وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ الْبَانِي أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ فِي الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْقَوْمُ أَصْلَحَ مِمَّنْ عَيَّنَهُ صَحَّ الْوَقْفُ قَبْلَ وُجُودِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ
Its commentaries
(وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً) أَوْ أَبْرَزَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً (قُبِلَتْ) فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ
وَيَلْزَمُ أَجْرُ الْمِثْلِ فِيهِ لَا فِي الْمِلْكِ لَوْ اُسْتُحِقَّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بَزَّازِيَّةٌ وَغَيْرُهَا، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ مُنْيَةٌ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ السَّبْعِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. - وَاعْتَمَدَهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى وَقْفًا مَحْكُومًا بِلُزُومِهِ قُبِلَ وَإِلَّا لَا وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ اعْتَمَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ،
لَكِنْ اعْتَمَدَ الْأَوَّلَ آخِرَ الْكِتَابِ تَبَعًا لِلْكَنْزِ وَغَيْرِهِ: وَفِي الْعِمَادِيَّةِ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَوَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ قَالَ: وَهُوَ أَحْوَطُ.
وَفِي دَعْوَى الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ وَهَذَا فِي وَقْفٍ هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى
أَمَّا لَوْ كَانَ عَلَى الْعِبَادِ لَمْ يَجُزْ.
قُلْت: قَدْ قَدَّمْنَا قَبُولَهَا مُطْلَقًا لِثُبُوتِ أَصْلِهِ لِمَآلِهِ لِلْفُقَرَاءِ فَتَدَبَّرْ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ: نَعَمْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ
وَيَبْطُلُ الْبَيْعُ [مَطْلَبٌ فِيمَنْ بَاعَ دَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَقْفٌ] (الْبَانِي) لِلْمَسْجِدِ (أَوْلَى) مِنْ الْقَوْمِ (بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ فِي الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْقَوْمُ أَصْلَحَ مِمَّنْ عَيَّنَهُ) الْبَانِي (صَحَّ الْوَقْفُ قَبْلَ وُجُودِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ)
فَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ زَيْدٍ وَلَا وَلَدَ لَهُ أَوْ عَلَى مَكَان هَيَّأَهُ لِبِنَاءِ مَسْجِدٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ صَحَّ (فِي الْأَصَحِّ) وَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ إلَى أَنْ يُولَدَ لِزَيْدٍ أَوْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ عِمَادِيَّةٌ زَادَ فِي النَّهْرِ: وَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ وَقَفَهُ عَلَى مَدْرَسَةٍ يُدَرِّسُ فِيهَا الْمُدَرِّسُ مَعَ طَلَبَتِهِ فَدَرَّسَ فِي غَيْرِهَا لِتَعَذُّرِ التَّدْرِيسِ فِيهَا أَنْ تُصْرَفَ الْعَلُوفَةُ لَهُ لَا لِلْفُقَرَاءِ كَمَا يَقَعُ فِي الرُّومِ.
[فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ حَدَثَتْ لِلْفَتْوَى] أَرْصَدَ الْإِمَامُ أَرْضًا عَلَى سَاقِيَةٍ لِيَصْرِفَ خَرَاجَهَا لِكُلْفَتِهَا فَاسْتَغْنَى عَنْهَا لِخَرَابِ الْبَلَدِ فَنَقَلَهَا وَكِيلُ الْإِمَامِ لِسَاقِيَةٍ هِيَ مِلْكٌ هَلْ يَصِحُّ؟ أَجَابَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ الْإِرْصَادَ عَلَى الْمِلْكِ إرْصَادٌ عَلَى الْمَالِكِ يَعْنِي فَيَصِحُّ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ إدَارَتُهَا كَمَا كَانَتْ لِمَا فِي الْحَاوِي الْحَوْضُ إذَا خَرِبَ صُرِفَتْ أَوْقَافُهُ فِي حَوْضٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.
دَارٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا بُيُوتٌ وَقَفَ بَيْتًا مِنْهَا عَلَى عَتِيقَةِ فُلَانٍ وَالْبَاقِي عَلَى ذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ ثُمَّ عَلَى عُتَقَائِهِ فَآلَ الْوَقْفُ إلَى الْعُتَقَاءِ هَلْ يَدْخُلُ مَنْ خَصَّهُ بِالْبَيْتِ فِي الثَّانِي؟ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ أَخْذًا مِنْ خِلَافٍ مَذْكُورٍ فِي الذَّخِيرَةِ، لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَالٍ وَلِلْفُقَرَاءِ بِمَالٍ وَالْمُوصَى لَهُ مُحْتَاجٌ هَلْ يُعْطَى مِنْ نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ؟ اخْتَلَفُوا
وَالْأَصَحُّ نَعَمْ.
اسْتَأْجَرَ دَارًا مَوْقُوفَةً فِيهَا أَشْجَارٌ مُثْمِرَةٌ هَلْ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ شَرْطَ الْوَاقِفِ لَمْ يَأْكُلْ لِمَا فِي الْحَاوِي: غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ أَشْجَارًا تُثْمِرُ إنْ غَرَسَ لِلسَّبِيلِ فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ الْأَكْلُ وَإِلَّا فَتُبَاعُ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ [مَطْلَبٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا فِيهَا أَشْجَارٌ] قَوْلُهُمْ: شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ أَيْ فِي الْمَفْهُومِ وَالدَّلَالَةِ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ خِدْمَةُ وَظِيفَتِهِ أَوْ تَرْكِهَا لِمَنْ يَعْمَلُ، وَإِلَّا أَثِمَ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَلْزَمُ بِتَرْكِهَا تَعْطِيلُ الْكُلِّ مِنْ النَّهْرِ.
وَفِي الْأَشْبَاهِ الْجَامِكِيَّةِ فِي الْأَوْقَافِ لَهَا شَبَهُ الْأُجْرَةِ أَيْ فِي زَمَنِ الْمُبَاشَرَةِ وَالْحِلِّ لِلْأَغْنِيَاءِ، وَشَبَهُ الصِّلَةِ
فَلَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ لَا تُسْتَرَدُّ الْمُعَجَّلَةُ، وَشَبَهُ الصَّدَقَةِ لِتَصْحِيحِ أَصْلِ الْوَقْفِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ابْتِدَاءً وَتَمَامُهُ فِيهَا.
[مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ] يُكْرَهُ إعْطَاءُ نِصَابٍ لِفَقِيرٍ وَمِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ إلَّا إذَا وُقِفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ اخْتِيَارٌ وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْمُرَتَّبِ الْكَثِيرِ مِنْ وَقْفِ الْفُقَرَاءِ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَرَاءِ فَلْيُحْفَظْ.
لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ وَظِيفَةً فِي الْوَقْفِ بِغَيْرِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّرِ الْأَخْذُ إلَّا النَّظَرَ عَلَى الْوَاقِفِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ قُنْيَةٌ.
[مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ وَظِيفَةً فِي الْوَقْفِ إلَّا النَّظَرَ] تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْقَاضِي عَلَى مَعْلُومِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ لَا يَكْفِيهِ وَكَانَ عَالِمًا تَقِيًّا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ وَرَقَتَيْنِ وَالْخَطِيبُ يُلْحَقُ بِالْإِمَامِ بَلْ هُوَ إمَامُ الْجُمُعَةِ
قُلْت: وَاعْتَمَدَهُ فِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ وَنَقَلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَنَّ السُّلْطَانَ يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ الشَّرْطِ إذَا كَانَ غَالِبُ جِهَاتِ الْوَقْفِ قُرًى وَمَزَارِعَ فَيُعْمَلُ بِأَمْرِهِ وَإِنْ غَايَرَ شَرْطَ الْوَاقِفِ لِأَنَّ أَصْلَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ [مَطْلَبٌ فِي زِيَادَةِ الْقَاضِي فِي مَعْلُومِ الْإِمَامِ] يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ
فَلَوْ قَالَ الْقَاضِي إنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوْ شَغَرَتْ وَظِيفَةُ كَذَا فَقَدْ قَرَّرْتُكَ فِيهَا صَحَّ لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ بِمُجَرَّدِ شِكَايَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ حَتَّى يُثْبِتُوا عَلَيْهِ خِيَانَةً
وَكَذَا الْوَصِيُّ وَالنَّاظِرُ إذَا آجَرَ إنْسَانًا فَهَرَبَ وَمَالُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ فَرَّطَ فِي خَشَبِ الْوَقْفِ حَتَّى ضَاعَ ضَمِنَ.
[مَطْلَبٌ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ] لَا تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْوَقْفِ إلَّا إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ كَتَعْمِيرٍ وَشِرَاءِ بَذْرٍ فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ، الْأَوَّلُ: إذْنُ الْقَاضِي
فَلَوْ بِبُعْدٍ مِنْهُ يَسْتَدِينُ بِنَفْسِهِ الثَّانِي: أَنْ لَا تَتَيَسَّرَ إجَارَةُ الْعَيْنِ وَالصَّرْفُ مِنْ أُجْرَتِهَا وَالِاسْتِدَانَةُ الْقَرْضُ وَالشِّرَاءُ نَسِيئَةً [مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ] وَهَلْ لِلْمُتَوَلِّي شِرَاءُ مَتَاعٍ فَوْقَ قِيمَتِهِ ثُمَّ بَيْعُهُ لِلْعِمَارَةِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ عَلَى الْوَقْفِ؟ الْجَوَابُ: نَعَمْ. أَقَرَّ بِأَرْضٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَنَّهَا وَقْفٌ وَكَذَّبَهُ ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ وَقْفًا. يُعْمَلُ بِالْمُصَادَقَةِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ وَإِنْ خَالَفَتْ كِتَابَ الْوَقْفِ لَكِنْ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً
فَلَوْ أَقَرَّ الْمَشْرُوطُ لَهُ الرَّيْعُ أَوْ النَّظَرُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ فُلَانٌ دُونَهُ صَحَّ،
وَلَوْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَا وَسَيَجِيءُ آخِرَ الْإِقْرَارِ وَلَا يَكْفِي صَرْفُ النَّاظِرِ لِثُبُوتِ اسْتِحْقَاقِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ نَسَبِهِ وَسَيَجِيءُ فِي دَعْوَى ثُبُوتِ النَّسَبِ. [مَطْلَبٌ فِي الْمُصَادَقَةِ عَلَى النَّظَرِ] مَتَى ذَكَرَ الْوَاقِفُ شَرْطَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ يُعْمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهُمَا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ. الْوَصْفُ بَعْدَ الْجُمَلِ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ عِنْدَنَا وَإِلَى الْجَمِيعِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَوْ بِالْوَاوِ وَلَوْ بِثُمَّ فَإِلَى الْأَخِيرِ اتِّفَاقًا الْكُلُّ مِنْ وَقْفِ الْأَشْبَاهِ وَتَمَامُهُ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ.
مَتَى وَقَفَ حَالَ صِحَّتِهِ وَقَالَ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ قُسِمَ عَلَى ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ هُوَ الْمُخْتَارُ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأَخْبَارِ كَمَا حَقَّقَهُ مُفْتِي دِمَشْقَ يَحْيَى ابْنُ الْمِنْقَارِ فِي الرِّسَالَةِ الْمَرْضِيَّةِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَنَحْوُهُ فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَفِيهَا مَتَى ثَبَتَ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ وَقْفِيَّةُ مَكَان وَجَبَ نَقْضُ الْبَيْعِ وَلَا إثْمَ عَلَى الْبَائِعِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ وَلِلْمُتَوَلِّي أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَوْ بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فَذَلِكَ لَهُمَا فَيُسْلَكُ مَعَهُمَا بِالْأَنْفَعِ لِلْوَقْفِ.
- وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَعْزِيًّا لِلْجَامِعِ إنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ بَعْدَ نَقْضِهِ إنْ سَلَّمَهُ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ وَإِنْ أَمْسَكَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ
بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ لَوْ انْقَطَعَ ثُبُوتُهُ فَمَا كَانَ فِي دَوَاوِينِ الْقَضَاءِ اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَمَنْ بَرْهَنَ عَلَى شَيْءٍ حُكِمَ لَهُ بِهِ وَإِلَّا صُرِفَ لِلْفُقَرَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ بُطْلَانِهِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ فَيَعُودُ لِمِلْكِ وَاقِفِهِ أَوْ وَارِثِهِ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ،
فَلَوْ أَوْقَفَهُ السُّلْطَانُ عَامًا جَازَ،
وَلَوْ لِجِهَةٍ خَاصَّةٍ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَصِحُّ.
[مَطْلَبٌ مَتَى ذَكَرَ الْوَاقِفُ شَرْطَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ] لَوْ شَهِدَ الْمُتَوَلِّي مَعَ آخَرَ بِوَقْفِ مَكَانِ كَذَا عَلَى الْمَسْجِدِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ قَبُولُهَا.
لَا تَلْزَمُ الْمُحَاسَبَةُ فِي كُلِّ عَامٍ وَيَكْتَفِي الْقَاضِي مِنْهُ بِالْإِجْمَالِ لَوْ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ،
وَلَوْ مُتَّهَمًا يُجْبِرُهُ عَلَى التَّعْيِينِ شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَحْبِسُهُ بَلْ يُهَدِّدُهُ،
وَلَوْ اتَّهَمَهُ يُحَلِّفُهُ قُنْيَةٌ.
قُلْت: وَقَدَّمْنَا فِي الشَّرِكَةِ أَنَّ الشَّرِيكَ وَالْمُضَارِبَ وَالْوَصِيَّ وَالْمُتَوَلِّيَ لَا يُلْزَمُ بِالتَّفْصِيلِ،
وَأَنَّ غَرَضَ قُضَاتِنَا لَيْسَ إلَّا الْوُصُولَ لِسُحْتِ الْمَحْصُولِ. لَوْ ادَّعَى الْمُتَوَلِّي الدَّفْعَ قُبِلَ قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ لَكِنْ أَفْتَى الْمُنْلَا أَبُو السُّعُودِ أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الدَّفْعَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِمَنْ نَصَّ عَلَيْهِ الْوَاقِفُ فِي وَقْفِهِ كَأَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ،
وَإِنْ ادَّعَى الدَّفْعَ إلَى الْإِمَامِ بِالْجَامِعِ وَالْبَوَّابِ وَنَحْوِهِمَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ شَخْصًا لِلْبِنَاءِ فِي الْجَامِعِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ ثُمَّ ادَّعَى تَسْلِيمَ الْأُجْرَةِ إلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ تَفْصِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فَيُعْمَلُ بِهِ وَاعْتَمَدَهُ ابْنُهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ.
قُلْت: وَسَيَجِيءُ فِي الْعَارِيَّةِ مَعْزِيًّا لِأَخِي زَادَهْ لَوْ آجَرَ الْقَيِّمُ، ثُمَّ عُزِلَ، فَقَبْضُ الْأُجْرَةِ لِلْمَنْصُوبِ فِي الْأَصَحِّ وَهَلْ يَمْلِكُ الْمَعْزُولُ مُصَادَقَةَ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى التَّعْمِيرِ قِيلَ نَعَمْ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي لَا. لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَخْذُ زِيَادَةٍ عَلَى مَا قَرَّرَ لَهُ الْوَاقِفُ أَصْلًا
وَيَجِبُ صَرْفُ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ مِنْ نَمَاءٍ وَعَوَائِدَ شَرْعِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ لِمَصَارِفِ الْوَقْفِ الشَّرْعِيَّةِ،
وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُ الْمُرْتَشِي بِرَدِّ الرِّشْوَةِ عَلَى الرَّاشِي غِبَّ الدَّعْوَى الشَّرْعِيَّةِ. الْكُلُّ مِنْ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ.
قُلْت: لَكِنْ سَيَجِيءُ فِي الْوَصَايَا وَمَرَّ أَيْضًا أَنَّ لِلْمُتَوَلِّي أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِهِ فَتَنَبَّهْ.
لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ مُدَّعِيهَا وَلَوْ وَلِيًّا لِصَغِيرٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى فَقْرِهِ وَقَرَابَتِهِ مَعَ بَيَانِ جِهَتِهَا،
فَإِذَا - قُضِيَ لَهُ اسْتَحَقَّهُ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ. وَفِيهَا سُئِلَ عَمَّنْ شَرَطَ السُّكْنَى لِزَوْجَتِهِ فُلَانَةَ بَعْدَ وَفَاتِهِ مَا دَامَتْ عَزَبًا فَمَاتَ وَتَزَوَّجَتْ وَطُلِقَتْ هَلْ يَنْقَطِعُ حَقُّهَا بِالتَّزْوِيجِ. أَجَابَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ إلَّا مَنْ تَزَوَّجَ أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ إلَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ عَادَ أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ مِمَّنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ فَتَرَكَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ اشْتَغَلَ بِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ أَنَّهُ لَوْ عَادَ فَلَهُ، فَلْيُحْفَظْ خِزَانَةُ الْمُفْتِينَ. - وَفِي الْوَهْبَانِيَّةِ: قَضَى بِدُخُولِ وَلَدِ الْبِنْتِ بَعْدَ مُضِيِّ السِّنِينَ فَلَهُ غَلَّةُ الْآتِي لَا الْمَاضِي لَوْ مُسْتَهْلَكَةً [مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ] وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ وَلَهُ وَلَدٌ وَاحِدٌ فَلَهُ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى وَلَدِهِ لَهُ الْكُلُّ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ.
لِلْمُتَوَلِّي الْإِقَالَةُ لَوْ خَيِّرًا. أَجَرَ بِعَرَضٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ، وَخَصَّاهُ بِالنُّقُودِ، لِلْمُسْتَأْجِرِ غَرْسُ الشَّجَرِ بِلَا إذْنِ النَّاظِرِ، إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ الْحَفْرُ إلَّا بِإِذْنٍ، وَيَأْذَنُ لَوْ خَيِّرًا وَإِلَّا لَا وَمَا بَنَاهُ مُسْتَأْجِرٌ أَوْ غَرَسَهُ، فَلَهُ مَا لَمْ يَنْوِهِ لِلْوَقْفِ وَالْمُتَوَلِّي بِنَاؤُهُ وَغَرْسُهُ لِلْوَقْفِ مَا لَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَهُ. [مَطْلَبٌ فِي إقَالَةِ الْمُتَوَلِّي عَقْدَ الْإِجَارَةِ] وَلَوْ آجَرَ لِابْنِهِ لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لَهُمَا كَعَبْدِهِ اتِّفَاقًا هَذَا لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ
فَلَوْ الْقَاضِيَ صَحَّ وَكَذَا الْوَصِيُّ
بِخِلَافِ الْوَكِيلِ. وَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الشَّافِعِيُّ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَيَدْخُلُ الْحَنَفِيُّ كَانَ فِي طَلَبِهِ أَوْ لَا بَزَّازِيَّةٌ: أَيْ لِكَوْنِهِ يَعْمَلُ بِالْمُرْسَلِ وَيُقَدِّمُ خَبَرَ الْوَاحِدِ عَلَى الْقِيَاسِ، وَجَازَ عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ وَالْأَكْفَانِ لَا عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ شَرَطَ النَّظَرَ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَاسْتَوَيَا اشْتَرَكَا بِهِ أَفْتَى بِهِ الْمُنْلَا أَبُو السُّعُودِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَنْتَظِمُ الْوَاحِدَ وَالْمُتَعَدِّدَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْإِسْعَافِ شَرَطَهُ لِأَفْضَلِ أَوْلَادِهِ فَاسْتَوَيَا فَلِأَسَنِّهِمْ وَلَوْ أَحَدُهُمَا أَوْرَعَ وَالْآخَرُ أَعْلَمَ بِأُمُورِ الْوَقْفِ فَهُوَ أَوْلَى إذَا أُمِنَ خِيَانَتُهُ انْتَهَى جَوْهَرَةٌ
وَكَذَا لَوْ شَرَطَ لِأَرْشَدِهِمْ كَمَا فِي نَفْعِ الْوَسَائِلِ وَلَوْ ضَمَّ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ ثِقَةً أَيْ نَاظِرَ حِسْبَةٍ هَلْ لِلْأَصِيلِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالتَّصَرُّفِ لَمْ أَرَهُ وَأَفْتَى الشَّيْخُ الْأَخُ أَنَّهُ إنْ ضَمَّ إلَيْهِ الْخِيَانَةَ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ وَهُوَ حَسَنٌ نَهْرٌ وَفِي فَتَاوَى مُؤَيَّدِ زَادَهْ مَعْزِيًّا لِلْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ لِلْمُشْرِفِ التَّصَرُّفُ بَلْ الْحِفْظُ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَدِينَ عَلَى الْوَقْفِ لِلْعِمَارَةِ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي مَاتَ الْمُتَوَلِّي وَالْجُبَاةُ يَدَّعُونَ تَسْلِيمَ الْغَلَّةِ إلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمْ صُدِّقُوا بِيَمِينِهِمْ؛
لِإِنْكَارِهِمْ الضَّمَانَ. لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْوَقْفِ إذَا كَانَ مُسَجَّلًا، وَلَكِنْ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَشْرُوطِ كَالْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ وَالْمُعَلِّمِ وَإِنْ كَانُوا أَصْلَحَ اهـ جَوْهَرَةٌ.
وَفِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: شَرَطَ لِنَفْسِهِ مَا دَامَ حَيًّا، ثُمَّ لِوَلَدِهِ فُلَانٍ مَا عَاشَ، ثُمَّ بَعْدَهُ لِلْأَعَفِّ الْأَرْشَدِ مِنْ أَوْلَادِهِ فَالْهَاءُ تَنْصَرِفُ لِلِابْنِ لَا لِلْوَاقِفِ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَنْصَرِفُ لِأَقْرَبِ الْمُكْنِيَّاتِ بِمُقْتَضَى الْوَضْعِ
وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ ثَلَاثٌ: وَقَفَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَسْلِهِ فَالْهَاءُ لِعَمْرٍو فَقَطْ، وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي الذُّكُورِ، فَالذُّكُورِ رَاجِعٌ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَحَسْبُ، وَعَكْسُهُ وَقَفْتُ عَلَى بَنِي زَيْدٍ وَعَمْرٍو لَمْ يَدْخُلْ بَنُو عَمْرٍو لِأَنَّهُ أَقْرَبُ، إلَى زَيْدٍ فَيُصْرَفُ إلَيْهِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قُلْت: وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْوَصْفَ بَعْدَ مُتَعَاطِفَيْنِ لِلْأَخِيرِ عِنْدَنَا.
وَفِي الزَّيْلَعِيِّ: مِنْ بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ: وَقَوْلُهُمْ يَنْصَرِفُ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا وَهُوَ الْأَصْلُ قُلْنَا ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ الْمُصَرَّحِ بِهِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا فِي الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي آخِرِ الْكَلَامِ فَتُصْرَفُ إلَى مَا يَلِيهِ،
نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو الْعَالِمُ إلَى آخِرِهِ فَلْيُحْفَظْ وَفِي الْمَنْظُومَةِ الْمُحِبِّيَّةِ قَالَ:
وَالْوَصْفُ بَعْدَ جُمَلٍ إذَا أَتَى ... يَرْجِعُ لِلْجَمِيعِ فِيمَا ثَبَتَا عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا ... إنْ كَانَ ذَا الْعَطْفُ بِوَاوٍ
أَمَّا - إنْ كَانَ ذَا عَطْفًا بِثُمَّ وَقَعَا ... إلَى الْأَخِيرِ بِاتِّفَاقٍ رَجَعَا وَلَوْ عَلَى الْبَنِينَ وَقْفًا يَجْعَلُ ...
فَإِنَّ فِي ذَاكَ الْبَنَاتُ تَدْخُلُ وَوَلَدُ الِابْنِ كَذَاكَ الْبِنْتُ ... يَدْخُلُ فِي ذُرِّيَّةٍ بِثَبْتِ لَوْ وَقَفَ الْوَقْفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ ... مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فَبِالسَّوِيَّةِ يُقْسَمُ بَيْنَ مَنْ عَلَا وَالْأَسْفَلِ ... مِنْ غَيْرِ تَفْضِيلٍ لِبَعْضٍ فَانْقُلْ وَتُنْقَضُ الْقِسْمَةُ فِي كُلِّ سَنَهْ ... وَيُقْسَمُ الْبَاقِي عَلَى مَنْ عَيَّنَهْ وَلَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى ... أَوْلَادِ أَوْلَادٍ لَهُ قَدْ جَعَلَا وَقْفًا فَقَالُوا لَيْسَ فِي ذَا يَدْخُلُ ... أَوْلَادُ بِنْتِهِ عَلَى مَا يُنْقَلُ بَنِيَّ أَوْلَادِي كَذَا أَقَارِبِي ...
وَإِخْوَتِي وَلَفْظَ آبَائِي احْسِبْ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يَشْتَرِكُ الْإِنَاثُ وَالذُّكُورُ ... فِيهِ وَذَاكَ وَاضِحٌ مَسْطُورُ وَمِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ مُرَتَّبًا وَجَعَلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ وَلَهُ وَلَدٌ قَامَ مَقَامَهُ لَوْ بَقِيَ حَيًّا فَهَلْ لَهُ حَظُّ أَبِيهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَيُشَارِكُ الطَّبَقَةَ الْأُولَى أَوْ لَا؟
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِالْمُشَارَكَةِ وَخَالَفَهُ السُّيُوطِيّ، وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ وَاجِبَةٌ كَمَا أَفَادَهُ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الْأَشْبَاهِ مِنْ الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ وَرَقَتَيْنِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُعَبِّرُ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ بِثُمَّ وَبَعْضَهُمْ بِالْوَاوِ، فَبِالْوَاوِ يُشَارِكُ
بِخِلَافِ ثُمَّ فَرَاجِعْهُ مُتَأَمِّلًا مَعَ شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ السُّبْكِيّ وَاقِعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ يُحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَلَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ مُتَحَيِّرِينَ فِي فَهْمِ شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ. وَلَقَدْ أَفْتَيْت فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ الظُّهُورِ دُونَ الْإِنَاثِ فَمَاتَتْ مُسْتَحِقَّةٌ عَنْ وَلَدَيْنِ أَبُوهُمَا مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ بِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لَهُمَا لِصِدْقِ كَوْنِهِمَا مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ بِاعْتِبَارِ أَبِيهِمَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِسْعَافِ وَغَيْرِهِ.
وَفِي الْإِسْعَافِ والتتارخانية: لَوْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ يَكُونُ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ الذُّكُورِ، كُلُّ مَنْ يَرْجِعُ نَسَبُهُ إلَى الْوَاقِفِ بِالْآبَاءِ فَهُوَ مِنْ عَقِبِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ غَيْرِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الْوَاقِفِ فَلَيْسَ مِنْ عَقِبِهِ انْتَهَى وَسَيَجِيءُ فِي الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِآلِهٍ أَوْ جِنْسِهِ دَخَلَ كُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ آبَائِهِ، وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ وَأَنَّهَا لَوْ أَوْصَتْ إلَى أَهْلِ بَيْتِهَا أَوْ لِجِنْسِهَا لَا يَدْخُلُ وَلَدُهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ مِنْ قَوْمِهَا لِأَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يُنْسَبُ لِأَبِيهِ لَا لِأُمِّهِ.
قُلْتُ: وَبِهِ عُلِمَ جَوَابُ حَادِثَةِ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ الظُّهُورِ دُونَ أَوْلَادِ الْبُطُونِ فَمَاتَتْ مُسْتَحِقَّةٌ عَنْ وَلَدَيْنِ أَبُوهُمَا مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ هَلْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لَهَا، فَأَجَبْتُ: نَعَمْ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لَهَا لِصِدْقِ كَوْنِهِمَا مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ بِاعْتِبَارِ وَالِدِهِمَا الْمَذْكُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ وَالدَّرَجَةِ الْجَعْلِيَّةِ] فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْفِ الْأَوْلَادِ مِنْ الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا وَعِبَارَةُ الْمَوَاهِبِ فِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَنَسَبِهِ وَعَقِبِهِ جَعَلَ رَيْعَهُ لِنَفْسِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ ثُمَّ وَثُمَّ جَازَ عِنْدَ الثَّانِي وَبِهِ يُفْتَى، كَجَعْلِهِ لِوَلَدِهِ، وَلَكِنْ يَخْتَصُّ بِالصُّلْبِيِّ وَيَعُمُّ الْأُنْثَى مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِالذَّكَرِ وَيَسْتَقِلُّ بِهِ الْوَاحِدُ،
فَإِنْ انْتَفَى الصُّلْبِيُّ فَلِلْفُقَرَاءِ دُونَ وَلَدِ الْوَلَدِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ حِينَ الْوَقْفِ صُلْبِيٌّ، فَيَخْتَصُّ بِوَلَدِ الِابْنِ وَلَوْ أُنْثَى دُونَ مَنْ دُونِهِ مِنْ الْبُطُونِ وَدُونَ وَلَدِ الْبِنْتِ فِي الصَّحِيحِ؛
وَلَوْ زَادَ وَوَلَدِ وَلَدِي فَقَطْ اُقْتُصِرَ عَلَيْهِمَا،
وَلَوْ زَادَ الْبَطْنَ الثَّالِثَ عَمَّ نَسْلَهُ، وَيَسْتَوِي الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، كَمَا لَوْ قَالَ ابْتِدَاءً عَلَى أَوْلَادِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَوْ عَلَى وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي؛.
وَلَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَلَكِنْ سَمَّاهُمْ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ صُرِفَ نَصِيبُهُ لِلْفُقَرَاءِ؛
وَلَوْ عَلَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ ثُمَّ مَاتَتْ لَمْ يَخْتَصَّ ابْنُهَا بِنَصِيبِهَا إذَا لَمْ يَشْتَرِط رَدَّ نَصِيبِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ إلَى وَلَدِهِ؛
وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنِيَّ أَوْ عَلَى إخْوَتِي دَخَلَ الْإِنَاثُ عَلَى الْأَوْجَهِ، وَعَلَى بَنَاتِي لَا يَدْخُلُ الْبَنُونَ،
وَلَوْ قَالَ: عَلَى بَنِيَّ وَلَهُ بَنَاتٌ فَقَطْ أَوْ قَالَ: عَلَى بَنَاتِي وَلَهُ بَنُونَ فَالْغَلَّةُ لِمَسَاكِينَ وَيَكُونُ وَقْفًا مُنْقَطِعًا فَإِنْ حَدَثَ مَا ذُكِرَ عَادَ إلَيْهِ. وَيَدْخُلُ فِي قِسْمَةِ الْغَلَّةِ مَنْ وُلِدَ لِدُونِ نِصْفِ حَوْلٍ مُذْ طُلُوعِ الْغَلَّةِ لَا أَكْثَرَ إلَّا إذَا أَكْثَرَ إلَّا إذَا وَلَدَتْ مُبَانَتُهُ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ الْمُعْتَقَةِ لِدُونِ سَنَتَيْنِ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ بِلَا حِلِّ وَطْئِهَا، -
فَلَوْ يَحِلُّ فَلَا لِاحْتِمَالِ عُلُوقِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْغَلَّةِ، وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ إنْ لَمْ يُرَتِّبْ الْبُطُونَ،
وَإِنْ قَالَ: لِلذَّكَرِ كَأُنْثَيَيْنِ فَكَمَا قَالَ،
فَلَوْ وَصِيَّةَ فَرْضٍ ذَكَرٍ مَعَ الْإِنَاثِ وَأُنْثَى مَعَ الذُّكُورِ وَيَرْجِعُ سَهْمُهُ لِلْوَرَثَةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ لِلْمَعْدُومِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَرْضِهِ لِيَعْلَمَ مَا يَرْجِعُ لِلْوَرَثَةِ.
[مَطْلَبٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَسَمَّاهُمْ]
وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَنَسْلِي أَبَدًا وَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كَانَ نَصِيبُهُ لِنَسْلِهٍ فَالْغَلَّةُ لِجَمِيعِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ حَيِّهِمْ وَمَيِّتِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ وَنَصِيبُ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ أَيْضًا بِالْإِرْثِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ؛
وَلَوْ قَالَ: وَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ نَسْلٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِمَنْ فَرَّقَهُ وَلَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ أَحَدٌ، أَوْ سَكَتَ عَنْهُ يَكُونُ رَاجِعًا لِأَصْلِ الْغَلَّةِ لَا لِلْفُقَرَاءِ مَا دَامَ نَسْلُهُ بَاقِيًا وَالنَّسْلُ اسْمٌ لِلْوَلَدِ وَوَلَدِهِ أَبَدًا - وَلَوْ أُنْثَى، وَالْعَقِبُ لِلْوَلَدِ وَوَلَدِهِ مِنْ الذُّكُورِ أَيْ دُونَ الْإِنَاثِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ الذُّكُورِ وَآلِهِ وَجِنْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ أَسْلَمَ أَوَّلًا وَقَرَابَتُهُ وَأَرْحَامُهُ وَأَنْسَابُهُ كُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى أَقْصَى أَبٍ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِ أَبَوَيْهِ سِوَى أَبَوَيْهِ وَوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُسَمَّوْنَ قَرَابَةً اتِّفَاقًا،
وَكَذَا مَنْ عَلَا مِنْهُمْ أَوْ سَفَلَ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَعَدَّهُمْ مِنْهَا،
وَإِنْ قَيَّدَهُ بِفُقَرَائِهِمْ يُعْتَبَرُ الْفَقْرُ وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ وَهُوَ الْمُجَوِّزُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ،
فَلَوْ تَأَخَّرَ صَرْفُهَا سِنِينَ لِعَارِضٍ فَافْتَقَرَ الْغَنِيُّ وَاسْتَغْنَى الْفَقِيرُ شَارَكَ الْمُفْتَقِرُ وَقْتَ الْقِسْمَةِ الْفَقِيرَ وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ وَلِأَنَّ الْغَلَّاتِ إنَّمَا تُمْلَكُ حَقِيقَةً بِالْقَبْضِ وَطُرُوِّ الْغِنَى وَالْمَوْتُ لَا يُبْطِلُ مَا اسْتَحَقَّهُ،
وَأَمَّا مَنْ وُلِدَ مِنْهُمْ لِدُونِ نِصْفِ حَوْلٍ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ فَلَا حَظَّ لَهُ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنِيِّ،
وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ لِأَنَّ الْفَقِيرَ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ وَالْحَمْلُ لَا شَيْءَ لَهُ،
وَلَوْ قَيَّدَهُ بِصُلَحَائِهِمْ أَوْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ - أَوْ فَالْأَحْوَجِ أَوْ بِمَنْ جَاوَرَهُ مِنْهُمْ أَوْ بِمَنْ سَكَنَ مِصْرَ تَقَيَّدَ الِاسْتِحْقَاقُ بِهِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ، وَتَمَامِهِ فِي الْإِسْعَافِ.
وَمَنْ أَحْوَجَهُ حَوَادِثُ زَمَانِهِ إلَى مَا خَفِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْأَوْقَافِ فَلْيَنْظُرْ إلَى كِتَابِ [الْإِسْعَافُ الْمَخْصُوصُ بِأَحْكَامِ الْأَوْقَافِ، الْمُلَخَّصُ مِنْ كِتَابِ هِلَالٍ وَالْخَصَّافِ] كَذَا فِي الْبُرْهَانِ شَرْحِ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ أَبِي بَكْرٍ الطَّرَابُلُسِيِّ الْحَنَفِيِّ نَزِيلِ الْقَاهِرَةِ بَعْدَ دِمَشْقَ الْمُتَوَفَّى فِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الْعَاشِرِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، وَهُوَ أَيْضًا صَاحِبُ الْإِسْعَافِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
(قَوْلُهُ: أَوْ أَبْرَزَ حُجَّةً شَرْعِيَّةً) أَيْ كِتَابَ وَقْفٍ لَهُ أَصْلٌ فِي دِيوَانِ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ،
كَمَا قَدَّمْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَتُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ حِسْبَةً لَا الدَّعْوَى إلَخْ وَفِي الْقُنْيَةِ: أَمَّا الْكِتَابُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي وُجِدَ فِي يَدِ الْخَصْمِ هَلْ يَدْفَعُ الدَّعْوَى وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَدْفَعُ وَيَعْمَلُ الْقُضَاةُ بِكِتَابِ الْقُضَاةِ الْمَاضِينَ اهـ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالْوَقْفِ الْقَدِيمِ
(قَوْلُهُ: قُبِلَتْ) أَيْ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الدَّعْوَى وَإِنْ بَطَلَتْ لِلتَّنَاقُضِ بَقِيَتْ الشَّهَادَةُ، وَهِيَ مَقْبُولَةٌ فِي الْوَقْفِ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى هِنْدِيَّةٌ ط
(قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ أَجْرُ الْمِثْلِ فِيهِ) أَيْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ مَنَافِعَ الْوَقْفِ مَضْمُونَةٌ وَإِنْ كَانَتْ بِشُبْهَةِ مِلْكٍ كَمَا مَرَّ وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
(قَوْلُهُ: لَا فِي الْمِلْكِ) يُسْتَثْنَى مِنْهُ مِلْكُ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ كَالْوَقْفِ،
وَأَمَّا الْمُعَدُّ لِلِاسْتِغْلَالِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ إذَا سَكَنَهُ بِتَأْوِيلِ مِلْكٍ كَسُكْنَى شَرِيكٍ أَوْ مُشْتَرٍ أَوْ بِتَأْوِيلِ عَقْدِ رَهْنٍ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ
بِخِلَافِ عَقَارِ الْوَقْفِ أَوْ الْيَتِيمِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ مُطْلَقًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ
(قَوْلُهُ: وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ) لِأَنَّ الْحَبْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ وَالْوَقْفُ لَا يُرْهَنُ ط. مَطْلَبٌ مَنْ سَعَى فِي نَقْضِ مَا تَمَّ مِنْ جِهَتِهِ فَسَعْيُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ إلَّا فِي تِسْعِ مَسَائِلَ
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ إحْدَى الْمَسَائِلِ السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَضَاءِ الْأَشْبَاهِ أَنَّهَا تِسْعٌ: الْأُولَى: اشْتَرَى عَبْدًا قَبَضَهُ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَهُ قَبْلَهُ مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ بِكَذَا وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ لِأَنَّهُ بَرْهَنَ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ أَنَّهُ مِلْكُ الْغَائِبِ. الثَّانِيَةُ: وَهَبَ جَارِيَةً وَاسْتَوْلَدَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ ادَّعَى الْوَاهِبُ أَنَّهُ كَانَ دَبَّرَهَا أَوْ اسْتَوْلَدَهَا وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ وَيَسْتَرِدُّهَا وَالْعُقْرَ لِأَنَّ التَّنَاقُضَ فِيمَا هُوَ مِنْ حُقُوقُ الْحُرِّيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّعْوَى حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ وَنَدِمَ.
