبِ " جَمَاعَةً، وَاخْتَارَهُ فِي (النِّهَايَةِ) وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْقَاضِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ رَقَدَ،
وَقِيلَ: أَوْ أَكَلَ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى لِمَنْ فَسَخَ وَتْرَهُ [صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ] (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ النَّهَارِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ،
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: رَكْعَةٌ بِاللَّيْلِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرِ رَكَعَاتٍ بِالنَّهَارِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَلِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي الْإِسْرَارِ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْإِخْلَاصِ؛ فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ صَلَاةُ اللَّيْلِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَهَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ؛ فِيهِ خِلَافٌ.
وفي التَّعقِيبِ روايَتان. وأطْلقَهما في «الفُروعِ»، و «الشَّرْحِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «ابن تَميمٍ»، و «الفائق»؛ إحْدَاهما، لا يُكْرَهُ. وهو المذهب. نقَله الجماعة عن أحمدَ. وصححَهما في «المُغنِي»، و «الشرحِ»، وابن مُنَجَّى في «شرْحِه»، وصاحِب «التَّصْحِيحِ» في «كتابَيْه». وقدمه في «الكافِي»، و «شَرْح ابنِ رَزِين». وجزَم به في «الوجيزِ»، و «المُنتخبِ». قال المصنِّفُ وغيرُه: الكراهَة قوَلٌ قديمٌ. نقله محمدُ بن الحكَمِ.
قلتُ: ليس هذا بقادِحٍ. والرواية الثانيةُ، يُكْرَه. نقَلها محمدُ بنُ الحَكَمِ. قال النَّاظِمُ: يُكْرَه في الأظْهَرِ.
قال في «مَجْمَع البحْريْن»: يُكْرهُ التعْقيب، في أصَح الروايتَيْن. وجزَم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به في «الهِداية»، و «المُذْهب»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخلاصَةِ»، و «التلْخيص»، و «البلْغةِ»، و «المحَررِ»، و «شَرْحِ الهِداية» للمجْدِ، و «المنوَرِ»، و «الإفَاداتِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «الحاوِي الكبيرِ». وقدمه في «الرعايتَيْن»، و «الحاوِي الصغِيرِ». وهو أنْ يتطَوَّعَ بعد التراوِيحِ في الوتْرِ في جماعة. هذا المذهبُ، نصَّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . .
عليه، سواءٌ طالَ ما بينَهما أو قَصُرَ. قدَّمه في «الفُروعِ». وهو ظاهرُ ما جزَم به في «الهداية»، و «لمذْهَبِ»، و «المستوعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، وغيرِهم.
وقال أبو بَكْرٍ، والمَجْدُ في «مُحَررِه»: إذا أخر الصلاةَ إلى نِصْفِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الليلِ، لم يكرَه، روايةً واحدةً، وإنَّما الخِلافُ إذا رَجَعوا قبلَ الإمامِ. قال المجْدُ في «شَرْحِه»: لو تَنَفَّلوا جماعةً بعدَ رَقدَةٍ، أو مِن آخِرِ الليلِ، لم يُكْرَه. نصَّ عليه، واخْتاره القاضي. وجزَم به ابنُ تميم، و «الرعايةِ الصُّغرى»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
.
و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، وابن منَجَّى في «شَرْحِه». وقدَّمه في «الرعايةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكُبْرى».
وقيل: إذا أخَّرَه بعدَ أَكْلٍ ونحوِه، لم يُكْرَه. وجزَم به ابنُ تَميم أَيضًا. واستَحْسَنَه ابنُ أبِي موسى لمن نقَض وتْرَه.
وقال ابنُ تَميم: فإنْ خرَج ثم عادَ، فوْجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في جماعةٍ. هذا الصحيحُ، وقطَع به الأكثرُ، ولم يقلْ في «التَّرغيبِ» وغيرِه: في جماعة. بل أطْلَقوا. واخْتاره في «النهاية».
