وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَغَيْرِ إِذْنِهِ وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا
Its commentaries
بابُ صَلاةِ الكُسُوفِ الكُسُوفُ والخُسوفُ شئٌ واحِدٌ، وكِلاهما قد وَرَدَتْ به الأخْبارُ، وجاءَ القُرْآنُ بلَفْظِ الخُسُوفِ.
٦٩٧ - مسألة: (وإذا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِع النّاسُ إلى الصَّلاةِ، جَماعَةً وفُرادَى، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه) صَلاةُ الكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها وأمَرَ بها. ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في مَشْرُوعِيَّتِها لكُسُوفِ الشَّمْسِ.
فأمّا خُسُوفُ القَمَرِ، فأكْثَرُ أهلِ العلمِ على أنَّها مَشْرُوعَةٌ له، فَعَلَها ابنُ عباسٍ. وبه قال عَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٌ: ليس لكُسُوفِ القَمَرِ سُنَّةٌ. وحَكَى عنه ابنُ عبدِ البَرِّ، وعن أبى حنيفةَ، أنَّهما قالا: يُصَلِّى النّاسُ لخُسُوفِ القَمَرِ وُحْدانًا رَكْعَتَيْن رَكْعَتَيْن، ولا يُصَلُّون جَماعَةً؛ لأنَّ في خُرُوجِهم إليها مَشَقَّةً. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا». مُتَّفَقٌ عليه . فأمَرَ بالصلاةِ لهما أمْرًا واحِدًا. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه صَلَّى بأهلِ البَصْرَةِ في خُسُوفِ القَمَرِ رَكْعَتَيْن،
وقال: إنَّما صَلَّيْتُ لأنِّى رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُصَلِّى . ولأنَّه أحَدُ الكُسُوفَيْن، فأشْبَهَ كُسُوفَ الشَّمْسِ.
ويُسَنُّ فِعْلُها جَماعَةً وفُرادَى. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وحُكِىَ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه قال: إن صَلَّاها الإِمامُ فصَلُّوها معه، وإلَّا فلا. ولَنا،
قَوْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». ولأنَّهَا نافِلَةٌ، فجازَتْ في الانْفِرادِ، كسائِرِ النَّوافِلِ. وفِعْلُها في الجَماعَةِ أفْضَلُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها في جَماعَةٍ. والسُّنَّةُ أن يُصلِّيَها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها فيه، لقَوْلِ عائِشَةَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-, فخَرَجَ إلى المَسْجِدِ، فصَفَّ النّاسُ وراءَه. رَواه البخارىُّ . ولأنَّ وَقْتَ الكُسُوفِ يَضِيقُ،
فلو خَرَج إلى المُصَلَّى احْتَمَلَ التَّجَلِّى قبلَ فِعْلِها. ويُشْرَعُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، بإذْنِ الإِمامِ وغيرِ إذْنِه.