الثَّالِثَةُ: بَاعَهُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ.
وَفِي الْفَتْحِ التَّنَاقُضُ لَا يَضُرُّ فِي الْحُرِّيَّةِ وَفُرُوعِهَا اهـ
وَظَاهِرُهُ قَبُولُ دَعْوَى الْبَائِعِ التَّدْبِيرَ وَالِاسْتِيلَادَ فَالْهِبَةُ مِثَالُ الرَّابِعَةِ: اشْتَرَى أَرْضًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ بَائِعَهَا كَانَ جَعَلَهَا مَقْبَرَةً أَوْ مَسْجِدًا الْخَامِسَةُ: اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ أَعْتَقَهُ وَبَرْهَنَ يُقْبَلُ عِنْدَ الثَّانِي لَا عِنْدَهُمَا السَّادِسَةُ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ السَّابِعَةُ: بَاعَ الْأَبُ مَالَ وَلَدِهِ ثُمَّ ادَّعَى الْغَبْنَ الْفَاحِشَ إلَّا إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، الثَّامِنَةُ: إذَا بَاعَ الْوَصِيُّ ثُمَّ ادَّعَى كَذَلِكَ. التَّاسِعَةُ: الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ كَذَلِكَ
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ بَاعَ ثُمَّ ادَّعَى الْفَسَادَ وَشَرَطَ الْعِمَادِيُّ التَّوْفِيقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ وَذَكَرَ فِيهَا اخْتِلَافًا اهـ مَا فِي الْأَشْبَاهِ مُلَخَّصًا مَعَ زِيَادَةٍ. مَطْلَبٌ بَاعَ عَقَارًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَقْفٌ (قَوَّاهُ وَاعْتَمَدَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ إلَخْ) أَيْ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ فِي الْفَتْحِ جَزَمَ بِهِ حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ بَاعَ عَقَارًا ثُمَّ بَرْهَنَ أَنَّهُ وَقْفٌ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْوَقْفِ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ
بِخِلَافِ الْإِعْتَاقِ، وَلَوْ بَرْهَنَ أَنَّهُ وَقْفٌ مَحْكُومٌ بِلُزُومِهِ يُقْبَلُ. اهـ. وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ فِي مَتْنِهِ
وَقَالَ فِي شَرْحِهِ هُنَا: يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْإِفْتَاءِ وَالْقَضَاءِ اهـ. قَالَ ط: وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا عَلَى الْمُفْتَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَتِمُّ بِلَفْظِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ اهـ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ يَلْزَمُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَيْضًا إذَا كَانَ مُضَافًا إلَى الْمَوْتِ أَوْ كَانَ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْعِمَادِيَّةِ لَا تُقْبَلُ إلَخْ)
مُخَالِفٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً قُبِلَتْ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ.
وَفِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيُنْقَضُ الْبَيْعُ قَالَ وَبِهِ نَأْخُذُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَصَوَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ) حَيْثُ قَالَ وَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ قِيلَ تُقْبَلُ
وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَحْوَطُ
(قَوْلُهُ: قُلْت قَدْ قَدَّمْنَا) أَيْ عَنْ الْمُصَنِّفِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَتُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِدُونِ الدَّعْوَى
(قَوْلُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ ابْتِدَاءً أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ) يَعْنِي الدَّعْوَى الْمَقْرُونَةَ بِالْبَيِّنَةِ
أَمَّا الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَلَا تُسْمَعُ حَتَّى لَا يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي كَمَا مَرَّ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِعَدَمِ سَمَاعِهَا فِي الصَّحِيحِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُعْتَمَدَ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ دُونَ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ هُنَا وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِهِ تَرْجِيحَهُ.
وَفِي الْخَيْرِيَّةِ أَجَابَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَلَكِنْ إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ اخْتَلَفُوا فِيهِ
وَالْأَصَحُّ الْقَبُولُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُسْمَعُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ بِدُونِ الدَّعْوَى وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْمُسَجَّلِ فَتُقْبَلُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ
وَالْأَصَحُّ مَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ وَقْفٌ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ لَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ اهـ وَقَالَ الشَّارِحُ فِي مَسَائِلَ شَتَّى آخِرَ الْكِتَابِ تُقْبَلُ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِمَا صَوَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ. اهـ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ التَّفْصِيلُ وَالتَّوْفِيقُ وَذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ إذَا ادَّعَى فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى إثْبَاتِ أَصْلِ الْوَقْفِ وَلَا يُعْطَى شَيْئًا مِنْ الْغَلَّةِ لِعَدَمِ صِحَّةِ دَعْوَاهُ وَقَدْ مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَتُقْبَلُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بِدُونِ الدَّعْوَى تَحْقِيقُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ ثُبُوتَ أَصْلِ الْوَقْفِ لَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى وَأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَا يُدْفَعُ لَهُ شَيْءٌ بِلَا دَعْوَى حِينَئِذٍ،
فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِتَنَاقُضِهِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي غَيْرُهُ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ لِعَدَمِ التَّنَاقُضِ مِنْهُمْ
وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ عَلَى الْمَسْجِدِ فَتُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيَثْبُتُ الْوَقْفُ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِ الْمُدَّعِي هُوَ الْبَائِعُ أَوْ غَيْرُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[تَنْبِيهٌ] بَقِيَ مَا لَوْ اشْتَرَى دَارًا ثُمَّ ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا وَقْفٌ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْبَائِعِ لَوْ هُوَ الْمُتَوَلِّي وَإِلَّا نَصَبَ الْقَاضِي لَهُ مُتَوَلِّيًا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي جَعْفَرَ وَغَيْرِهِ:
وَإِنْ لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى عَلَى غَيْرِ الْمُتَوَلِّي لِلتَّنَاقُضِ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِدُونِ الدَّعْوَى وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي الْخَيْرِيَّةِ فِي الثُّلُثِ الثَّالِثِ مِنْ كِتَابِ الْوَقْفِ
(قَوْلُهُ الْبَانِي أَوْلَى) وَكَذَا وَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِمْ أَشْبَاهٌ
(قَوْلُهُ: بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ) أَمَّا فِي الْعِمَارَةِ فَنَقَلَ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّ الْبَانِيَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا عَيَّنَ الْقَوْمُ أَصْلَحَ مِمَّنْ عَيَّنَهُ) لِأَنَّ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أَنْفَعُ الْوَسَائِلِ
(قَوْلُهُ: أَوْ عَلَى مَكَان هَيَّأَهُ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَكَانَ مَوْجُودٌ فَيَكُونُ وَقْفًا عَلَى مَوْجُودٍ وَاَلَّذِي فِي الْمِنَحِ عَنْ الْعِمَادِيَّةِ هَيَّأَ مَوْضِعًا لِبِنَاءِ مَدْرَسَةٍ وَقَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْمَدْرَسَةِ وَقْفًا لِشَرَائِطِهِ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ إلَخْ وَقَيَّدَ بِتَهْيِئَةِ الْمَكَانِ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ سَيُعَمِّرُهُ وَلَمْ يُهَيِّئْ مَكَانَهُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ كَمَا أَفْتَى بِهِ مُفْتِي دِمَشْقَ الْمُحَقِّقُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَنْدِي الْعِمَادِيُّ
(قَوْلُهُ وَتُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِلْفُقَرَاءِ إلَخْ) أَقُولُ: هَذَا الْوَقْفُ يُسَمَّى مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ
قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ أَرْضِي صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَنْ يَحْدُثُ لِي مِنْ الْوَلَدِ وَلَيْسَ لَهُ وَلَدٌ يَصِحُّ فَإِذَا أَدْرَكَتْ الْغَلَّةُ تُقْسَمُ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ تُصْرَفُ الْغَلَّةُ الَّتِي تُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى هَذَا الْوَلَدِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَذَكَرَ الْوَلَدَ الْحَادِثَ لِلِاسْتِثْنَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ إلَّا إنْ حَدَثَ لِي وَلَدٌ فَغَلَّتُهَا لَهُ مَا بَقِيَ اهـ وَمِنْهُ مَا فِي الْإِسْعَافِ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدُ ابْنٍ تُصْرَفُ الْغَلَّةُ لِوَلَدِ الِابْنِ إلَى أَنْ يَحْدُثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ فَتُصْرَفُ إلَيْهِ اهـ وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَمِنْهُ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَقَفَ عَلَى وَلَدَيْهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ وَلَدٍ يُصْرَفُ نِصْفُ الْغَلَّةِ إلَى الْبَاقِي وَالنِّصْفَ إلَى الْفُقَرَاءِ فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ يُصْرَفُ الْجَمِيعُ إلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْوَاقِفِ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ شَرْطِ الْوَاقِفِ لَازِمٌ وَالْوَاقِفُ إنَّمَا جَعَلَ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا يُصْرَفُ النِّصْفُ إلَى الْفُقَرَاءِ.
اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ وَالْمُنْقَطِعِ الْوَسَطِ
[تَنْبِيهٌ] عُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ وَمُنْقَطِعَ الْوَسَطِ يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ. وَوَقَعَ فِي الْخَيْرِيَّةِ خِلَافٌ حَيْثُ
قَالَ فِي تَعْلِيلِ جَوَابِ مَا نَصَّهُ لِلِانْقِطَاعِ الَّذِي صَرَّحُوا، بِأَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْأَقْرَبِ لِلْوَاقِفِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِغَرَضِهِ عَلَى الْأَصَحِّ اهـ وَهَذَا سَبْقُ قَلَمٍ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ قَالَ نَفْسُهُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ الْخَيْرِيَّةِ وَالْمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ فِيهِ خِلَافٌ قِيلَ يُصْرَفُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَالْمُتَظَافِرُ عَلَى أَلْسِنَةِ عُلَمَائِنَا ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَسْطُرٍ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ آخَرَ وَفِي مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ الْأَصَحُّ صَرْفُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ
وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ اهـ
(قَوْلُهُ: يَنْبَغِي إلَخْ) وَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ بَعْدَ كَلَامٍ فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ الْوَقْفَ الْمَعْلُومَ لِأَحَدٍ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ عِنْدَ قِيَامِ الْمَانِعِ مِنْ الْعَمَلِ وَلَمْ يَكُنْ بِتَقْصِيرِهِ سَوَاءٌ كَانَ نَاظِرًا أَوْ غَيْرَهُ كَالْجَابِي. اهـ.
[فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ]
(قَوْلُهُ: أَرْصَدَ الْإِمَامُ أَرْضًا) أَيْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَعَيَّنَهَا لِهَذِهِ الْجِهَةِ وَالْإِرْصَادُ لَيْسَ بِوَقْفٍ حَقِيقَةً لِعَدَمِ الْمِلْكِ بَلْ يُشْبِهُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ: يَعْنِي فَيَصِحُّ) عِبَارَةُ النَّهْرِ بَعْدَهُ وَهَذَا لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِ عُلَمَائِنَا إلَّا أَنَّهُ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ الْمَسْجِدُ إذَا خَرِبَ أَوْ الْحَوْضُ إذَا خَرِبَ وَلَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ لِتَفَرُّقِ النَّاسِ عَنْهُ صُرِفَتْ أَوْقَافُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ حَوْضٍ آخَرَ اهـ وَعَلَى هَذَا فَيَلْزَمُ الْمُرْصَدَ عَلَيْهِ أَنْ يُدِيرَهُمَا لِسَقْيِ الدَّوَابِّ وَتَسْبِيلِ الْمَاءِ كَمَا كَانَتْ، وَلَا يُتَوَهَّمُ مِنْ كَوْنِهِ إرْصَادًا عَلَى الْمَالِكِ أَنْ لَا يَلْزَمَ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ اهـ كَلَامُ النَّهْرِ
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَنْقُولَ عِنْدَنَا أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ إذَا خَرِبَ يُصْرَفُ وَقْفُهُ إلَى مُجَانِسِهِ فَتُصْرَفُ أَوْقَافُ الْمَسْجِدِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَأَوْقَافُ الْحَوْضِ إلَى حَوْضٍ آخَرَ وَالْإِرْصَادُ نَظِيرُ الْوَقْفِ، فَحَيْثُ اسْتَغْنَى عَنْ السَّاقِيَةِ الْأُولَى وَأَرْصَدَ وَكِيلُ الْإِمَامِ الْأَرْضَ عَلَى السَّاقِيَةِ الثَّانِيَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَكَانَ ذَلِكَ إرْصَادًا عَلَى مَالِكِهَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يُدِيرَ تِلْكَ الْأَرْضَ أَيْ غَلَّتَهَا وَخَرَاجَهَا إلَى سَقْيِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا لِيَكُونَ صَرْفًا إلَى مَا يُجَانِسُ الْأَوَّلَ كَمَا فِي الْوَقْفِ، لِأَنَّ وَكِيلَ الْإِمَامِ لَمْ يَرْصُدْهَا لِيَنْتَفِعَ الْمَالِكُ بِخَرَاجِهَا كَيْفَمَا أَرَادَ بَلْ لِيَكُونَ لِسَقْيِ الْمَاءِ كَمَا كَانَتْ حِينَ أَرْصَدَهَا الْإِمَامُ أَوْ لَا، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ إدَارَةُ خَرَاجِ الْأَرْضِ عَلَى سَاقِيَتِهِ الَّتِي أَرْصَدَ عَلَيْهَا وَكِيلُ الْإِمَامِ بَلْ عَلَيْهَا أَوْ عَلَى سَاقِيَةٍ أُخْرَى إذْ لَا يَلْزَمُهُ بِالْإِرْصَادِ الْمَذْكُورِ أَنْ يُسَبِّلَ مِلْكَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ لَك أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ إدَارَتُهَا كَمَا كَانَتْ عَائِدٌ إلَى الْأَرْضِ الْمُرْصَدَةِ لَا إلَى السَّاقِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يَجْعَلَ سَاقِيَتَهُ سَبِيلًا لِلنَّاسِ جَبْرًا وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ لِمَا فِي الْحَاوِي إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ مَا خَرِبَ تُصْرَفُ أَوْقَافُهُ إلَى مُجَانِسِهِ فَكَذَا الْإِرْصَادُ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى قَوْلِهِ تَلْزَمُ إدَارَتُهَا أَيْ الْأَرْضِ الْمُرْصَدَةِ كَمَا كَانَتْ أَيْ بِأَنْ يَصْرِفَ خَرَاجَهَا فِي تَسْبِيلِ الْمَاءِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَالْمَقْصُودُ إلْحَاقُ الْإِرْصَادِ بِالْوَقْفِ لِأَنَّهُ نَظِيرُهُ وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ النَّقْلِ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ وَقْفٍ إلَى وَقْفٍ وَفِي الْحَادِثَةِ وَمِنْ وَقْفٍ إلَى مِلْكٍ فَافْهَمْ.
مَطْلَبٌ وَقَفَ بَيْتًا عَلَى عَتِيقَةِ فُلَانٍ وَالْبَاقِي عَلَى عُتَقَائِهِ هَلْ يَدْخُلُ فُلَانٌ مَعَهُمْ؟
(قَوْلُهُ: فِي الثَّانِي) مُتَعَلِّقٌ بِيَدْخُلُ أَيْ فِي الْوَقْفِ الثَّانِي الْمَوْقُوفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالْعَقِبِ ثُمَّ عَلَى الْعُتَقَاءِ وَالْمُرَادُ هَلْ يُشَارِكُ عَتِيقَةَ فُلَانٍ بَقِيَّةُ الْعُتَقَاءِ فِيمَا آلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ مِنْهُمْ أَوْ لَا يَدْخُلُ لِكَوْنِ الْوَاقِفِ خَصَّهُ بِوَقْفٍ عَلَى حِدَةٍ
(قَوْلُهُ: مَذْكُورٌ فِي الذَّخِيرَةِ) عِبَارَتُهَا لَوْ جَعَلَ نِصْفَ غَلَّةِ أَرْضِهِ لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِلْمَسَاكِينٍ فَاحْتَاجَ فُقَرَاءُ قَرَابَتِهِ هَلْ يُعْطَوْنَ مِنْ نِصْفِ الْمَسَاكِينِ؟ قَالَ هِلَالٌ لَا وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ بْنِ خَالِدٍ السَّمْتِيِّ،
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِي: يُعْطَوْنَ. اهـ. نَهْرٌ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي الْخَانِيَّةِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ اخْتَلَفَ الْإِفْتَاءُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ إفْتَاءُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الرُّومِ يَعْنِي حَيْثُ وُجِدَ تَصْرِيحُ الْخَانِيَّةِ بِالْأَصَحِّ فَلَا وَجْهَ لِلِاخْتِلَافِ بَلْ يَلْزَمُ مُتَابَعَةُ الْأَصَحِّ بَعْدَ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ.
وَقَالَ فِي النَّهْرِ: هَذَا مُلَخَّصُ رِسَالَةٍ كَبِيرَةٍ لِمَوْلَانَا قَاضِي الْقُضَاةِ عَلِيٍّ جَلَبِي وَضَعَهَا حِينَ نَقَضَ حُكْمَ مَوْلَانَا مُحَمَّدٍ شَاهْ بَادِرْنَهْ وَكُلٌّ مِنْهُمَا رَدَّ عَلَى صَاحِبِهِ وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَاعْتَمِدْهُ، اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. مَطْلَبٌ وَقَفَ النِّصْفَ عَلَى ابْنِهِ زَيْدٍ وَالنِّصْفَ عَلَى امْرَأَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ يَدْخُلُ زَيْدٌ فِيهِمْ
قُلْت: وَقَدْ رَأَيْت فِي الْخَانِيَّةِ صَرِيحَ الْوَاقِعَةِ وَهُوَ وَقَفَ ضَيْعَةً نِصْفَهَا عَلَى امْرَأَتِهِ وَنِصْفَهَا عَلَى وَلَدِ زَيْدٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَنَصِيبُهَا لِأَوْلَادِهِ ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فَالنِّصْفُ لِابْنِهِ زَيْدٍ وَنَصِيبُ الْمَرْأَةِ لِسَائِرِ الْأَوْلَادِ وَلِزَيْدٍ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَصِيبَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لِأَوْلَادِهِ وَزَيْدٌ مِنْهُمْ أَيْضًا اهـ مُلَخَّصًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْوَصِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فِيهَا تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ أَوْصَى لِلْكُلِّ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَا يَأْخُذُ،
وَإِنْ أَوْصَى لَهُ ثُمَّ أَوْصَى بِوَصَايَا أُخَرَ ثُمَّ أَوْصَى فِي آخِرِهِ لِلْفُقَرَاءِ بِكَذَا فَلَهُ الْأَخْذُ لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ لَمَّا قَالَ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ مَيَّزَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفُقَرَاءِ فَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ. اهـ. وَأَفْتَى الْحَانُوتِيُّ فِي الْوَقْفِ بِمِثْلِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ فِيمَنْ وَقَفَ ثُلُثَيْ كَذَا عَلَى طَائِفَةٍ وَالثُّلُثُ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَرَاجِعْهُ، لَكِنْ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ يُخَالِفُهُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ وَقَفَ الْكُلَّ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْهَا أَيْضًا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّفْصِيلِ فِي الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ اسْتَأْجَرَ دَارًا فِيهَا أَشْجَارٌ
(قَوْلُهُ لَمْ يَأْكُلْ) أَيْ يَبِيعُهَا الْمُتَوَلِّي وَيَصْرِفُهَا فِي مَصَالِحِ الْوَقْفِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: إنْ غَرَسَ لِلسَّبِيلِ) وَهُوَ الْوَقْفُ عَلَى الْعَامَّةِ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَغْرِسْهَا لِلسَّبِيلِ بِأَنْ غَرَسَهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ غَرَضَهُ بَحْرٌ عَنْ الْحَاوِي، وَهَذَا مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ شَرْطَ الْوَاقِفِ لَمْ يَأْكُلْ وَهُوَ ظَاهِرٌ فَافْهَمْ وَأَصْلُهُ لِصَاحِبِ الْبَحْرِ حَيْثُ
قَالَ: وَمُقْتَضَاهُ أَيْ مُقْتَضَى مَا فِي الْحَاوِي أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ الْمَوْقُوفِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْمُتَوَلِّي لِيَبِيعَهَا وَيَصْرِفَهَا فِي مَصَالِحِ الْوَقْفِ،
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَكْلُ مِنْهَا اهـ وَضَمِيرُ يَبِيعُهَا لِلثِّمَارِ لَا لِلْأَشْجَارِ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ شَجَرَةُ وَقْفٍ فِي دَارِ وَقْفٍ خَرِبَتْ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَبِيعَ الشَّجَرَةَ وَيُعَمِّرَ الدَّارَ وَلَكِنْ يَكْرِي الدَّارَ وَيَسْتَعِينُ بِالْكِرَاءِ عَلَى عِمَارَةِ الدَّارِ لَا بِالشَّجَرَةِ اهـ فَهَذَا مَعَ خَرَابِ الدَّارِ فَكَيْفَ يَجُوزُ بَيْعُهَا مَعَ عَمَارِهَا ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي مَسْأَلَتِنَا يَدْفَعُ الشَّجَرَةَ عَلَى وَجْهِ الْمُسَاقَاةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ،
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: وَلَوْ كَانَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ شَجَرٌ فَدَفَعَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ مَثَلًا جَازَ اهـ ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَحْرِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْجَارَ فِي الدَّارِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ اسْتِئْجَارِهَا لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ شَاغِلَةً لِأَنَّهَا لَا تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ السُّكْنَى
بِخِلَافِ الْأَشْجَارِ فِي الْأَرْضِ لِأَنَّ ظِلَّهَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِالزِّرَاعَةِ، وَلِهَذَا شَرَطُوا أَنْ يَتَقَدَّمَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى الْأَشْجَارِ وَسَتَأْتِي مَسْأَلَةُ غَرْسِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُتَوَلِّي.
مَطْلَبٌ فِي قَوْلِهِمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ
(قَوْلُهُ: قَوْلُهُمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ) فِي الْخَيْرِيَّةِ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشُّرُوطِ لِمَا هُوَ الْوَاقِعُ لَا لِمَا كُتِبَ فِي مَكْتُوبِ الْوَقْفِ،
فَلَوْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ لِمَا لَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عُمِلَ بِهَا بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ خَطٌّ مُجَرَّدٌ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ. اهـ. ط. مَطْلَبٌ بَيَانُ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ
(قَوْلُهُ أَيْ فِي الْمَفْهُومِ وَالدَّلَالَةِ إلَخْ) كَذَا عَبَّرَ فِي الْأَشْبَاهِ وَاَلَّذِي فِي الْبَحْرِ عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي النُّصُوصِ وَالْمُرَادُ بِهِ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ الْمُسَمَّى دَلِيلَ الْخِطَابِ، وَهُوَ أَقْسَامٌ مَفْهُومُ الصِّفَةِ، وَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالْعَدَدِ وَاللَّقَبِ أَيْ الِاسْمِ الْجَامِدِ كَثَوْبٍ مَثَلًا، وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي النُّصُوصِ أَنَّ مِثْلَ قَوْلِك: أَعْطِ الرَّجُلَ الْعَالِمَ أَوْ أَعْطِ زَيْدًا إنْ سَأَلَك أَوْ أَعْطِهِ إلَى أَنْ يَرْضَى أَوْ أَعْطِهِ عَشَرَةً أَوْ أَعْطِهِ ثَوْبًا لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمُخَالِفِ لِلْمَنْطُوقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْ إعْطَاءِ الرَّجُلِ الْجَاهِلِ، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ وَبَاقٍ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، حَتَّى يَأْتِيَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِإِعْطَائِهِ أَوْ النَّهْيِ عَنْهُ
وَكَذَا فِي الْبَوَاقِي وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ. مَطْلَبٌ مَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ نَعَمْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا فِي الرِّوَايَاتِ فِي الْكُتُبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ مَفْهُومُ التَّصْنِيفِ حُجَّةٌ اهـ أَيْ لِأَنَّ الْفُقَهَاءَ يَقْصِدُونَ بِذِكْرِ الْحُكْمِ فِي الْمَنْطُوقِ نَفْيَهُ عَنْ الْمَفْهُومِ غَالِبًا كَقَوْلِهِمْ: يَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ حُرٍّ بَالِغٍ عَاقِلٍ مُقِيمٍ فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ نَفْيَ الْوُجُوبِ عَنْ مُخَالِفِهَا، وَيَسْتَدِلُّ بِهِ الْفَقِيهُ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ إلَخْ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْمَفْهُومِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهُ كَمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي نُصُوصِ الشَّارِعِ.
مَطْلَبٌ لَا يُعْتَبَرُ الْمَفْهُومُ فِي الْوَقْفِ وَفِي الْبِيرِيِّ نَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْمَفْهُومِ فِي الْوَقْفِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْخَصَّافُ وَأَفْتَى بِهِ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ اهـ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْخَيْرِيَّةِ أَيْضًا أَيْ فَإِذَا قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي الذُّكُورِ يُصْرَفُ إلَى الذُّكُورِ مِنْهُمْ بِحُكْمِ الْمَنْطُوقِ،
وَأَمَّا الْإِنَاثُ فَلَا يُعْطَى لَهُنَّ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْطَاءِ إلَّا إذَا دَلَّ فِي كَلَامِهِ دَلِيلٌ عَلَى إعْطَائِهِنَّ فَيَكُونُ مُثْبِتًا لِإِعْطَائِهِنَّ ابْتِدَاءً لَا بِحُكْمِ الْمُعَارَضَةِ لَكِنْ نَقَلَ الْبِيرِيُّ فِي مَحَلٍّ آخَرَ عَنْ الْمُصَفَّى وَخِزَانَةِ الرِّوَايَاتِ وَالسِّرَاجِيَّةِ تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ وَفِي الْمَعْقُولَاتِ وَفِي الرِّوَايَاتِ. مَطْلَبٌ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ
قُلْت: وَكَذَا قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ عَنْ حَاشِيَةِ الْهِدَايَةِ لِلْخَبَّازِيِّ، عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ الْكَرْدَرِيِّ: أَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ، لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ فِي خِطَابَاتِ الشَّارِعِ.
أَمَّا فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَفِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ يَدُلُّ اهـ
قَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَتَدَاوَلَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَعَلَيْهِ مَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ وَالْخَانِيَّةِ لَوْ قَالَ مَالَك عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ، كَانَ إقْرَارًا بِالْمِائَةِ اهـ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ فِي غَيْرِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي شَرْحِنَا عَلَى مَنْظُومَتِنَا فِي رَسْمِ الْمُفْتِي، وَحَيْثُ كَانَ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرًا فِي مُتَفَاهَمِ النَّاسِ وَعُرْفِهِمْ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَلَى عُرْفِهِ وَعَنْ هَذَا قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ، نَصَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ وَفِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَنْ شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ نُصُوصُهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ وَالْمُوصِي، وَالْحَالِفِ، وَالنَّاذِرِ وَكُلِّ عَاقِدٍ يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ وَلُغَةَ الشَّرْعِ أَمْ لَا. اهـ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ قُلْت: وَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى مَا ذُكِرَ فَمَا كَانَ مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ مِنْ قَبِيلِ الْمُفَسَّرِ لَا يَحْتَمِلُ تَخْصِيصًا وَلَا تَأْوِيلًا يُعْمَلُ بِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الظَّاهِرِ كَذَلِكَ وَمَا احْتَمَلَ وَفِيهِ قَرِينَةٌ حُمِلَ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ مُشْتَرَكًا لَا يُعْمَلُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ عِنْدَنَا وَلَمْ يَقَعْ فِيهِ نَظَرُ الْمُجْتَهِدِ لِيَتَرَجَّحَ أَحَدُ مَدْلُولَيْهِ،
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ إذَا مَاتَ الْوَاقِفُ،
وَإِنْ كَانَ حَيًّا يُرْجَعُ إلَى بَيَانِهِ هَذَا مَعْنَى مَا أَفَادَاهُ اهـ
(قَوْلُهُ وَوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ) هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ آنِفًا، مَعَ أَنَّهُ فِي الْبَحْرِ نَقَلَهُ أَيْضًا وَقَالَ عَقِبَهُ فَعَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ مُبَاشَرَتَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فِيهَا الْعَمَلُ لَا يَأْثَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَعْلُومَ اهـ نَعَمْ فِي الْأَشْبَاهِ جَزَمَ بِمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَقَوَّاهُ فِي النَّهْرِ، وَعَزَاهُ فِي قَضَاءِ الْبَحْرِ إلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
قُلْت: وَيَظْهَرُ لِي عَدَمُ التَّنَافِي وَذَلِكَ أَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الْوَظِيفَةَ أَصْلًا وَبَاشَرَهَا غَيْرُهُ لَمْ يَأْثَمْ، وَهَذَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ بِاعْتِبَارِ حِلِّ تَنَاوُلِ الْمَعْلُومِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَتَنَاوَلَ الْمَعْلُومَ أَثِمَ لِتَنَاوُلِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ
(قَوْلُهُ: الْكُلُّ مِنْ النَّهْرِ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ أَيْ كُلُّ هَذِهِ الْفُرُوعِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّهْرِ. مَطْلَبُ الْجَامِكِيَّةِ فِي الْأَوْقَافِ
(قَوْلُهُ: الْجَامِكِيَّةِ) هِيَ مَا يُرَتَّبُ فِي الْأَوْقَافِ لِأَصْحَابِ الْوَظَائِفِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْبَحْرِ عَنْ ابْنِ الصَّائِغِ وَفِي الْفَتْحِ الْجَامِكِيَّةِ كَالْعَطَاءِ، وَهُوَ مَا يَثْبُتُ فِي الدِّيوَانِ بِاسْمِ الْجَامِكِيَّةِ أَوْ غَيْرِهِمْ إلَّا أَنَّ الْعَطَاءَ سَنَوِيٌّ وَالْجَامِكِيَّةُ شَهْرِيَّةٌ. مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ مَاتَ الْمُدَرِّسُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ
(قَوْلُهُ أَيْ فِي زَمَنِ الْمُبَاشَرَةِ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ اعْتِبَارَ شَبَهِهَا بِالْأُجْرَةِ مِنْ حَيْثُ حِلُّ تَنَاوُلِهَا لِلْأَغْنِيَاءِ إذْ لَوْ كَانَتْ صَدَقَةً مَحْضَةً لَمْ تَحِلَّ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا،
وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُدَرِّسَ لَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ وَظُهُورِهَا مِنْ الْأَرْضِ، يُعْطَى بِقَدْرِ مَا بَاشَرَ، وَيَصِيرُ مِيرَاثًا عَنْهُ كَالْأَجِيرِ إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ،
وَلَوْ كَانَتْ صِلَةً مَحْضَةً لَمْ يُعْطَ شَيْئًا لِأَنَّ الصِّلَةَ لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ بَلْ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ قَبْلَهُ،
بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ رِزْقُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَبَهُ الْأُجْرَةِ لَهُ لِعَدَمِ جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ،
أَمَّا عَلَى التَّدْرِيسِ، وَهُوَ التَّعْلِيمُ فَأَجَازَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَبِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ وَالذُّرِّيَّةِ،
فَإِنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ قَبْلَ ظُهُورِ الْغَلَّةِ سَقَطَ أَيْضًا لِأَنَّهُ صِلَةٌ مَحْضَةٌ كَمَا حَرَّرَهُ الطَّرَسُوسِيُّ، وَتَقَدَّمَ تَمَامُهُ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَاتَ الْمُؤَذِّنُ وَالْإِمَامُ وَلَمْ يَسْتَوْفِيَا وَظِيفَتَهُمَا إلَخْ
(قَوْلُهُ لَا تُسْتَرَدُّ الْمُعَجَّلَةُ) أَيْ لَوْ قَبَضَ جَامَكِيَّةَ السَّنَةِ بِتَمَامِهَا، وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ لَا يَسْتَرِدُّ حِصَّةَ مَا بَقِيَ لِأَنَّ الصِّلَةَ تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَيَحِلُّ لَهُ لَوْ فَقِيرًا كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ،
وَلَوْ كَانَتْ أُجْرَةً مَحْضَةً اسْتَرَدَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ.
(قَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ ابْتِدَاءً) لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً مِنْ ابْتِدَائِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ أَبَدًا وَنَحْوُهُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ كَمَا مَرَّ تَحْرِيرُهُ، وَأَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ اشْتِرَاطَ صَرْفِ الْغَلَّةِ لِمُعَيِّنٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ صَرْفِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ قَائِمًا مَقَامَهُمْ، فَصَارَ فِي مَعْنَى الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُمْ هَذَا غَايَةُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَهْمِي فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَتَمَامُهُ فِيهَا) قَدَّمْنَا حَاصِلَهُ
(قَوْلُهُ: يُكْرَهُ إعْطَاءُ نِصَابٍ لِفَقِيرٍ إلَخْ) لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَأَشْبَهَ الزَّكَاةَ أَشْبَاهٌ
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ) أَيْ فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ أَشْبَاهٌ وَلِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنِينَ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ فِيهِ فَيَأْخُذُونَهُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ
(قَوْلُهُ: لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْفُقَرَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُرَتَّبِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَتَّبُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَلَا شُبْهَةَ فِي جَوَازِ مَا رَتَّبَهُ،
وَإِنْ كَثُرَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ كَالْمُتَوَلِّي، فَلَا يَجُوزُ النِّصَابُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَفِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ الْمُرَتَّبُ إعْطَاءُ شَيْءٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ خِدْمَةٍ بَلْ لِصَلَاحِ الْمُعْطِي أَوْ عِلْمِهِ أَوْ فَقْرِهِ وَيُسَمَّى فِي عُرْفِ الرُّومِ الزَّوَائِدُ اهـ:
مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ وَظِيفَةً فِي الْوَقْفِ إلَّا النَّظَرَ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ وَظِيفَةً فِي الْوَقْفِ إلَخْ) يَعْنِي وَظِيفَةً حَادِثَةً لَمْ يَشْرِطْهَا الْوَاقِفُ
أَمَّا لَوْ قَرَّرَ فِي وَظِيفَةٍ مَشْرُوطَةٍ جَازَ إلَّا إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ التَّقْرِيرَ لِلْمُتَوَلِّي كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَيْرِيَّةِ وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ، وَهَذَا أَيْ عَدَمُ التَّقْرِيرِ بِغَيْرِ شَرْطٍ إذَا لَمْ يَقُلْ وَقَفْتُ عَلَى مَصَالِحِهِ،
فَلَوْ قَالَ يَفْعَلُ الْقَاضِي كُلَّ مَا هُوَ مِنْ مَصَالِحِهِ اهـ وَهَذَا أَيْضًا فِي غَيْرِ أَوْقَافِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ
أَمَّا هِيَ فَهِيَ أَوْقَافٌ صُورِيَّةٌ لَا تُرَاعَى شُرُوطُهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ وَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الشَّرْحِ عَنْ الْمَبْسُوطِ
(قَوْلُهُ: إلَّا النَّظَرَ عَلَى الْوَقْفِ) اعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْإِحْدَاثِ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ،
أَمَّا مَا دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ وَاقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ كَخِدْمَةِ الرَّبْعَةِ الشَّرِيفَةِ وَقِرَاءَةِ الْعُشْرِ وَالْجِبَايَةِ وَشَهَادَةِ الدِّيوَانِ فَيُرْفَعُ إلَى الْقَاضِي، وَيُثْبِتُ عِنْدَهُ الْحَاجَةَ فَيُقَرِّرُ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ، وَيُقَدِّرُ لَهُ أَجْرَ مِثْلِهِ أَوْ يَأْذَنُ لِلنَّاظِرِ فِي ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ قَاسِمٌ وَالنَّصُّ فِي مِثْلِ هَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ أَبُو السُّعُودِ عَلَى الْأَشْبَاهِ وَعَلَيْهِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى النَّظَرِ فِيهِ نَظَرٌ كَمَا أَفَادَهُ ط.
