وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ لَازِمٍ وَغَيْرِهَا بِغَلَبَةِ ظَنِّ غَاسِلٍ طَهَارَةَ مَحَلِّهَا وَقُدِّرَ بِغَسْلٍ وَعَصْرٍ ثَلَاثًا فِيمَا يَنْعَصِرُ وَبِتَثْلِيثِ جَفَافٍ فِي غَيْرِهِ
Its commentaries
(وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ) كَلَوْنٍ وَرِيحٍ (لَازِمٍ) فَلَا يُكَلَّفُ فِي إزَالَتِهِ إلَى مَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ وَنَحْوِهِ، بَلْ يَطْهُرُ مَا صُبِغَ أَوْ خُضِّبَ بِنَجِسٍ بِغَسْلِهِ ثَلَاثًا وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ إلَى أَنْ يَصْفُوَ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّ أَثَرُ دُهْنٍ إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ بَلْ يُسْتَصْبَحُ بِهِ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ -. (وَ) يَطْهُرُ مَحَلُّ (غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ (بِغَلَبَةِ ظَنِّ غَاسِلٍ) لَوْ مُكَلَّفًا وَإِلَّا فَمُسْتَعْمَلٌ (طَهَارَةَ مَحَلِّهَا) بِلَا عَدَدٍ بِهِ يُفْتَى. (وَقُدِّرَ) ذَلِكَ لِمُوَسْوِسٍ (بِغَسْلٍ وَعَصْرٍ ثَلَاثًا) أَوْ سَبْعًا (فِيمَا يَنْعَصِرُ) مُبَالِغًا بِحَيْثُ لَا يَقْطُرُ،
وَلَوْ كَانَ لَوْ عَصَرَهُ غَيْرُهُ قَطَرَ طَهُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ دُونَ ذَلِكَ الْغَيْرِ،
وَلَوْ لَمْ يُبَالِغْ لِرِقَّتِهِ هَلْ يَطْهُرُ؟ الْأَظْهَرُ نَعَمْ لِلضَّرُورَةِ. (وَ) قُدِّرَ (بِتَثْلِيثِ جَفَافٍ) أَيْ: انْقِطَاعِ تَقَاطُرٍ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ مُنْعَصِرٍ مِمَّا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ وَإِلَّا فَبِقَلْعِهَا كَمَا مَرَّ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا غُسِلَ فِي إجَّانَةٍ،
أَمَّا لَوْ غُسِلَ فِي غَدِيرٍ أَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ، أَوْ جَرَى عَلَيْهِ الْمَاءُ طَهُرَ مُطْلَقًا بِلَا شَرْطِ عَصْرٍ وَتَجْفِيفٍ وَتَكْرَارِ غَمْسٍ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَيَطْهُرُ لَبَنٌ وَعَسَلٌ وَدِبْسٌ وَدُهْنٌ يُغْلَى ثَلَاثًا وَلَحْمٌ طُبِخَ بِخَمْرٍ يُغْلَى وَتَبْرِيدٌ ثَلَاثًا،
وَكَذَا دَجَاجَةٌ مُلْقَاةٌ حَالَّةٌ عَلَى الْمَاءِ لِلنَّتْفِ قَبْلَ شَقِّهَا فَتْحٌ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: حِنْطَةٌ طُبِخَتْ فِي خَمْرٍ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا بِهِ يُفْتَى.
وَلَوْ انْتَفَخَتْ مِنْ بَوْلٍ نُقِعَتْ وَجُفِّفَتْ ثَلَاثًا.
وَلَوْ عُجِنَ خُبْزٌ بِخَمْرٍ صُبَّ فِيهِ خَلٌّ حَتَّى يَذْهَبَ أَثَرُهُ فَيَطْهُرَ.
(قَوْلُهُ: كَلَوْنٍ وَرِيحٍ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَثَرِ هُوَ مَا ذُكِرَ فَقَطْ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا،
وَأَمَّا الطَّعْمُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ، وَاقْتَصَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَثَرِ بِالرِّيحِ فَقَطْ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الرَّائِحَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ زَوَالُهَا.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ.
أَقُولُ: وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ لَوْ غُسِلَ الثَّوْبُ عَنْ الْخَمْرِ ثَلَاثًا وَرَائِحَتُهَا بَاقِيَةٌ طَهُرَ
وَقِيلَ لَا مَا لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ.
(قَوْلُهُ: لَازِمٍ) أَيْ: ثَابِتٍ وَهُوَ نَعْتٌ لِأَثَرٍ.
(قَوْلُهُ: حَارٍّ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: مُسَخَّنٍ.
(قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) أَيْ: كَحُرْضٍ وَأُشْنَانٍ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يَطْهُرُ إلَخْ) إضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ ط.