وقال أبو بكرٍ: هى كصَلاةِ العيدِ، فيها رِوايَتان. ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ:«فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا». ولأنَّها نافِلَةٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ. وتُشْرَعُ في حَقِّ النِّساءِ؛ لأنَّ عائشةَ وأسْماءَ صَلَّتا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-. رَواه البخارىُّ . (و) يُسَنُّ أن (يُنادَى لها: الصَّلاةَ جامِعَةً) لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْرٍو، قال لمّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- نُودِىَ بالصلاةِ جامِعَةً. مُتَّفَقٌ عليه . ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ؛
لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّاها بغيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، ولأنَّها مِن غيرِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، أشْبَهَتْ سائِرَ النَّوافِلِ. ٦٩٨ - مسألة: (ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ في الأُولَى بعدَ الفاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ، ثم يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةً، ويُطِيلُ، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم يَرْكَعُ ويُطِيلُ، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَفْعَلُ مثلَ ذلك، ثم يَتَشَهَّدُ، ويُسَلِّمُ) المُسْتَحَبُّ في صلاةِ الكُسُوفِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْن، يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرامِ، ثم يَسْتَفْتِحُ، ويَسْتَعِيذُ، ويَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ البَقَرَةِ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ قَدْرَ مائةِ آيَةٍ، ثم يَرْفعُ فيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ وآلَ عِمْرانَ، أو قَدْرَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن سَبْعِين آيةً، ثم يَرْفَعُ فَيُسَمعُ ويُحَمدُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، فَيُطِيلُ السُّجُودَ نَحْوًا مِن الرُّكُوعِ، ثِم يَقُومُ إلى الثَّانيةِ، فيَقْرأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ النِّساءِ، أو نحْوَها، ثم يَرْكَعُ فيُسَبِّحُ نَحْوًا مِن خَمْسِين آيةً، ثم يَرْفَعُ، ويُسَمِّعُ ويُحَمِّدُ، ويَقْرَأُ الفاتِحَةَ وسُورَةَ المائِدَةِ، ثم يَرْكَعُ فيُطِيلُ دُونَ الذى قَبْلَه، ثم يَرْفَعُ، ثم يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن طَوِيلَتَيْن، ثم يَتَشهَّدُ، ويُسَلِّمُ. ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ لَيْلًا كان أو نَهارًا.
وليس هذا التَّقْدِيرُ في القِراءَةِ مَنْقُولًا عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى، ولكنْ قد نُقِلَ عنه، أنَّ الأُولَى أطْوَلُ مِن الثَّانيةِ. وجاء في حَدِيثِ ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليه . وفى حَدِيثٍ لعائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فرأيتُ أنَّه قَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سُورَةَ البَقَرَةِ، وفى الثَّانيةِ سُورَةَ آلِ عِمْرانَ .
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، إلَّا أنَّهما قالا: لا يُطِيلُ السُّجُودَ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهما؛ لأنَّ ذلك لم يُنْقَلْ. وقالا: لا يَجْهَرُ في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ويَجْهَرُ في كُسُوفِ القَمَرِ. ووافَقَهم أبو حنيفةَ؛ لقولِ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَةَ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ولو جَهَر بالقِراءَةِ لم يُحْتَجْ إلى الحَزْرِ.
وكذلك قال ابنُ عباس: قام قِيامًا طَوِيلًا، نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. ولأنَّها صَلاةُ نهارٍ، فلم يَجْهَرْ فيها كالظُّهْرِ. وفى حَدِيثِ سَمُرَةَ، قال: فلم أسْمَعْ له صَوْتًا. قال التِّرْمِذىُّ . هذا حديثٌ صحيحٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن كصلاةِ التَّطَوُّعِ؛ لِما روَى النُّعْمانُ بنُ بَشِيرٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ فكان يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حتى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَواه أحمدُ . وروَى قَبِيصَةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«فَإذَا رَأيْتُمُوهَا فَصَلُّوا كَأحْدَثِ صَلَاةٍ صَلَّيْتُمُوهَا مِنَ الْمَكْتُوبَةِ». ولَنا، على أنَّه يُطِيلُ السُّجُودَ، أنَّ في حديثِ عائِشةَ: ثم رَفَع، ثم سَجَد سُجُودًا طَوِيلًا، ثم قام قِيامًا طَوِيلًا، وهو دُونَ القِيامِ الأوَّلِ، ثم رَكَع رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم سَجَد سُجُودًا طَوِيلًا، وهو دُونَ السُّجُودِ الأوَّلِ.