قُلْت: لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُقَرِّرَ فِرَاشًا فِي الْمَسْجِدِ بِلَا شَرْطِ الْوَاقِفِ،
قَالَ فِي الْبَحْرِ: إنَّ فِي تَقْرِيرِهِ مَصْلَحَةً لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْمُتَوَلِّي فِرَاشًا، وَالْمَمْنُوعُ تَقْرِيرُهُ فِي وَظِيفَةٍ تَكُونُ حَقًّا لَهُ وَلِذَا صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ بِأَنَّ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَأْجِرَ خَادِمًا لِلْمَسْجِدِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ تَقْرِيرِ الْقَاضِي، بِلَا شَرْطٍ فِي شَهَادَةٍ وَمُبَاشَرَةٍ وَطَلَبٍ بِالْأَوْلَى. اهـ. مَطْلَبٌ الْمُرَادُ مِنْ الْعُشْرُ لِلْمُتَوَلِّي أَجْرُ الْمِثْلِ
(قَوْلُهُ: بِأَجْرِ مِثْلِهِ) وَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْعُشْرِ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْعُشْرِ أَجْرُ الْمِثْلِ حَتَّى لَوْ زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ رَدَّ الزَّائِدَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مَعْلُومٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْوَلْوَالِجيَّةِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: جَعَلَ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ عُشْرَ غَلَّةِ الْوَقْفِ فَهُوَ أَجْرُ مِثْلِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي إجَابَةِ السَّائِلِ، وَمَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ عُشْرُ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَيْ الَّتِي هِيَ أَجْرُ مِثْلِهِ لَا مَا تَوَهَّمَهُ أَرْبَابُ الْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ إلَخْ بِيرِيٌّ عَلَى الْأَشْبَاهِ مِنْ الْقَضَاءِ.
قُلْت: وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يَشْرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ شَيْئًا
وَأَمَّا النَّاظِرُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَلَهُ مَا عَيَّنَهُ لَهُ الْوَاقِفُ: وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ عَيَّنَ لَهُ أَقَلَّ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْمِلَ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ بِطَلَبِهِ كَمَا بَحَثَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ وَهَذَا مُقَيِّدٌ لِقَوْلِهِ الْآتِي لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَخْذُ زِيَادَةٍ عَلَى مَا قَرَّرَ لَهُ الْوَاقِفُ أَصْلًا مَطْلَبٌ فِي زِيَادَةِ الْقَاضِي فِي مَعْلُومِ الْإِمَامِ
(قَوْلُهُ: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْقَاضِي إلَخْ) أَيْ إذَا اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ كَمَا مَرَّ فِي الْمَتْنِ،
وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ قُبَيْلَ فَصْلِ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ، يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ وُجُوهِ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ لِلْإِمَامِ إذَا كَانَ يَتَعَطَّلُ لَوْ لَمْ يُصْرَفْ إلَيْهِ يَجُوزُ صَرْفُ الْفَاضِلِ عَنْ الْمَصَالِحِ لِلْإِمَامِ الْفَقِيرِ بِإِذْنِ الْقَاضِي،
وَلَوْ زَادَ الْقَاضِي فِي مَرْسُومِهِ مِنْ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، وَالْإِمَامُ مُسْتَغْنٍ وَغَيْرُهُ يَؤُمُّ بِالْمَرْسُومِ الْمَعْهُودِ تَطِيبُ لَهُ الزِّيَادَةُ لَوْ عَالِمًا تَقِيًّا،
وَلَوْ نُصِبَ إمَامٌ آخَرُ أَخَذَ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ لِقِلَّةِ وُجُودِ الْإِمَامِ لَا لَوْ كَانَتْ لِمَعْنًى فِي الْأَوَّلِ كَفَضِيلَةٍ أَوْ زِيَادَةِ حَاجَةٍ. اهـ. فَعُلِمَ أَنَّهُ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إذَا كَانَ يَتَعَطَّلُ الْمَسْجِدُ بِدُونِهَا أَوْ كَانَ فَقِيرًا أَوْ عَالِمًا تَقِيًّا، فَالْمُنَاسِبُ الْعَطْفُ بِأَوْ فِي قَوْلِهِ: وَكَانَ عَالِمًا تَقِيًّا،
وَأَمَّا مَا فِي قَضَاءِ الْبَحْرِ لَوْ قَضَى بِالزِّيَادَةِ لَا يَنْفُذُ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا فُقِدَتْ مِنْهُ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ كَمَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَمُقْتَضَى التَّقْيِيدِ بِالْقَاضِي أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ لِلْإِمَامِ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ) أَيْ فِي الْأَشْبَاهِ
(قَوْلُهُ: يَلْحَقُ بِالْإِمَامِ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَنْ فِي قَطْعِهِ ضَرَرٌ إذَا كَانَ الْمُعَيَّنُ لَا يَكْفِيهِ كَالنَّاظِرِ، وَالْمُؤَذِّنِ وَمُدَرِّسِ الْمَدْرَسَةِ، وَالْبَوَّابِ وَنَحْوِهِمْ إذَا لَمْ يَعْمَلُوا بِدُونِ الزِّيَادَةِ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ لَا يَسْتَقِرُّ لِقِلَّةِ الْمَرْسُومِ لِلْحَاكِمِ، الدِّينُ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ مِنْ فَاضِلِ وَقْفِ الْمَصَالِحِ وَالْعِمَارَةِ بِاسْتِصْوَابِ أَهْلِ الصَّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ لَوْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ لِأَنَّ غَرَضَهُ إحْيَاءُ وَقْفِهِ لَا لَوْ اخْتَلَفَ، أَوْ اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ بِأَنْ بَنَى مَدْرَسَةً وَمَسْجِدًا وَعَيَّنَ لِكُلٍّ وَقْفًا وَفَضَلَ مِنْ غَلَّةِ أَحَدِهِمَا لَا يُبَدَّلُ شَرْطُهُ.
مَطْلَبٌ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةُ الشَّرْطِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ
(قَوْلُهُ: وَنَقَلَ) أَيْ صَاحِبُ الْمُحِبِّيَّةِ عَنْ الْمَبْسُوطِ أَيْ مَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ، وَاَلَّذِي فِي الْأَشْبَاهِ بَعْدَمَا نَقَلَ عَنْ يَنْبُوعِ السُّيُوطِيّ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَظَائِفَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَوْقَافِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ، إنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ يَجُوزُ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ عَالِمٍ بِعِلْمٍ شَرْعِيٍّ، وَطَالِبِ عِلْمٍ كَذَلِكَ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا وَقَفُوهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ مَا نَصُّهُ، وَقَدْ اغْتَرَّ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي زَمَانِنَا فَاسْتَبَاحُوا تَنَاوُلَ مَعَالِيمَ الْوَظَائِفِ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، وَمُخَالَفَةُ الشُّرُوطِ وَالْحَالُ أَنَّ مَا نَقَلَهُ السُّيُوطِيّ عَنْ فُقَهَائِهِمْ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بَقِيَ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ نَاقِلٌ
أَمَّا الْأَرَاضِي الَّتِي بَاعَهَا السُّلْطَانُ وَحُكِمَ بِصِحَّةِ بَيْعِهَا ثُمَّ وَقَفَهَا الْمُشْتَرِي، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ شَرَائِطِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْقَافِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ،
فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ الشِّرَاءَ مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَهِيَ جَوَابُ الْوَاقِعَةِ الَّتِي أَجَابَ عَنْهَا الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْأَشْرَفِ بِرِسْبَاي أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ أَرْضًا وَقْفًا فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ،
وَأَمَّا إذَا وَقَفَ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْضًا لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ جَوَازَهُ وَلَا يُرَاعَى مَا شَرَطَهُ دَائِمًا اهـ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي التَّفْصِيلُ فِيمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِبِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ اشْتَرَى الْأَرَاضِيَ وَالْمَزَارِعَ، مِنْ وَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ يَجِبُ مُرَاعَاةُ شَرَائِطِهِ،
وَإِنْ وَقَفَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا تَجِبُ مُرَاعَاتُهَا. اهـ. ط.
قُلْت: وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْأَشْبَاهِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ نَاقِلٌ إلَخْ أَنَّهُ يُرَاعَى شُرُوطُهُ إذَا ثَبَتَ النَّاقِلُ، وَهُوَ كَوْنُ الْوَاقِفِ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ إقْطَاعِ رَقَبَةٍ بِأَنْ كَانَتْ مَوَاتًا لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ فِيهَا فَأَقْطَعَهَا السُّلْطَانُ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ
أَمَّا بِدُونِ ثُبُوتِ النَّاقِلِ فَلَا لِأَنَّهَا بَعْدَمَا عُلِمَ أَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا عَلَى مَا كَانَتْ فَيَكُونُ وَقْفُهَا أَرْصَادًا وَهُوَ مَا يُفْرِزُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُعَيِّنُهُ لِمُسْتَحِقِّيهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى وُصُولِهِمْ إلَى بَعْضِ حَقِّهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَتَجُوزُ مُخَالَفَةُ شَرْطِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ وُصُولُ الْمُسْتَحِقِّ إلَى حَقِّهِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي دَارِ السَّلْطَنَةِ إنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ اهـ
قُلْت: وَالْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ مُرَاعَاةِ شَرْطِهَا أَنَّ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا وَيَنْقُصَ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَصْرِفُهَا عَنْ الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِأَنْ يَقْطَعَ وَظَائِفَ الْعُلَمَاءِ، وَيَصْرِفَهَا إلَى غَيْرِهِمْ فَإِنَّ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَرَادَ ذَلِكَ وَمَنَعَهُمْ عُلَمَاءُ عَصْرِهِمْ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا ذَلِكَ كُلِّهِ فِي بَابِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ وَقَدَّمْنَا شَيْئًا مِنْهُ قُبَيْلَ الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ
وَأَمَّا وَقْفُ الْإِقْطَاعَاتِ وَلَا يُقَاسَ عَلَى ذَلِكَ أَوْقَافُ غَيْرِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ بَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِهِمْ لِأَنَّ أَوْقَافَهُمْ كَانَتْ أَمْلَاكًا لَهُمْ. مَطْلَبٌ يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ
(قَوْلُهُ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ) هَذَا ذَكَرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ تَفَقُّهًا أَخْذًا مِنْ جَوَازِ تَعْلِيقِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ بِجَامِعِ الْوِلَايَةِ
فَلَوْ مَاتَ الْمُعَلِّقُ بَطَلَ التَّقْرِيرُ، وَهُوَ تَفَقُّهٌ حَسَنٌ أَشْبَاهٌ.
قُلْت: وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّرَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» الْحَدِيثَ، ثُمَّ رَأَيْت الْإِمَامَ السَّرَخْسِيَّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ ذَكَرَ الْحَدِيثَ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ: لَوْ جَاءَ مَعَ الْمَدَدِ أَمِيرٌ وَعَزَلَ الْأَمِيرَ الْأَوَّلَ بَطَلَ تَنْفِيلُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ لِزَوَالِ وِلَايَتِهِ بِالْعَزْلِ، لَا لَوْ مَاتَ أَمِيرُهُمْ فَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَائِمٌ مَقَامَهُ إلَّا إذَا أَبْطَلَهُ الثَّانِي أَوْ كَانَ الْخَلِيفَةُ قَالَ لَهُمْ إنْ مَاتَ أَمِيرُكُمْ فَأَمِيرُكُمْ فُلَانٌ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ تَنْفِيلُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّانِيَ نَائِبُ الْخَلِيفَةِ بِتَقْلِيدِهِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَأَنَّهُ قَلَّدَهُ ابْتِدَاءً فَيَنْقَطِعُ رَأْيُ الْأَوَّلِ بِرَأْيِ فَوْقِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ: بُطْلَانُ تَنْفِيلِ الْأَمِيرِ بِعَزْلِهِ
وَكَذَا بِمَوْتِهِ إذَا نُصِبَ غَيْرُهُ مِنْ جِهَةِ الْخَلِيفَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْعَسْكَرِ إلَّا إذَا أَبْطَلَهُ الثَّانِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّنْفِيلَ بِقَوْلِهِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ فِيهِ تَعْلِيقُ اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ بِالْقَتْلِ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ،
فَلَوْ مَاتَ الْمُعَلِّقُ بَطَلَ التَّقْرِيرُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى بُطْلَانِهِ بِالْعَزْلِ، بَقِيَ هَلْ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ الشُّغُورِ، فَاَلَّذِي حَرَّرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَزْلُهُ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عُدِمَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْحَالِ عِنْدَنَا، وَفَرْقٌ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ مَا لَوْ وَكَّلَهُ وَكَالَةً مُرْسَلَةً ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلَّمَا عَزَلْتُك فَأَنْتَ وَكِيلٌ فِي ذَلِكَ وَكَالَةً مُسْتَقْبَلَةً، ثُمَّ قَالَ: عَزَلْتُك فِي تِلْكَ الْوَكَالَةِ كُلِّهَا فَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ عَنْ الْمُعَلَّقَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَنْعَزِلُ وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ التَّعْلِيقَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ حَصَلَ فِي ضِمْنِ الْوَكَالَةِ الْمُنْجَزَةِ، فَصَارَ الْمَجْمُوعُ سَبَبًا، وَقَدْ يَثْبُتُ ضِمْنًا مَالًا يَثْبُتُ قَصْدًا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ هُنَا بِصِحَّةِ الْعَزْلِ لِأَنَّهُ قَصْدِيٌّ فَيَبْقَى جَوَابُ مُحَمَّدٍ وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ هُنَا وَاحِدًا فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْعَزْلُ هَذَا خُلَاصَةُ مَا أَطَالَ بِهِ.
قُلْت: لَكِنْ عَلِمْت أَنَّ لِلْأَمِيرِ الثَّانِي إبْطَالَ التَّنْفِيلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَوَّلَ كَذَلِكَ فَكَذَا يُقَالُ هُنَا لَوْ رَجَعَ عَنْ التَّعْلِيقِ يَصِحُّ لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِ فُلَانٍ لَيْسَ عَزْلًا بِلَا جُنْحَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ فِي الْوَظِيفَةِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ، وَقَبْلَهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِيهَا إذْ لَوْ ثَبَتَ لَمْ يَبْطُلْ التَّقْرِيرُ بِمَوْتِ الْمُعَلِّقِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: أَوْ شَغَرَتْ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ خَلَتْ عَنْ الْعَمَلِ، وَالْبَلَدُ الشَّاغِرُ الْخَالِيَةُ عَنْ النَّصْرِ وَالسُّلْطَانِ ط. مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ) قَيَّدَ بِالْقَاضِي لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَهُ عَزْلُهُ وَلَوْ بِلَا جُنْحَةٍ بِهِ يُفْتَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُنْزَعُ لَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ الْمَشْرُوطِ لَهُ النَّظَرُ بِلَا خِيَانَةٍ وَلَوْ عَزَلَهُ لَا يَصِيرُ الثَّانِي مُتَوَلِّيًا،
وَيَصِحُّ عَزْلُهُ لَوْ مَنْصُوبَ الْقَاضِي وَأَنَّهُ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قَالَ: لَا يَمْلِكُ الْقَاضِي عَزْلَهُ مُطْلَقًا إلَّا لِمُوجِبٍ وَتَقَدَّمَ تَمَامُهُ وَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ أُخِذَ مِنْهُ عَدَمُ الْعَزْلِ لِصَاحِبِ وَظِيفَةٍ إلَّا بِجُنْحَةٍ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّةٍ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَيْضًا بَعْضَ مُوجِبَاتِ الْعَزْلِ، وَأَحْكَامَ الْفَرَاغِ وَالتَّقْرِيرِ فِي الْوَظَائِفِ. مَطْلَبٌ لِلْقَاضِي أَنْ يُدْخِلَ مَعَ النَّاظِرِ غَيْرَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُثْبِتُوا عَلَيْهِ خِيَانَةً) نَعَمْ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ وَالطَّعْنِ كَمَا حَرَّرَهُ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ الْخَصَّافِ إنْ طُعِنَ عَلَيْهِ فِي الْأَمَانَةِ لَا يَنْبَغِي إخْرَاجُهُ إلَّا بِخِيَانَةٍ ظَاهِرَةٍ،
وَأَمَّا إذَا أَدْخَلَ مَعَهُ رَجُلًا فَأَجْرُهُ بَاقٍ وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَلِيلًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ لِلرَّجُلِ رِزْقًا مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ وَيَقْتَصِدَ فِيهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَصَرُّفِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ ضَمَّ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ ثِقَةً إلَخْ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْوَصِيُّ) أَيْ وَصِيُّ الْمَيِّتِ لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ بِمُجَرَّدِ الشِّكَايَةِ،
بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَمِنْ جِهَةِ الْقَاضِي كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ آخِرَ الْكِتَابِ
(قَوْلُهُ: إذَا آجَرَ إنْسَانًا) أَيْ وَامْتَنَعَ عَنْ مُطَالَبَتِهِ بَزَّازِيَّةٌ
(قَوْلُهُ وَلَوْ فَرَّطَ فِي خَشَبِ الْوَقْفِ إلَخْ) وَعَلَى هَذَا إذَا قَصَّرَ الْمُتَوَلِّي فِي عَيْنٍ ضَمِنَهَا إلَّا فِيمَا كَانَ فِي الْبَحْرِ،
فَلَوْ تَرَكَ بِسَاطَ الْمَسْجِدِ بِلَا نَفْضٍ حَتَّى أَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ ضَمِنَ إنْ كَانَ لَهُ أُجْرَةٌ،
وَكَذَا خَازِنُ الْكُتُبِ الْمَوْقُوفَةِ كَمَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ ط عَنْ الْحَمَوِيِّ وَالْبِيرِيِّ.
مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ
(قَوْلُهُ: لَا تَجُوزُ الِاسْتِدَانَةُ عَلَى الْوَقْفِ) أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ بِأَمْرِ الْوَاقِفِ، وَهَذَا
بِخِلَافِ الْوَصِيِّ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْيَتِيمِ شَيْئًا بِنَسِيئَةٍ بِلَا ضَرُورَةٍ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً إلَّا فِي الذِّمَّةِ وَالْيَتِيمُ لَهُ ذِمَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَهُوَ مَعْلُومٌ فَتُتَصَوَّرُ مُطَالَبَتُهُ
أَمَّا الْوَقْفُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُ وَالْفُقَرَاءُ،
وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ ذِمَّةٌ لَكِنْ لِكَثْرَتِهِمْ لَا تُتَصَوَّرُ مُطَالَبَتُهُمْ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا عَلَى الْقَيِّمِ، وَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ قَضَاءً مِنْ غَلَّةٍ لِلْفُقَرَاءِ ذَكَرَهُ هِلَالٌ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ لَكِنَّهُ تُرِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو اللَّيْثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ بُدٌّ تَجُوزُ بِأَمْرِ الْقَاضِي إنْ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَنْهُ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ أَعَمُّ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ
وَقِيلَ تَجُوزُ مُطْلَقًا لِلْعِمَارَةِ وَالْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ الْأَوَّلُ.
أَمَّا مَالَهُ مِنْهُ بُدٌّ كَالصَّرْفِ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ فَلَا كَمَا فِي الْقُنْيَةِ إلَّا الْإِمَامَ وَالْخَطِيبَ، وَالْمُؤَذِّنَ فِيمَا يَظْهَرُ لِقَوْلِهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لِضَرُورَةِ مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ اهـ وَإِلَّا لِلْحُصْرِ وَالزَّيْتِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا مِنْ الْمَصَالِحِ وَهُوَ الرَّاجِحُ هَذَا خُلَاصَةُ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الْبَحْرِ
(قَوْلُهُ: الْأَوَّلُ إذْنُ الْقَاضِي) فَلَوْ ادَّعَى الْإِذْنَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي مَقْبُولَ الْقَوْلِ، لِمَا أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ فِي الْغَلَّةِ وَهُوَ إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا فِي يَدِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَأْذِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ مِنْ الْغَلَّةِ لِأَنَّهُ بِلَا إذْنٍ مُتَبَرِّعٌ بَحْرٌ
(قَوْلُهُ: الثَّانِي أَنْ لَا تَتَيَسَّرَ إجَارَةُ الْعَيْنِ إلَخْ) أَطْلَقَ الْإِجَارَةَ، فَشَمِلَ الطَّوِيلَةَ مِنْهَا،
وَلَوْ بِعُقُودٍ فَلَوْ وَجَدَ ذَلِكَ لَا يَسْتَدِينُ أَفَادَهُ الْبِيرِيُّ، وَمَا سَلَف مِنْ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ بُطْلَانُ الْإِجَارَةِ الطَّوِيلَةِ فَذَاكَ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، كَمَا حَرَّرْنَاهُ سَابِقًا فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ وَالِاسْتِدَانَةُ الْقَرْضُ وَالشِّرَاءُ نَسِيئَةً) صَوَابُهُ الِاسْتِقْرَاضُ. اهـ. ح وَتَفْسِيرُ الِاسْتِدَانَةِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْوَاقِفِ غَلَّةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرْضِ وَالِاسْتِدَانَةِ،
أَمَّا إذَا كَانَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ فَأَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِإِصْلَاحِ الْوَقْفِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ اهـ وَمُفَادُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَرْضِ الْإِقْرَاضُ مِنْ مَالِهِ لَا الِاسْتِقْرَاضُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ لِدُخُولِهِ فِي الِاسْتِدَانَةِ مَطْلَبٌ فِي إنْفَاقِ النَّاظِرِ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ وَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ الَّذِي وَقَفْتُ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ النَّاظِرَ إذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ عَلَى عِمَارَةِ الْوَقْفِ، لِيَرْجِعَ فِي غَلَّتِهِ لَهُ الرُّجُوعُ دِيَانَةً، لَكِنْ لَوْ ادَّعَى ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُشْهِدَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ كَمَا فِي الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ عَلَى الْوَقْفِ وَإِلَّا لَمَا جَازَ إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي وَلَمْ يُكَلَّفْ الْإِشْهَادَ.
اهـ.
قُلْت: لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ لِلْوَقْفِ غَلَّةٌ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ الْقَاضِي كَمَا أَفَادَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ،
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا لَا يَمْلِكُ الِاسْتِدَانَةَ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي، وَتَفْسِيرُ الِاسْتِدَانَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْوَقْفِ شَيْئًا وَلَيْسَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ الْغَلَّةِ
أَمَّا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ، فَاشْتَرَى لِلْوَقْفِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ،
وَلَوْ بِلَا أَمْرِ قَاضٍ اهـ وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي إنْفَاقِهِ بِنَفْسِهِ يَأْتِي مِثْلُهُ فِي إذْنِهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْإِنْفَاقِ فَلَيْسَ مِنْ الِاسْتِدَانَةِ مَطْلَبٌ فِي إذْنِ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِالْعِمَارَةِ وَفِي الْخَيْرِيَّةِ سُئِلَ فِي عِلِّيَّةِ جَارِيَةٍ فِي وَقْفٍ تَهَدَّمَتْ فَأَذِنَ النَّاظِرُ لِرَجُلٍ بِأَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ مَالِهِ فَمَا الْحُكْمُ فِيمَا صَرَفَهُ مِنْ مَالِهِ بِإِذْنِهِ أَجَابَ: اعْلَمْ أَنَّ عِمَارَةَ الْوَقْفِ بِإِذْنِ مُتَوَلِّيهِ: لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ يُوجِبُ الرُّجُوعَ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ ذَكَرَ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ فِي عِمَارَةِ النَّاظِرِ بِنَفْسِهِ قَوْلَيْنِ، وَعِمَارَةُ مَأْذُونِهِ كَعِمَارَتِهِ فَيَقَعُ فِيهَا الْخِلَافُ وَقَدْ جَزَمَ فِي الْقُنْيَةِ وَالْحَاوِي بِالرُّجُوعِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ إذَا كَانَ يَرْجِعُ مُعْظَمُ الْعِمَارَةِ إلَى الْوَقْفِ اهـ.
قُلْت: وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ إجَارَاتِ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْحَاوِي سُئِلَ عَمَّنْ آجَرَ مَنْزِلًا لِرَجُلٍ وَقَفَهُ وَالِدُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَوْلَادِهِ وَأَنْفَقَ الْمُسْتَأْجِرُ فِي عِمَارَتِهِ بِأَمْرِ الْمُؤَجِّرِ قَالَ: إنْ كَانَ لِلْمُؤَجِّرِ وِلَايَةٌ عَلَى الْوَقْفِ يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْوَقْفِ وَإِلَّا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مُتَطَوِّعًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ اهـ
وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا مَرَّ عَنْ الْخَيْرِيَّةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ الْقَيِّمِ مَالٌ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فِيمَا لَوْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَلَعَلَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِدَانَةِ إذْنُ الْقَاضِي، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ فَلْيُتَأَمَّلْ وَإِذَا قُلْنَا بِبِنَائِهِ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا فِي إثْبَاتِ الْمُرْصَدِ مِنْ تَحْكِيمِ قَاضٍ حَنْبَلِيٍّ يَرَى صِحَّةَ إذْنِ النَّاظِرِ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِالْعِمَارَةِ الضَّرُورِيَّةِ بِلَا أَمْرِ قَاضٍ غَيْرُ لَازِمٍ
(قَوْلُهُ: فَوْقَ قِيمَتِهِ) أَيْ شِرَاءٍ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَوْقَ مَا يُبَاعُ بِثَمَنٍ حَالٍّ لِأَنَّ قِيمَةَ الْمُؤَجَّلِ فَوْقَ قِيمَةِ الْحَالِّ
(قَوْلُهُ وَيَكُونُ الرِّبْحُ) أَيْ مَا رَبِحَهُ بَائِعُ الْمَتَاعِ بِسَبَبِ التَّأْجِيلِ. مَطْلَبٌ لَوْ اشْتَرَى الْقَيِّمُ الْعَشَرَةَ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ فَالرِّبْحُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: الْجَوَابُ نَعَمْ) كَذَا حَرَّرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ أَشْبَاهٌ لَكِنْ فِي الْقُنْيَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ غَلَّةٌ لِلْعِمَارَةِ فِي الْحَالِ، فَاسْتَقْرَضَ الْعَشَرَةَ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ فِي السَّنَةِ وَاشْتَرَى مِنْ الْمُقْرِضِ شَيْئًا يَسِيرًا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ يَرْجِعُ فِي غَلَّتِهِ الْعَشَرَةُ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ اهـ
قَالَ فِي الْبَحْرِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ مِنْ أَنَّهُ لَا جَوَابَ لِلْمَشَايِخِ فِيهَا اهـ
وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ، وَكَذَا نَقَلَ الْبِيرِيُّ عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة مِثْلَ مَا فِي الْقُنْيَةِ وَقَالَ وَهَذَا الَّذِي نُفْتِي بِهِ، وَمَنْشَأُ مَا حَرَّرَهُ ابْنُ وَهْبَانَ عَدَمُ الْوُقُوفِ عَلَى تَحْرِيرِ الْحُكْمِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ وَالْعَجَبُ مِنْ الْمُصَنَّفِ أَيْ صَاحِبِ الْأَشْبَاهِ كَيْفَ اخْتَارَهُ وَرَضِيَ بِهِ. اهـ.
(قَوْله وَكَذَّبَهُ) أَيْ الْغَيْرُ
(قَوْلُهُ: ثُمَّ مَلَكهَا) أَيْ الْمُقِرُّ وَلَوْ بِسَبَبٍ جَبْرِيٍّ أَشْبَاهٌ
(قَوْلُهُ: صَارَتْ وَقْفًا) مُؤَاخَذَةً لَهُ بِزَعْمِهِ أَشْبَاهٌ. مَطْلَبٌ فِي الْمُصَادَقَةِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ
(قَوْلُهُ يُعْمَلُ بِالْمُصَادَقَةِ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ إلَخْ) أَقُولُ: اغْتَرَّ كَثِيرٌ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ، وَأَفْتَوْا بِسُقُوطِ الْحَقِّ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَالْحَقُّ الصَّوَابُ أَنَّ السُّقُوطَ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ يَعْرِفُهَا الْفَقِيهُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَبِيرُ الْخَصَّافُ أَقَرَّ فَقَالَ غَلَّةُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لِفُلَانٍ دُونِي وَدُونَ النَّاسِ جَمِيعًا بِأَمْرٍ حَقٍّ وَاجِبٍ ثَابِتٍ لَازِمٍ عَرَفْتُهُ، وَلِزَمَنِي الْإِقْرَارُ لَهُ بِذَلِكَ قَالَ أُصَدِّقُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأُلْزِمَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَا دَامَ حَيًّا،
فَإِذَا مَاتَ رَدَدْتُ الْغَلَّةَ إلَى مَنْ جَعَلَهَا الْوَاقِفُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ جَعَلْتُهُ كَأَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَعَلَّلَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِجَوَازِ أَنَّ الْوَاقِفَ قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ،
وَأَنْ يَخْرُجَ وَأَنْ يُدْخِلَ مَكَانَهُ مَنْ رَأَى فَيُصَدَّقُ زَيْدٌ عَلَى حَقِّهِ. اهـ.
أَقُولُ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّ الْمُقِرَّ إنَّمَا أَقَرَّ بِذَلِكَ لِأَخْذِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ مِنْ الْمُقَرِّ لَهُ عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ لِكَيْ يَسْتَبِدَّ بِالْوَقْفِ أَنَّ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ خَالٍ عَمَّا يُوجِبُ تَصْحِيحَهُ مِمَّا قَالَهُ الْإِمَامُ الْخَصَّافُ وَهُوَ الْإِقْرَارُ الْوَاقِعُ فِي زَمَانِنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ بِيرِيٌّ: أَيْ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ ابْتِدَاءً لَا يَصِحُّ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ خَالَفَتْ كِتَابَ الْوَقْفِ) حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ رَجَعَ عَمَّا شَرَطَهُ، وَشَرَطَ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُقِرُّ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ فِي بَابٍ مُسْتَقِلٍّ أَشْبَاهٌ.
أَقُولُ: لَمْ أَرَ شَيْئًا مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَإِنَّمَا الَّذِي فِيهِ مَا نَقَلَهُ الْبِيرِيُّ آنِفًا؛ وَلَيْسَ فِيهِ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ رَجَعَ عَمَّا شَرَطَهُ وَلِذَا قَالَ الْحَمَوِيُّ إنَّهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّ الْوَقْفَ إذَا لَزِمَ لَزِمَ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ إلَّا أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ بِعَدَمِ لُزُومِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَيُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى وَقْفٍ لَمْ يُسَجَّلْ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ عَنْ الدُّرَرِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ بَعْدَ ثُبُوتِ النَّقْلِ عَنْ الْخَصَّافِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ خَاصَّةً) فَإِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى زَيْدٍ وَأَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَأَقَرَّ زَيْدٌ بِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى هَذَا الرَّجُلِ لَا يُصَدَّقُ عَلَى وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ فِي إدْخَالِ النَّقْصِ عَلَيْهِمْ، بَلْ تُقْسَمُ الْغَلَّةُ عَلَى زَيْدٍ وَعَلَى مَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِ، فَمَا أَصَابَ زَيْدًا مِنْهَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ مَا دَامَ زَيْدٌ حَيًّا،
فَإِذَا مَاتَ بَطَلَ إقْرَارُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُقَرِّ لَهُ حَقٌّ،
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَأَقَرَّ زَيْدٌ بِهَذَا الْإِقْرَارِ لِهَذَا الرَّجُلِ شَارَكَهُ الرَّجُلُ فِي الْغَلَّةِ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ زَيْدٌ كَانَتْ لِلْفُقَرَاءِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ زَيْدٌ عَلَيْهِمْ وَإِنْ مَاتَ الرَّجُلُ الْمُقَرُّ لَهُ وَزَيْدٌ حَيٌّ فَنِصْفُ الْغَلَّةِ لِلْفُقَرَاءِ وَالنِّصْفُ لِزَيْدٍ فَإِذَا مَاتَ زَيْدٌ صَارَتْ الْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْفُقَرَاءِ. اهـ. خَصَّافٌ مُلَخَّصًا.
قُلْت: وَإِنَّمَا عَادَ نِصْفُ الْغَلَّةِ لِلْفُقَرَاءِ إذَا مَاتَ الْمُقَرُّ لَهُ مَعَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْفُقَرَاءِ بَعْدَ مَوْتِ زَيْدٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْمَذْكُورَ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي النِّصْفِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لِلرَّجُلِ، فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ الرَّجُلِ، فَيَرْجِعُ إلَى الْفُقَرَاءِ لِعَدَمِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُمْ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى زَيْدٍ وَأَوْلَادِهِ وَذَوِيهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَمَاتَ الرَّجُلُ الْمُقَرُّ لَهُ يَرْجِعُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ إلَى الْفُقَرَاءِ لَا إلَى زَيْدٍ لِإِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَا إلَى أَوْلَادِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ لَهُمْ بِهِ وَلَمْ يَنْقُصْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِمْ،
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ مَاتَ الرَّجُلُ الْمُقَرُّ لَهُ يَرْجِعُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ إلَى الْفُقَرَاءُ لَا إلَى زَيْدٍ لِمَا قُلْنَا وَلَا إلَى أَوْلَادِهِ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَصَارَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي حُكْمِ مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ قُبَيْلَ الْفُرُوعِ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ فَاغْتَنِمْ هَذِهِ الْفَائِدَةَ السَّنِيَّةَ مَطْلَبٌ فِي الْمُصَادَقَةِ عَلَى النَّظَرِ
(قَوْلُهُ: أَوْ النَّظَرُ) أَفَادَ أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالنَّظَرِ مِثْلُ الْإِقْرَارِ بِرَيْعِ الْوَقْفِ: أَيْ غَلَّتِهِ،
فَلَوْ أَقَرَّ النَّاظِرُ أَنَّ فُلَانًا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ نِصْفَ النَّظَرِ مَثَلًا يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَيُشَارِكُهُ فُلَانٌ فِي وَظِيفَتِهِ مَا دَامَا حَيَّيْنِ بَقِيَ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُقِرَّ فَالْحُكْمُ ظَاهِرٌ وَهُوَ بُطْلَانُ الْإِقْرَارِ وَانْتِقَالُ النَّظَرِ لِمَنْ شَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ بَعْدَهُ،
وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْمُقَرُّ لَهُ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَقَعُ كَثِيرًا وَقَدْ سُئِلْت عَنْهَا مِرَارًا. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ بُطْلَانُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا لَكِنْ لَا تَعُودُ الْحِصَّةُ الْمُقَرُّ بِهَا إلَى الْمُقِرِّ لِمَا مَرَّ وَإِنَّمَا يُوَجِّهُهَا الْقَاضِي لِلْمُقِرِّ أَوْ لِمَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ لِأَنَّا صَحَّحْنَا إقْرَارَهُ حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ كَمَا مَرَّ عَنْ الْخَصَّافِ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ جَعَلَ النَّظَرَ لِاثْنَيْنِ
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَمَا شَرَطَهُ لِاثْنَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ،
وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَقَامَ الْقَاضِي غَيْرَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَيِّ الِانْفِرَادُ إلَّا إذَا أَقَامَهُ كَمَا فِي الْقَاضِي كَمَا فِي الْإِسْعَافِ اهـ وَلَا يُمْكِنُ هُنَا الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ مَا أَقَرَّ بِهِ إلَى الْمَسَاكِينِ كَمَا قُلْنَا فِي الْإِقْرَارِ بِالْغَلَّةِ إذْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي النَّظَرِ وَإِنَّمَا حَقُّهُمْ فِي الْغَلَّةِ فَقَطْ هَذَا مَا حَرَّرْته فِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَيْهِ فَاغْتَنِمْهُ
(قَوْلُهُ: صَحَّ) أَيْ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ،
أَمَّا لَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَقَرَّ كَاذِبًا لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ كَمَا صَرَّحُوا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ إذْ الْإِقْرَارُ إخْبَارٌ لَا تَمْلِيكٌ عَلَى أَنَّ التَّمْلِيكَ هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ. مَطْلَبٌ فِي جَعْلِ النَّظَرِ أَوْ الرَّيْعِ لِغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَا) أَيْ لَا يَصِيرُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْإِقْرَارِ إنَّمَا هُوَ مُعَامَلَةٌ لَهُ بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ ظَاهِرُ الْحَالِ تَصْدِيقًا لَهُ فِي إخْبَارِهِ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِهِ حَمْلًا عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمُقَرِّ لَهُ كَمَا مَرَّ
أَمَّا إذَا قَالَ الْمَشْرُوطُ لَهُ الْغَلَّةُ، أَوْ النَّظَرُ جَعَلْتُ ذَلِكَ لِفُلَانٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وِلَايَةُ إنْشَاءِ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ. نَعَمْ لَوْ جَعَلَ النَّظَرَ لِغَيْرِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ يَصِحُّ إنْ لَمْ يُخَالِفْ شَرْطَ الْوَاقِفِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَصِيًّا عَنْهُ
وَكَذَا لَوْ فَرَغَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ وَقَرَّرَ الْقَاضِي ذَلِكَ الْغَيْرَ يَصِحُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَزْلَ نَفْسِهِ وَالْفَرَاغُ عَزْلٌ، وَلَا يَصِيرُ الْمَفْرُوغُ لَهُ نَاظِرًا بِمُجَرَّدِ الْفَرَاغِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ الْقَاضِي كَمَا حَرَّرْنَاهُ سَابِقًا،
فَإِذَا قَرَّرَ الْقَاضِي الْمَفْرُوغَ لَهُ صَارَ نَاظِرًا بِالتَّقْرِيرِ لَا بِمُجَرَّدِ الْفَرَاغِ، وَهَذَا غَيْرُ الْجَعْلِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَافْهَمْ.