فوائد؛ إحْداها، يسْتَحبُّ أنْ يسلمَ مِن كُلِّ رَكْعَتَيْن،
فإنْ زادَ، فقال في «الفُروع»: وظاهِر كلامهم، أنَّها كغيرِها. وقد قال الإمام أَحْمد، في مَن قام . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مِنَ التَّراوِيح إلى ثالثةٍ: يرْجِعُ وإنْ قرَأ؛ لأنَّ عليه تسْليمةً ولابدَّ، ويأتي ذلك أَيضًا قريبًا. الثَّانية، يسْتَحَبُّ أنْ يَبْتَدئَها بسُورَةِ القَلَمِ بعد الفاتحةِ، لأنها أولُ ما نزَل. نصَّ عليه،
فإذا سجَدَ قرَأ مِنَ البَقَرَةِ. هذا المذهب. ونَقَل إبراهِيم بن محمدِ بن الحارِثِ ، أنَّه يقرَأ بها في عشاء الآخِرَةِ. قال الشيخ تَقِي الدين: وهو أحْسَنُ. الثالثةُ، يُسْتَحَب أنْ لا يزيدَ الإمامُ على خَتْمَةٍ، إلَّا أنْ يؤْثِرَ المأمُومون، ولا ينْقُصَ عنها. نصَّ عليه، وهذا الصحيح مِن المذهبِ. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. وجزَم به المجْد، وابنُ تَميم وغيرهما.
قال في «الرعايةِ»: يُكْرَهُ النَّقْصُ عن خَتْمَةٍ. نصَّ عليه.
وقيل: يعْتَبَر حالُ المأمومين. قدمه في «الشَّرحِ»، وَصَلَاةُ اللَّيْلِ أفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهارِ، و «شَرْح ابنِ رَزِين». واخْتارَه المُصَنِّفُ،
وقال: التَّقْدير بحالِ المأْمومينَ أوْلَى.
وقال في «الغُنْيَةِ»: لا يزيدُ على ختْمةٍ؛ لئَلا يشُقَّ فيسْأموا، فيتْرُكوا بسبَبِه، فيَعْظُمَ إثْمُه. ويدْعو لختْمِه قبلَ الرُّكوعِ آخرَ رَكْعَةٍ مِن التَّراويحِ، ويرفَع يدَيْه ويطيلُ. نصَّ عليه في رِوايةِ الفَضْل بنِ زِيادٍ.
قال في «الفائقِ»: ويُسَنُّ ختْمُه آخِرَ ركْعَةٍ مِنَ التَّراويحِ قبلَ الرُّكوعِ، وموعِظتَه بعد الخَتْمِ، وقرَاءَةُ دُعاء القُرْآنِ، مع رَفْع الأيدِي. نصَّ عليه. انتهى.
وقيل للإمام أحمدَ: يخْتمُ في الوترِ ويدْعو؟ فسَهَّلَ فيه. وصَلاة اللَّيْل أفْضلُ من صَلاةِ النهارِ. بلا نزاع أعلمه. وأفْضلُها وسط الليل، والنِّصفُ الأخيرُ أفضَل مِنَ الأولِ. هكذا قال كثيرٌ مِنَ الأصحابِ، وقطَعوا به؛ يعنى، أنَّ أفْضلَ الأثْلاثِ، الثُّلثُ الوسَطُ، وأفضلُ النِّصْفَيْن، النِّصْف الأخيرُ. جزَم به في «الهِداية»، و «شرْحِها» للمَجْد، وَأَفْضَلُهَا وَسَطُ الليْلِ، وَالنَّصْف الأخِيرُ أفْضَلُ مِنَ الْأَوَّلَ.
و «التَّلْخيص»، و «البُلْغة»: و «مجْمَع البحْرَيْن»، و «شرْحِ ابنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
منَجَّى»، و «الخلاصَةِ»، و «الحاوِي الكبيرِ»، و «ابنِ تَميم»، و «الفائق»، و «تجْريدِ العِناية»، و «تَذْكِرةِ ابنِ عبدوسٍ»، وغيرهم. . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في «الكافِي»: والنِّصْف الأخير أفضَلُ. واقتصَرَ عليه. وجزَم به في «المُذْهبَ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الشَّرحِ». وجزم في «النَّظْمِ»، و «إدْراك الغايةِ»، أن أفْضَلَه الثُّلثُ بعد النِّصْفِ، كصلاةِ داودَ عليه الصلاة والسلامُ.
وقال في «الإفَاداتِ»: وسَطُه أفضلُ، ثم آخِرُه.
وقال في «الحاوِي الصغِيرِ»: والأفْضَلُ عندِي، أنْ ينامَ نصْفَه الأوَّلَ، أو ثلُثه الأولَ، أو سُدسَه الأخيرَ، ويقومَ بينَهما.
وقال في «الرعايتَيْن»: آخِرُه خيرٌ مِن أولِه، ثم وسَطُه. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: خيْرُه أنْ ينامَ نصْفَه الأولَ.
وقيلَ: بل ثلثه الأوَّل، ثم سُدسه الأخيرُ، ويقومُ ما بينهما. انتهى.