رَواه البخارىُّ . وفى حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو في صِفَةِ صلاةِ الكُسُوفِ: ثم سَجَد، فلم يَكَدْ يَرْفَعُ. رَواه أبو داودَ . وتَرْكُ ذِكْرِه في حديثٍ لا يَمْنَعُ مَشْرُوعِيَتَّه إذا ثَبَت عن النبى -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وأمَّا الجَهْرُ فرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَعَلَه. وهو مذْهَبُ أبى يُوسُف، وإسحاقَ، وابنَ المُنْذِرِ؛ لِما روَتْ عائشةُ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَهَر في صَلاةِ الكُسُوفِ. مُتَّفَقٌ عليه . وعنها أيضًا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الكُسُوفِ، وجَهَر فيها. قال التِّرْمِذىُّ : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. ولأنَّها نافِلَةٌ شُرِعَتْ لها الجَماعَةُ، فكان مِن سُنَّتِها الجَهْرُ، كصلاةِ الاستِسْقاءِ.
فأمَّا قولُ عائشةَ: حَزَرْتُ قِراءَتَه. ففى إسْنادِه مَقالٌ؛ لأنَّه مِن رِوايَةِ ابنِ إسْحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ سَمِعَتْ صَوْتَه ولم تَفْهَمْ للبُعْدِ، أو قَرَأ مِن غيرِ أوَّلِ القُرْآنِ بقَدْرِ البَقَرَةِ. ثم حَدِيثُنا صحيحٌ صريحٌ، فكيف يُعارَضُ بمثْلِ هذا. وحديثُ سَمُرَةَ مَحْمُولٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ لبُعْدِه؛
فإنَّ في حَدِيثِه ما يَدُلُّ على هذا، وهو أنَّه قال: دَفَعْتُه إلى المَسْجدِ، وهو بأُزَزٍ. يعنى وهو مُغْتَصٌّ بالزّحامِ.
ثم إنَّ هذا نَفْىٌ يَحْتَمِلُ أُمُورًا كَثِيرةً، فكيف يُتْرَكُ لأجْلِه الحديثُ الصحيحُ! وقِياسُهم مُنْتَقَضٌ بما ذَكَرْنا مِن القِياسَ. والدَّلِيلُ على صِفَةِ الصَّلاةِ التى ذَكَرْناها، ما روَتْ عائشةُ، قالت: خَسَفَتِ الشَّمْسُ في حَياةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فخَرَجَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المَسْجِدِ، فقامَ وكَبَّرَ، وصَف النّاسُ وَراءَه، فقَرَأ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قِراءَةً طَوِيلَةً، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثم رَفَع رأْسَه، فقال:«سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَاَ وَلَكَ الْحَمْدُ».
ثم قام فاقْتَرَأ قِراءَةً طَوِيلَةً، وهى أدْنَى مِن القِراءَةِ الأُولَى، ثم كَبَّرَ فرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وهو أدْنَى مِن الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثم قال:«سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثم سَجَد، ثم فَعَل في الرَّكْعَةِ الأُخْرَى مثلَ ذلك، حتى اسْتَكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، وأرْبَعَ سَجَداتٍ، وانْجَلَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَنْصَرِفَ. وعن ابنِ عباسٍ مثلُ ذلك، وفيه أنَّه قام في الأُولَى قِيامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِن سُورَةِ البَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عليه .
فأمّا أحادِيثُهم فغيرُ مَعْمُولٍ بها باتِّفاقِنا، فإنَّهم قالُوا: يُصَلِّى رَكْعَتَيْن. وحَدِيثُ النُّعْمانِ فيه أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، وحَدِيثُ قَبِيصَةَ مُرْسَل، وحديثُ النُّعْمانِ يَحْتَمِلُ أنَّه صَلَّى رَكْعَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْن، لأنَّ فيه جمعًا بينَ الأحاديثِ،
ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ كانت أحادِيثُنا أوْلَى؛ لصِحَّتِها وشُهْرَتِها، واشْتِمالِها على الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. فصل: ومَهْما قَرَأ به جاز، سَواءٌ كانتِ القِراءَةُ طَوِيلَةً أو قَصِيرَةً؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ والقَمَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في أرْبَعِ سَجَداتٍ، وقَرَأ في الأُولَى بالعَنْكَبُوتِ والرُّومِ، وفى الثَّانيةِ بـ {يس}. أخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنىُّ .
فصل: وقال أصحابُنا: لا خُطْبَةَ لصلاةِ الكُسُوفِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك شئٌ. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأصْحابِ الرَّأْى.
وقال إسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَخْطُبُ الإِمامُ بعدَ الصَّلاةِ. قال الشافعىُّ: يَخْطُبُ كَخُطْبَتَى الجُمُعَةِ؛ لأنَّ في حديثِ عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- انْصَرَفَ وقد انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النّاس، فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وقال:«إنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَخسِفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ، وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا» ثم قال: «يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا». مُتَّفَقٌ عليه .
ولَنا، أنَّ في هذا الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّ الخُطْبَةَ لا تُشْرع لها، لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَهم بالصلاةِ، والدُّعاءِ، والتَّكْبِيرِ، والصَّدَقَةِ، ولم يَأْمُرْهم بخُطْبَةٍ،
ولو كانت سُنَّةً لأمَرَهمِ بها، وإنَّما خَطَب النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعدَ الصلاةِ ليُعَلِّمَهم حُكْمَها، وهذا مُخْتَصٌّ به، ليس في الخَبَرِ ما يَدُلُّ على أنَّه خَطَب خُطْبَتَى الجُمُعَةِ. واسْتُحِبَّ ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، والدُّعاءُ، والتَّكْبِيرُ، والاسْتِغْفارُ، والصَّدَقَةُ، والعِتْقُ، والتَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تعالى بما اسْتَطاعَ؛ للخَبَرِ المَذْكُورِ. وفى خَبَرِ أبى موسى:«فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تعالى، وَدُعَائِهِ، وَاسْتِغْفَارِهِ». ورُوِى عن أسماءَ، أنَّها قالت: إنَّا كُنَّا لنُؤْمَرُ بالعِتْقِ في الكُسُوفِ .
٦٩٩ -
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] [سَبَبُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَحُكْمُهَا] بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ يُقَالُ: كَسَفَتْ بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا،
وَمِثْلُهُ خَسَفَتْ، وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ، وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ،
وَقِيلَ: عَكْسُهُ؛ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَخَسَفَ الْقَمَرُ}
وَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ، وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ،
وَقِيلَ: الْكُسُوفُ الذَّهَابُ كُلُّهُ.
وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَاسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} . (وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ) اسْتَعْمَلَهُ فِيهِمَا (فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ) هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إِجْمَاعًا، وَقُدِّمَ؛ لِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا، وَرَوَى أَحْمَدُ مَعْنَاهُ، وَلَفْظُهُ «فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ» وَرَوَى الشَّافِعِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى: «إِنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَكْعَتَانِ، وَقَالَ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ كَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ يُصَلِّي» ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،
وَإِنْ حَضَرَهَا ذَوِي الْهَيْئَاتِ مَعَ الرِّجَالِ فَحَسَنٌ،
وَكَذَا لِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ لَهُمْ، وَلِلْعَجَائِزِ كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ (جَمَاعَةً) فِي جَامِعٍ أَفْضَلَ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ وَكَبَّرَ، وَصَفَّ النَّاسَ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِهَا، لِخَوْفِ فَوْتِهَا بِالتَّجَلِّي،
وَعَنْهُ: بِالْمُصَلَّى أَفْضَلُ (وَفُرَادَى) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا الجَمَاعَةٌ كَالنَّوَافِلِ (بِإِذْنِ الْإِمَامِ، وَغَيْرِ إِذْنِهِ) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَإِذْنُهُ لَيْسَ شَرْطًا فِيهَا، وَكَصَلَاتِهَا مُنْفَرِدًا،
وَعَنْهُ: بِلَى كَالْعِيدِ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ بَعَثَ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ،
وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " بِرَفْعِهَما وَنَصْبِهَما، وَوَقْتُهُمَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إِلَى الِانْجِلَاءِ، وَلَا تُقْضَى كَاسْتِسْقَاءٍ، وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ [صِفَةُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، أَوْ هِيَ (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ،
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ،
وَقَالَ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: إِنَّهُ بِقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: نَصِفُهَا.