وَأَمَّا جَعْلُ الرَّيْعِ لِغَيْرِهِ فَقَالَ ط: إنْ كَانَ الْجَعْلُ بِمَعْنَى التَّبَرُّعِ بِمَعْلُومِهِ لِغَيْرِهِ، بِأَنْ يُوَكِّلَهُ لِيَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يَأْخُذَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا شُبْهَةَ فِي صِحَّةِ التَّبَرُّعِ بِهِ وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ فَقَالَ فِي الْخَانِيَّةِ: إنَّ الِاسْتِحْقَاقَ الْمَشْرُوطَ كَإِرْثٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ. اهـ.
قُلْت: مَا عَزَاهُ لِلْخَانِيَّةِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِثُبُوتِهِ فَرَاجِعْهَا. نَعَمْ الْمَنْقُولُ فِي الْخَانِيَّةِ مَا سَيَأْتِي، وَقَدْ فَرَّقَ فِي الْأَشْبَاهِ فِي بَحْثِ مَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ مِنْ الْحُقُوقِ بَيْنَ إسْقَاطِهِ لِمُعَيَّنٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي جُمْلَةِ مَسَائِلَ كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَلَمْ يَجِدْ فِيهَا نَقْلًا فَقَالَ إذَا أَسْقَطَ لِمَشْرُوطٍ لَهُ الرَّيْعُ حَقَّهُ لَا لِأَحَدٍ لَا يَسْقُطُ كَمَا فَهِمَهُ الطَّرَسُوسِيُّ
بِخِلَافِ مَا إذَا أَسْقَطَ حَقَّهُ لِغَيْرِهِ اهـ أَيْ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ مُطْلَقًا فِي رِسَالَتِهِ الْمُؤَلَّفَةِ فِي بَيَانِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْحُقُوقِ، وَمَا لَا يَسْقُطُ أَخْذًا مِمَّا فِي شَهَادَاتِ الْخَانِيَّةِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ أَصْحَابِ الْمَدْرَسَةِ يَكُونُ مُسْتَحِقًّا لِلْوَقْفِ اسْتِحْقَاقًا لَا يَبْطُلُ بِإِبْطَالِهِ
فَلَوْ قَالَ أَبْطَلْت حَقِّي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ اهـ
قُلْت: لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ مَا فِي الْخَانِيَّةِ إسْقَاطٌ لَا لِأَحَدٍ نَعَمْ يَنْبَغِي عَدَمُ الْفَرْقِ إذْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الرَّيْعُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ،
فَإِذَا قَالَ أَسْقَطْتُ حَقِّي مِنْهُ لِفُلَانٍ أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ يَكُونُ مُخَالِفًا لِشَرْطِ الْوَاقِفِ، حَيْثُ أَدْخَلَ فِي وَقْفِهِ مَا لَمْ يَرْضَهُ الْوَاقِفُ لِأَنَّ هَذَا إنْشَاءُ اسْتِحْقَاقٍ
بِخِلَافِ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ فُلَانٌ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ رَأَيْت الْخَيْرَ الرَّمْلِيَّ أَفْتَى بِذَلِكَ وَقَالَ بَعْدَ نَقْلِ مَا فِي شَهَادَاتِ الْخَانِيَّةِ وَهَذَا فِي وَقْفِ الْمَدْرَسَةِ، فَكَيْفَ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ الْمُسْتَحِقِّينَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَقْرِيرِ الْحَاكِمِ وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ فَأَشْبَهَ الْإِرْثَ فِي عَدَمِ قَبُولِهِ الْإِسْقَاطَ، وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامٌ يَجِبُ أَنْ يُحْذَرَ. اهـ. مَطْلَبٌ لَا يَكْفِي صَرْفُ النَّاظِرِ لِثُبُوتِ الِاسْتِحْقَاقِ
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي صَرْفُ النَّاطِرِ إلَخْ) أَيْ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ مُتَمَسِّكًا بِأَنَّ النَّاظِرَ كَانَ يَدْفَعُ لَهُ الِاسْتِحْقَاقَ، لَا يَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ نَسَبِهِ،
وَفِي الْخَيْرِيَّةِ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِأَنَّهُ هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مُتَصَرِّفُونَ فِي أَرْبَعَةِ قَرَارِيطَ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمُدَّعَى كَمَنْ ادَّعَى حَقَّ الْمُرُورِ أَوْ رَقَبَةَ الطَّرِيقِ عَلَى آخَرَ وَبَرْهَنَ أَنَّهُ كَانَ يَمُرُّ فِي هَذِهِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ شَيْئًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَالِبُ عُلَمَائِنَا وَالشَّاهِدُ إذَا فَسَّرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمُعَايَنَةِ الْيَدِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. وَأَنْوَاعُ التَّصَرُّفِ كَثِيرَةٌ فَلَا يَحِلُّ الْحُكْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ فِي غَلَّةِ الْوَقْفِ بِالشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ هُوَ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ مُتَصَرِّفُونَ فَقَدْ يَكُونُ تَصَرُّفُهُمْ بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَمِمَّا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ دَعْوَى بُنُوَّةِ الْعَمِّ تَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ نِسْبَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ إلَى الْجَدِّ لِيَصِيرَ مَعْلُومًا لِأَنَّ انْتِسَابَهُ بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ الْقَاضِي، فَيُشْتَرَطُ الْبَيَانُ لِيُعْلَمَ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْقَاضِي بِدُونِ ذِكْرِ الْجَدِّ وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاقِفِ، وَكَوْنُهُ ابْنَ عَمِّ فُلَانٍ لَا يَتَحَقَّقُ بِهِ اسْتِحْقَاقٌ مِنْ وَقْفِ الْجَدِّ الْأَعْلَى لِتَحَقُّقِ الْعُمُومَةِ بِأَنْوَاعٍ مِنْهَا الْعَمُّ لِلْأُمِّ.
اهـ.
قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا أَرَادَ إثْبَاتَ أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ ابْنَ عَمِّ فُلَانٍ الَّذِي هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ نَسَبِهِ إلَى الْجَدِّ الْجَامِعِ.
وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوَقْفِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَكْفِي إثْبَاتُ ذَلِكَ بِدُونِ ذِكْرِ النَّسَبِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ
بِخِلَافِ بُنُوَّةِ الْعَمِّ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ابْنَ عَمٍّ لِلْمُتَوَفَّى وَلَا يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْوَاقِف لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمٍّ لِأُمٍّ تَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ الْقَرَابَةِ وَبَيَانِ جِهَتِهَا
(قَوْلُهُ وَسَيَجِيءُ فِي دَعْوَى ثُبُوتِ النَّسَبِ)
أَيْ فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالَ الشَّارِحُ: وَلَوْ أَحْضَرَ رَجُلًا لِيَدَّعِيَ عَلَيْهِ حَقًّا لِأَبِيهِ وَهُوَ مُقِرٌّ بِهِ أَوْ لَا فَلَهُ إثْبَاتُ نَسَبِهِ عِنْدَ الْقَاضِي بِحَضْرَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ ط.
مَطْلَبٌ مَتَى ذَكَرَ الْوَاقِفُ شَرْطَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ يُعْمَلُ بِالْمُتَأَخِّرِ
(قَوْلُهُ: مَتَى ذَكَرَ الْوَاقِفُ شَرْطَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ إلَخْ) فِي الْإِسْعَافِ لَوْ كَتَبَ أَوَّلَ كِتَابِ الْوَقْفِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُمْلَكُ ثُمَّ
قَالَ فِي آخِرِهِ عَلَى أَنَّ لِفُلَانٍ بَيْعَهُ وَالِاسْتِبْدَالَ بِثَمَنِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا مَكَانَهُ جَازَ بَيْعُهُ وَيَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا لِلْأَوَّلِ،
وَلَوْ عَكَسَ بِأَنْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِفُلَانٍ بَيْعَهُ وَالِاسْتِبْدَالَ بِهِ ثُمَّ قَالَ آخِرَهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا شَرَطَهُ أَوَّلًا وَهَذَا إذَا تَعَارَضَ الشَّرْطَانِ،
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَارَضَا وَأَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا وَجَبَ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِيرِيُّ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ مِنْ الْأَشْبَاهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ كَنَصِّ الشَّارِعِ فَإِنَّ النَّصَّيْنِ إذَا تَعَارَضَا عُمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ مِنْهَا ط
(قَوْلُهُ: الْوَصْفُ بَعْدَ الْجُمَلِ إلَخْ) سَيَذْكُرُ الشَّارِحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ نَظْمِ الْمُحِبِّيَّةِ مَعَ مَا يُنَاسِبُهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ
(قَوْلُهُ: مَتَى وَقَفَ) أَيْ عَلَى أَوْلَادِهِ لِأَنَّهُ مَنْشَأُ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَعْرِفُهُ، وَبِهِ يَظْهَرُ
فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِقَوْلِهِ حَالَ صِحَّتِهِ
(قَوْلُهُ كَمَا حَقَّقَهُ مُفْتِي دِمَشْقَ إلَخْ) أَقُولُ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ وَلَوْ كُنْت مُؤْثِرًا أَحَدًا لَآثَرْت النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» فَالْعَدْلُ مِنْ حُقُوقِ الْأَوْلَادِ فِي الْعَطَايَا وَالْوَقْفُ عَطِيَّةٌ فَيُسَوِّي بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْعَدْلَ فِي الْأَوْلَادِ بِالتَّسْوِيَةِ فِي الْعَطَايَا حَالَ الْحَيَاةِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ وَهَبَ شَيْئًا لِأَوْلَادِهِ فِي الصِّحَّةِ، وَأَرَادَ تَفْضِيلَ الْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ التَّفْضِيلُ لِزِيَادَةِ فَضْلٍ فِي الدِّينِ وَإِنْ كَانُوا سَوَاءً يُكْرَهُ وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْإِضْرَارَ وَإِلَّا سَوَّى بَيْنَهُمْ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُعْطِي لِلذَّكَرِ ضِعْفَ الْأُنْثَى،
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَعْزِيًّا إلَى تَتِمَّةِ الْفَتَاوَى قَالَ: ذَكَرَ فِي الِاسْتِحْسَانِ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ، وَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطَايَا وَالْعَدْلُ فِي ذَلِكَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَقَدْ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ حُكْمَ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَتَبِعَهُ أَعْيَانُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَأَوْجَبُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ وَقَالُوا يَكُونُ آثِمًا فِي التَّخْصِيصِ وَفِي التَّفْضِيلِ، وَلَيْسَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَرِيضَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي بَابِ الْوَقْفِ إلَّا هَذِهِ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ اجْتِنَابُ الْمَكْرُوهِ، فَلَا تَنْصَرِفُ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي بَابِ الْوَقْفِ إلَّا إلَى التَّسْوِيَةِ وَالْعُرْفُ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ الْحِجَازِيُّ الشَّافِعِيُّ وَالشَّيْخُ سَالِمُ السَّنْهُورِيُّ الْمَالِكِيُّ وَالْقَاضِي تَاجُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُمْ اهـ.
قُلْت: وَقَدْ كُنْت قَدِيمًا جَمَعْت فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً سَمَّيْتهَا الْعُقُودَ الدُّرِّيَّةَ فِي قَوْلِ الْوَاقِفِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ حَقَّقْتُ فِيهَا الْمَقَامَ وَكَشَفْتُ عَنْ مُخَدَّرَاتِهِ اللِّثَامَ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَبَرَّ أَوْلَادَهُ فَالْأَفْضَلُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجْعَلُهُمَا سَوَاءً وَهُوَ الْمُخْتَارُ، ثُمَّ
قَالَ فِي الظَّهِيرِيَّةِ قُبَيْلَ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى كِتَابَةِ صَكِّ الْوَقْفِ إنْ أَرَادَ الْوَقْفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، يَقُولُ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،
وَإِنْ شَاءَ يَقُولُ: الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى عَلَى السَّوَاءِ، وَلَكِنْ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ وَأَجْلَبُ لِلثَّوَابِ اهـ. مَطْلَبٌ مُرَاعَاةُ غَرَضِ الْوَاقِفِينَ وَاجِبَةٌ وَالْعُرْفُ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا وَهَكَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى بِلَفْظِ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ، فَهْدًا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْوَقْفِ فَتَكُونُ الْفَرِيضَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْوَقْفِ هِيَ الْمُفَاضَلَةَ فَإِذَا أَطْلَقَهَا الْوَاقِفُ انْصَرَفَتْ إلَيْهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْكَامِلَةُ الْمَعْهُودَةُ فِي بَابِ الْوَقْفِ،
وَإِنْ كَانَ الْكَامِلُ عَكْسَهَا فِي بَابِ الصَّدَقَةِ فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ صَحِيحَةٍ، عَلَى أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مُرَاعَاةَ غَرَضِ الْوَاقِفِينَ وَاجِبَةٌ، وَصَرَّحَ الْأُصُولِيُّونَ بِأَنَّ الْعُرْفَ يَصْلُحُ مُخَصِّصًا وَالْعُرْفُ الْعَامُّ بَيْنَ الْخَوَاصِّ وَالْعَوَامِّ أَنَّ الْفَرِيضَةَ الشَّرْعِيَّةَ يُرَادُ بِهَا الْمُفَاضَلَةُ: وَهِيَ إعْطَاءُ الذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلِذَا يَقَعُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِزِيَادَةِ التَّأْكِيدِ فِي غَالِبِ كُتُبِ الْأَوْقَافِ، بِأَنْ يَقُولَ: يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا تَكَادُ تَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَى لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا اللَّفْظِ،
وَفِي الْأَشْبَاهِ فِي قَاعِدَةِ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ، أَنَّ أَلْفَاظَ الْوَاقِفِينَ تُبْنَى عَلَى عُرْفِهِمْ كَمَا فِي وَقْفِ فَتْحِ الْقَدِيرِ،
وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ، وَنَقَلَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ مُطْلَقُ الْكَلَامِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ يَنْصَرِفُ إلَى الْمُتَعَارَفِ، وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ وَقَدْ مَرَّ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، فَحَيْثُ شَرَطَ الْقِسْمَةَ كَذَلِكَ وَكَانَ عَرَّفَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُفَاضَلَةِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمَا أَرَادَهُ،
وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ مَدْلُولِهِ الْعُرْفِيِّ لِأَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي هَذَا الْمَعْنَى وَالْأَلْفَاظُ تُحْمَلُ عَلَى مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهَا نَقْلٌ فِي الْعُرْفِ إلَى مَعْنًى آخَرَ، فَلَفْظُ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا كَانَ مَعْنَاهُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا التَّسْوِيَةَ وَكَانَ مَعْنَاهُ فِي الْعُرْفِ الْمُفَاضَلَةَ، وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ كَمَا عَلِمْت،
وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ فِي الْوَقْفِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا فِي الْهِبَةِ وَأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي الْهِبَةِ وَارِدٌ فِي الْوَقْفِ أَيْضًا نَقُولُ إنَّ هَذَا الْوَاقِفَ أَرَادَ الْمُفَاضَلَةَ، وَارْتَكَبَ الْمَكْرُوهَ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْعُرْفِ عَلَى النَّصِّ بَلْ فِيهِ إعْمَالُ النَّصِّ بِإِثْبَاتِ الْكَرَامَةِ فِيمَا فَعَلَهُ، وَإِعْمَالُ لَفْظِهِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْعُرْفِيِّ،
فَإِنَّ النَّصَّ لَا يُغَيِّرُ الْأَلْفَاظَ عَنْ مَعَانِيهَا الْمُرَادَةِ، بَلْ يَبْقَى اللَّفْظُ عَلَى مَدْلُولِهِ الْعُرْفِيِّ، وَهُوَ الْمُفَاضَلَةُ لِأَنَّهُ صَارَ عَلَمًا عَلَيْهَا، وَهِيَ فَرِيضَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي مِيرَاثِ الْأَوْلَادِ،
فَإِذَا ذَكَرَهَا فِي وَقْفِهِ عَلَى أَوْلَادِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِمُرَادِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُفَاضَلَةَ فِي الْوَقْفِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا فِي الْهِبَةِ، وَقَدْ سَمِعْت التَّصْرِيحَ
بِخِلَافِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ.
وَقَدْ وَقَعَ سُؤَالٌ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ مِنْ الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ فِيهِ ذِكْرُ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ، بِأَنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَأَجَابَ فِيهِ بِالْقِسْمَةِ بِالْمُفَاضَلَةِ، وَأَجَابَ فِي الْخَيْرِيَّةِ قَبْلَهُ فِي سُؤَالٍ آخَرَ بِذَلِكَ أَيْضًا، وَبِهِ أَفْتَى مُفْتِي دِمَشْقَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ تِلْمِيذُ الشَّارِحِ،
وَكَذَا شَيْخُ مَشَايِخِنَا السَّائِحَانِيُّ، وَرَأَيْت مِثْلَ ذَلِكَ فِي فَتَاوَى الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الشَّلَبِيِّ الْحَنَفِيِّ شَيْخِ صَاحِبِ الْبَحْرِ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الشِّهَابُ أَحْمَدُ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَرَأَيْت مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ مُحَقِّقِ الشَّافِعِيَّةِ السِّرَاجِ الْبُلْقِينِيِّ،
وَمِثْلُهُ فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ، وَعَزَاهُ أَيْضًا إلَى الْمَقْدِسِيَّ وَالطَّبَلَاوِيِّ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ أَفْتَوْا بِمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ مِنْ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظُ وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً، وَهَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرْته فِي الرِّسَالَةِ الْمَذْكُورَةِ،
وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهَا وَلْيَعْتَمِدْ عَلَيْهَا فَفِيهَا الْمَقْنَعُ لِمَنْ يَتَدَبَّرُ مَا يَسْمَعُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ
(قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ) هَذَا عَجِيبٌ بَلْ الَّذِي فِيهَا خِلَافُهُ وَهُوَ انْصِرَافُ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى الْقِسْمَةِ بِالْمُفَاضَلَةِ حَيْثُ وُجِدَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، نَعَمْ وَقَعَ فِي السُّؤَالِ الَّذِي سُئِلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ آلَ الْوَقْفُ إلَى أَخِي الْمَيِّتِ لِأُمِّهِ وَأَخِيهِ الشَّقِيقِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهَا تُقْسَمُ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لَا قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ: أَيْ لَا يُعْطَى لِلْأَخِ لِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلشَّقِيقِ وَقَالَ: إنَّ هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِغَالِبِ أَحْوَالِ الْوَاقِفِينَ وَهُوَ قَصْدُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى،
فَإِذَا قَالَ عَلَى حُكْمِ الْفَرِيضَةِ يَنْزِلُ عَلَى الْغَالِبِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ أَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عُمْدَةُ الْأَنَامِ مُفْتِي الْوَقْتِ بِالْقَاهِرَةِ الْمَحْرُوسَةِ هُوَ الشَّيْخُ نُورُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحَمَّدُ الطَّبَلَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ مُفْتِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. اهـ.
وَحَاصِلُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ حَيْثُ وُجِدَ ذُكُورٌ فَقَطْ كَمَا فِي وَاقِعَةِ السُّؤَالِ مِنْ أَخَوَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأُمٍّ وَالْآخَرُ شَقِيقٌ يُحْمَلُ لَفْظُ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِالسَّوِيَّةِ لَا عَلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ الْوَاقِفِينَ إرَادَةُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَيُحْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الْغَالِبِ إذَا وُجِدَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى
لَا إذَا كَانَا ذَكَرَيْنِ. قُلْت: وَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَا مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ الْمَذْكُورِ عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيِّ، وَكَأَنَّ الشَّارِحَ نَظَرَ إلَى قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْجَوَابِ تُقْسَمُ الْغَلَّةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى بَاقِيهِ مَعَ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي بَيْنِهِمَا رَاجِعٌ لِلْأَخَوَيْنِ لَا إلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى، وَقَدْ وَقَعَ لِابْنِ الْمِنْقَارِ فِي رِسَالَتِهِ نَظِيرُ مَا وَقَعَ لِلشَّارِحِ فَإِنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْحَافِظِ السُّيُوطِيّ فَتْوَى اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى كَلَامِهِ مَعَ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى خِلَافِ مَرَامِهِ.
فَإِنَّ حَاصِلَهَا أَنَّ وَاقِفًا شَرَطَ انْتِقَالَ نَصِيبِ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى أَقْرَبِ الطَّبَقَاتِ إلَيْهِ فَمَاتَ شَخْصٌ عَنْ ابْنِ عَمٍّ وَبِنْتَيْ عَمٍّ، فَأَجَابَ: بِانْتِقَالِ النَّصِيبِ إلَى الثَّلَاثَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى تَفْضِيلِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فَقَطْ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ الْعَمِّ وَإِنْ كَانَ عَصَبَةً.
وَحَاصِلُهُ: حَمْلُ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ لَا عَلَى التَّسْوِيَةِ وَلَا عَلَى قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهَذَا عَيْنُ مَا أَجَابَ الْمُصَنِّفُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: وَلِلْمُتَوَلِّي أَجْرُ مِثْلِهِ) أَيْ أَجْرُ مِثْلِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ فِي مُدَّةِ وَضْعِ الْمُشْتَرِي يَدَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ. مَطْلَبٌ فِيمَا لَوْ اشْتَرَطَ دَارَ الْوَقْفِ وَعَمَّرَ أَوْ غَرَسَ فِيهَا
(قَوْلُهُ: فَذَلِكَ لَهُمَا) هَكَذَا عِبَارَةُ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَنَصُّهَا: وَإِذَا زَادَ الْمُشْتَرَى فِي الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ زِيَادَةً هِيَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ فَذَلِكَ لَهُمَا وَلَهُمَا الْمُطَالَبَةُ فَيُسْلَكُ مَعَهُمَا فِيهِ طَرِيقًا يَظْهَرُ نَفْعُهَا لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَيَعْظُمُ وَقْعُهَا اهـ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ: فَذَلِكَ لَهُ أَيْ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْفَعِ لِلْوَقْفِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْقَلْعُ وَالتَّسْلِيمُ لِلْمُشْتَرِي أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ يُفْعَلُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْقَلْعُ يَضُرُّ بِالْوَقْفِ يَتَمَلَّكُهُ النَّاظِرُ لِلْوَقْفِ كَمَا مَرَّ فِي بِنَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ إذَا هَدَمَ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ دَارَ الْوَقْفِ ضَمِنَ
قُلْت: وَهَذَا إذَا كَانَ النَّقْضُ مِلْكَ الْمُشْتَرِي،
فَلَوْ بَنَاهُ بِنَقْضِ الْوَقْفِ فَهُوَ لِلْوَقْفِ وَبَقِيَ لَوْ هَدَمَهُ. فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ هَدَمَ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ إنْ شَاءَ الْقَاضِي ضَمَّنَ الْبَائِعَ قِيمَةَ الْبِنَاءِ فَيَنْفُذُ بَيْعُهُ أَوْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَنْفُذُ الْبَيْعُ، وَيَمْلِكُ الْمُشْتَرِي الْبِنَاءَ بِالضَّمَانِ، وَيَكُونُ الضَّمَانُ لِلْوَقْفِ لَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ اهـ وَالْمُرَادُ بِالْبِنَاءِ نَقْضُهُ، وَهَذَا إذَا لَمْ تُمْكِنْ إعَادَتُهُ وَإِلَّا أُمِرَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْغَصْبِ، وَبَقِيَ أَيْضًا لَوْ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ فَفِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ فَتَاوَى الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ: يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي قَلْعَ مَا بَنَاهُ وَقِيمَةُ مَا قَلَعَهُ.
اهـ.
قُلْت: هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْبِنَاءُ الثَّانِي أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ، فَفِي فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ سُئِلَ إذَا اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ دَارًا وَقْفًا ثُمَّ إنَّهُ هَدَمَهَا وَجَعَلَهَا طَاحُونًا أَوْ فُرْنًا أَوْ غَيْرَهُ مَا يَلْزَمُهُ؟ أَجَابَ: يَنْظُرُ الْقَاضِي إنْ كَانَ مَا غَيَّرَهَا إلَيْهِ أَنْفَعَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ أَخَذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ وَبَقِيَ مَا عَمَّرَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ بِمَا أَنْفَقَهُ فِي الْعِمَارَةِ وَلَا يَجِبُ لَهُ الْأُجْرَةُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْفَعَ وَلَا أَكْثَرَ رَيْعًا أُلْزِمَ بِهَدْمِ مَا صَنَعَ وَإِعَادَةِ الْوَقْفِ إلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَعْزِيرِهِ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ إلَخْ) الَّذِي فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ
وَكَذَا لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ عَلَى الْبَائِعِ إذَا نَقَضَ الْمُسْتَحِقُّ الْبِنَاءَ بِلَا قَيْدٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ نَقْلًا عَنْ الذَّخِيرَةِ، وَفِيهَا نَقْلًا عَنْ الْجَامِعِ أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَتِهِ مَبْنِيًّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي سَلَّمَ النَّقْضَ إلَى الْبَائِعِ
وَأَمَّا إذَا أَمْسَكَ النَّقْضَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ اهـ مَا فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَقَوْلُهُ بِلَا قَيْدٍ أَيْ قَيْدَ التَّسْلِيمِ الْمُقَيَّدِ بِهِ فِي الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ،
وَمِثْلُهُ مَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ عَنْ الْمُنْيَةِ شَرَى دَارًا وَبَنَى فِيهَا فَاسْتُحِقَّتْ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَقِيمَةِ الْبِنَاءِ مَبْنِيًّا عَلَى الْبَائِعِ إذَا سَلَّمَ النَّقْضَ إلَيْهِ يَوْمَ تَسْلِيمِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْ فَبِالثَّمَنِ لَا غَيْرُ اهـ وَقَوْلُهُ يَوْمَ تَسْلِيمِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقِيمَةِ، حَتَّى لَوْ أَنْفَقَ فِي الْبِنَاءِ عَشَرَةَ آلَافٍ وَسَكَنَ فِي الدَّارِ حَتَّى تَغَيَّرَ الْبِنَاءُ وَتَهَدَّمَ بَعْضُهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُسَلِّمُ الْبِنَاءَ لِلْبَائِعِ،
وَلَوْ غَلَا حَتَّى صَارَ بِعِشْرِينَ أَلْفًا يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ يُسَلِّمُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا أَنْفَقَ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ بَعْدَ نَقْضِهِ مُتَعَلِّقٌ بِيَرْجِعُ لَا بِقِيمَةٍ،
وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَتَسْلِيمُهُ إلَى الْبَائِعِ فَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ جِصٍّ وَطِينٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ) هَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ وَلَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ كَمَا سَمِعْت، وَالصَّوَابُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، وَهَذَا يُوهِمُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْوَقْفَ وَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ مَالِكٌ وَلَمْ نَرَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا كَمَا عَلِمْت مِنْ عِبَارَتِهِ فِي الْفَتَاوَى فَافْهَمْ. مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ إذَا انْقَطَعَ ثُبُوتُهُ
(قَوْلُهُ: لَوْ انْقَطَعَ ثُبُوتُهُ إلَخْ) الْمُرَادُ عُلِمَ أَنَّهُ وَقْفٌ بِالشُّهْرَةِ وَلَكِنْ جُهِلَتْ شَرَائِطُهُ وَمَصَارِفُهُ بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، وَلَا تَصَرُّفُ قُوَّامِهِ السَّابِقِينَ كَيْفَ كَانُوا يَعْمَلُونَ وَإِلَى مَنْ يَصْرِفُونَهُ، فَحِينَئِذٍ يُنْظَرْ إلَى مَا فِي دَوَاوِينِ الْقُضَاةِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا لَا يُعْطَى أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي فِيهِ حَقًّا مَا لَمْ يُبَرْهِنْ فَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّ الْوَقْفَ فِي الْأَصْلِ لَهُمْ وَقَدْ عُلِمَ مُجَرَّدُ كَوْنِهِ وَقْفًا وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِمْ فَيُصْرَفُ إلَيْهِمْ فَقَطْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: يَجْعَلُهَا الْقَاضِي مَوْقُوفَةً إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَالُ وَقَدَّمْنَا تَمَامَ تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَبَيَانُ الْمَصْرِفِ مِنْ أَصْلِهِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: أَوْ وَارِثِهِ) أَيْ إنْ مَاتَ مَالِكُهُ أَوْ لِبَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ وَقَفَهُ السُّلْطَانُ) أَيْ بَعْدَمَا صَارَ لِبَيْتِ الْمَالِ بِمَوْتِ أَرْبَابِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا إرْصَادٌ لَا وَقْفٌ حَقِيقِيٌّ
(قَوْلُهُ: عَامًّا) كَالْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالسِّقَايَةِ،
وَمِثْلُهُ مَا وَظَّفَهُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ لِلْعُلَمَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ إبْطَالُهُ نَعَمْ لِلسُّلْطَانِ مُخَالَفَةُ شَرْطِ وَاقِفِهِ بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا بِصَرْفِهِ عَنْ جِهَتِهِ إلَى غَيْرِ جِهَتِهِ كَمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَنُقِلَ عَنْ الْمَبْسُوطِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِجِهَةٍ خَاصَّةٍ) كَذُرِّيَّتِهِ أَوْ عُتَقَائِهِ
(قَوْلُهُ: لَا يَصِحُّ) لِأَنَّ فِيهِ تَعْطِيلَ حَقِّ بَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ بَسَطَ الْمَقَامَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ قَبُولُهَا) كَمَا لَوْ شَهِدَ بِوَقْفِ مَدْرَسَةٍ وَهُوَ صَاحِبُ وَظِيفَةٍ بِهَا فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ،
وَكَذَا شَهَادَةُ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ بِوَقْفٍ عَلَيْهَا، وَأَبْنَاءُ السَّبِيلِ بِوَقْفٍ عَلَى أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَهَذَا فِي الشَّهَادَةِ بِأَصْلِ الْوَقْفِ لَا فِيمَا يَرْجِعُ إلَى الْغَلَّةِ كَشَهَادَةٍ بِإِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا تُقْبَلُ لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِيهَا فَكَانَ مُتَّهَمًا كَمَا فِي شَهَادَاتِ الْبَحْرِ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَإِلَّا جُبِرَ الْخَاصُّ، وَوَجْهُ الْقَبُولِ أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ فِي الْوَقْفِ حِسْبَةً بِدُونِ الدَّعْوَى كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: بَلْ يُهَدِّدُهُ) يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَإِنْ فَعَلَ وَإِلَّا يَكْتَفِي مِنْهُ بِالْيَمِينِ بَحْرٌ. مَطْلَبٌ فِي مُحَاسَبَةِ الْمُتَوَلِّي وَتَحْلِيفِهِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ اتَّهَمَهُ يُحَلِّفُهُ) أَيْ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا كَالْمُودَعِ يَدَّعِي هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ أَوْ رَدِّهَا قِيلَ: إنَّمَا يَسْتَحْلِفُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شَيْئًا مَعْلُومًا،
وَقِيلَ يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بَحْرٌ عَنْ الْقُنْيَةِ.
قُلْت: وَسَيَأْتِي قُبَيْلَ كِتَابِ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَا تَحْلِيفَ عَلَى حَقٍّ مَجْهُولٍ إلَّا فِي سِتٍّ: إذَا اتَّهَمَ الْقَاضِي وَصِيَّ يَتِيمٍ وَمُتَوَلِّيَ وَقْفٍ وَفِي رَهْنٍ مَجْهُولٍ وَدَعْوَى سَرِقَةٍ وَغَصْبٍ وَخِيَانَةِ مُودَعٍ اهـ
(قَوْلُهُ: قُلْت وَقَدَّمْنَا إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ مُتَّهَمًا يُجْبِرُهُ عَلَى التَّعْيِينِ، وَقَدْ يُجَابُ مَا قَدَّمَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْأَمَانَةِ. مَطْلَبٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْمُتَوَلِّي فِي ضَيَاعِ الْغَلَّةِ وَتَفْرِيقِهَا
(قَوْلُهُ بِلَا يَمِينٍ) مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ وَقْفِ النَّاصِحِي إذَا آجَرَ الْوَاقِفُ أَوْ قَيِّمُهُ أَوْ وَصِيُّهُ أَوْ أَمِينُهُ ثُمَّ قَالَ قَبَضْتُ الْغَلَّةَ فَضَاعَتْ أَوْ فَرَّقْتهَا عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَأَنْكَرُوا فَالْقَوْلُ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْإِسْعَافِ وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى عَنْ شُرُوطِ الظَّهِيرِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَسَيَجِيءُ فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا أَنْكَرُوهُ بَلْ يَدْفَعُهُ ثَانِيًا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي هَذَا الزَّمَانِ. اهـ. مَطْلَبٌ إذَا كَانَ النَّاظِرُ مُفْسِدًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ
قُلْت: بَلْ نُقِلَ فِي الْحَامِدِيَّةِ عَنْ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ أَنَّهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُفْسِدًا مُبَذِّرًا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِصَرْفِ مَالِ الْوَقْفِ بِيَمِينِهِ، وَفِيهَا الْقَوْلُ فِي الْأَمَانَةِ قَوْلُ الْأَمِينِ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَمْرًا يُكَذِّبُهُ الظَّاهِرُ، فَحِينَئِذٍ تَزُولُ الْأَمَانَةُ وَتَظْهَرُ الْخِيَانَةُ، فَلَا يُصَدَّقُ بِيرِيٌّ عَنْ أَحْكَامِ الْأَوْصِيَاءِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ ظَهَرَتْ خِيَانَةُ نَاظِرٍ لَا يُصَدَّقُ قَوْلُهُ وَلَوْ بِيَمِينِهِ وَهِيَ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ اهـ وَفِيهَا عَنْ فَتَاوَى الشَّلَبِيِّ بَعْدَ كَلَامٍ،
وَمَنْ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَات الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ الَّتِي صَارَ بِهَا فَاسِقًا لَا يُقْبَلُ فِيمَا صَرَفَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ اهـ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّاظِرِ الثِّقَةِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَيْضًا ذَكَرَ الْحَمَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْأَشْبَاهِ مِنْ كِتَابِ الْأَمَانَاتِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ الْقَبُولُ لِأَنَّ الْعَزْلَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ أَمِينًا، وَأَطَالَ فِيهِ فَرَاجِعْهُ وَبِهِ أَفْتَى الْمُصَنِّفُ قِيَاسًا عَلَى الْوَصِيِّ لَوْ ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِ الْيَتِيمِ أَنَّهُ أَنْفَقَ كَذَا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ أَسْنَدَهُ إلَى حَالَةٍ مُنَافِيَةٍ لِلضَّمَانِ
(قَوْلُهُ: فِي وَقْفِهِ) أَيْ وَقْفِ الْوَاقِفِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ
(قَوْلُهُ: قُبِلَ قَوْلُهُ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ كَمَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى
(قَوْلُهُ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ وَنَحْوُهُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ صِلَةٍ، بَلْ فِيهِ شَوْبُ الْأُجْرَةِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي فَتَاوَاهُ لَكِنْ
قَالَ فِي كِتَابِهِ تُحْفَةُ الْأَقْرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى الْإِفْتَاءِ بِخِلَافِهِ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ أَبُو السُّعُودِ: أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا حُكْمُ الْأُجْرَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمُقْتَضَى مَا قَالَهُ أَبُو السُّعُودِ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ بَرَاءَةِ نَفْسِهِ لَا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيمَا فِي يَدِهِ فَيُلْزَمُ الضَّمَانَ فِي الْوَقْفِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْوَقْفِ فَالْإِفْتَاءُ بِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ مُتَعَيِّنٌ، وَقَوْلُهُ يَعْنِي: الْمُصَنِّفُ هُوَ تَفْصِيلٌ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ إذْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَضْمِينُ النَّاظِرِ إذَا دَفَعَ لَهُمْ بِلَا بَيِّنَةٍ لِتَعَدِّيهِ.