وقال في «الفُروعِ»: أفْضَلُه نصْفُه الأخيرُ، وأفضَلُه ثلثه الأولُ. نص عليه.
وقيل: آخِره. وقيل: ثلث الليلِ الوسَط. انتهى.
فإنْ أراد بقوله: ثلثه الأوَّل. الثلث الأولَ مِن الليلِ، فلا أعلم به قائِلًا.
وإن أراد الثلث الأولَ مِن النصْفِ الأخيرِ، وهو ظاهر كلامِه، فلا أعلم به قائلًا. فلعَله أَرادَ ثلثَ الليلِ من أول النصْفِ الثاني، وفيه بُعْدٌ. ثم بعدَ ذلك رأيت القاضي أَبا الحسيْنِ ذكَر . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في «فُروعِه»، أنَّ المرُّوذِي نقَل عَنِ الإِمام أَحْمد، أفضلُ القِيامِ قيام داودَ؛ وكان ينامُ نصْفَ الليْل، ثم يقوم سدسَه، أو رُبعَه. فقوله: ثم يقومُ سدسَه. موافِقٌ لظاهرِ ما في «الفُروعَ».
فائدة: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ النصْفَ الأخيرَ أفضل منَ الثلثِ الوسَطِ ومِن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غيرِه. قدَّمه في «الفروع»، و «الرعايتَيْن».
وقيل: ثُلثُه الأوْسَط أفضلُ. وقيل: الأفضَلُ الثلثُ بعدَ النِّصْفِ. جزَم به في «النَّظْمِ»، و «إدْراكِ الغايةِ». وقدمه القاضي أبو الحُسيْنِ في «فروعه».
وقيل: أفضلُه النِّصْف بعدَ الثلُث الأولِ. حكَاه في «الرعايتَيْن»، كما تقدّم. وَصَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى.
وإنْ تَطوَّعَ في النَّهَارِ بِأرْبَعٍ فَلَا بَأسَ، وَالْأَفْضَلُ مَثْنَى.
قال: (ويكره التطوع بين التراويح. وفي التعقيب روايتان. وهو أن يَتَطوّع بعد التراويح والوتر في جماعة) .
أما كون التطوع بين التراويح يكره: أما للإمام فلما فيه من التطويل على المأمومين.
وأما للمأموم فلتركه متابعة إمامه.
ولأن في ذلك قلة مبالاة بإمامه.
وأما كون التعقيب لا يكره في روايةٍ؛ فلأن أنساً قال:«ما ترجعون إلا لخير ترجونه أو لشر تحذرونه».
وأما كونه يكره في روايةٍ؛ فلأنه مخالف لأمره صلى الله عليه وسلم في قوله:«اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً».
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو أن يَتَطوع ... إلى آخره؛ فبيان لمعنى التعقيب،
وظاهره وظاهر كلامه في المغني أن الكراهة مختصة بمن يتطوع بعدهما في جماعة.
وقال صاحب النهاية فيها: لا فرق في ذلك بين الجماعة والمنفرد.
والأصح أنه لا يكره مطلقاً لما تقدم.
وكذلك قال المصنف في المغني: إلا أنه -يعني القول بالكراهة- قول قديم والعمل على ما رواه الجماعة. ويعضده «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس». وهذا الاختلاف يختص بمن يصلي قبل أن ينام.
أما التطوع بعد أن ينام فلا يكره قولاً واحداً. ذكره القاضي.
قال: (وصلاة الليل أفضل من النهار. وأفضلها وسط الليل. والنصف الأخير أفضل من الأول) .
أما كون صلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل» حديث حسن.
وأما كون أفضلها وسط الليل؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«صلاة الرجل في جوف الليل خير من الدنيا وما فيها».
ولأن داود عليه السلام كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
ووصف ابن عباس تهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:«نام حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل. ثم استيقظ فوصف تهجده: ثم أوتر. ثم اضطجع حتى جاء المؤذن. فصلى ركعتين خفيفتين. ثم خرج فصلى الصبح» رواه مسلم.
وأما كون النصف الأخير أفضل من الأول؛ فلأن الله تعالى قال:{وبالأسحار هم يستغفرون}.
وروي «أن داود قال: يا جبريل! أي الليل أفضل؟ قال: لا أدري. إلا أن العرش يهتز وقت السحر».
و«لأن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير. فيقول: من يدعوني فأستجيب له. من يسألني فأعطيه. من يستغفرني فأغفر له» متفق عليه.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.