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَإِذَا كَسَفَتِ الشَّمْسُ أَوِ الْقَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ، جَمَاعَةً وَفُرَادَى، بِإِذْنِ الْإِمَامَ وَغَيْرِ إِذنِهِ، بابُ صلاةِ الكُسوفِ
فائدة: الكُسوفُ والخُسوفُ، بمَعْنًى واحدٍ. وهو ذَهابُ ضوْءِ شئٍ، كالوَجْهِ واللَّوْنِ، والقمَرِ والشَّمْسِ.
وقيل: الخُسوفُ الغَيْبوبَةُ. ومْنه:{فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}
وقيل: الكُسوفُ ذَهابُ بعْضِها، والخُسوفُ ذَهَابُ كُلِّها.
وقيل: الكُسوفُ للشَّمْسِ، والخُسوفُ للقَمَرِ. يقالُ: كَسَفَتْ بفَتْحِ الكافِ وضَمِّها،
ومثلُه خسَفتْ. وقيل: الكُسوفُ، تغَيُّرُهما، والخُسوفُ، تَغَيُّبُهما فى السَّوادِ. وإذا كسَفتِ الشَّمْسُ أو القَمَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إلى الصَّلاةِ، جماعَةً وفُرادى. تجوزُ صلاةُ الكُسوفِ مع الجماعةِ، وتجوزُ صلاتُها مُنْفرِدًا فى الجامِعِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وغيرِه، لكنَّ فِعْلَها مع الجماعَةِ أفْضَلُ، وفى الجامِع. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ.
وعنه، تُفْعَلُ فى المُصَلَّى. بإذنِ الإمام وغيرِ إذنِه. لا يُشْترَطُ إذْنُ الإِمامِ فى فِعْلِها. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأَصحابُ.
وعنه، يُشْتَرطُ. ذكَرها أبو بَكْرٍ. وأطْلقَهما فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«الفائقِ». قال فى «الرِّعايَةِ»: وفى اعْتِبارِ إذنِ الإِمامِ فيها للجماعَةِ، رِوايَتَان.
وقيل: النَّصُّ عدَمُه. انتهى. وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. ويُنادَى لها، الصَّلاةَ جامِعَةً. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يُنادَى لها. ويُجْزِئ قولُه: الصَّلاةَ. فقط.
وعنه، لا يُنادَى لها. وهو قوْلٌ فى «الفُروعَ» وغيرِه. وتقدم ذلك آخِرَ الأذانِ.
فائدة: النِّداءُ لها سُنَّةٌ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهب، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وقال القاضى، وابنُ الزَّاغُونِىِّ: هو فَرْضُ كِفايَةٍ كالأَذانِ. ثُمَّ يْصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأُ فى الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً طَوِيلَةً، وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَركَعُ رُكُوِعًا طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْفَعُ، فَيُسَمِّعُّ وَيُحَمِّدُ، ثُمَّ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ، وَيُطِيلُ، وَهُوَ دُون الْقِيَامَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْكَعُ، فَيُطِيلُ.، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ، ثمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ،
فائدة: قوله: ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، يَقْرَأْ فى الأُولَى بعدَ الفاتِحةِ سُورَةً طَويلَةً. قال الأصحابُ: البَقَرَةَ أو قَدْرَها.
قلتُ: الذى يَظْهَرُ، أنَّ مُرادَهم إذا امْتَدَّ الكُسوفُ،
أمَّا إذا كان الكُسوفُ يسِيرًا، فإنَّه يقْرَأْ على قدْرِه.