اهـ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الضَّمَانُ عَلَى الْوَقْفِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ وَلَا تَعَدِّي مِنْهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ دَفَعَ حَقًّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَأَيْنَ التَّعَدِّيَ إذَا لَمْ يُشْهَدْ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِئْجَارِهِ شَخْصًا لِلْبِنَاءِ إذَا دَفَعَ لَهُ الْأُجْرَةَ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلِذَا
قَالَ فِي الْحَامِدِيَّةِ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ
قُلْت: تَفْصِيلُ أَبِي السُّعُودِ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ التَّمْثِيلِ بِالْأُجْرَةِ فَهِيَ مِثْلُهَا، وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الدَّفْعِ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا لَا يَسْتَحِقُّونَ الْوَظِيفَةَ فَهِيَ كَالْأُجْرَةِ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ كَأَنَّهُ أَجِيرٌ فَإِذَا اكْتَفَيْنَا بِيَمِينِ النَّاظِرِ يَضِيعُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ لَا سِيَّمَا نُظَّارُ هَذَا الزَّمَانِ،
وَقَالَ الْمَوْلَى عَطَاءُ اللَّهِ أَفَنْدِي فِي مَجْمُوعَتِهِ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا أَفَنْدِي عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْوَظِيفَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْخِدْمَةِ، فَهِيَ أُجْرَةٌ لَا بُدَّ لِلْمُتَوَلِّي مِنْ إثْبَاتِ الْأَدَاءِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِلَّا فَهِيَ صِلَةٌ وَعَطِيَّةٌ يُقْبَلُ فِي أَدَائِهِ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي مَعَ يَمِينِهِ، وَإِفْتَاءُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ الْإِسْلَامِيَّةِ إلَى هَذَا الزَّمَانِ عَلَى هَذَا مُتَمَسِّكِينَ بِتَجْوِيزِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْأُجْرَةَ فِي مُقَابَلَةِ الطَّاعَاتِ اهـ
(قَوْلُهُ: قُلْت وَسَيَجِيءُ إلَخْ) حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا ادَّعَى الصَّرْفَ إلَى وَظَائِفِ الْمُرْتَزِقَةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّهِمْ، لَكِنْ لَا يَضْمَنُ مَا أَنْكَرُهُ لَهُ بَلْ يَدْفَعُهُ ثَانِيًا مِنْ مَالِ الْوَقْفِ كَمَا بُسِطَ فِي حَاشِيَةِ أَخِي زَادَهْ. اهـ.
قُلْت: وَسَيَجِيءُ قَبْلَهُ فِي الْوَدِيعَةِ حُكْمُ مَا لَوْ مَاتَ النَّاظِرُ مُجَهِّلًا غَلَّاتِ الْوَقْفِ فَرَاجِعْهُ
(قَوْلُهُ: فِي الْأَصَحِّ) ذَكَرَ مِثْلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْمَعْزُولَ آجَرَهَا لِلْوَقْفِ لَا لِنَفْسِهِ، خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ فِي فَتَاوَاهُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الرَّمْلِيُّ
(قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَاَلَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي لَا) أَيْ لَا تَصِحُّ مُصَادَقَتُهُ، وَأَخَذَ الْمُصَنِّفُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَنْ حَكَى أَمْرًا لَا يَمْلِكُ اسْتِئْنَافَهُ إنْ كَانَ فِيهِ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يُصَدَّقُ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْيُ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ صُدِّقَ قَالَ: وَحِكَايَةُ الْمُتَوَلِّي ذَلِكَ فِيهِ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فَيَنْبَغِي عَدَمُ تَصْدِيقِهِ وَهَذَا مَا تَرَجَّحَ عِنْدِي فِي الْجَوَابِ. اهـ.
قُلْت: وَهَذَا يَشْمَلُ الْمَعْزُولَ وَالْمَنْصُوبَ فَذِكْرُ الْمَعْزُولِ غَيْرُ قَيْدٍ، وَأَصْرَحُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا فِي دَعْوَى الْبَزَّازِيَّةِ لَا يَنْفُذُ إقْرَارُ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ
وَمِثْلُهُ فِي السَّابِعِ مِنْ الْعِمَادِيَّةِ،
وَفِي فَتَاوَى الْحَانُوتِيِّ مِنْ الْإِجَارَةِ التَّصَادُقُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ مِنْهُ عَلَى الْوَقْفِ وَإِقْرَارُ النَّاظِرِ عَلَى الْوَقْفِ غَيْرُ صَحِيحٍ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي إلَخْ) فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي قَرِيبًا. مَطْلَبٌ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ الْعَوَائِدِ الْعُرْفِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ صَرْفُ إلَخْ) حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَرْيَةٍ مَوْقُوفَةٍ يُرِيدُ الْمُتَوَلِّي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَهَالِيِهَا مَا يَدْفَعُونَهُ بِسَبَبِ الْوَقْفِ مِنْ الْعَوَائِدِ الْعُرْفِيَّةِ مِنْ سَمْنٍ وَدَجَاجٍ وَغِلَالٍ يَأْخُذُونَهَا لِمَنْ يَحْفَظُ الزَّرْعَ، وَلِمَنْ يَحْضُرُ تَذْرِيَتَهُ فَيَدْفَعُ الْمُتَوَلِّي لَهُمَا مِنْهَا يَسِيرًا وَيَأْخُذُ الْبَاقِي مَعَ مَا ذُكِرَ لِنَفْسِهِ زِيَادَةً عَلَى مَعْلُومِهِ فَأَجَابَ: جَمِيعُ مَا تَحَصَّلَ مِنْ الْوَقْفِ مِنْ نَمَاءٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مِنْ تَعْلِيقَاتِ الْوَقْفِ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ كَعِمَارَتِهِ وَمُسْتَحَقِّيهِ اهـ مُلَخَّصًا لَكِنْ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي رَيْعِ الْوَقْفِ عَوَائِدُ قَدِيمَةٌ مَعْهُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا النَّاظِرُ بِسَعْيِهِ لَهُ طَلَبَهَا لِقَوْلِ الْأَشْبَاهِ عَنْ إجَارَاتِ الظَّهِيرِيَّةِ وَالْمَعْرُوفُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ شَرْطًا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي اسْتِحْقَاقِهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ اهـ مُلَخَّصًا.
مَطْلَبٌ فِي تَحْرِيرِ حُكْمِ مَا يَأْخُذُهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ عَوَائِدَ
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ جَوَازِ أَخْذِ الْإِمَامِ فَاضِلَ الشَّمْعِ فِي رَمَضَانَ إذَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يُنَافِي مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ هَذَا فِي الْمُتَعَارَفِ أَخْذُهُ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ بِأَنْ تُعُورِفَ مَثَلًا أَنَّ هَذَا الْوَقْفَ يَأْخُذُهُ مُتَوَلِّيهِ عُشْرَ رَيْعِهِ فَحَيْثُ كَانَ قَدِيمًا يُجْعَلُ كَأَنَّ الْوَاقِفَ شَرَطَهُ لَهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كَاَلَّذِي يُهْدَى لَهُ مِنْ دَجَاجٍ وَسَمْنٍ،
فَإِنَّ ذَلِكَ رِشْوَةٌ، وَكَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ مِنْ الْغِلَالِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْحَافِظِ فَافْهَمْ. لَكِنْ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْغِلَالَ إذَا كَانَتْ مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ، يَجِبُ صَرْفُهَا فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ.
وَأَمَّا مِثْلُ الدَّجَاجِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى أَصْحَابِهِ،
وَهُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُ الْمُرْتَشِي بِرَدِّ الرِّشْوَةِ عَلَى الرَّاشِي. مَطْلَبٌ فِيمَا يُسَمَّى خِدْمَةً وَتَصْدِيقًا فِي زَمَانِنَا نَعَمْ إنْ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ تَكْمِلَةُ أَجْرِ الْمِثْلِ يَجِبُ صَرْفُهُ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ وَذَلِكَ كَمَا يَقَعُ فِي زَمَانِنَا كَثِيرًا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إذَا كَانَ لَهُ كَدَكٌ أَوْ كِرْدَار فِي دُكَّانٍ أَوْ عَقَارٍ لَا يَسْتَأْجِرُ إلَّا بِدُونِ أَجْرِ الْمِثْلِ، وَيَدْفَعُ لِلنَّاظِرِ دَرَاهِمَ تُسَمَّى خِدْمَةً لِأَجْلِ أَنْ يَرْضَى النَّاظِرُ بِالْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ
فَلَوْ قُلْنَا يَرُدُّهَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ يَلْزَمُ ضَرَرُ الْوَقْفِ وَلَا تَحِلُّ لِلنَّاظِرِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِلْوَقْفِ بِمَا شَرَطَهُ لَهُ الْوَاقِفُ، أَوْ الْقَاضِي س وَقَدْ صَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّ النَّاظِرَ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ وَظَفِرَ بِمَالِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ الْأُجْرَةِ مِنْهُ فَهَذِهِ الْخِدْمَةُ إنْ كَانَتْ رِشْوَةً لَا يَجِبُ رَدُّهَا عَلَى الرَّاشِي حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مِنْهُ بَلْ عَلَيْهِ صَرْفُهَا فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ، وَبِهَذَا عُلِمَ حُكْمُ مَا يَفْعَلُهُ النُّظَّارُ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَخْذِهِمْ مَا يُسَمُّونَهُ تَصْدِيقًا فِيمَا إذَا مَاتَ صَاحِبُ الْكَدَكِ أَوْ الْكِرْدَارِ فَيَأْخُذُ النَّاظِرُ مِنْ وَرَثَتِهِ دَرَاهِمَ لِيُصَدِّقَ لَهُمْ عَلَى انْتِقَالِ ذَلِكَ إلَيْهِمْ،
وَكَذَا إذَا اشْتَرَى أَحَدَ ذَلِكَ يَأْخُذُ مِنْ الْمُشْتَرِي دَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَكْمِلَةَ أَجْرِ الْمِثْلِ، فَأَخْذُهُ جَائِزٌ إنْ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ وَإِلَّا فَلَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إلَخْ) لَمْ أَجِدْهُ فِي نُسْخَتِي مِنْ فَتَاوَى الْمُصَنِّفِ (غِبِّ الدَّعْوَى الشَّرْعِيَّةِ) الْغِبُّ بِالْكَسْرِ عَاقِبَةُ الشَّيْءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ط، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَجِبُ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحُكْمِ عَلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ الدَّعْوَى الشَّرْعِيَّةِ فَإِذَا ادَّعَى الرَّاشِي عَلَى الْمُرْتَشِي بِمَا دَفَعَهُ إلَيْهِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُ الْمُرْتَشِي بِرَدِّ الرِّشْوَةِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: قُلْت لَكِنْ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي فَتَاوَاهُ: لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَخْذُ زِيَادَةٍ عَلَى مَا قَرَّرَهُ لَهُ الْوَاقِفُ.
قُلْت: وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِيمَنْ شَرَطَ لَهُ الْوَاقِفُ شَيْئًا مُعَيَّنًا: وَمَا سَيَجِيءُ فِي الْوَصَايَا وَمَرَّ أَيْضًا عَقِبَ مَسْأَلَةِ الْجَامِكِيَّةِ فِيمَنْ نَصَبَهُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَشْرِطْ لَهُ الْوَاقِفُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ بَحْثًا أَنَّ الْأَوَّلَ لَوْ عَيَّنَ لَهُ الْوَاقِفُ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ، فَلِلْقَاضِي أَنْ يُكْمِلَ لَهُ أَجْرَ الْمِثْلِ بِطَلَبِهِ فَهَذَا مُقَيِّدٌ لِإِطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ هُنَاكَ.
مَطْلَبٌ فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ
(قَوْلُهُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ إلَخْ) سَيَأْتِي تَفْسِيرُ الْقَرَابَةِ، وَالْفَقْرِ فِي آخِرِ الْفَصْلِ الْآتِي،
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْوَاقِفِ، وَهُوَ فَقِيرٌ كُلِّفَ أَنْ يُبَرْهِنَ عَلَى الْفَقْرِ وَأَنَّهُ مِنْ أَقَارِبِ الْوَاقِفِ وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَالْفَقْرُ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا أَصْلِيًّا يَثْبُتُ بِظَاهِرِ الْحَالِ، لَكِنْ الظَّاهِرُ يَكْفِي لِلدَّفْعِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّمَا شُرِطَ عَدَمُ الْمُنْفِقِ لِأَنَّهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ يُعَدُّ غَنِيًّا فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَشُرِطَ لُزُومُهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ تَرْكُ الْإِنْفَاقِ، فَيَكُونُ فَقِيرًا قَالَ هِلَالٌ وَلَا بُدَّ أَيْضًا أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ فِي السِّرِّ، ثُمَّ يَسْتَحْلِفَهُ بِاَللَّهِ مَالَك مَالٌ وَلَا لَك أَحَدٌ تَجِبُ نَفَقَتُك عَلَيْهِ،
وَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَأَخْبَرَ عَدْلَانِ بِغِنَاهُ فَهُمَا أَوْلَى، وَالْخَبَرُ وَالشَّهَادَةُ هُنَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ خَبَرٌ وَلَوْ قَالَا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَفَى،
وَلَوْ زَعَمَ الْبَعْضُ أَنَّهُ غَنِيٌّ إنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ مَا لَا يَصِيرُ بِهِ غَنِيًّا لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِغَنِيٍّ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَا يَلْزَمُ فَإِذَا أَنْكَرَ لَا يَحْلِفُ وَالْخَصْمُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْوَاقِفُ لَوْ حَيًّا، وَإِلَّا فَمَنْ الْوَقْفُ فِي يَدِهِ وَلَوْ أَحَدَ الْوَصِيِّينَ دُونَ الْوَارِثِ وَأَصْحَابِ الْوَقْفِ.
فَإِنْ بَرْهَنَ عَلَى الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ قَرِيبُ الْوَاقِفِ لَا يُقْبَلُ، حَتَّى يُبَرْهِنَ عَلَى نَسَبٍ مَعْلُومٍ كَالْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ لَا عَلَى الْأُخُوَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ الْعُمُومَةِ،
وَإِنْ قَالُوا لَا نَعْلَمُ بِهِ وَارِثًا آخَرَ أَعْطَاهُ، وَإِلَّا يَتَأَنَّى زَمَانًا ثُمَّ يَدْفَعُ إلَيْهِ وَيَأْخُذُ كَفِيلًا عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْمِيرَاثِ،
وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إثْبَاتَ قَرَابَةِ وَلَدِهِ أَوْ فَقْرِهِ فَلَهُ ذَلِكَ لَوْ صَغِيرًا
بِخِلَافِ الْكِبَارِ فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ فَقْرَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَوَصِيُّ الْأَبِ مِثْلُهُ،
فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فَلِلْأُمِّ أَوْ الْعَمِّ إثْبَاتُ ذَلِكَ لَوْ الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهِمَا اسْتِحْسَانًا لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ فَأَشْبَهَ قَبُولَ الْهِبَةِ اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُ الْفُرُوعِ فِيهَا فَرَاجِعْهَا وَسَيَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ الْآتِي مَالَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا هُنَا
(قَوْلُهُ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ حِينِ وُجُودِ شَرْطِ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَالْقَرَابَةُ لَا مِنْ حِينِ الْقَضَاءِ
قَالَ فِي الْإِسْعَافِ: فَإِنْ شَهِدَا لَهُ بِالْفَقْرِ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَلَّةِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيمَا يَحْدُثُ مِنْهَا بَعْدَ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَا لَهُ فِي وَقْفٍ وَيُسْنِدَ فَقْرَهُ إلَى زَمَنٍ سَابِقٍ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ مَبْدَأِ الزَّمَنِ الْأَوَّلِ وَإِنْ طَالَ. اهـ. مَطْلَبٌ إذَا قَالَ مَا دَامَتْ عَزَبًا فَتَزَوَّجَتْ وَطَلُقَتْ يَنْقَطِعُ حَقُّهَا
(قَوْلُهُ: أَجَابَ نَعَمْ) أَيْ يَنْقَطِعُ حَقُّهَا بِالتَّزَوُّجِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ زَوْجُهَا أَوْ طَلَّقَهَا عَادَ حَقُّهَا إسْعَافٌ وَفَتْحٌ وَفِي لِسَانِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الشِّحْنَةِ أَنَّ جَدَّهُ أَجَابَ كَذَلِكَ،
وَأَنَّ الْكَافِيجِيَّ خَالَفَهُ وَقَالَ يَعُودُ الدَّوَامُ كَمَا كَانَ بِالْفِرَاقِ وَوَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ يَدَيْ السُّلْطَانِ،
وَأَنَّ جَدَّهُ أَخْرَجَ الْقَوْلَ فَوَافَقَهُ الْحَاضِرُونَ
(قَوْلُهُ: فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ إلَخْ)
بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَسْكُنُ بَغْدَادَ مِنْ فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ فَانْتَقَلَ بَعْضُهُمْ وَسَكَنَ الْكُوفَةَ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا وَسَكَنَ فَإِنَّهُ يَعُودُ حَقًّا لِأَنَّ النَّظَرَ هَاهُنَا إلَى حَالِهِمْ يَوْمَ قِسْمَةِ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ افْتَقَرَ الْأَغْنِيَاءُ وَاسْتَغْنَى الْفُقَرَاءُ تَكُونُ الْغَلَّةُ لِمَنْ افْتَقَرَ دُونَ مَنْ اسْتَغْنَى وَلَوْ لَمْ يُنْظَرْ إلَى حَالِهِمْ يَوْمَ الْقِسْمَةِ لِرُبَّمَا لَزِمَ دَفْعُ الْغَلَّةِ إلَى الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَتَمَامُهُ فِي الْإِسْعَافِ فَافْهَمْ: مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا قَضَى بِدُخُولِ وَلَدِ الْبِنْتِ
(قَوْلُهُ: قَضَى بِدُخُولِ وَلَدِ الْبِنْتِ) أَيْ فِي صُورَةِ الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ
(قَوْلُهُ: لَا الْمَاضِي لَوْ مُسْتَهْلَكَةً) لِأَنَّ الْحُكْمَ وَإِنْ كَانَ يَسْتَنِدُ إلَى وَقْتِ الْوَقْفِ، لَكِنْ فِي حَقِّ الْمَوْجُودِ وَقْتَ الْحُكْمِ وَغَلَّاتُ تِلْكَ السِّنِينَ مَعْدُومَةٌ كَالْحُكْمِ بِفَسَادِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، لَا يَظْهَرُ فِي الْوَطَآتِ الْمَاضِيَةِ، وَالْمَهْرِ، حَتَّى لَوْ كَانَ غَلَّاتُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ قَائِمَةً يَسْتَحِقُّ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ حِصَّتَهُمْ مِنْهَا شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْقُنْيَةِ مُلَخَّصًا. لَكِنْ تَقَدَّمَ آنِفًا فِي الْوَقْفِ لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ أَنَّهُ مَنْ قَضَى لَهُ اسْتَحَقَّهُ مِنْ حِينِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ،
وَفِي قَضَاءِ الْخَيْرِيَّةِ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ الْوَقْفَ سَوِيَّةً بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، وَكَانَ زَيْدٌ يَتَنَاوَلُ زِيَادَةَ عَمَلٍ يَخُصُّهُ مُدَّةَ سِنِينَ أَجَابَ: لِعَمْرٍو الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِمَا تَنَاوَلَهُ زَائِدًا عَنْ حَقِّهِ الْمُدَّةَ الْمَاضِيَةَ، وَالْقَضَاءُ هُنَا مُظْهِرٌ وَمُعَيِّنٌ لِكَوْنِهِ كَاشِفًا فَيَسْتَنِدُ لَا مُثْبِتٌ وَعَامِلٌ، حَتَّى يَقْتَصِرَ كَمَا قَرَّرَهُ أَصْحَابُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ أَيْضًا. اهـ. مَطْلَبٌ أَثْبَتَ وَاحِدٌ أَنَّهُ مِنْ الذُّرِّيَّةِ يَرْجِعُ بِمَا يَخُصُّهُ فِي الْمَاضِي وَفِي فَتَاوَى ابْنِ نُجَيْمٍ سُئِلَ عَنْ وَاقِفٍ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ فَفَرَّقَ النَّاظِرُ الْغَلَّةَ سِنِينَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَثْبَتَ وَاحِدٌ أَنَّهُ مِنْهُمْ، وَقَضَى بِهِ عَلَى النَّاظِرِ فَطَالَبَهُ بِمَا يَخُصُّهُ فِي الْمَاضِي فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَجَابَ: بِأَنَّهُ إنْ دَفَعَ إلَى الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ رَجَعَ بِمَا يَخُصُّهُ عَلَى النَّاظِرِ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْوَصِيِّ إذَا قَضَى دَيْنَ الْمَيِّتِ بِجَمِيعِ التَّرِكَةِ ثُمَّ ظَهَرَ دَيْنٌ آخَرُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنْ دَفَعَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ رَجَعَ الدَّائِنُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا عَلَى الْقَابِضِينَ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا فِي الْقُنْيَةِ لَوْ قَضَى بِدُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ إلَخْ لِأَنَّ دُخُولَهُمْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ
بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِلِاتِّفَاقِ اهـ وَذَكَرَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فِي الْفَتَاوَى الْحَانُوتِيُّ
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ فِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ خِلَافًا كَمَا سَيَأْتِي تَحْرِيرُهُ،
فَإِذَا قَضَى بِدُخُولِهِمْ فَإِنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ دُخُولُهُمْ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْوَقْفِ لَكِنْ بِسَبَبِ الِاخْتِلَافِ صَارَ الْحُكْمُ مُثْبِتًا حَقَّهُمْ الْآنَ فِي الْغَلَّةِ الْقَائِمَةِ، فَلَهُمْ غَلَّةُ سَنَةِ الْحُكْمِ وَغَلَّةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً لِلِاسْتِنَادِ دُونَ الْمُسْتَهْلَكَةِ لِشُبْهَةِ الِاقْتِصَارِ،
بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقَعْ خِلَافٌ فِي دُخُولِهِ، ثُمَّ أَثْبَتَ دُخُولَهُ فَإِنَّ الْقَضَاءَ بِهِ مُظْهِرٌ أَنَّهُ مِنْهُمْ لَا مُثْبِتٌ فَيَسْتَنِدُ وَلَا يَقْتَصِرُ كَمَا مَرَّ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ) أَيْ الْوَاحِدَ وَالْأَكْثَرَ
بِخِلَافِ بَنِيهِ، وَعِبَارَةُ الْإِسْعَافِ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ هُنَا اثْنَانِ وَاسْمُ الْوَلَدِ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَلِهَذَا اخْتَلَفَا فِي الْحُكْمِ. اهـ. مَطْلَبٌ مَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ هَلْ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ أَوْ لَا
[تَنْبِيهٌ] فِي الْبَحْرِ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ أَوْ عَلَى بَنِيهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا ابْنٌ وَاحِدٌ كَانَ النِّصْفُ لَهُ وَالنِّصْفُ لِلْفُقَرَاءِ هَكَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ فَقَالَ فِي الْأَوْلَادِ يَسْتَحِقُّ الْوَاحِدُ الْكُلَّ وَفِي الْبَنِينَ لَا يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ،
وَقَالَ كَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَنْقُولَ خِلَافُهُ. اهـ.
قُلْت: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَبَنِيهِ فِي أَنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ فَقَطْ لِأَنَّ اللَّفْظَ جَمْعٌ أَقَلُّهُ فِي الْوَقْفِ اثْنَانِ كَالْوَصِيَّةِ
بِخِلَافِ وَلَدِهِ، فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ الْكُلَّ لِمَا مَرَّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ مَشَى عَلَيْهِ فِي أَيْمَانِ الْأَشْبَاهِ حَيْثُ قَالَ: الْجَمْعُ لَا يَكُونُ لِلْوَاحِدِ إلَّا فِي مَسَائِلَ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ فَلَهُ كُلُّ الْغَلَّةِ
بِخِلَافِ بَنِيهِ إلَخْ، وَقَالَ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى آخِرَ الْوَقْفِ: وَأَمَّا مَا فِي الْأَشْبَاهِ فَقَدْ عَزَاهُ لِلْعُمْدَةِ،
وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا، فَلَمْ يَبْقَ الْكَلَامُ إلَّا فِي التَّوْفِيقِ.
فَأَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: قَدْ لَاحَ لِي أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْخَانِيَّةِ عَلَى مَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَهُ وَلَدَانِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ وَاحِدٌ وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ، كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ وَلَهُ وَلَدٌ وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ فَيَنْدَفِعُ عَنْ الْأَشْبَاهِ الِاشْتِبَاهُ فَتَدَبَّرْ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ. اهـ.
قُلْت: وَيَكْفِي فِي التَّوْفِيقِ مَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ مِنْ ابْتِنَائِهِ عَلَى الْعُرْفِ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِهِمْ يُرِيدُ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، يَأْخُذُ الْوَقْفَ كُلَّهُ وَبِمَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ مَا فِي الْفَتْحِ مَنْقُولٌ أَيْضًا. .
مَطْلَبٌ فِي إقَالَةِ الْمُتَوَلِّي عَقْدَ الْإِجَارَةِ
(قَوْلُهُ: لِلْمُتَوَلِّي الْإِقَالَةُ لَوْ خَيِّرًا) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ
وَقَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: إقَالَةُ النَّاظِرِ عَقْدَ الْإِجَارَةِ جَائِزَةٌ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى: إذَا كَانَ الْعَاقِدُ نَاظِرًا قَبْلَهُ كَمَا فُهِمَ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ النَّاظِرُ تَعَجَّلَ الْأُجْرَةَ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَمَشَى عَلَيْهِ ابْنُ وَهْبَانَ. اهـ. لَكِنْ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ لِلشُّرُنْبُلَالِيِّ أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَحْرِيرٌ فَإِنَّ قَبْضَ الْأُجْرَةِ وَعَدَمَهُ لَيْسَ فِيهِ نَظَرٌ لِلْخَيِّرِ وَعَدَمِهِ، بَلْ النَّظَرُ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْبَحْرِ عَنْ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ الْمُتَوَلِّي يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ لَوْ خَيِّرًا وَإِطْلَاقُهُ يَشْمَلُ الْقَبْضَ وَعَدَمَهُ، وَيَشْمَلُ إقَالَةَ عَقْدِ نَاظِرٍ قَبْلَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَسْأَلَةٌ هِيَ لَوْ بَاعَ الْقَيِّمُ دَارًا اشْتَرَاهَا بِمَالِ الْوَقْفِ فَلَهُ أَنْ يُقِيلَ الْبَيْعَ مَعَ الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ
وَكَذَا إذَا عُزِلَ وَنُصِبَ غَيْرُهُ، فَلِلْمَنْصُوبِ إقَالَتُهُ بِلَا خِلَافٍ كَذَا فِي الْبَحْرِ،
وَفِي الْأَشْبَاهِ الْمُتَوَلِّي عَلَى الْوَقْفِ لَوْ آجَرَ الْوَقْفَ ثُمَّ أَقَالَ وَلَا مَصْلَحَةَ لَمْ يَجُزْ عَلَى الْوَقْفِ، فَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ وَعَدَمُهَا وَلِذَا
قَالَ فِي الدُّرَرِ إذَا بَاعَ الْمُتَوَلِّي أَوْ الْوَصِيُّ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَا تَجُوزُ إقَالَتُهُ اهـ مَعَ أَنَّ الْمَبِيعَ إذَا عَادَ تَرْجِعُ مَالِيَّتُهُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَالْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ لَا تَبْقَى الْأُجْرَةُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ إلَّا بِالِاسْتِئْجَارِ فَيَفُوتُ النَّفْعُ الَّذِي لَزِمَ بِالِاسْتِئْجَارِ فَكَانَ عَدَمُ صِحَّةِ الْإِقَالَةِ مَعَ فَوَاتِ النَّفْعِ أَلْزَمَ مِنْ إقَالَةِ الْبَيْعِ خُصُوصًا، وَقَدْ تَرْبُو الْمَضَرَّةُ بِاحْتِيَاجِ الْعَيْنِ الَّتِي كَانَتْ مُؤَجَّرَةً لِمُؤْنَةٍ كَطَعَامٍ وَمَرَمَّةٍ بِهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَخَصَّاهُ بِالنُّقُودِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّاظِرَ وَكِيلٌ يَتَصَرَّفُ بِالْعَرْضِ وَبِالنَّقْدِ وَبِالنَّسِيئَةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا بِالنُّقُودِ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ كَذَا قِيلَ وَالْمَسْأَلَةُ نَظْمُهَا فِي الْوَهْبَانِيَّةِ. مَطْلَبٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ غَرْسُ الشَّجَرِ
(قَوْلُهُ: لِلْمُسْتَأْجِرِ غَرْسُ الشَّجَرِ إلَخْ) كَذَا فِي الْوَهْبَانِيَّةِ، وَأَصْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ غَرْسُ الْأَشْجَارِ وَالْكُرُومِ فِي الْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ، إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ بِدُونِ صَرِيحِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُتَوَلِّي، دُونَ حَفْرِ الْحِيَاضِ. مَطْلَبٌ إنَّمَا يَحِلُّ لِلْمُتَوَلِّي الْإِذْنُ فِيمَا يَزِيدُ الْوَقْفُ بِهِ خَيْرًا وَإِنَّمَا يَحِلُّ لِلْمُتَوَلِّي الْإِذْنُ فِيمَا يَزِيدُ الْوَقْفُ بِهِ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ
قُلْت: وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حَقُّ قَرَارِ الْعِمَارَةِ فِيهَا
أَمَّا إذَا كَانَ، يَجُوزُ الْحَفْرُ وَالْغَرْسُ وَالْحَائِطُ مِنْ تُرَابِهَا لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِي مِثْلِهَا دَلَالَةً اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ قُلْت إلَخْ: مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ، كَمَا يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ وَإِنَّمَا يَحِلُّ إلَخْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعَادَةَ فِي زَمَانِنَا أَنَّ النَّاظِرَ لَا يُمَكِّنُ الْمُسْتَأْجِرَ مِنْ الْغِرَاسِ إلَّا بِإِذْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْأَرْضِ حَقُّ الْقَرَارِ الْمُسَمَّى بِمِشَدِّ الْمَسْكَةِ، فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بِدُونِ إذْنِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْوَقْفِ لِأَنَّ الْأَنْفَعَ أَنْ يَغْرِسَ النَّاظِرُ لِلْوَقْفِ أَوْ يَأْذَنَ لِلْمُسْتَأْجِرِ بِالْمُنَاصَبَةِ: وَهِيَ أَنْ يَغْرِسَ عَلَى أَنَّ الْغِرَاسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَقْفِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْ غَرْسِهِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ.
مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ بِنَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْوَقْفِ بِلَا إذْنٍ
(قَوْلُهُ وَمَا بَنَاهُ مُسْتَأْجِرٌ أَوْ غَرَسَهُ فَلَهُ) أَيْ إذَا بَنَاهُ مِنْ مَالِهِ بِلَا إذْنِ النَّاظِرِ ثُمَّ إذَا لَمْ يَضُرَّ رَفْعُهُ بِالْبِنَاءِ الْقَدِيمِ رَفَعَهُ وَإِنْ ضَرَّ فَهُوَ الْمُضَيِّعُ مَالَهُ فَلْيَتَرَبَّصْ، إلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ تَحْتِ الْبِنَاءِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ وَلَا يَكُونُ بِنَاؤُهُ مَانِعًا مِنْ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا يَمْلِكُ رَفْعَهُ،
وَلَوْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَجْعَلَهُ لِلْوَقْفِ بِثَمَنٍ لَا يُجَاوِزُ أَقَلَّ الْقِيمَتَيْنِ مَنْزُوعًا فِيهِ أَوْ مَبْنِيًّا صَحَّ جَامِعُ الْفُصُولَيْنِ.
وَفِي حَاشِيَتِهِ لِلْخَيْرِ الرَّمْلِيِّ أَقُولُ: ظَاهِرُهُ اشْتِرَاطُ الرِّضَا إذْ الصُّلْحُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْهُ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا فِي الْإِجَارَةِ إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَكَانَ الْقَلْعُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ يَتَمَلَّكُهُ الْمُؤَجِّرُ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ جَبْرًا، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِلْكِ إذْ لَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ فَيُحْمَلُ الصُّلْحُ فِي كَلَامِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ بِالصِّحَّةِ لَا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ مُتَعَيِّنٌ فِي ذَلِكَ اهـ وَفِي الْخَانِيَّةِ: طَرَحَ فِيهَا السِّرْقِينَ، وَغَرَسَ الْأَشْجَارَ، ثُمَّ مَاتَ فَالْأَشْجَارُ لِوَرَثَتِهِ وَيُؤْمَرُونَ بِقَلْعِهَا وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ بِمَا زَادَ السِّرْقِينُ فِي الْأَرْضِ عِنْدَنَا.
اهـ. وَقَدَّمْنَا مَسْأَلَةَ اسْتِبْقَاءِ الْمُسْتَأْجِرِ الْعِمَارَةَ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ قَبْلَ الْفَصْلِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ وَقَدَّمْنَا مَسْأَلَةَ الْعِمَارَةِ بِإِذْنِ النَّاظِرِ عِنْدَ مَسْأَلَةِ الِاسْتِبْدَالِ. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ بِنَاءِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ
(قَوْلُهُ: وَالْمُتَوَلِّي بِنَاؤُهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْبِنَاءَ فِي أَرْضِ الْوَقْفِ فِيهِ تَفْصِيلٌ،
فَإِنْ كَانَ الْبَانِي الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِمَالِ الْوَقْفِ فَهُوَ وَقْفٌ سَوَاءٌ بَنَاهُ لِلْوَقْفِ أَوْ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ مِنْ مَالِهِ لِلْوَقْفِ أَوْ أَطْلَقَ فَهُوَ وَقْفٌ إلَّا إذَا كَانَ هُوَ الْوَاقِفَ وَأَطْلَقَ فَهُوَ لَهُ، كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ،
وَإِنْ بَنَاهُ مِنْ مَالِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَشْهَدَ أَنَّهُ لَهُ فَهُوَ لَهُ كَمَا فِي الْقُنْيَةِ وَالْمُجْتَبَى،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّيًا فَإِنْ بَنَى بِإِذْنِ الْمُتَوَلِّي لِيَرْجِعَ فَهُوَ وَقْفٌ، وَإِلَّا فَإِنْ بَنَى لِلْوَقْفِ فَوَقْفٌ،
وَإِنْ لِنَفْسِهِ أَوْ أَطْلَقَ فَلَهُ رَفْعُهُ إنْ لَمْ يَضُرَّ وَتَمَامُهُ فِي ط عَنْ الْأَشْبَاهِ وَحَوَاشِيهَا،
وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَلَوْ غَرَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ لِلْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَا يَغْرِسُ فِيهِ لِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ لِنَفْسِهِ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِيُشْهِدُ، وَهَذَا إذَا بَنَاهُ مِنْ مَالِهِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ قَبْلَهُ، وَقَيَّدَ بِالْإِشْهَادِ تَبَعًا لِجَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ صَرَّحَ الْخَصَّافُ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ: إذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَأَهْلُ الْوَقْفِ بِأَنْ قَالَ زَرَعْتُهَا لِنَفْسِي بِبَذْرِي وَنَفَقَتِي وَقَالُوا: بَلْ لَنَا لِأَنَّ الْبَذْرَ لَهُ فَمَا حَدَثَ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ فِيمَا يَزْرَعُ لَهُ، قَالَ الْخَصَّافُ: وَأَرَى إخْرَاجَهُ مِنْ يَدِهِ بِمَا فَعَلَ وَيَضْمَنُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَهُوَ صَرِيحٌ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَكُونُ خِيَانَةً مِنْهُ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْعَزْلَ وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ لَمْ يَرَهُ حَيْثُ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خِيَانَةً وَقَدَّمْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيُنْزَعُ وُجُوبًا لَوْ خَائِنًا عَنْ شَرْحِ الْأَشْبَاهِ لِلْبِيرِيِّ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ النَّاظِرَ لَوْ سَكَنَ دَارَ الْوَقْفِ وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ لِأَنَّهُ نَصَّ فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّكْنَى وَلَوْ بِأَجْرِ الْمِثْلِ مَطْلَبٌ لَوْ آجَرَ الْمُتَوَلِّي لِابْنِهِ أَوْ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ آجَرَ لِابْنِهِ) أَيْ الْكَبِيرِ إذْ الصَّغِيرُ تَبَعٌ لَهُ شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ لَوْ بَاعَ الْقَيِّمُ مَالَ الْوَقْفِ أَوْ آجَرَ مِمَّنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةٌ لَهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةِ،
وَكَذَا الْوَصِيُّ وَقِيلَ الْوَصِيُّ كَمُضَارِبٍ، وَفِيهِ الْمُتَوَلِّي إذَا آجَرَ دَارَ الْوَقْفِ مِنْ ابْنِهِ الْبَالِغِ أَوْ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ كَبَيْعِ الْوَصِيِّ لَوْ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، صَحَّ عِنْدَهُمَا،
وَلَوْ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ،
وَكَذَا مُتَوَلٍّ آجَرَ مِنْ نَفْسِهِ لَوْ خَيِّرًا صَحَّ، وَإِلَّا لَا وَمَعْنَى الْخَيِّرِ مَرَّ فِي بَيْعِ الْوَصِيِّ مِنْ نَفْسِهِ، وَبِهِ يُفْتَى اهـ وَاَلَّذِي مَرَّ هُوَ قَوْلُهُ فِي شِرَاءِ مَالِ الصَّغِيرِ جَازَ لِلْوَصِيِّ ذَلِكَ لَوْ خَيِّرًا وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَأْخُذَ بَخَمْسَةَ عَشَرَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةً أَوْ يَبِيعُ مِنْهُ بِعَشَرَةٍ مَا يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَبِهِ يُفْتَى. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَعَبْدِهِ اتِّفَاقًا) وَكَذَا لَوْ لِنَفْسِهِ
(قَوْلُهُ: هَذَا لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ)
أَمَّا لَوْ ذَهَبَ إلَى الْقَاضِي فَآجَرَهُ صَحَّ شَرْحُ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْخَانِيَّةِ.