ويُؤَيِّدُه قولُ المُصَنِّفِ وغيرِه: فإنْ تجَلَّى الكُسوفُ فيها، أتَمَّها خَفيفَةً.
فائدة: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ صلاةَ الكُسوفِ سُنَّةٌ. وعليه أكثرُ الأصحابِ، وقطَع به أكثرُهم.
وقال أبو بَكْرٍ فى «الشَّافِى»: هى واجِبَةٌ على الإِمامِ والنَّاسِ، وإنَّها ليستْ بفَرْضٍ. قال ابنُ رَجَبٍ: ولعَلَّه أرادَ أنَّها فَرْضُ كِفايَةٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويَجْهَرُ بالقِراءَةِ. هذا المذهبُ بلا رَيْبٍ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. والجَهْرُ فى كُسوفِ الشَّمْس مِنَ المُفْرَداتِ.
وعنه، لا يَجْهَرُ فيها بالقِراءةِ. اخْتارَه الجُوزجَانِىُّ.
وعنه، لا بأْسَ بالجَهْرِ. ثم يَرْكَعُ رُكُوعًا طَويلًا. هكذا قال كثيرٌ مِنَ الأصحابِ، وأطْلَقَوا. وقدَّمه فى «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، وغيرِهم. وقطَع به «الخِرَقِىِّ»، و «إدْرَاكِ الغايَةِ»، و «تَذْكِرَةِ ابنِ عَبْدُوس»، و «المُنْتَخَبِ»، وغيرِهم.
وقال جماعةٌ مِنَ الأصحابِ: يكونُ رُكوُعه قَدْرَ قراءةِ مِائَةِ آيَةِ، منهم القاضى، وأبو الخَطَّابِ. وتَبِعَهم صاحِبُ «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «الإِفاداتِ»، و «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «النَّظْمِ»، و «الوَجيزِ»، و «الحاوِيَيْن»، وغيرُهم. وقدَّمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . .
فى «الرِّعايَةِ الكُبْرى». قلتُ: والأُولَى أوْلَى،
وأنَّ الطُّولَ والقِصَرَ، يرْجِعُ إلى طُولِ الكُسوفِ وقِصَرِه، كما قُلْنا فى القراءةِ.
وقيل: يكونُ رُكوعُه قَدْرَ مُعْظَمِ القراءةِ. واخْتارَه ابنُ أبِى مُوسى، والمَجْدُ.
وقيل: يكونُ قَدْرَ نِصْفِ القِراءةِ.
وقال فى «المُبْهِجِ»: يُسَبِّحُ فى الرُّكوعِ بقَدْرِ ما قرَأ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدة: ظاهرُ كلامِه فى «الفُروعِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشىِّ»، أنَّ الأقْوالَ التى حكَوْها فى قَدْرِ الرُّكوعِ مُتَنَافِيَةٌ؛ لقولِهم: ثم يرْكَعُ فيُطِلُ.
وقال فُلانٌ: بقَدْرِ كذا. بالواو، والذى يظْهَرُ، أنَّ قولَ مَن قال: يرْكَعُ رُكوعًا طوِيلًا. لا يُنافِى ما حُكِىَ مِنَ الأقوالِ، بل اخْتِلافُهم فى تَفْسيرِ الطَّويلِ، ولذلك قال ابنُ تَميم: ثم يرْكَعُ فيُطيلُ. قال القاضى: بقَدْرِ مِائَةِ آيَةٍ.
وقال ابنُ أبِى مُوسى: بقَدْرِ مُعْظَمِ القِراءَةِ. ففسَّر قَدْرَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الإِطالَةِ. وقال فى «الرِّعايَةِ»: ثم يرْكَعُ ويُسَبِّحُ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ.
وقيل: بل قَدْرَ مُعْظَمِ القراءةِ.