قُلْت: وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وِلَايَةُ نَصْبِ الْقَيِّمِ إلَى الْوَاقِفِ، ثُمَّ لِوَصِيِّهِ ثُمَّ لِلْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ مَعَ وُجُودِ الْمُتَوَلِّي وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ النِّزَاعِ عِنْدَ صِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُتَوَلِّي بِنَفْسِهِ، وَهُنَا لَا يَصِحُّ وَقَدَّمْنَا عِنْدَ الْكَلَامِ، عَلَى قَطْعِ الْجِهَاتِ لِلتَّعْمِيرِ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لَوْ عَمِلَ كَالْفَاعِلِ وَالْبَنَّاءِ، فَلَهُ قَدْرُ أُجْرَتِهِ لَوْ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ وَإِلَّا فَلَا إذْ لَا يَصْلُحُ مُؤَجِّرًا وَمُسْتَأْجَرًا وَهَذِهِ الْعِلَّةُ جَارِيَةٌ هُنَا وَقَدَّمْنَا أَيْضًا أَوَّلَ الْفَصْلِ إذَا شَرَطَ الْوَاقِفَ أَنْ لَا تُؤْجَرَ الْأَرْضُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، وَكَانَتْ إجَارَتُهَا أَكْثَرَ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ فَلَيْسَ لِلْقَيِّمِ أَنْ يُؤْجِرَهَا أَكْثَرَ بَلْ يُرْفَعُ الْأَمْرُ لِلْقَاضِي لِيُؤْجِرَهَا لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ النَّظَرِ لِلْفُقَرَاءِ فَافْهَمْ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا الْوَصِيُّ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ
بِخِلَافِ وَصِيِّ الْقَاضِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَلَا شِرَاؤُهُ مَالَ الْيَتِيمِ وَلَوْ خَيْرًا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ وَالْإِجَارَةُ بَيْعُ الْمَنَافِعِ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْوَكِيلِ) فَإِنَّهُ لَا يَعْقِدُ مَعَ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ إذَا أَطْلَقَ لَهُ الْمُوَكِّلُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهَا أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ: أَيْ لِكَوْنِهِ يَعْمَلُ بِالْمُرْسَلِ)
هُوَ مَنْ سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ ط وَهَذَا التَّعْلِيلُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ بِقَوْلِهِ: وَفِي حِفْظِي تَعْلِيلُهُ بِكَوْنِهِ إلَخْ، وَلَكِنِّي لَمْ أَظْفَرْ بِهِ الْآنَ. اهـ.
قُلْت: وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَمِلَ بِكُلِّ الْأَحَادِيثِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بِهَذَيْنِ، فَصَارَ أَحَقَّ بِإِطْلَاقِ هَذَا اللَّفْظِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ
أَمَّا إذَا تُعُورِفَ إطْلَاقُهُ عَلَى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَذَا الْعِلْمُ حَتَّى اُشْتُهِرَ بِهِ، وَصَارَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ تَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى عُرْفِ الْوَاقِفِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ الْمِنْقَارِ
(قَوْلُهُ: وَجَازَ عَلَى حَفْرِ الْقُبُورِ وَالْأَكْفَانِ) هُوَ الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْفَتَاوَى،
وَفِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ أَنَّ الصِّحَّةَ أَظْهَرُ. مَطْلَبٌ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ
(قَوْلُهُ: لَا عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ فِي الْأَصَحِّ) فَإِنَّهُ وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ
قَالَ فِي شَرْحِ الْوَهْبَانِيَّةِ عَنْ الْخُلَاصَةِ، بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ السَّعْدِيُّ الرِّوَايَةُ مِنْ وَقْفِ الْخَصَّافِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ وَالْعُمْيَانِ، فَرَجَعُوا إلَى جَوَابِهِ. اهـ.
قُلْت: لَكِنْ فِي الْإِسْعَافِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إذَا ذُكِرَ مَصْرِفٌ فِيهِمْ تَنْصِيصٌ عَلَى الْحَاجَةِ، فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ اسْتَوَى فِيهِ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ،
فَإِنْ يُحْصَوْا صَحَّ وَإِلَّا بَطَلَ إلَّا إنْ كَانَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ عُرْفًا كَالْيَتَامَى فَالْوَقْفُ عَلَيْهِمْ صَحِيحٌ، وَيُصْرَفُ لِفُقَرَائِهِمْ فَإِذًا الضَّابِطُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الْوَقْفِ عَلَى الزَّمْنَى وَالْعُمْيَانِ، وَقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَيُصْرَفُ لِفُقَرَائِهِمْ لِإِشْعَارِ الْأَسْمَاءِ بِالْحَاجَةِ اسْتِعْمَالًا لِأَنَّ الْعَمَى، وَالِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ يَقْطَعُ عَنْ الْكَسْبِ، فَيَغْلِبُ فِيهِمْ الْفَقْرُ وَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَاطِلِ أَنَّهُ بَاطِلٌ عَلَى هَؤُلَاءِ اهـ
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْفَقْرَ فِيهِمْ أَغْلَبُ مِنْ الْعُمْيَانِ بَلْ اصْطِلَاحُهُمْ تَسْمِيَتُهُمْ بِالْفُقَرَاءِ وَهَذَا إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْإِمَامِ أَبِي الْيُسْرِ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ أَنْوَاعٌ، فَمِنْهُمْ قَوْمٌ يَضْرِبُونَ بِالْمَزَامِيرِ، وَيَشْرَبُونَ الْخُمُورَ إلَى أَنْ قَالَ فِيهِمْ إذَا كَانُوا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، كَيْفَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ اهـ فَأَفَادَ: أَنَّ الْعِلَّةَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ، فَلَا يَكُونُ قُرْبَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْهُمْ إذَا عَيَّنَهُمْ الْوَاقِفُ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خِلَافَ ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَظْهَرُ لِأَنَّ لَفْظَ الصُّوفِيَّةِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ فِي الْعَادَةِ مَنْ كَانُوا عَلَى طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ
أَمَّا غَيْرُهُمْ، فَلَيْسُوا مِنْهُمْ حَقِيقَةً وَإِنْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ بِهَذَا الِاسْمِ فَإِذَا أُطْلِقَ الِاسْمُ لَا يَدْخُلُونَ فِيهِ، فَيَصِحُّ الْوَقْفُ وَيَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ ذَلِكَ الِاسْمِ حَقِيقَةً، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ عِلَّةُ الصِّحَّةِ مَا مَرَّ مِنْ غَلَبَةِ وَصْفِ الْفَقْرِ عَلَيْهِمْ فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ
(قَوْلُهُ وَفِي النَّهْرِ عَنْ الْإِسْعَافِ إلَخْ) تَخْصِيصٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو السُّعُودِ
(قَوْلُهُ: فَهُوَ أَوْلَى) أَيْ الْأَعْلَمُ بِأُمُورِ الْوَقْفِ أَوْلَى،
وَمِثْلُهُ لَوْ اسْتَوَيَا فِي الدِّيَانَةِ وَالسَّدَادِ وَالْفَضْلِ وَالرَّشَادِ فَالْأَعْلَمُ بِأَمْرِ الْوَقْفِ أَوْلَى بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ. مَطْلَبٌ فِي شَرْطِ التَّوْلِيَةِ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ
(قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ شَرَطَهُ لِأَرْشَدِهِمْ) فَيُقَدَّمُ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِيهِ الْأَسَنُّ،
وَلَوْ أُنْثَى كَمَا فِي الْإِسْعَافِ وَالْأَعْلَمُ بِأُمُورِ الْوَقْفِ، وَأَفْتَى فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّة بِتَقْدِيمِ الرَّجُلِ عَلَى الْأُنْثَى وَالْعَالِمِ عَلَى الْجَاهِلِ: أَيْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْفَضِيلَةِ وَالرُّشْدِ،
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرُّشْدَ صَلَاحُ الْمَالِ، وَهُوَ حُسْنُ التَّصَرُّفِ وَفِيهِ عَنْ الْإِسْعَافِ،
وَلَوْ قَالَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ فَأَبَى الْأَفْضَلُ الْقَبُولَ، أَوْ مَاتَ يَكُونُ لِمَنْ يَلِيهِ عَلَى التَّرْتِيبِ ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ وَقَالَ هِلَالٌ: الْقِيَاسُ أَنْ يُدْخِلَ الْقَاضِي بَدَلَهُ رَجُلًا مَا دَامَ حَيًّا،
فَإِنْ مَاتَ صَارَتْ الْوِلَايَةُ لِمَنْ يَلِيهِ فِي الْفَضْلِ،
وَلَوْ كَانَ الْأَفْضَلُ غَيْرَ مَوْضِعٍ أَقَامَ رَجُلًا مَقَامَهُ،
وَإِذَا مَاتَ تَنْتَقِلُ لِمَنْ يَلِيهِ فِيهِ،
وَإِذَا صَارَ أَهْلًا بَعْدَهُ تُرَدُّ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ،
وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَهْلٌ أَقَامَ الْقَاضِي أَجْنَبِيًّا إلَى أَنْ يَصِيرَ فِيهِمْ أَهْلٌ،
وَلَوْ صَارَ الْمَفْضُولُ مِنْهُمْ أَفْضَلَ مِمَّنْ كَانَ أَفْضَلَهُمْ تَنْتَقِلُ الْوِلَايَةُ إلَيْهِ فَيُنْظَرُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَى أَفْضَلِهِمْ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَفْقَرِ فَالْأَفْقَرِ اهـ مُلَخَّصًا. مَطْلَبٌ إذَا صَارَ غَيْرُ الْأَرْشَدِ أَرْشَدَ
قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ عَدَمُ صِحَّةِ مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ أَنَّهُ إذَا أَثْبَتَ أَحَدُهُمْ أَرْشَدِيَّتَهُ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ آخَرَ أَنَّهُ صَارَ أَرْشَدَ وَاسْتَنَدَ لِمَا فِي حَاوِي السُّيُوطِيّ أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَنْ فِيهِ هَذَا الْوَصْفُ فِي الِابْتِدَاءِ، لَا فِي الْأَثْنَاءِ، وَبَيَّنْت الْجَوَابَ عَنْهُ فِي تَنْقِيحِهَا وَذَكَرْتُ فِيهِ تَفْصِيلًا أَخْذًا مِنْ الْقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى آخَرُ الْأَرْشَدِيَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لِلْأَوَّلِ، وَتَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ اشْتَرَكَا فِي التَّوْلِيَةِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ يَنْتَظِمُ الْوَاحِدَ وَالْأَكْثَرَ وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَرْجِيحِ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى قَبْلَ الْحُكْمِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَصُرَ الزَّمَنُ لَا تُسْمَعُ الثَّانِيَةُ لِتَرَجُّحِ الْأُولَى بِالْحُكْمِ بِهَا فَتَلْغُو الثَّانِيَةُ،
وَأَمَّا إذَا طَالَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ الثَّانِي أَرْشَدَ فَكَذَلِكَ إلَّا إذَا شَهِدَتْ الثَّانِيَةُ بِأَنَّ صَاحِبَهَا صَارَ الْآنَ أَرْشَدَ مِنْ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ حَيْثُ قَالَ: إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أُخْرَى بِالْأَرْشَدِيَّةِ لِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْرِيحِهَا بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَجَدَّدَ، وَذَكَرَ قَبْلَهُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْأَرْشَدِيَّةِ تَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مَعْلُومِينَ مَحْصُورِينَ، لِيَكُونَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَرْشَدَ مِنْ غَيْرِهِمْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ ضَمَّ الْقَاضِي لِلْقَيِّمِ ثِقَةً) تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ: لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُ النَّاظِرِ بِمُجَرَّدِ شِكَايَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ، أَنَّهُ يَضُمُّهُ إلَيْهِ إذَا طَعَنَ فِي أَمَانَتِهِ بِدُونِ إثْبَاتِ خِيَانَةٍ وَإِلَّا عَزَلَهُ وَتَقَدَّمَ تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ هُنَاكَ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ) قَدْ يُقَالُ إنَّهُ إذَا ضَمَّهُ إلَيْهِ لِلطَّعْنِ فِي أَمَانَتِهِ وَكَانَ لِلْأَصِيلِ الِاسْتِقْلَالُ بِالتَّصَرُّفِ لَمْ يَبْقَ
فَائِدَةٌ لِضَمِّهِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ فِيمَا إذَا ضَمَّهُ إلَيْهِ إعَانَةً لَهُ لَا لِطَعْنٍ وَلَا لِخِيَانَةٍ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ لَيْسَ لِلْمُشْرِفِ التَّصَرُّفُ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْمُشْرِفِ التَّصَرُّفُ) بَلْ لَهُ الْحِفْظُ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إلَى الْمُتَوَلِّي خَانِيَّةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِفْظِ حِفْظُ مَالِ الْوَقْفِ عِنْدَهُ لَكِنْ
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ فِي مَعْنَى الْمُشْرِفِ اهـ
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ تُعُورِفَ تَصَرُّفُهُ مَعَ الْمُتَوَلِّي اُعْتُبِرَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْحِفْظِ مُشَارَفَتُهُ لِلْمُتَوَلِّي عِنْدَ التَّصَرُّفِ لِئَلَّا يَفْعَلَ مَا يَضُرُّ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي مُشْرِفِ الْوَصِيِّ، فَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ الْإِمَامُ الْفَضْلِيُّ يَكُونُ الْوَصِيُّ أَوْلَى بِإِمْسَاكِ الْمَالِ، وَلَا يَكُونُ الْمُشْرِفُ وَصِيًّا وَأَثَرُ كَوْنِهِ مُشْرِفًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَصِيِّ إلَّا بِعِلْمِهِ وَفِي أَدَبِ الْأَوْصِيَاءِ عَنْ فَتَاوَى الْخَاصِّيِّ، وَبِقَوْلِ الْفَضْلِيِّ يُفْتَى، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْوَقْفَ يَسْتَقِي مِنْ الْوَصِيَّةِ وَمَسَائِلُهُ تُنْزَعُ مِنْهَا، وَعَنْ هَذَا أَفْتَى فِي الْحَامِدِيَّةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي التَّصَرُّفُ فِي أُمُورِ الْوَقْفِ، بِدُونِ إذْنِ الْمُشْرِفِ وَاطِّلَاعِهِ.
مَطْلَبٌ الْقَيِّمُ وَالْمُتَوَلِّي وَالنَّاظِرُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَفِي الْخَيْرِيَّةِ إنْ كَانَ النَّاظِرُ بِمَعْنَى الْمُشْرِفِ فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْوَصِيَّ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِعِلْمِ الْمُشْرِفِ وَفِيهَا سُئِلَ فِي وَقْفٍ لَهُ نَاظِرٌ وَمُتَوَلٍّ هَلْ لِأَحَدِهِمَا التَّصَرُّفُ بِلَا عِلْمِ الْآخَرِ أَجَابَ لَا يَجُوزُ وَالْقَيِّمُ وَالْمُتَوَلِّي وَالنَّاظِرُ فِي كَلَامِهِمْ بِمَعْنًى وَاحِدٍ. اهـ.
قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ عِنْدَ الْإِفْرَادِ
أَمَّا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ مُتَوَلِّيًا وَنَاظِرًا عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا، فَيُرَادُ بِالنَّاظِرِ الْمُشْرِفُ وَعَنْ هَذَا أَجَبْتُ فِي حَادِثَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي الْإِيجَارُ، بِلَا عِلْمِ النَّاظِرِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْفَتَاوَى الرَّحِيمِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ آجَرَ الْمُتَوَلِّي إجَارَةً شَرْعِيَّةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا يَمْلِكُ النَّاظِرُ مُعَارَضَتَهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُشْرِفِ تَأَمَّلْ. وَأَفْتَى فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّة بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاظِرِ مُعَارَضَةُ الْمُتَوَلِّي إلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ نِظَارَتَهُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. اهـ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَوْ نَصَبَهُ الْقَاضِي نَاظِرًا عَلَى الْمُتَوَلِّي لِثُبُوتِ خِيَانَتِهِ لَمْ يَسْتَقِلَّ الْمُتَوَلِّي بِالصَّرْفِ كَمَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ، بَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ نَصَبَهُ عَلَيْهِ لِلطَّعْنِ فِي أَمَانَتِهِ كَمَا بَحَثْنَاهُ آنِفًا تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: لَيْسَ لِلْمُتَوَلِّي أَنْ يَسْتَدِينَ إلَخْ) مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ
(قَوْلُهُ: إذَا كَانَ مُسَجَّلًا) مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ إنَّ الْوَقْفَ لَا يَلْزَمُ قَبْلَ الْحُكْمِ وَالتَّسْجِيلِ، وَمَرَّ أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ قَوْلُهُمَا. مَطْلَبٌ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الشُّرُوطِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا أَصْلَحَ) الَّذِي رَأَيْته فِي فَتَاوَى مُؤَيَّدِ زَادَهْ إذَا لَمْ يَكُونُوا أَصْلَحَ أَوْ فِي أَمْرِهِمْ تَهَاوُنٌ فَيَجُوزُ لِلْوَاقِفِ؟ الرُّجُوعُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ اهـ وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهَا فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى. ثُمَّ قَالَ بِحَذْفِ فِي ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ: لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْوَقْفِ إذَا كَانَ مُسَجَّلًا، وَلَكِنْ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَتَغْيِيرُهُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا كَالْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ وَالْمُعَلِّمِ إنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْلَحَ أَوْ تَهَاوَنُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَيَجُوزُ لِلْوَاقِفِ مُخَالَفَةُ الشَّرْطِ اهـ.
قَالَ ط: أَقُولُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَالْإِمَامِ إنْ لَمْ يَكُونُوا أَصْلَحَ لَيْسَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةٌ لِلشَّرْطِ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ لِلْوَقْفِ بِنَصْبِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَصْلُحُ، فَهُوَ كَمَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُنْزَعَ مِنْ الْوِلَايَةِ فَخَانَ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ وَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا الشَّرْطُ وَيُوَلَّى غَيْرُهُ، وَكَمَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُؤْجِرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَلَا رَغْبَةَ فِيمَا عَيَّنَهُ فَإِنَّهُ يُخَالَفُ، وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يُفْرِدَ هَذَا بِفَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي جَمِيعِ الشُّرُوطِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
قُلْت: وَقَدْ أَجَادَ فِيمَا أَفَادَ، أَعْطَاهُ مَوْلَاهُ غَايَةَ الْمُرَادِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُؤَذِّنُ أَوْ الْمُعَلِّمُ شَخْصًا مُعَيَّنًا يَصِحُّ الرُّجُوعُ عَنْهُ لَوْ كَانَ مُتَهَاوِنًا فِي مُبَاشَرَةِ وَظِيفَتِهِ أَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَغْيِيرٌ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ: أَيْ تَغْيِيرُ الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ بِغَيْرِهِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَوْلِهِ الْبَانِي أَوْلَى بِنَصْبِ الْإِمَامِ وَالْمُؤَذِّنِ فِي الْمُخْتَارِ إلَّا إذَا عَيَّنَ الْقَوْمُ أَصْلَحَ مِمَّنْ عَيَّنَهُ، وَبِهِ ظَهَرَ الْجَوَابُ عَمَّا نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْأَشْبَاهِ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ عَزْلِهِ لِمُدَرِّسٍ وَإِمَامٍ وَلَا هُمَا، وَهُوَ أَنَّهُ جَائِزٌ لِلْمَصْلَحَةِ إذَا كَانَا مَشْرُوطَيْنِ فِي أَصْلِ الْوَقْفِ فَبِدُونِهِ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ عَنْ شُرُوطِ الْوَقْفِ كَمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ، حَتَّى تَكَلَّفَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى لِلْجَوَابِ عَمَّا قَدَّمَهُ عَنْ الدُّرَرِ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ وَالْجِهَةُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إعْطَاءُ الْغَلَّةِ لِغَيْرِ مَنْ عَيَّنَهُ لِخُرُوجِ الْوَقْفِ عَنْ مِلْكِهِ بِالتَّسْجِيلِ.
اهـ.
فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ صِحَّةِ الرُّجُوعِ عَنْ الشُّرُوطِ، وَلَا يُخَالِفُهُ مَا فِي الْمُؤَيِّدِيَّةِ عَلَى مَا عَلِمْتَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ إنَّ التَّوْلِيَةَ خَارِجَةٌ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الشُّرُوطِ لِأَنَّ لَهُ فِيهَا التَّغْيِيرَ كُلَّمَا بَدَا لَهُ،
وَأَمَّا بَاقِي الشَّرَائِطِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهَا فِي أَصْلِ الْوَقْفِ اهـ وَفِي الْإِسْعَافِ: وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ إلَّا مَا شُرِطَ وَقْتَ الْعَقْدِ. اهـ. وَفِيهِ: لَوْ شَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنْ يَزِيدَ وَظِيفَةَ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهُ أَوْ يَنْقُصَ مِنْ وَظِيفَةِ مَنْ يَرَى نُقْصَانَهُ أَوْ يُدْخِلَ مَعَهُمْ مَنْ يَرَى إدْخَالَهُ أَوْ يُخْرِجَ مَنْ يَرَى إخْرَاجَهُ جَازَ، ثُمَّ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ لِأَنَّ شَرْطَهُ وَقَعَ عَلَى فِعْلٍ يَرَاهُ،
فَإِذَا رَآهُ وَأَمْضَاهُ فَقَدْ انْتَهَى مَا رَآهُ اهـ وَفِي فَتَاوَى الشَّيْخِ قَاسِمٍ: وَمَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ مُعْتَبَرٍ فِي الْوَقْفِ فَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَخْصِيصُهُ بَعْدَ تَقَرُّرِهِ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ الْحُكْمِ. اهـ. فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الشُّرُوطِ لَا يَصِحُّ إلَّا التَّوْلِيَةَ مَا لَمْ يَشْرِطْ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوطِ مَرَّةً وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّمَا بَدَا لَهُ وَإِلَّا إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ اقْتَضَتْهُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا) أَيْ الْكِنَايَةَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ وَالْمُرَادُ بِهَا الضَّمِيرُ وَتَسْمِيَةُ الضَّمِيرِ كِنَايَةً اصْطِلَاحُ الْكُوفِيِّينَ أَفَادَهُ ط
(قَوْلُهُ: لِأَقْرَبِ الْمُكَنَّيَاتِ) أَيْ لِأَقْرَبِ الْمَذْكُورَاتِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ كِنَايَةً عَنْهَا. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْأَصْلَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ
(قَوْلُهُ: بِمُقْتَضَى الْوَضْعِ) أَيْ الْأَصْلِ وَهُوَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَيْهِ.
قُلْت: وَهَذَا الْأَصْلُ عِنْدَ الْخُلُوِّ عَنْ الْقَرَائِنِ. مَطْلَبٌ فِيمَا إذَا قَالَ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الذُّكُورِ وَلِذَا
قَالَ فِي الْخَيْرِيَّةِ: سُئِلَ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ حَسَنٍ وَعَلَى مَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ الْإِنَاثِ وَأَوْلَادِهِنَّ. ثُمَّ حَدَثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ثُمَّ مَاتَ حَسَنٌ الْمَذْكُورُ فَهَلْ الضَّمِيرُ فِي يَحْدُثُ لَهُ رَاجِعٌ إلَى حَسَنٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ أَمْ إلَى الْوَاقِفِ فَيَدْخُلُ مُحَمَّدٌ فَأَجَابَ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ مَوْلَانَا الشَّيْخُ حَسَنٌ الشُّرُنْبُلَالِيُّ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْوَاقِفِ ثُمَّ
قَالَ فِي الْخَيْرِيَّةِ إنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ ذُو فَهْمٍ فِيهِ إذْ هُوَ الْأَقْرَبُ إلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ مَعَ صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لَهُ. مَطْلَبٌ إذَا كَانَ لِلَّفْظِ مُحْتَمَلَانِ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِغَرَضِ الْوَاقِفِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي شُرُوطِ الْوَاقِفِينَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلَّفْظِ مُحْتَمَلَانِ تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِالْغَرَضِ،
وَإِذَا أَرْجَعْنَا الضَّمِيرَ إلَى حَسَنٍ لَزِمَ حِرْمَانُ وَلَدِ الْوَاقِفِ لِصُلْبِهِ وَاسْتِحْقَاقُ أَوْلَادِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَفِيهِ غَايَةُ الْبُعْدِ، وَلَا تَمَسُّكَ بِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مَذْكُورٍ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَحْظُورِ، وَهَذَا لِغَايَةِ ظُهُورِهِ غَنِيٌّ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ مَسَائِلُ ثَلَاثٌ) أَيْ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْأَقْرَبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ضَمِيرٌ،
فَإِنَّ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ لَا ضَمِيرَ فِيهِمَا ط
(قَوْلُهُ: فَالْهَاءُ لِعَمْرٍو فَقَطْ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُ نَسْلُ زَيْدٍ زَادَ الْإِمَامُ الْخَصَّافُ: فَإِنْ قَالَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَسْلِهِمَا، فَالْغَلَّةُ لِعَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَسْلِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو دُونَ نَسْلِ عَبْدِ اللَّهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَالذُّكُورُ رَاجِعٌ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَحَسْبُ) أَيْ فَقَطْ: أَيْ لِلْمُضَافِ الْمَعْطُوفِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَدُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ عَلَى وَلَدِي بَقِيَ شَامِلًا لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَوْلُهُ وَوَلَدِ وَلَدِي الذُّكُورِ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ: أَيْ بِالْمُضَافِ فَقَطْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ. وَلَا يُقَالُ الْمُضَافُ إلَيْهِ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْمُضَافِ؛ كَمَا إذَا قُلْت جَاءَ غُلَامُ زَيْدٍ وَأَكْرَمْته: أَيْ الْغُلَامَ لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ ذُكِرَ مُعَرِّفًا لِلْمُضَافِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالْحُكْمِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فَحَسْبُ احْتِرَازًا عَنْ رُجُوعِهِ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فَقَطْ، فَلَا يُنَافِي رُجُوعَهُ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ فَحَوَى الْعِبَارَةِ لَكِنَّهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ هِلَالٌ بِقَوْلِهِ قُلْت أَرَأَيْت إنْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي الذُّكُورِ، قَالَ: فَهِيَ لِمَنْ كَانَ ذَكَرًا مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ، قَالَ الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ قَالَ نَعَمْ اهـ فَقَدْ جَعَلَهُ قَيْدًا لِلْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ دُونَ الْمُضَافِ إلَيْهِ،
وَمِثْلُهُ فِي الْإِسْعَافِ. وَنَصُّهُ: وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي الْإِنَاثِ يَكُونُ لِلْإِنَاثِ مِنْ وَلَدِهِ دُونَ ذُكُورِهِمْ وَالْإِنَاثِ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَهُنَّ فِيهِمَا سَوَاءٌ اهـ وَهُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ كَلَامِ الْخَصَّافِ أَيْضًا، لَكِنْ يَأْتِي أَنَّ الْوَصْفَ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ عِنْدَنَا، وَهُوَ مُؤَيِّدٌ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فِي عِبَارَةِ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى، وَمُقْتَضِي كَلَامِ الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ قَيْدٌ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ فَقَطْ، وَتَمَامُ تَحْرِيرِ الْمَقَامِ فِي كِتَابِنَا تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ فَرَاجِعْهُ. مَطْلَبٌ إذَا تَقَدَّمَ الْقَيْدُ يَكُونُ لِمَا قَبْلَ الْعَاطِفِ
(قَوْلُهُ: وَعَكْسُهُ وَقَفْتُ إلَخْ) عَكْسُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ أُرِيدَ بِهَا لَفْظُهَا خَبَرٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ عَكْسُ مَا قَبْلَهُ فِي كَوْنِ الْقَيْدِ فِيهِ مُتَقَدِّمًا فَيَكُونُ لِمَا قَبْلَ الْعَاطِفِ،
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْقَيْدَ فِيهِ مُتَأَخِّرٌ فَيَكُونُ لِمَا بَعْدَ الْعَاطِفِ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَفِي قَوْلِهِ فَيُصْرَفُ عَائِدٌ لِلْقَيْدِ وَهُوَ لَفْظُ بَنِي لَا لِعَمْرٍو كَمَا وَهَمَ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْوَصْفَ يَعُودُ إلَى مَا يَلِيهِ سَوَاءٌ تَأَخَّرَ أَوْ تَقَدَّمَ،
فَإِذَا قَالَ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِي وَجِيرَانِي يَنْصَرِفُ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْأَصْلَ الْعَطْفُ عَلَى الْمُضَافِ، وَلَمْ أَرَ مَا لَوْ تَوَسَّطَ الْوَصْفُ مِثْلُ عَلَى أَوْلَادِي الذُّكُورِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَالظَّاهِرُ انْصِرَافُهُ لِلْأَوَّلِ فَقَطْ، فَيَخُصُّ الذُّكُورَ لِصُلْبِهِ وَيَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، نَعَمْ لَوْ قَالَ وَأَوْلَادِهِمْ يَخُصُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِمْ.
وَفِي الْإِسْعَافِ: لَوْ قَالَ عَلَى الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِي وَعَلَى أَوْلَادِهِمْ فَهِيَ لِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ وَلِوَلَدِ الذُّكُورِ: إنَاثًا كَانُوا أَوْ ذُكُورًا دُونَ بَنَاتِ الصُّلْبِ، فَلَا تُعْطَى الْبِنْتُ الصُّلْبِيَّةُ وَتُعْطَى بِنْتُ أُخْتِهَا.
وَلَوْ قَالَ عَلَى ذُكُورِ وَلَدِي وَذُكُورِ وَلَدِ وَلَدَى يَكُونُ لِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ وَلِلذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَيَكُونُ الذُّكُورُ مِنْ وَلَدِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ فِيهِ سَوَاءً وَلَا يَدْخُلُ أُنْثَى مِنْ وَلَدِهِ وَلَا وَلَدِ وَلَدِهِ
وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَعَلَى أَوْلَادِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِي يَكُونُ عَلَى وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَعَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ وَلَدِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا يَدْخُلُ بَنَاتُ الصُّلْبِ. اهـ.
(قَوْلُهُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ) رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَمُقَابِلُهُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكِنَايَةَ تَنْصَرِفُ لِلْوَاقِفِ لَا لِابْنِهِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الْمِنَحِ قُبَيْلَ هَذَا الْفَصْلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي بَاقِي الْمَسَائِلِ كَذَلِكَ. مَطْلَبٌ الْوَصْفُ بَعْدَ جُمَلٍ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ عِنْدَنَا
(قَوْلُهُ: قُلْت وَقَدَّمْنَا) أَيْ فِي هَذَا الْفَصْلِ حَيْثُ قَالَ: الْوَصْفُ بَعْدَ الْجُمَلِ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ عِنْدَنَا إلَخْ وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَهَذَا تَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فَالذُّكُورُ رَاجِعٌ لِوَلَدِ الْوَلَدِ فَحَسْبُ، لَكِنْ عَلِمْت مُخَالَفَتَهُ لِكَلَامِ هِلَالٍ وَالْإِسْعَافِ
(قَوْلُهُ: عِنْدَنَا) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِلْجَمِيعِ إنْ لَمْ يُعْطَفْ بِثُمَّ كَمَا مَرَّ وَيَأْتِي
(قَوْلُهُ: مِنْ بَابِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَيْ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
(قَوْلُهُ وَهُوَ الْأَصْلُ) أَيْ انْصِرَافُ الشَّرْطِ إلَى الْمُتَعَاطِفَيْنِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
(قَوْلُهُ: فِي الشَّرْطِ الْمُصَرَّحِ بِهِ) مِثْلُ فُلَانَةُ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَيَكُونُ دُخُولُ الدَّارِ شَرْطًا لِطَلَاقِهِمَا لَا لِلْمَعْطُوفِ فَقَطْ. اهـ. ط
(قَوْلُهُ: وَالِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ شَرْطٌ حَقِيقَةً وَإِنْ سُمِّيَ اسْتِثْنَاءً عُرْفًا. وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِإِلَّا فَفِي التَّلْوِيحِ: إذَا وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ عَقِيبَ جُمَلٍ مَعْطُوفٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ وَالْأَخِيرِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظُّهُورِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ إلَى التَّفْصِيلِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْأَخِيرَةِ اهـ وَالْمُرَادُ بِالتَّفْصِيلِ هُوَ أَنَّهُ إنْ اسْتَقَلَّتْ الثَّانِيَةُ عَنْ الْأُولَى بِالْإِضْرَابِ عَنْهَا فَلِلْأَخِيرَةِ وَإِلَّا فَلِلْجَمِيعِ.
وَاحْتَرَزَ بِالْجُمَلِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ عَقِيبَ مُفْرَدَاتٍ فَإِنَّهُ لِلْكُلِّ اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ مِثَالُ الْأَوَّلِ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى أَوْلَادِي وَوَقَفْتُ بُسْتَانِي عَلَى إخْوَتِي إلَّا إذَا خَرَجُوا، وَمِثَالُ الثَّانِي: وَقَفَتْ دَارِي عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ إلَّا إذَا خَرَجُوا
(قَوْلُهُ: فَتُصْرَفُ إلَى مَا يَلِيهِ) أَيْ إلَى مَا يَلِي الْعَاطِفَ وَهُوَ الْمَعْطُوفُ الْمُتَأَخِّرُ وَهُوَ الْأَوْجَهُ مِنْ صَرْفِهَا لِلْجَمِيعِ كَمَا فِي تَحْرِيرِ ابْنِ الْهُمَامِ
(قَوْلُهُ: نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو الْعَالِمُ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْوَصْفَ هُنَا لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِلْجَمِيعِ وَإِنْ أَمْكَنَ لِلْأَوَّلِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَالْمُنَاسِبُ تَمْثِيلُ ابْنِ الْهُمَامِ بِقَوْلِهِ كَتَمِيمٍ وَقُرَيْشٍ الطِّوَالِ فَعَلُوا،
فَإِنَّ الطِّوَالَ جَمْعُ طَوِيلٍ يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِلْمُتَعَاطِفَيْنِ وَلِلْأَخِيرِ فَقَطْ،
وَالثَّانِي مَذْهَبُنَا وَهُوَ الْأَوْجَهُ كَمَا عَلِمْت، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ،
قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِهِ: الصِّفَةُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْعَوْدِ إلَى كُلِّ الْمُتَعَدِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ تَقَدَّمَتْ، نَحْوُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ الْمُحْتَاجِينَ وَوَقَفْت عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ، فَيَعُودُ الْوَصْفُ فِي الْأَوَّلِ إلَى الْأَوْلَادِ مَعَ أَوْلَادِهِمْ.
وَفِي الثَّانِي إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ مَعَ الْأَوْلَادِ،
وَقِيلَ لَا. أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ نَحْوُ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَوْلَادِهِمْ فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ تَعُودُ إلَى مَا وَلِيَهَا أَيْضًا اهـ. مَطْلَبٌ الشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ اتِّفَاقًا لَا الْوَصْفُ فَإِنَّهُ لِلْأَخِيرِ عِنْدَنَا
[تَنْبِيهٌ] حَاصِلُ مَا مَرَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْوَصْفِ يَعُودُ إلَى الْمُتَعَاطِفَيْنِ جَمِيعًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ،
وَكَذَا عِنْدَنَا إلَّا الْوَصْفَ فَإِلَى الْأَخِيرِ فَقَطْ، لَكِنْ عَلِمْت مُخَالِفَتَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ هِلَالٍ وَغَيْرِهِ. مَطْلَبٌ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ وَقَدْ سُئِلَ الْمُصَنِّفُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَعَدَدَهُمْ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ لِلْإِنَاثِ حَقٌّ إلَّا إذَا كُنَّ عَازِبَاتٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَهَلْ هَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ لِلْكُلِّ أَوْ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ الْمَعْطُوفَةِ بِثُمَّ وَمَا بَعْدَهَا لِطُولِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ لَيْسَ لِلْإِنَاثِ حَقٌّ إلَخْ أَجَابَ: صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّ كَذَا مِنْ قَبِيلِ الشَّرْطِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى اللُّزُومِ، وَوُجُودُ الْجَزَاءِ يُلَازِمُهُ وُجُودُ الشَّرْطِ كَمَا قَالَ تَعَالَى - {يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ}- أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ وَبِأَنَّ الشَّرْطَ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ،
بِخِلَافِ الصِّفَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِلَى الْأَخِيرِ عِنْدَنَا، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ وَالْعَطْفِ بِثُمَّ، وَعَلَى هَذَا فَيَعُودُ نَصِيبُ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لِوَلَدِهِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِغَرَضِ الْوَاقِفِينَ اهـ مُلَخَّصًا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ طُولَ الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ لَا يَضُرُّ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَ ذَا الْعَطْفِ بِوَاوٍ) قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي فَتَاوَاهُ: وَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الْعَطْفَ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِأَدَاةٍ، وَمِمَّنْ حَكَى الْإِطْلَاقَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالشَّيْخَانِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلَ ثُمَّ كَالْوَاوِ كَالْمُتَوَلِّي حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ، وَمَثَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَسْأَلَةَ بِثُمَّ ثُمَّ قَيَّدَهَا بِطَرِيقِ الْبَحْثِ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْوَاوِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ حَمَوِيٌّ
(قَوْلُهُ: إلَى الْأَخِيرِ) مُتَعَلِّقٌ بِرَجَعَا الَّذِي هُوَ جَوَابُ
أَمَّا. مَطْلَبٌ فِي تَحْرِيرِ الْكَلَامِ عَلَى دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى الْبَنِينَ وَقْفًا يَجْعَلُ إلَخْ) يَعْنِي لَوْ قَالَ عَلَى بَنِيَّ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنَاتُ لِأَنَّ الْبَنَاتِ إذَا جُمِعْنَ مَعَ الْبَنِينَ ذُكِرْنَ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ وَلَوْ لَهُ بَنَاتٌ فَقَطْ، أَوْ قَالَ عَلَى بَنَاتِي وَلَهُ بَنُونَ لَا غَيْرُ فَالْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ وَلَا شَيْءَ لَهُمْ، وَتَمَامُهُ فِي الْإِسْعَافِ، وَهَذَا الْبَيْتُ يُغْنِي عَنْهُ الْبَيْتَانِ الْأَخِيرَانِ
(قَوْلُهُ: وَوَلَدُ الِابْنِ كَذَاكَ الْبِنْتُ) أَيْ كَذَاكَ وَلَدُ الْبِنْتِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَبْقَى الْمُضَافَ إلَيْهِ عَلَى جَرِّهِ. اهـ. ح أَيْ لَوْ وَقَفَ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ يَدْخُلُ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ
(قَوْلُهُ: لَوْ وَقَفَ الْوَقْفَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ) أَيْ لَوْ قَالَ عَلَى ذُرِّيَّةِ زَيْدٍ أَوْ قَالَ عَلَى نَسْلِهِ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ، وَوَلَدُ الْبَنِينَ وَوَلَدُ الْبَنَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ خَصَّافٌ
(قَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ إلَخْ) أَيْ إنْ لَمْ يُرَتِّبْ بَيْنَ الْبُطُونِ تُقْسَمُ الْغَلَّةُ يَوْمَ تَجِيءُ عَلَى عَدَدِهِمْ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ وَالْأَسْفَلِ دَرَجَةً بِالسَّوِيَّةِ بِلَا تَفْضِيلٍ، ثُمَّ كُلَّمَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ سَهْمُهُ، وَتُنْقَضُ الْقِسْمَةُ وَتُقْسَمُ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ مَوْجُودًا يَوْمَ تَأْتِي الْغَلَّةُ،
أَمَّا لَوْ رَتَّبَ، بِأَنْ قَالَ يُقَدَّمُ الْبَطْنُ الْأَعْلَى عَلَى الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ اُعْتُبِرَ شَرْطُهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْخَصَّافِ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ الْمُفْتَى بِهِ عَدَمُ دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي الْأَوْلَادِ مُطْلَقًا: أَيْ سَوَاءٌ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَوْ بِلَفْظِ اسْمِ الْجِنْسِ كَوَلَدِي، وَسَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ كَمَا مَثَّلْنَا أَوْ ذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّانِي مُضَافًا إلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ الْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْوَاقِفِ كَأَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، أَوْ الْعَائِدِ عَلَى الْأَوْلَادِ كَأَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ: يَدْخُلُونَ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ الرَّازِيّ إنْ ذَكَرَ الْبَطْنَ الثَّانِيَ بِلَفْظِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْوَاقِفِ كَوَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي لَا يَدْخُلُونَ،
وَإِنْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ الْمُضَافِ إلَى ضَمِيرِ الْأَوْلَادِ كَأَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ دَخَلُوا.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: لَا يَدْخُلُونَ فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْبَطْنِ الثَّانِي. وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الدُّخُولُ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ اسْمٌ لِمَنْ وَلَدُهُ وَلَدُهُ وَابْنَتُهُ وَلَدُهُ،
فَمَنْ وَلَدَتْهُ بِنْتُهُ يَكُونُ وَلَدَ وَلَدِهِ حَقِيقَةً،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ عَلَى وَلَدِي فَإِنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ لَا يَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ يَتَنَاوَلُ وَلَدَهُ لِصُلْبِهِ، وَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ وَلَدَ الِابْنِ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا، وَهُوَ اخْتِيَارٌ لِقَوْلِ هِلَالٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ مُسْتَنِدًا لِكَلَامِ مُحَمَّدٍ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ.
وَفِي الْإِسْعَافِ أَنَّهُ الصَّحِيحُ وَجَزَمَ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ نُورُ الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ وَتِلْمِيذُهُ الشَّلَبِيُّ وَابْنُ الشِّحْنَةِ وَابْنُ نُجَيْمٍ وَالْحَانُوتِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ،
وَكَذَا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ فَتَاوَاهُ، وَخَالَفَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَتَمَامُ تَحْرِيرِ ذَلِكَ وَتَرْجِيحُ مَا جَنَحَ إلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي كِتَابِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ، وَقَدَّمْنَا فِي الْجِهَادِ بَعْضَ ذَلِكَ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الْكَازَرُونِيِّ جَوَابًا مُطَوَّلًا لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَلِيٍّ الْمَقْدِسِيَّ، مُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْهُمَامِ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَوْ ضَمَّ إلَى الْوَلَدِ وَلَدَ الْوَلَدِ فَقَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي اشْتَرَكَ الصُّلْبِيُّونَ وَأَوْلَادُ بَنِيهِ وَأَوْلَادُ بَنَاتِهِ، كَذَا اخْتَارَهُ هِلَالٌ وَالْخَصَّافُ وَصَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ، وَأَنْكَرَ الْخَصَّافُ رِوَايَةَ حِرْمَانِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ وَقَالَ لَمْ أَجِدْ مَنْ يَقُولُ بِرِوَايَةِ ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِوَلَدِ زَيْدٍ فَإِنْ وُجِدَ لَهُ وَلَدٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ لِصُلْبِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ بَيْنَهُمْ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ بَلْ وَلَدُ وَلَدٍ مِنْ أَوْلَادِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ كَانَ لِأَوْلَادِ الذُّكُورِ دُونَ أَوْلَادِ الْإِنَاثِ، فَكَأَنَّهُمْ قَاسُوهُ عَلَى ذَلِكَ. وَفَرَّقَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَهُمَا بِالْفَرْقِ الْمَشْهُورِ الْمَذْكُورِ فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَيْ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ، فَهَذَا ابْنُ الْهُمَامِ الْمَعْرُوفُ بِالتَّحْقِيقِ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ قَدْ اعْتَمَدَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ
أَمَّا هِلَالٌ فَإِنَّهُ تِلْمِيذُ أَبِي يُوسُفَ.
وَأَمَّا الْخَصَّافُ فَقَدْ شَهِدَ لَهُ بِالْفَضْلِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ فَقَالَ: إنَّ الْخَصَّافَ إمَامٌ كَبِيرٌ فِي الْعُلُومِ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَقَدْ اقْتَدَى بِهِ أَئِمَّةُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا قَاضِي خَانْ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَمَا فِي الطَّبَقَاتِ يُغْنِي عَنْ التَّطْوِيلِ،
وَإِذَا كَانَ مِثْلُ الْإِمَامِ الْخَصَّافِ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقُولُ بِرِوَايَةِ حِرْمَانِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي صُورَةِ وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي يَعْلَمُ أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافُ رِوَايَةٍ قَطْعًا بَلْ دُخُولُ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِيهَا رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. فَعَنْ هَذَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا السُّرِّيُّ ابْنُ الشِّحْنَةِ: يَنْبَغِي أَنْ تُصَحَّحَ رِوَايَةُ الدُّخُولِ قَطْعًا لِأَنَّ فِيهَا نَصُّ مُحَمَّدٍ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَالْمُرَادُ بِهِمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ، وَقَدْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَا يَفْهَمُونَ سِوَى ذَلِكَ وَلَا يَقْصِدُونَ غَيْرَهُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُهُمْ وَعُرْفُهُمْ مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ.
وَقَدْ وَقَعَ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الصَّدْرِ الْأَجَلِّ الْمَوْلَى ابْنِ كَمَالٍ بَاشَا مِثْلُ مَا وَقَعَ مِنْ ابْنِ الْهُمَامِ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ.
قَالَ: وَيَقْطَعُ عِرْقَ شُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ فِي صُورَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَا نَقَلَهُ فِي الذَّخِيرَةِ عَنْ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ أَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يَدْخُلُونَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا قَالَ آمِنُونِي عَلَى أَوْلَادِي. اهـ. وَبِهَذَا الْبَيَانِ اتَّضَحَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ كَالتَّجْنِيسِ وَالْوَاقِعَاتِ وَالْمُحِيطِ الرَّضَوِيِّ مِنْ ذِكْرِ الْخِلَافِ فِي الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَبِيلِ نَقْلِ الْخِلَافِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْأُخْرَى مَعَ قِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ أَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ يُنْسَبُ لِأَبِيهِ لَا يُسَاعِدُهُمْ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُنْسَبُ إلَى الْأُمِّ لُغَةً وَشَرْعًا فَلَا وَجْهَ لَهُ، إذْ لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّةِ قَوْلِ الْوَاقِفِ وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِ بَنَاتِي،
وَإِنْ أُرِيدَ لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا عُرْفًا فَلَا يُجْدِي نَفْعًا فِي عَدَمِ دُخُولِ وَلَدِ الْبِنْتِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ دُخُولَهُ فِيهَا بِحُكْمِ الْعِبَارَةِ لَا بِحُكْمِ الْعُرْفِ، وَالدُّخُولُ بِحُكْمِ الْعُرْفِ إنَّمَا هُوَ فِي صُورَتَيْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَهُمَا وَلَدِي وَأَوْلَادِي، وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا. وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّ الْعُرْفَ مُوَافِقٌ لِلْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَالتَّعْوِيلُ عَلَيْهِ. اهـ. وَقَدْ أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْحَانُوتِيُّ بِمِثْلِ مَا قَالَهُ الْمَقْدِسِيَّ
(قَوْلُهُ: يَشْتَرِكُ الْإِنَاثُ وَالذُّكُورُ) أَيْ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ تَغْلِيبًا لِلْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ مَطْلَبٌ فِي مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ الْوَاقِعَةِ فِي الْأَشْبَاهِ فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ وَالدَّرَجَةِ الْجَعْلِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَمِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَعَ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَاشْتِبَاهٌ وَلَا سِيَّمَا عَلَى صَاحِبِ الْأَشْبَاهِ.
وَلَمَّا رَأَيْت الْأَمْرَ كَذَلِكَ جَمَعْت فِيهَا حِينَ وُصُولِي إلَى هَذَا الْمَحَلِّ رِسَالَةً سَمَّيْتهَا الْأَقْوَالُ الْوَاضِحَةُ الْجَلِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ نَقْضِ الْقِسْمَةِ وَمَسْأَلَةِ الدَّرَجَةِ الْجَعْلِيَّةِ وَكُنْت ذَكَرْت شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ وَأَوْضَحْت فِيهِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا تَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ،
فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَلْيَرْجِعْ إلَى هَذَيْنِ التَّأْلِيفَيْنِ: فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي كَلَامًا طَوِيلًا، وَلْنَذْكُرْ لَك خُلَاصَةَ ذَلِكَ بِاخْتِصَارٍ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَهَكَذَا مُرَتِّبًا بَيْنَ الْبُطُونِ وَشَرَطَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَمَنْ مَاتَ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ لِشَيْءٍ وَلَهُ وَلَدٌ قَامَ وَلَدُهُ مَقَامَهُ وَاسْتَحَقَّ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّ لَوْ بَقِيَ حَيًّا فَمَاتَ الْوَاقِفُ أَوْ غَيْرُهُ عَنْ عَشَرَةِ أَوْلَادٍ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ عَنْ وَلَدٍ يُعْطَى سَهْمُهُ لِوَلَدِهِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ،
فَلَوْ مَاتَ بَعْدَهُ آخَرُ عَنْ وَلَدٍ وَعَنْ وَلَدِ وَلَدٍ مَاتَ وَالِدُهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فَهَلْ يُعْطَى هَذَا الْوَلَدُ مَعَ عَمِّهِ حِصَّةَ جَدِّهِ لِأَنَّ الْوَاقِفَ جَعَلَ دَرَجَتَهُ دَرَجَةَ أَبِيهِ وَهِيَ دَرَجَتُهُ الْجَعْلِيَّةُ فَيُشَارِكُ أَهْلَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَهِيَ دَرَجَةُ عَمِّهِ أَوْ لَا يُعْطَى لَهُ شَيْئًا أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ، وَخَصَّ الْعَمَّ بِحِصَّةِ أَبِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ لَا يُسَمَّى مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِشَرْطِهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدِهِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، فَكُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ يُعْطَى سَهْمُهُ لِوَلَدِهِ دُونَ وَلَدِ وَلَدِهِ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ إلَى أَنْ يَمُوتَ الْعَاشِرُ مِنْ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا فَإِذَا مَاتَ هَذَا الْعَاشِرُ عَنْ وَلَدِهِ لَا يُعْطَى نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ بَلْ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ وَيُقْسَمُ عَلَى الْبَطْنِ الثَّانِي قِسْمَةً مُسْتَأْنَفَةً،
وَيَبْطُلُ قَوْلُ الْوَاقِفِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدِهِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، وَيُرْجَعُ إلَى الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ حَيْثُ رَتَّبَ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ وَبَعْدَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي عَنْ وَلَدِهِ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَمُوتَ آخِرُ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ وَتُسْتَأْنَفُ قِسْمَةٌ أُخْرَى عَلَى الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الطَّبَقَاتِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ وَغَيْرُهُ، لَكِنَّ السُّبْكِيَّ قَسَمَ عَلَى الْمَوْتَى مِنْ كُلِّ طَبَقَةٍ عِنْدَ اسْتِئْنَافِ الْقِسْمَةِ وَأَعْطَى حِصَّةَ كُلِّ مَيِّتٍ لِأَوْلَادِهِ
وَأَمَّا الْخَصَّافُ فَقَسَمَ عَلَى عَدَدِ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ الْقِسْمَةُ عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى أُصُولِهِمْ، فَهَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، وَخَالَفَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فَاخْتَارَ أَنَّ وَلَدَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ يَقُومُ مَقَامَ وَالِدِهِ عَمَلًا بِالشَّرْطِ وَيَسْتَحِقُّ مَنْ جَدِّهِ مَعَ أَعْمَامِهِ وَأَنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ أَعْمَامِهِ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ اسْتَحَقَّ مَعَهُمْ أَيْضًا لِأَنَّ عَدَمَ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ مَمْنُوعٌ، بَلْ صَرِيحٌ قَوْلِ الْوَاقِفِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهِ أَنَّهُ مِنْهُمْ؛
فَأَهْلُ الْوَقْفِ يَشْمَلُ الْمُسْتَحِقَّ وَمَنْ كَانَ بِصَدَدِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَأَنَّهُ إذَا مَاتَ آخِرُ مَنْ فِي الطَّبَقَةِ عَنْ وَلَدٍ يُعْطَى سَهْمُهُ لِوَلَدِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ أَوْلَادَ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ لَا يُحْرَمُونَ مَعَ بَقَاءِ الطَّبَقَةِ الْأُولَى، بَلْ يَسْتَحِقُّونَ مَعَهُمْ عَمَلًا بِاشْتِرَاطِ الدَّرَجَةِ الْجَعْلِيَّةِ. ثَانِيهمَا أَنَّهُ إذَا انْقَرَضَتْ الطَّبَقَةُ لَا تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ كَمَا هُوَ صَرِيحُ إعْطَائِهِ سَهْمَ آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنْ الطَّبَقَةِ لِوَلَدِهِ، فَقَوْلُهُ فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّهُ وَافَقَ السُّبْكِيَّ عَلَى نَقْضِ الْقِسْمَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْأَشْبَاهِ قَالَ: إنَّ مُخَالَفَتَهُ لِلسُّبْكِيِّ فِي أَوْلَادِ الْمُتَوَفَّى فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَاجِبَةٌ.
وَأَمَّا نَقْضُ الْقِسْمَةِ بَعْدَ انْقِرَاضِ كُلِّ بَطْنٍ فَقَدْ أَفْتَى بِهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ وَعَزَوْهُ لِلْخَصَّافِ وَلَمْ يَتَنَبَّهُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَ صُورَتَيْ الْخَصَّافِ وَالسُّبْكِيِّ،
فَإِنَّ صُورَةَ السُّبْكِيّ ذَكَرَ فِيهَا الْعَطْفَ بِكَلِمَةٍ ثُمَّ بَيَّنَ الطَّبَقَاتِ، وَصُورَةُ الْخَصَّافِ قَالَ فِيهَا وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِمْ مُرَتِّبًا: أَيْ قَائِلًا عَلَى أَنْ يُبْدَأَ بِالْبَطْنِ الْأَعْلَى ثُمَّ بِاَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ بِاَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَصَدْرُ مَسْأَلَةِ الْخَصَّافِ اقْتَضَى اشْتِرَاكَ الْبَطْنِ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ، وَقَوْلُهُ عَلَى أَنْ يُبْدَأَ بِالْبَطْنِ الْأَعْلَى إخْرَاجٌ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَصَدْرُ مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ اقْتَضَى عَدَمَ الِاشْتِرَاكِ لِلْعَطْفِ بِثُمَّ لَا بِالْوَاوِ فَنَقْضُ الْقِسْمَةِ خَاصٌّ بِمَسْأَلَةِ الْخَصَّافِ دُونَ مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِكَلَامِ الْخَصَّافِ عَلَى مَسْأَلَةِ السُّبْكِيّ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ عَبَّرَ بِالْوَاوِ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ مُرَتِّبًا بَعْدَهُ، بِأَنْ يُبْدَأَ بِالْبَطْنِ الْأَعْلَى تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ عِنْدَ انْقِرَاضِ كُلِّ بَطْنٍ كَمَا قَالَهُ الْخَصَّافُ وَإِنْ عَبَّرَ بِثُمَّ لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِنَقْضِ الْقِسْمَةِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ، بَلْ كُلَّمَا مَاتَ أَحَدٌ عَنْ وَلَدٍ يُعْطَى سَهْمُهُ لِوَلَدِهِ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ، حَتَّى إنَّ الْعَلَّامَةَ الْمَقْدِسِيَّ أَلَّفَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً ذَكَرَهَا الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي مَجْمُوعِ رَسَائِلِهِ، وَحَقَّقَ فِيهَا عَدَمَ الْفَرْقِ فِي نَقْضِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْعَطْفِ بِثُمَّ وَالْعَطْفِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ.
وَقَالَ: قَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَفَاضِلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: مِنْهُمْ السَّرِيُّ عَبْدُ الْبَرِّ بْنُ الشِّحْنَةِ الْحَنَفِيُّ وَنُورُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ الشَّافِعِيُّ وَبُرْهَانُ الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ الْحَنَفِيُّ وَنُورُ الدِّينِ الطَّرَابُلُسِيُّ الْحَنَفِيُّ وَشِهَابُ الدِّينِ الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ وَالْبُرْهَانُ بْنُ أَبِي شَرِيفٍ الشَّافِعِيُّ وَعَلَاءُ الدِّينِ الْإِخْمِيمِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قُلْت: وَأَفْتَى بِذَلِكَ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّلَبِيِّ فِي سُؤَالٍ مُرَتَّبٍ بِثُمَّ،
وَقَالَ الصَّوَابُ نَقْضُ الْقِسْمَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ صَرِيحُ كَلَامِ الْخَصَّافِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ مَشَايِخِنَا خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، بَلْ وَافَقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ اهـ. وَقَدْ أَيَّدَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتَاوَاهُ الْقَوْلَ بِنَقْضِ الْقِسْمَةِ عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ عَنْ الْخَصَّافِ، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ الْإِمَامِ الْبُلْقِينِيِّ وَغَيْرِهِ فِي صُورَةِ التَّرْتِيبِ بِثُمَّ، فَقَدْ تَحَرَّرَ بِهَذَا أَنَّ الصَّوَابَ الْقَوْلُ بِنَقْضِ الْقِسْمَةِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الْعَطْفِ بِثُمَّ أَوْ بِالْوَاوِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ،
وَأَنَّ اشْتِرَاطَ الدَّرَجَةِ الْجَعْلِيَّةِ مُعْتَبَرٌ، لَكِنْ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ قِيَامُ مَنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ وَالِدِهِ مَقَامَ وَالِدِهِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ سَهْمِ جَدِّهِ.
وَأَمَّا دُخُولُهُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ عَمِّهِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ هُوَ فِي دَرَجَةِ أَبِيهِ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ، فَقَدْ وَقَعَ فِيهِ مُعْتَرَكٌ عَظِيمٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِدُخُولِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ السُّيُوطِيّ كَمَا مَرَّ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ وَاعْتَمَدَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَأَلَّفَ فِيهِ رِسَالَةً تَبِعَ فِيهَا الْعَلَّامَةَ الْمَقْدِسِيَّ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي الثَّانِي، وَهُوَ الَّذِي حَقَّقْتُهُ فِي الرِّسَالَةِ،
وَفِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، فَاغْتَنِمْ تَوْضِيحَ هَذَا الْمَحَلِّ، وَاشْكُرْ مَوْلَاك عَزَّ وَجَلَّ.
(قَوْلُهُ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِالْمُشَارَكَةِ وَخَالَفَهُ السُّيُوطِيّ) الْعِبَارَةُ مَقْلُوبَةٌ كَمَا ظَهَرَ لَك مِمَّا قَرَّرْنَاهُ،
وَإِنَّ السُّبْكِيَّ أَفْتَى بِعَدَمِ الْمُشَارَكَةِ وَبِنَقْضِ الْقِسْمَةِ وَالسُّيُوطِيُّ خَالَفَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ لَا فِي أَحَدِهِمَا خِلَافًا لِلْأَشْبَاهِ
(قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْمُخَالَفَةُ وَاجِبَةٌ) أَيْ يَجِبُ الْقَوْلُ بِمُشَارَكَتِهِ لِأَهْلِ دَرَجَةِ أَبِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي قُلْنَاهُ أَوْ مُطْلَقًا
(قَوْلُهُ: فَبِالْوَاوِ) أَيْ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الطَّبَقَاتِ، وَقَوْلُهُ يُشَارِكُ صَوَابُهُ تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ ثُمَّ) فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُنْقَضُ فِيهَا بِانْقِرَاضِ كُلِّ طَبَقَةٍ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الصَّوَابَ نَقْضُ الْقِسْمَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ
(قَوْلُهُ وَلَقَدْ أَفْتَيْتُ إلَخْ) أَفْتَى بِمِثْلِهِ الْحَانُوتِيُّ
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ نَصِيبُهَا لَهُمَا) أَيْ إذَا وُجِدَ فِي كَلَامِ الْوَاقِفِ مَا يَدُلُّ عَلَى انْتِقَالِ نَصِيبِ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْإِسْعَافِ إلَخْ) هَذَا كُلُّهُ إلَى الْفَصْلِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي أَصْلِ النُّسْخَةِ مَا فِيهِ مِنْ التَّكْرَارِ بِإِعَادَةِ الْحَادِثَةِ الَّتِي أَفْتَى بِهَا
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ دُونَ الْإِنَاثِ، وَهَذَا دَلِيلُ مَا أَفْتَى بِهِ، وَهُوَ مُرَادُهُ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِسْعَافِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ سُقُوطَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنْ أَصْلِ النُّسْخَةِ
(قَوْلُهُ كُلُّ مَنْ يَرْجِعُ إلَخْ) تَوْضِيحٌ لِمَا قَبْلَهُ ط وَسَيَذْكُرُ فِي الْفَصْلِ الْآتِي تَفْسِيرَ الْعَقِبِ وَالنَّسْلِ وَالْآلِ وَالْجِنْسِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْفِ الْأَوْلَادِ مِنْ الدُّرَرِ وَغَيْرِهَا] فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ فِي وَقْفِ الْأَوْلَادِ مَا قَدَّمَهُ عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى وَمَا بَعْدَهُ إلَى هُنَا مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ هَذَا الْفَصْلِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَهُ فِيهِ
(قَوْلُهُ: وَعِبَارَةُ الْمَوَاهِبِ) أَيْ مَوَاهِبِ الرَّحْمَنِ لِلْعَلَّامَةِ بُرْهَانِ الدِّينِ إبْرَاهِيمَ الطَّرَابُلُسِيِّ صَاحِبِ الْإِسْعَافِ
(قَوْلُهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ) أَيْ فِي فَصْلِ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ عِبَارَةُ الْمَوَاهِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْمَوَاهِبِ
(قَوْلُهُ: جَعَلَ رَيْعَهُ لِنَفْسِهِ إلَخْ) تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ وَجَازَ جَعْلُ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِنَفْسِهِ عِنْدَ الثَّانِي
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَثُمَّ) حِكَايَةٌ لِمَا يَذْكُرُهُ الْوَاقِفُ مِنْ الْعَطْفِ بِثُمَّ فِي وَقْفِهِ كَقَوْلِهِ ثُمَّ بَعْدِي عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ، وَهَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي جَعْلِهِ الرَّيْعَ لِنَفْسِهِ لَا لِأَوْلَادِهِ وَنَحْوِهِمْ، نَعَمْ مَنْ جَعَلَ الْوَقْفَ عَلَى النَّفْسِ بَاطِلًا أَبْطَلَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا
(قَوْلُهُ: كَجَعْلِهِ لِوَلَدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَازَ لَكِنْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ عِنْدَ الثَّانِي كَمَا عَلِمْت
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ يَخْتَصُّ بِالصَّبِيِّ) أَيْ بِالْبَطْنِ الْأَوَّلِ إنْ وُجِدَ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ الْبُطُونِ لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدِي مُفْرَدٌ وَإِنْ عَمَّ مَعْنًى،
بِخِلَافِ أَوْلَادِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى مَا يَأْتِي
(قَوْلُهُ وَيَعُمُّ الْأُنْثَى) أَيْ كَالذَّكَرِ لِأَنَّ اسْمَ الْوَلَدِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْوِلَادَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِمَا دُرَرٌ وَإِسْعَافٌ
(قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالذَّكَرِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالذُّكُورِ وَهِيَ كَذَلِكَ فِي الدُّرَرِ
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَقِلُّ بِهِ الْوَاحِدُ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ حِينَ الْوَقْفِ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ يَأْخُذُ جَمِيعَ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِأَنَّ لَفْظَ وَلَدِي مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ،
بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى بَنِيهِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ يَسْتَحِقُّ نِصْفَهَا وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِلْفُقَرَاءِ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ وَقَدْ مَرَّ فِي الْفُرُوعِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ انْتَفَى الصُّلْبِيُّ) أَيْ مَاتَ وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهِ
(قَوْلُهُ: دُونَ وَلَدِ الْوَلَدِ) لِاقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَلَا اسْتِحْقَاقَ بِدُونِ شَرْطِ إسْعَافٍ، وَإِنَّمَا صُرِفَ لِلْفُقَرَاءِ لِانْقِطَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّرَرِ، وَهَذَا يُسَمَّى مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ: فَيَخْتَصُّ بِوَلَدِ الِابْنِ) أَيْ لَا يُشَارِكُهُ فِي الْغَلَّةِ مَنْ دُونَهُ مِنْ الْبُطُونِ وَيَكُونُ وَلَدُ الِابْنِ عِنْدَ عَدَمِ الصُّلْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْبِيِّ دُرَرٌ أَيْ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ وَفِي الْخَصَّافِ:
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ وَوَلَدُ وَلَدٍ فَالْغَلَّةُ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْ الْبُطُونِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصُّلْبِيِّ حَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الصُّلْبِيِّ مَنْ هُوَ أَسْفَلَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ إلَى ثَلَاثَةِ أَبْطُنٍ فَقَدْ صَارُوا مِثْلَ الْفَخِذِ وَالْقَبِيلَةِ كَمَا لَوْ قَالَ لِوَلَدِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لِمَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعَبَّاسِ اهـ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ وَلَوْ أُنْثَى) لِأَنَّ لَفْظَ الْوَلَدِ يَعُمُّهَا كَمَا قَدَّمَهُ آنِفًا
(قَوْلُهُ: فِي الصَّحِيحِ) وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَبِهِ أَخَذَ هِلَالٌ لِأَنَّ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ يُنْسَبُونَ إلَى آبَائِهِمْ لَا آبَاءِ أُمَّهَاتِهِمْ،
بِخِلَافِ وَلَدِ الِابْنِ دُرَرٌ، وَقَوْلُهُ
بِخِلَافِ وَلَدِ الِابْنِ أَيْ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبِنْتِ وَقَدَّمْنَا تَحْرِيرَهُ
(قَوْلُهُ وَلَوْ زَادَ وَوَلَدَ وَلَدِي فَقَطْ) أَيْ مُقْتَصَرًا عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي
(قَوْلُهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْبَطْنَيْنِ.
قَالَ فِي الدُّرَرِ: يَشْتَرِكُونَ فِي الْغَلَّةِ، وَلَا يُقَدَّمُ الصُّلْبِيُّ عَلَى وَلَدِ الِابْنِ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَهُمَا أَيْ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا رَتَّبَ كَمَا يَأْتِي ثُمَّ
قَالَ فِي الدُّرَرِ: ثُمَّ إذَا انْقَرَضَ الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُهُمْ فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَيْ صُورَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَصُورَةِ زِيَادَةِ الثَّانِي صُرِفَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْفُقَرَاءِ لِانْقِطَاعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ اهـ أَيْ لِأَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لَا يَدْخُلُ الْبَطْنُ الثَّالِثُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ الْوَلَدَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ زَادَ الْبَطْنَ الثَّالِثَ) بِأَنْ قَالَ عَلَى وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِي وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِي دُرَرٌ
(قَوْلُهُ: عَمَّ نَسْلَهُ) أَيْ صُرِفَ إلَى أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا لَا لِلْفُقَرَاءِ مَا بَقِيَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِهِ وَإِنْ سَفَلَ دُرَرٌ
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَوِي الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ) أَيْ يَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْبُطُونِ فِي الْغَلَّةِ لِعَدَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَعَلَّلَهُ الْخَصَّافُ بِأَنَّهُ لَمَّا سَمَّى ثَلَاثَةَ أَبْطُنِ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْفَخِذِ وَتَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُمْ مَا تَنَاسَلُوا قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَى وَلَدِ زَيْدٍ وَزَيْدٌ قَدْ مَاتَ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ أَبْطُنٍ أَوْ أَكْثَرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْفَخِذِ وَالْغَلَّةُ لِمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ زَيْدٍ وَوَلَدِ وَلَدِهِ وَنَسْلِهِمْ أَبَدًا
(قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ) بِأَنْ يَقُولَ: الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، أَوْ يَقُولَ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي، أَوْ يَقُولَ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَحِينَئِذٍ يَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْوَاقِفُ دُرَرٌ
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ قَالَ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ عَمَّ نَسْلَهُ. وَعِبَارَةُ الدُّرَرِ كَذَا أَيْ صُرِفَ إلَى أَوْلَادِهِ مَا تَنَاسَلُوا لَا الْفُقَرَاءِ إذَا قَالَ: عَلَى وَلَدِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، أَوْ قَالَ ابْتِدَاءً عَلَى أَوْلَادِي يَسْتَوِي فِيهِ الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَّا أَنْ يَذْكُرَ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ كَمَا مَرَّ. اهـ. قَالَ مُحَشِّيهِ عَزْمِي زَادَهْ: قَوْلُهُ أَوْ قَالَ ابْتِدَاءً إلَخْ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ: رَجُلٌ وَقَفَ أَرْضًا عَلَى أَوْلَادِهِ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ، قَالَ هِلَالٌ: يُصْرَفُ الْوَقْفُ إلَى الْبَاقِي،
فَإِنْ مَاتُوا يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ لَا إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالْبَزَّازِيَّةِ وَخِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَخِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَالنُّتَفِ، مَطْلَبٌ لَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِي بِلَفْظِ الْجَمْعِ هَلْ يَدْخُلُ كُلُّ الْبُطُونِ نَعَمْ
قَالَ فِي الِاخْتِيَارِ شَرْحِ الْمُخْتَارِ لَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي يَدْخُلُ فِيهِ الْبُطُونُ كُلُّهَا لِعُمُومِ اسْمِ الْأَوْلَادِ وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ،
فَإِذَا انْقَرَضَ فَالثَّانِي ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ يَشْتَرِكُ جَمِيعُ الْبُطُونِ فِيهِ عَلَى السَّوَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ اهـ وَقَدْ اُسْتُفْتِيَ عَنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمَوْلَى أَبِي السُّعُودِ وَأَدْرَجَ فِي سُؤَالِهِ عِبَارَةً وَاقِعَةً فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مُوَافِقَةً لِمَا مَرَّ عَنْ الِاخْتِيَارِ. فَأَجَابَ عَنْهُ الْمَوْلَى الْمَذْكُورُ بِمَا حَاصِلُهُ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَدْ خَطَأً فِيهَا رَضِيُّ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ فِي مُحِيطِهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الدُّرَرِ اهـ وَمَا قَالَهُ حَقٌّ مُطَابِقٌ لِلْكُتُبِ الْمُعْتَبَرَةِ كَمَا تَحَقَّقَتْ وَخِلَافُهُ شَاذٌّ
ثُمَّ إنَّ مَا فِي الدُّرَرِ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِذَلِكَ الْقَوْلِ الشَّاذِّ أَيْضًا لِأَنَّ مُؤَدَّى كَلَامِهِمْ تَقْدِيمُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الْبَطْنُ الثَّانِي ثُمَّ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الْأَقْرَبِ وَالْأَبْعَدِ،
بِخِلَافِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الدُّرَرِ مِنْ اسْتِوَاءِ الْأَقْرَبِ وَالْأَبْعَدِ أَوَّلًا وَآخِرًا اهـ مَا فِي الْعَزْمِيَّةِ مُلَخَّصًا، وَأَفَادَ أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِي أَبِي السُّعُودِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الدُّرَرِ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ كَلَامَ الدُّرَرِ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِكُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، لَكِنْ جَزَمَ بِمِثْلِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْمَقْدِسِيُّ فِي شَرْحِهِ وَالْأَشْبَاهِ فِي قَاعِدَةِ: الْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ، نَعَمْ مَا فِي الْخَانِيَّةِ وَغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْخَصَّافُ أَيْضًا. .
مَطْلَبٌ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ وَسَمَّاهُمْ
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ سَمَّاهُمْ) فَقَالَ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَجَعَلَ آخِرَهُ لِلْفُقَرَاءِ دُرَرٌ.