وقيل: قَدْرَ نصْفِها. فلم يَحكِ خلافًا فى الإطَالَةِ، وإنَّما حُكِىَ الخِلافُ فى قَدْرِها.
باب صلاة الكسوف] الخسوف والكسوف واحد.
وقيل: الكسوف للشمس والخسوف للقمر.
والصلاة لهما سنة.
والأصل فيهما قوله تعالى:{ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن}.
وجه الدلالة: أنه نهى عن السجود لغير الله ولم يذكر السجود لله عند شيء من الآيات إلا عند ذكر الشمس والقمر فاقتضى ذلك السجود لله عند حدوث معنى في هاتين. وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بفعله.
قال المصنف رحمه الله: (وإذا كسفت الشمس أو القمر فَزِع الناس إلى الصلاة جماعة وفرادى بإذن الإمام وغير إذنه) .
أما كون الناس يفزعون إلى الصلاة إذا كسفت الشمس؛ فلأن عائشة رضي الله عنها روت:«كُسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه وصلى».
وسيأتي صفتها إن شاء الله تعالى.
وأما كونهم يفزعون إذا كسف القمر؛ فلما روى الحسن البصري قال:«كسف القمر وابن عباس بالبصرة فصلى بنا ركعتين وخطبنا».
وفي روايةٍ وقال:«إني لم أبتدع هذه الصلاة بدعة وإنما فعلت لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل». ولأنه أحد الكسوفين فسن له فزع الناس إلى الصلاة كالآخر.
وأما كون الصلاة المذكورة جماعة فلما ذكر قبل.
وأما كونها فرادى؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم:«فإذا رأيتموها فقوموا فصلوا» متفق عليه.
ولأنها نافلة ليس من شرطها الاستيطان فلم يشترط لها الجماعة كسائر النوافل.
وأما كونها بإذن الإمام وبغير إذنه؛ فلأنها نافلة وإذن الإمام ليس شرطاً في النوافل.
قال: (وينادى لها: الصلاة جامعة. ثم يصلي ركعتين: يقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة طويلة. ويجهر بالقراءة. ثم يركع ركوعاً طويلاً. ثم يرفع فيسمع ويحمد. ثم يقرأ الفاتحة وسورة. ويطيل وهو دون القيام الأول. ثم يركع فيطيل وهو دون الركوع الأول. ثم يرفع. ثم يسجد سجدتين طويلتين. ثم يقوم إلى الثانية فيفعل مثل ذلك. ثم يتشهد ويسلم) .
أما كون الصلاة المتقدم ذكرها ينادى لها الصلاة جامعة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث منادياً فنادى: الصلاة جامعة ... مختصر» متفق عليه.
وأما كون صفتها كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «خُسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فخرج إلى المسجد. فقام فكبر وصف الناس وراءه. فاقترأ رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً. ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعاً هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم سجد. ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات فانجلت الشمس» متفق عليه.
وأما كون مصليها يجهر بالقراءة فيها؛ فلأن عائشة رضي الله عنها روت «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف» رواه مسلم.
وأما كونه يطيل السجود؛ فلما روى ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فلم يكد يرفع رأسه» رواه أبو داود.
وفي حديث آخر:«ما سجد سجوداً كان أطول منها» رواه البخاري.
فإن قيل: لم لم يقدر المصنف رحمه الله طول السورة؟
قيل: نظراً إلى الإطلاق في الحديث حيث قالت: «فاقترأ قراءة طويلة».
وقدّرها أصحابنا في القيام الأول بالبقرة،
وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء،
وفي الرابع بالمائدة؛ لما روى ابن عباس رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قام قياماً طويلاً نحو من قراءة سورة البقرة».
ولأن ابن عباس رضي الله عنهما:«لما صلى بالبصرة قرأ في الأول بالبقرة، وفي الثاني بآل عمران، وفي الثالث بالنساء، وفي الرابع بالمائدة».
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: أصح حديث في الباب حديث ابن عباس وعائشة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.