قُلْت: فَلَوْ كَانَ أَوْلَادُهُ أَرْبَعَةً وَسَمَّى مِنْهُمْ ثَلَاثَةً لَمْ يَدْخُلْ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ،
فَلَوْ قَالَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لِعَوْدِ الضَّمِيرِ فِي أَوْلَادِهِمْ إلَى الْمُسَمَّيْنَ،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الْإِسْعَافِ: لَوْ قَالَ وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَلَهُ أَوْلَادُهُمْ وَلَهُ أَوْلَادٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الْوَقْفِ يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ وَأَوْلَادِهِمْ فَقَطْ دُونَ أَوْلَادِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ الْوَقْفِ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْأَحْيَاءِ وَمَنْ سَيَحْدُثُ دُونَ الْأَمْوَاتِ، وَقَدْ أَعَادَ الضَّمِيرَ إلَى أَوْلَادِ الْأَحْيَاءِ يَوْمَ الْوَقْفِ دُونَ غَيْرِهِمْ،
وَلَوْ قَالَ عَلَى وَلَدَى وَوَلَدِ وَلَدِي وَأَوْلَادِهِمْ دَخَلُوا لِقَوْلِهِ وَوَلَدِ وَلَدِي،
فَإِنَّ وَلَدَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَلَدُ وَلَدِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
[فُرُوعٌ مُهِمَّةٌ] قَالَ: عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَنَسْلِي فَحَدَثَ لَهُ وَلَدٌ لِصُلْبِهِ يَدْخُلُ بِقَوْلِهِ وَنَسْلِي،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: وَنَسْلِهِمْ فَإِنَّ الْحَادِثَ لَا يَدْخُلُ هُوَ وَلَا أَوْلَادُهُ،
وَلَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَنَسْلِهِمْ وَكُلِّ وَلَدٍ يَحْدُثُ لِي فَإِنَّهُ يَدْخُلُ الْحَادِثُ دُونَ أَوْلَادِهِ،
وَلَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَنَسْلِهِمْ وَنَسْلِ مَنْ يَحْدُثُ لِي دَخَلَ أَوْلَادُ الْحَادِثِ دُونَهُ.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ وَنَسْلِهِمْ يَدْخُلُ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ بِقَوْلِهِ وَنَسْلِهِمْ وَإِنْ تَجَاوَزَهُمْ بِبَطْنٍ،
بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: عَلَى وَلَدِي الْمَخْلُوقِينَ وَعَلَى نَسْلِ أَوْلَادِهِمْ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْخَصَّافِ
(قَوْلُهُ صُرِفَ نَصِيبُهُ لِلْفُقَرَاءِ) لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،
بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ لِلْفُقَرَاءِ أَيْ وَلَمْ يُسَمِّ الْأَوْلَادَ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْبَاقِي لِأَنَّهُ وَقَفَ عَلَى الْكُلِّ لَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَفَادَهُ فِي الدُّرَرِ
(قَوْلُهُ: لَمْ يَخْتَصَّ ابْنُهَا) أَيْ الْمُتَوَلِّي مِنْ الْوَقْفِ بَلْ يَكُونُ نَصِيبُهَا لِجَمِيعِ الْأَوْلَادِ دُرَرٌ، لَكِنَّ مُقْتَضَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَيَانِ الْمُنْقَطِعِ أَنْ يُصْرَفَ نَصِيبُهَا إلَى الْفُقَرَاءِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: دَخَلَ الْإِنَاثُ عَلَى الْأَوْجَهِ) لِأَنَّ جَمْعَ الذُّكُورِ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ يَشْمَلُ الْإِنَاثَ كَمَا سَلَفَ ط
(قَوْلُهُ: لَا يَدْخُلُ الْبَنُونَ) وَكَذَا لَا تَدْخُلُ الْخُنْثَى فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا هُوَ؟ هِنْدِيَّةٌ ط.
(قَوْلُهُ: فَالْغَلَّةُ لِلْمَسَاكِينِ) وَلَا شَيْءَ لِلْبَنَاتِ أَوْ الْبَنِينَ لِعَدَمِ صِدْقِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَدْلُولَ الْآخَرِ بُرْهَانٌ ط
(قَوْلُهُ وَيَكُونُ وَقْفًا مُنْقَطِعًا) أَيْ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ
(قَوْلُهُ: فَإِنْ حَدَثَ مَا ذُكِرَ) أَيْ بِأَنْ وُلِدَ لَهُ بَنُونَ فِي الْأَوَّلِ أَوْ بَنَاتٌ فِي الثَّانِي عَادَ الْوَقْفُ إلَيْهِ: أَيْ إلَى الْحَادِثِ مَطْلَبٌ فِي بَيَانِ طُلُوعِ الْغَلَّةِ الَّذِي أُنِيطَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ فِي قِسْمَةِ الْغَلَّةِ إلَخْ)
قَالَ: فِي الْفَتْحِ: ثُمَّ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ الْوَلَدِ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ خُرُوجَ الْغَلَّةِ عَالِقًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، حَتَّى لَوْ حَدَثَ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ بِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ اسْتَحَقَّ،
وَمَنْ حَدَثَ إلَى تَمَامِهَا فَصَاعِدًا لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِوُجُودِ الْأَوَّلِ فِي الْبَطْنِ عِنْدَ خُرُوجِ الْغَلَّةِ فَاسْتَحَقَّ،
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ لِوَرَثَتِهِ وَهَذَا فِي وَلَدِ الزَّوْجِيَّةِ
أَمَّا لَوْ جَاءَتْ أَمَتُهُ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَاعْتَرَفَ بِهِ لَا يَسْتَحِقُّ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الْغَيْرِ أَعَنَى بَاقِيَ الْمُسْتَحَقِّينَ،
بِخِلَافِ وَلَدِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ حِينَ يُولَدُ ثَابِتُ النَّسَبِ
(قَوْلُهُ: مُذْ طُلُوعِ الْغَلَّةِ) قَالَ: فِي الْفَتْحِ: وَخُرُوجُ الْغَلَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَنَاطُ وَقْتَ انْعِقَادِ الزَّرْعِ حَبًّا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمَ يَصِيرُ الزَّرْعُ مُتَقَوِّمًا ذَكَرَهُ فِي الْخَانِيَّةِ وَهَذَا فِي الْحَبِّ خَاصَّةً،
وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ يَوْمَ طَلَعَتْ الثَّمَرَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ وَقْتُ أَمَانَةِ الْعَاهَةِ كَمَا فِي الْحَبِّ لِأَنَّهُ بِالِانْعِقَادِ يَأْمَنُ الْعَاهَةَ وَقَدْ اُعْتُبِرَ انْعِقَادُهُ.
وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ بِلَادِنَا مِنْ إجَازَةِ أَرْضِ الْوَقْفِ لِمَنْ يَزْرَعُهَا لِنَفْسِهِ بِأُجْرَةٍ تَسْتَحِقُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَاطٍ كُلُّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ قِسْطٌ فَيَجِبُ اعْتِبَارُ إدْرَاكِ الْقِسْطِ فَهُوَ كَإِدْرَاكِ الْغَلَّةِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مَخْلُوقًا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهْرِ الرَّابِعِ حَتَّى تَمَّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ اسْتَحَقَّ هَذَا الْقِسْطَ،
وَمَنْ لَا فَلَا اهـ
(قَوْلُهُ: لِدُونِ سَنَتَيْنِ) أَيْ مِنْ وَقْتِ الْإِبَانَةِ وَالْعِتْقِ وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ وُجُودِ الْغَلَّةِ لِحُكْمِ الشَّرْعِ بِوُجُودِ الْحَمْلِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ لِحُرْمَةِ الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ فَيَكُونُ مَوْجُودًا عِنْدَ طُلُوعِ الْغَلَّةِ. اهـ. ح
(قَوْلُهُ: لِثُبُوتِ نَسَبِهِ بِلَا حِلِّ وَطْئِهَا) هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا لِحُكْمِ الشَّرْعِ إلَخْ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ إلَّا إذَا وَلَدَتْ: أَيْ يَدْخُلُ فِي قِسْمَةِ الْغَلَّةِ إذَا وَلَدَتْ مُبَانَتُهُ إلَخْ، وَالْمُرَادُ دُخُولُهُ فِي كُلِّ غَلَّةٍ خَرَجَتْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ عِنْدَهَا
(قَوْلُهُ فَلَوْ يَحِلُّ) أَيْ وَطْؤُهَا بِأَنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ غَيْرَ مُعْتَقَةٍ أَوْ زَوْجَةً أَوْ مُعْتَدَّةَ رَجْعِيٍّ
(قَوْلُهُ: فَلَا) أَيْ لَا يَدْخُلُ إلَّا إذَا وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَقْتِ الْغَلَّةِ ط
(قَوْلُهُ: وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ) يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ سَابِقًا وَيَسْتَوِي الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ إلَخْ ط.
مَطْلَبٌ قَالَ: لِلذَّكَرِ كَأُنْثَيَيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ إلَّا ذُكُورٌ فَقَطْ أَوْ إنَاثٌ فَقَطْ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ: لِلذَّكَرِ كَأُنْثَيَيْنِ إلَخْ)
فِيهِ اخْتِصَارٌ وَأَصْلُهُ مَا فِي الْإِسْعَافِ: وَلَوْ قَالَ: بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،
فَإِنْ جَاءَتْ الْغَلَّةُ وَالْبَطْنُ الْأَعْلَى ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ يَكُونُ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ،
وَإِنْ ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إنَاثًا فَقَطْ فَبِالسَّوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْرَضَ ذَكَرٌ مَعَ الْإِنَاثِ أَوْ أُنْثَى مَعَ الذُّكُورِ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَا لَهُ لِوَلَدِ زَيْدٍ بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَكَانُوا ذُكُورًا فَقَطْ أَوْ إنَاثًا فَقَطْ، فَإِنَّهُ يُفْرَضُ مَعَ الذُّكُورِ أُنْثَى وَمَعَ الْإِنَاثِ ذَكَرٌ وَيُقْسَمُ الثُّلُثُ عَلَيْهِمْ، فَمَا أَصَابَهُمْ أَخَذُوهُ وَمَا أَصَابَ الْمَضْمُومَ إلَيْهِمْ يُرَدُّ إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي. وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا يَبْطُلُ مِنْ الثُّلُثِ يَرْجِعُ مِيرَاثًا إلَى وَرَثَةِ الْمُوصِي، وَمَا يَبْطُلُ مِنْ الْوَقْفِ لَا يَرْجِعُ مِيرَاثًا وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي وَإِنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْ الْبَطْنِ الْأَعْلَى بَاقِيًا، فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الِاخْتِلَاطِ لَا مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا أُمُورُ النَّاسِ وَمَعَانِيهِمْ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَرَضَ ذَكَرٌ) كَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ،
وَفِي بَعْضِهَا ذَكَرًا بِالنَّصْبِ فَيَكُونُ " فَرَضَ " مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.
(قَوْلُهُ: فَالْغَلَّةُ لِجَمِيعِ وَلَدِهِ إلَخْ) لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ بَيْنَ الْبُطُونِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ
(قَوْلُهُ: وَنَصِيبُ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ أَيْضًا) أَيْ مَا أَصَابَ الْمَيِّتَ يَأْخُذُهُ وَلَدُهُ مُنْضَمًّا إلَى نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ إسْعَافٌ،
وَكَذَا يُقَالُ لَوْ رَتَّبَ بَيْنَ الْبُطُونِ وَشَرَطَ انْتِقَالَ نَصِيبِ الْمَيِّتِ لِوَلَدِهِ كَمَا بَسَطَهُ فِي الْإِسْعَافِ
(قَوْلُهُ بِالْإِرْثِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ إرْثًا حَقِيقَةً وَلِذَا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْمَيِّتِ ذَكَرًا وَأُنْثَى اسْتَحَقَّهُ سَوِيَّةً، نَعَمْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْإِرْثِ مِنْ حَيْثُ انْتِقَالُ نَصِيبِ الْأَصْلِ إلَى فَرْعِهِ.
مَطْلَبٌ مُهِمٌّ فِيمَا لَوْ شَرَطَ عَوْدَ نَصِيبِ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لِأَعْلَى طَبَقَةً
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ: إلَخْ) أَيْ فِي صُورَةِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْبُطُونِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ كَمَا صَوَّرَهُ الْخَصَّافُ وَتَبِعَهُ فِي الْإِسْعَافِ وَقَوْلُهُ أَوْ سَكَتَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَوْ
قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا رَتَّبَ بَيْنَ الْبُطُونِ لَا يُعْطَى الثَّانِي مَا لَمْ يَنْقَرِضْ الْأَوَّلُ إلَّا إذَا شَرَطَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَيُعْطَى لِوَلَدِهِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْبَطْنِ الثَّانِي فَإِنْ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ نَصِيبِهِ لَا يُعْطَى لِوَلَدِهِ بَلْ يَرْجِعُ لِأَصْلِ الْغَلَّةِ فَيُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْتَحَقِّينَ،
وَكَذَا إذَا بَيَّنَ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ بِأَنْ شَرَطَ عَوْدَهُ لِأَعْلَى طَبَقَةً أَوْ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ وَطَبَقَتِهِ أَوْ لِمَنْ دُونَهُ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ،
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا شَرَطَهُ عَادَ نَصِيبُ ذَلِكَ الْمَيِّتِ لِأَصْلِ الْغَلَّةِ فَبَقِيَ عَلَى الْجَمِيعِ لَا عَلَى الْفُقَرَاءِ لِأَنَّهُ شَرَطَ تَقْدِيمَ النَّسْلِ عَلَيْهِمْ فَلَا حَقَّ لَهُمْ مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ نَسْلِهِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَتَ عَنْ نَصِيبِ مَنْ مَاتَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِ الْغَلَّةِ
قُلْت: وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ عَوْدَ نَصِيبِ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْأَوْقَافِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّرَجَةِ أَحَدٌ يَرْجِعُ نَصِيبُهُ إلَى أَصْلِ الْغَلَّةِ لَا إلَى أَعْلَى طَبَقَةً كَمَا أَفْتَى بِهِ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ الرَّمْلِيُّ وَلَا إلَى الْأَقْرَبِ مِنْ أَيِّ طَبَقَةٍ كَانَتْ كَمَا أَفْتَى بِهِ آخَرُونَ مِنْهُمْ الرَّمْلِيُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَطَ الدَّرَجَةَ وَاشْتَرَطَ الْأَقْرَبَ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ.
فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِي الدَّرَجَةِ أَحَدٌ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ فَتَلْغُو الْأَقْرَبِيَّةُ أَيْضًا، وَحَيْثُ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ يَرْجِعُ نَصِيبُهُ إلَى أَصْلِ الْغَلَّةِ، إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ لِأَعْلَى طَبَقَةً، وَقَوْلِهِ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ،
فَمَنْ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَدْ خَالَفَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَصَّافُ وَتَبِعَهُ فِي الْإِسْعَافِ وَلَمْ يَسْتَنِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلَى نَقْلٍ يُعَارِضُ ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَمَا أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي تَنْقِيحِ الْحَامِدِيَّةِ بِمَا لَمْ أُسْبَقْ إلَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ تَحْرِيرِ هَذَا الْمَقَامِ وَرَدَ عَلَيَّ السُّؤَالُ مِنْ طَرَابُلُسِ الشَّامِ مَضْمُونُهُ أَنَّهُ وُجِدَ فِي دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى أَوْلَادُ عَمٍّ وَفِي الدَّرَجَةِ الَّتِي تَحْتَهَا أَوْلَادُ أُخْتٍ وَفِيهِ فَتَاوَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ تَبَعًا لِمَا فِي الْخَيْرِيَّةِ بِانْتِقَالِ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى إلَى أَوْلَادِ الْأُخْتِ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا وَإِنْ كَانُوا أَنْزَلَ دَرَجَةً، وَأَفْتَيْت بِعَوْدِهِ لِأَوْلَادِ الْعَمِّ تَبَعًا لِمَا فِي الْحَامِدِيَّةِ،
وَلِمَا نَقَلَهُ فِيهَا عَنْ الْبَهْنَسِيِّ شَارِحِ الْمُتَلَقَّى وَلِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا اشْتَرَطَ عَوْدَ النَّصِيبِ لِلْأَقْرَبِ مِنْ أَهْلِ دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى لَا إلَى مُطْلَقِ أَقْرَبَ، وَأَوْضَحْت ذَلِكَ غَايَةَ الْإِيضَاحِ فِي رِسَالَةٍ سَمَّيْتهَا غَايَةُ الْمَطْلَبِ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ عَوْدَ النَّصِيبِ إلَى أَهْلِ دَرَجَةِ الْمُتَوَفَّى الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَبَيَّنْت فِيهَا مَا وَقَعَ فِي جَوَابِ الرَّمْلِيِّ مِنْ الْأَوْهَامِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أُنْثَى) ذَكَرَ هِلَالٌ رِوَايَتَيْنِ فِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ فِي النَّسْلِ،
وَكَذَا قَاضِي خَانْ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَرَجَّحَ كُلًّا مُرَجِّحُونَ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْبَرِّ. اهـ. ط.
(قَوْلُهُ: وَالْعَقِبُ لِلْوَلَدِ وَوَلَدِهِ مِنْ الذُّكُورِ) أَيْ أَبَدًا مَا تَنَاسَلُوا، فَكُلُّ مَنْ يَرْجِعُ بِنَسَبِهِ إلَى الْوَاقِفِ بِالْآبَاءِ فَهُوَ مِنْ عَقِبِهِ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ غَيْرِ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الْوَاقِفِ فَلَيْسَ مِنْ عَقِبِهِ إسْعَافٌ.
مَطْلَبٌ فِي النَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَالْآلِ وَالْجِنْسِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ وَالْقَرَابَةِ وَالْأَرْحَامِ وَالْأَنْسَابِ
(قَوْلُهُ: كُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ) أَيْ بِآبَائِهِ إسْعَافٌ وَهُوَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ النَّسَبِ: أَيْ مَنْ يُدَاخِلُهُ فِي نَسَبِهِ بِمَحْضِ الْآبَاءِ إلَى أَقْصَى أَبٍ فِي الْإِسْلَامِ وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ أَسْلَمَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْ، فَكُلُّ مَنْ يُنَاسِبُهُ إلَى هَذَا الْأَبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا فِي الْإِسْعَافِ
وَكَذَا مِنْ آلِهِ وَجِنْسِهِ، وَالْمُرَادُ مَنْ كَانَ مَوْجُودًا مِنْهُمْ حَالَ الْوَقْفِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَجِيءِ الْغَلَّةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ،
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ إسْلَامُ الْأَبِ الْأَعْلَى، فَفِي الْعَلَوِيِّ أَقْصَى أَبٍ لَهُ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ هُوَ أَبُو طَالِبٍ، فَيَدْخُلُ أَوْلَادُهُ عَقِيلٌ وَجَعْفَرٌ وَعَلِيٌّ،
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَدْخُلُ إلَّا أَوْلَادُ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ أَوَّلُ أَبٍ أَسْلَمَ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة
(قَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِ أَبَوَيْهِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ فَعَدَّهُمْ مِنْهَا) أَيْ عَدَّ مُحَمَّدٌ مِنْ الْقَرَابَةِ مَنْ عَلَا مِنْ جِهَةِ أَبَوَيْهِ وَمَنْ سَفَلَ مِنْ جِهَةِ وَلَدِهِ، وَيُوهِمُ هَذَا التَّعْبِيرُ ضَعْفَهُ مَعَ أَنَّهُ فِي الْإِسْعَافِ قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا، وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ. مَطْلَبٌ يُعْتَبَرُ فِي لَفْظِ الْقَرَابَةِ الْمَحْرَمِيَّةُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَقَالَ: وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَحَارِمُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَوْلَادِ الْإِنَاثِ وَإِنْ بَعُدُوا عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُعْتَبَرُ الْمَحْرَمِيَّةُ وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ لِلِاسْتِحْقَاقِ اهـ
قُلْت: وَقَوْلُ الْإِمَامِ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَقُلْ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَالَ: عَلَى أَقَارِبِي أَوْ أَقْرِبَائِي أَوْ أَرْحَامِي أَوْ أَنْسَابِي لَا يَكُونُ لِأَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ أَيْضًا.
قَالَ: فِي شَرْحِ دُرَرِ الْبِحَارِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ الْمَلَكِيِّ عَنْ الْحَقَائِقِ إذَا ذَكَرَ مَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ لَا يُعْتَبَرُ الْجَمْعُ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْأَقْرَبَ اسْمٌ فَرْدٌ خَرَجَ تَفْسِيرًا لِلْأَوَّلِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمَحْرَمُ وَغَيْرُهُ، وَلَكِنْ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ لِصَرِيحِ شَرْطِهِ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الذَّخِيرَةِ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ قَيَّدَهُ بِفُقَرَائِهِمْ) أَمَّا لَوْ قَالَ: مَنْ افْتَقَرَ مِنْهُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ: تَكُونُ لِمَنْ كَانَ غَنِيًّا مِنْهُمْ ثُمَّ افْتَقَرَ وَنَفَيَا اشْتِرَاطَ تَقَدُّمِ الْغِنَى،
وَلَوْ قَالَ: مَنْ احْتَاجَ مِنْهُمْ فَهِيَ لِكُلِّ مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجًا وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا ثُمَّ احْتَاجَ أَوْ كَانَ مُحْتَاجًا مِنْ الْأَصْلِ
وَمِثْلُهُ الْمِسْكِينُ وَالْفَقِيرُ إسْعَافٌ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمُجَوِّزُ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ) أَيْ الْفَقْرُ هُنَا هُوَ الْمُجَوِّزُ إلَخْ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْإِسْعَافِ بَعْدَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَلَدَ غَنِيٍّ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ، بَلْ قَدَّمْنَا فِي الْفُرُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ، لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَحَدٌ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ يُعَدُّ غَنِيًّا فِي بَابِ الْوَقْفِ، وَذَكَرَ فِي الْإِسْعَافِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الصَّغِيرَ يُعَدُّ غَنِيًّا بِغِنَى أَبَوَيْهِ وَجَدَّيْهِ فَقَطْ وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ بِغِنَى فُرُوعِهَا وَزَوْجِهَا فَقَطْ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا قَالَ الْخَصَّافُ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي إعْطَاؤُهُمْ وَإِنْ كَانَ تُفْرَضُ نَفَقَتُهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَرَدَّهُ هِلَالٌ وَتَمَامُهُ فِيهِ
(قَوْلُهُ: فَلَوْ تَأَخَّرَ صَرْفُهَا سِنِينَ إلَخْ) لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ فَاسْتِحْقَاقُ الْغَلَّةِ يُعْتَبَرُ يَوْمَ حُدُوثِ الْغَلَّةِ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ لَا يَوْمَ الْوَقْفِ، فَالْمَوْجُودُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْوَقْفِ وَالْمَوْلُودُ بَعْدَهُ سَوَاءٌ إذَا كَانَ مَوْجُودًا يَوْمَ حُدُوثِ الْغَلَّةِ،
وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ قَرَابَتِهِ،
فَمَنْ كَانَ فَقِيرًا يَوْمَ حُدُوثِ الْغَلَّةِ يُعْطَى لَهُ وَلَوْ اسْتَغْنَى بَعْدَهُ أَوْ كَانَ غَنِيًّا قَبْلَهُ. اهـ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: الْمُسْتَحِقُّ لِلْغَلَّةِ مَنْ كَانَ فَقِيرًا يَوْمَ تَجِيءُ الْغَلَّةُ عِنْدَ هِلَالٍ وَبِهِ نَأْخُذُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّ الْخَصَّافَ يَعْتَبِرُ يَوْمَ الْقِسْمَةِ لَا يَوْمَ طُلُوعِ الْغَلَّةِ.
وَقَالَ: فِي الْفَتْحِ: وَفِي وَقْفِ الْخَصَّافِ لَوْ اجْتَمَعَتْ عِدَّةُ سِنِينَ بِلَا قِسْمَةٍ حَتَّى اسْتَغْنَى قَوْمٌ وَافْتَقَرَ آخَرُونَ ثُمَّ قُسِمَتْ يُعْطَى مَنْ كَانَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِسْمَةِ وَلَا أَنْظُرُ إلَى مَنْ كَانَ فَقِيرًا يَوْمَ الْغَلَّةِ ثُمَّ اسْتَغْنَى اهـ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَهُ شَارَكَ الْمُفْتَقِرَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ إلَخْ لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ هِلَالٍ وَلَا عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الْغَلَّةِ ثُمَّ افْتَقَرَ وَقْتَ الْقِسْمَةِ يَسْتَحِقُّ مَعَ مَنْ كَانَ غَنِيًّا وَقْتَ الْقِسْمَةِ فَقِيرًا وَقْتَ الْغَلَّةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ الْخَصَّافِ وَالثَّانِي عَلَى قَوْلِ هِلَالٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ: لَا يُشَارِكُ بِلَا النَّافِيَةِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى قَوْلِ هِلَالٍ الْمُفْتَى بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ
فَلَوْ تَأَخَّرَ إلَخْ فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَهُ يُعْتَبَرُ الْفَقْرُ وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الصِّلَاتِ إلَخْ) بِكَسْرِ الصَّادِ جَمْعُ صِلَةٍ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ اخْتِصَاصِ الِاسْتِحْقَاقِ بِمَنْ كَانَ فَقِيرًا وَقْتَ وُجُودِ الْغَلَّةِ بِنَاءً عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الصَّوَابَ لَا يُشَارِكُ بِلَا النَّافِيَةِ وَهَذَا مُؤَيِّدٌ لَهُ أَيْضًا وَبَيَانُ التَّعْلِيلِ حِينَئِذٍ أَنَّ مَنْ كَانَ فَقِيرًا وَقْتَ الْغَلَّةِ فِي هَذِهِ السِّنِينَ يَسْتَحِقُّ غَلَّةَ كُلِّ سَنَةٍ وَلَا يَصِيرُ غَنِيًّا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ لِأَنَّهُ صِلَةٌ لَا تُمَلَّكُ إلَّا بِالْقَبْضِ،
فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ الْقِسْمَةِ وَكَانَ غَنِيًّا يَأْخُذُ مَا اسْتَحَقَّهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ بِصِفَةِ الْفَقْرِ لِأَنَّ طُرُوُّ الْغِنَى لَا يُبْطِلُ ذَلِكَ؛ كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْدَ طُلُوعِ الْغَلَّةِ فَإِنَّ نَصِيبَهُ مِنْهَا لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ بَلْ يَصِيرُ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ
(قَوْلُهُ: فَلَا حَظَّ لَهُ) أَيْ مِنْ هَذِهِ الْغَلَّةِ الَّتِي خَرَجَتْ وَهُوَ حَمْلٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ.
(قَوْلُهُ: لِعَدَمِ احْتِيَاجِهِ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ هُوَ الْمُحْتَاجُ وَالْحَمْلَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ،
بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى أَوْلَادِهِ فَإِنَّهُ يُدْخِلُ الْحَمْلَ لِتَعَلُّقِ الِاسْتِحْقَاقِ بِالنَّسَبِ وَهُنَا بِالْفَقْرِ
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ) هَذَا قَوْلُ الْخَصَّافِ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ هِلَالٍ. مَطْلَبُ تَفْسِيرٍ فِي الصَّالِحِ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَيَّدَهُ بِصُلَحَائِهِمْ) الصَّالِحُ: مَنْ كَانَ مَسْتُورًا وَلَمْ يَكُنْ مَهْتُوكًا، وَلَا صَاحِبَ رِيبَةٍ، وَكَانَ مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ سَلِيمَ النَّاحِيَةِ كَامِنَ الْأَذَى، قَلِيلَ الشَّرِّ، لَيْسَ بِمُعَاقِرٍ لِلنَّبِيذِ وَلَا يُنَادِمُ عَلَيْهِ الرِّجَالَ، وَلَا قَذَّافًا لِلْمُحْصَنَاتِ، وَلَا مَعْرُوفًا بِالْكَذِبِ فَهَذَا هُوَ الصَّلَاحُ عِنْدَنَا،
وَمِثْلُهُ أَهْلُ الْعَفَافِ وَالْخَيْرِ وَالْفَضْلِ،
وَمَنْ كَانَ أَمْرُهُ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَلَا الْعَفَافِ إسْعَافٌ.
مَطْلَبُ الْمُرَادِ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ
(قَوْلُهُ: أَوْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ) الْمُرَادُ بِالْأَقْرَبِ أَقْرَبُ النَّاسِ رَحِمًا لَا الْإِرْثُ وَالْعُصُوبَةُ كَمَا فِي الْخَيْرِيَّةِ وَذَكَرَ فِي أَنْفَعْ الْوَسَائِلِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَمْ يَعْتَبِرْ لَفْظَ أَقْرَبَ فِي التَّقْدِيمِ بَلْ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبْعَدِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ إنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ صِيغَةِ أَفْعَلَ بِلَا دَلِيلٍ وَإِلْغَاءُ مَقْصُودِ الْوَاقِفِ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَقْرَبِ. اهـ. فَالْمُعْتَمَدُ اعْتِبَارُ الْأَقْرَبِيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَبِهِ أَفْتَى فِي الْخَيْرِيَّةِ، لَكِنْ أَفْتَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ حَيْثُ شَارَكَ جَمِيعَ أَهْلِ الدَّرَجَةِ فِي وَقْفٍ اشْتَرَطَ فِيهِ تَقْدِيمَ الْأَقْرَبِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ذُهُولٌ مِنْهُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا عَلِمْت.
وَفِي الْإِسْعَافِ: لَوْ قَالَ: عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ مِنِّي أَوْ إلَيَّ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَهُ وَلَدٌ وَأَبَوَانِ فَهِيَ لِلْوَلَدِ وَلَوْ أُنْثَى لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ أَبَوَيْهِ، ثُمَّ تَكُونُ لِلْمَسَاكِينِ دُونَ أَبَوَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِلْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ وَلَوْ لَهُ أَبَوَانِ فَهِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَوْ لَهُ أُمٌّ وَإِخْوَةٌ فَلِلْأُمِّ،
وَكَذَا لَوْ لَهُ أُمٌّ وَجَدَّةٌ لِأَبٍ،
وَلَوْ لَهُ جَدٌّ لِأَبٍ وَإِخْوَةٌ فَلِلْجَدِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ لِلْإِخْوَةِ لِأَنَّ مَنْ ارْتَكَضَ مَعَهُ فِي رَحِمٍ أَوْ خَرَجَ مَعَهُ مِنْ صُلْبٍ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حَائِلٌ وَلَوْ لَهُ أَبٌ وَابْنُ ابْنٍ فَلِلْأَبِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ النَّافِلَةِ،
وَلَوْ لَهُ بِنْتُ بِنْتٍ وَابْنُ ابْنِ ابْنٍ فَلِبِنْتِ الْبِنْتِ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْإِرْثِ،
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَقْرَبِ قَرَابَةٍ مِنِّي وَلَهُ أَبَوَانِ وَوَلَدٌ لَا يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي الْوَقْفِ إذْ لَا يُقَالُ لَهُمْ قَرَابَةٌ؛
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَقَارِبِي عَلَى أَنْ يَبْدَأَ بِأَقْرَبِهِمْ إلَيَّ نَسَبًا أَوْ رَحِمًا ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ وَلَهُ أَخَوَانِ أَوْ أُخْتَانِ يَبْدَأُ بِمَنْ لِأَبَوَيْهِ ثُمَّ بِمَنْ لِأَبٍ؛
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ وَالْآخَرُ لِأُمٍّ يَبْدَأُ بِمَنْ لِأَبِيهِ عِنْدَهُ. وَقَالَا: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْخَالُ أَوْ الْخَالَةُ لِأَبَوَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْعَمِّ لِأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ كَعَكْسِهِ، وَالْعَمُّ أَوْ الْعَمَّةُ لِأَبَوَيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَالِ أَوْ الْخَالَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ هُمَا سَوَاءٌ؛
وَمَنْ لِأَبٍ مِنْهُمَا أَوْلَى مِمَّنْ لِأُمٍّ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا سَوَاءٌ؛ وَحُكْمُ الْفُرُوعِ إذَا اجْتَمَعُوا مُتَفَرِّقِينَ كَحُكْمِ الْأُصُولِ. وَعِنْدَهُمَا قَرَابَتُهُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ سَوَاءٌ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إنَاثًا أَوْ مُخْتَلَطِينَ، وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ عَمَلًا بِشَرْطِ الْوَاقِفِ اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ] قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ لَفْظَ الْأَقْرَبِ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَرَابَةِ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِهَا بِأَنْ يَقُولَ: الْأَقْرَبُ مِنْ قَرَابَتِي،
أَمَّا لَوْ قَالَ: عَلَى أَقْرَبِ النَّاسِ مِنِّي يَشْمَلُ الْقَرَابَةَ وَغَيْرَهَا وَلِذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَبَوَانِ مَعَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْقَرَابَةِ، وَعَلَى هَذَا
فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ عَادَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فِي ذَلِكَ وَوُجِدَ فِي دَرَجَتِهِ أَوْلَادُ عَمٍّ وَفِي الدَّرَجَةِ الَّتِي تَحْتَهَا ابْنُ أُخْتٍ، يُصْرَفُ إلَى أَوْلَادِ عَمِّهِ دُونَ ابْنِ أُخْتِهِ، خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ حَيْثُ صَرَفَهُ لِابْنِ الْأُخْتِ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ وَكَوْنِ أَوْلَادِ الْعَمِّ لَيْسُوا رَحِمًا مُحَرَّمًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ خَطَأٌ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ لَا يَخُصُّ الرَّحِمَ الْمُحَرَّمَ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الْقَرَابَةِ كَمَا عَلِمْت وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ وَرَقَةٍ عَنْ الْحَقَائِقِ يَظْهَرُ لَك الْحَقُّ
(قَوْلُهُ: أَوْ فَالْأَحْوَجُ) قَالَ: الْحَسَنُ فِي رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ مِنْ قَرَابَتِهِ وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَمْلِكُ مِائَةَ دِرْهَمٍ مَثَلًا،
وَمَنْ يَمْلِكُ أَقَلَّ مِنْهَا يُعْطَى ذُو الْأَقَلِّ إلَى أَنْ يَصِيرَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ ثُمَّ يُقْسَمَ الْبَاقِي بَيْنَهُمْ جَمِيعًا بِالسَّوِيَّةِ. قَالَ الْخَصَّافُ: وَالْوَقْفُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ إسْعَافٌ
(قَوْلُهُ: أَوْ بِمَنْ جَاوَرَهُ) لَوْ قَالَ: عَلَى فُقَرَاءِ جِيرَانِي فَهِيَ عِنْدَهُ لِلْفَقِيرِ الْمُلَاصِقَةِ دَارُهُ لِدَارِهِ السَّاكِنِ هُوَ فِيهَا لِتَخْصِيصِهِ الْجَارَ بِالْمُلَاصِقِ فِيمَا لَوْ أَوْصَى لِجِيرَانِهِ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالْوَقْفُ مِثْلُهَا وَبِهِ قَالَ زُفَرُ، وَيَكُونُ لِجَمِيعِ السُّكَّانِ فِي الدُّورِ الْمُلَاصِقَةِ لَهُ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ وَالْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ سَوَاءٌ، وَبُعْدُ الْأَبْوَابِ وَقُرْبُهَا سَوَاءٌ، وَلَا يُعْطِي الْقَيِّمُ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ بَلْ يَقْسِمُهَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.
وَعِنْدَهُمَا تَكُونُ لِلْجِيرَانِ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ مَحَلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِسْعَافِ
(قَوْلُهُ: وَمَنْ أَحْوَجَهُ حَوَادِثُ زَمَانِهِ) مِنْ هُنَا إلَى كِتَابِ الْبُيُوعِ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَالظَّاهِرُ سُقُوطُهُ مِنْ نُسْخَةِ الْأَصْلِ خُصُوصًا الْمَسَائِلُ الْآتِيَةُ فَإِنَّهَا لَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِكِتَابِ الْوَقْفِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِحَ لَمَّا انْتَهَى إلَى هُنَا بَقِيَ مَعَهُ بَيَاضُ وَرَقٍ هُوَ آخِرُ الْجُزْءِ فَكَتَبَ فِيهِ هَذِهِ الْمَسَائِلَ لَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكِتَابِ فَأَلْحَقَهَا النَّاسِخُ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِحَ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى ذَكَرَ عِدَّةَ مَسَائِلَ الَّتِي لَا يَحْلِفُ فِيهَا الْمُنْكِرُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَسَرَدْتهَا، وَذَكَرَ نَحْوَهُ قَبْلَ كِتَابِ الدَّعْوَى، وَإِلَّا كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: قَدَّمْتهَا فِي مَحَلِّ كَذَا لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الْآخِرِ فَاغْتَنِمْ هَذَا الْمَقَامَ فَإِنَّهُ مِنْ جَوَاهِرِ هَذَا الْكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَادَهُ جَعْلُهَا مِنْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْعِبَارَةُ مِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ عَنْ زَوَاهِرِ الْجَوَاهِرِ لَا مِنْ كَلَامِهِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.