(قَوْلُهُ: بِنَجِسٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ: مُتَنَجِّسٍ إذْ لَوْ كَانَ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَجَبَ زَوَالُ عَيْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَفَادَهُ ح. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الصَّبْغِ وَالِاخْتِضَابِ بِالصِّبْغِ أَوْ الْحِنَّاءِ النَّجِسَيْنِ
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ أَوْ اخْتَضَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ النَّجِسِ أَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ بِالصِّبْغِ النَّجِسِ ثُمَّ غُسِلَ كُلٌّ ثَلَاثًا طَهُرَ،
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَطْهُرُ إنْ غُسِلَ الثَّوْبُ حَتَّى يَصْفُوَ الْمَاءُ وَيَسِيلَ أَبْيَضَ اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي صِبْغٍ فَإِنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ كَالْمَرْأَةِ إذَا اخْتَضَبَتْ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ. اهـ. وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحِنَّاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُطْلَقَةً أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْهُرَ مَا دَامَ يَخْرُجُ الْمَاءُ مُلَوَّنًا بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ، فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ صَفْوِ الْمَاءِ
إمَّا قَوْلٌ ثَانٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ، أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ وَيَنْبَغِي، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُ الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْفَتْحِ.
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ كَلَامًا حَسَنًا سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ، وَهُوَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الصِّبْغِ النَّجِسَيْنِ وَغَمْسِ الْيَدِ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ مَبْنِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ
إمَّا عَلَى أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَشُقُّ زَوَالُهُ لَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ،
وَإِمَّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِأَنْ يُجْعَلَ فِي إنَاءٍ فَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُرْفَعَ وَيُرَاقَ الْمَاءُ، وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ؛
فَمَنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ اشْتَرَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَفْوَ الْمَاءِ لِيَكُونَ اللَّوْنُ الْبَاقِي أَثَرًا شَقَّ زَوَالُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا نُفِضَ عَلَى ثَوْبٍ آخَرَ أَوْ ظَهَرَ فِي الْمَاءِ عِنْدَ غَسْلِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ. وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ غَسْلِهِ ثَلَاثًا بَعْدَ صَفْوِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ،
وَمَنْ بَنَى عَلَى الثَّانِي اكْتَفَى بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْحِنَّاءَ وَالصِّبْغَ وَالدُّهْنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ تَصِيرُ طَاهِرَةً بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ الْمَاءِ صَافِيًا. اهـ. وَقَدْ أَطَالَ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ ثُمَّ جَنَحَ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ: إنَّهُ الْأَشْبَهُ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ الْجَزْمُ بِهِ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ رَجَّحَ خِلَافَهُ فَافْهَمْ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ: وَهَذَا
بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِالدَّمِ كَالثِّيَابِ الْحُمْرِ الَّتِي تُجْلَبُ فِي زَمَانِنَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ، فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ صَافِيًا
وَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَصْبُوغُ بِالدُّودَةِ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ يَتَجَمَّدُ فِيهَا الدَّمُ النَّجِسُ مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ دُودٍ يَتَوَلَّدُ فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ طَاهِرَةً، لَكِنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ، وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا، وَلَا يُمْلَكُ ثَمَنُهَا بِالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ اهـ مُلَخَّصًا.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَائِيَّةِ الْمَوْلِدِ وَكَانَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهَا.
وَأَمَّا حُكْمُ بَيْعِهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ السِّرْقِينِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ
وَكَذَا بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ يُضَنُّ بِهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ.
وَكَذَا بَيْعُ النَّحْلِ وَالْعَلَقِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَامِّ، وَهَذِهِ الدُّودَةُ عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَالضِّنَّةُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ. وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الدُّودَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْهَا حَيَوَانِيٌّ يُخْنَقُ بِالْخَلِّ أَوْ الْخَمْرِ، وَنَوْعٌ مِنْهَا نَبَاتِيٌّ وَالْأَجْوَدُ فِي الصَّبْغِ الْأَوَّلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْوَشْمِ
[تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ] يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ حُكْمُ الْوَشْمِ فِي نَحْوِ الْيَدِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَالِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ؛ لِأَنَّهُ إذَا غُرِزَتْ الْيَدُ أَوْ الشَّفَةُ مَثَلًا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حُشِيَ مَحَلُّهَا بِكُحْلٍ أَوْ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ تَنَجَّسَ الْكُحْلُ بِالدَّمِ،
فَإِذَا جَمَدَ الدَّمُ وَالْتَأَمَ الْجُرْحُ بَقِيَ مَحَلُّهُ أَخْضَرَ،
فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ؛ لِأَنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِسَلْخِ الْجِلْدِ أَوْ جَرْحِهِ،
فَإِذَا كَانَ لَا يُكَلَّفُ بِإِزَالَةِ الْأَثَرِ الَّذِي يَزُولُ بِمَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ فَعَدَمُ التَّكْلِيفِ هُنَا أَوْلَى،
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ فَقَالَ: وَلَوْ اتَّخَذَ فِي يَدِهِ وَشْمًا لَا يَلْزَمُهُ السَّلْخُ اهـ. لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ: لَوْ أَعَادَ سِنَّهُ ثَانِيًا وَنَبَتَ وَقَوِيَ،
فَإِنْ أَمْكَنَ قَلْعُهُ بِلَا ضَرَرٍ قَلَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَنَجَّسَ فَمُهُ، وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ اهـ. أَيْ: بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ السِّنِّ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ: وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْوَشْمَةِ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ إمَامًا بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ قِيلَ: يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نَجِسًا،
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ إلَّا بِالْجَرْحِ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الْهَلَاكُ أَوْ فَوَاتُ عُضْوٍ لَمْ تَجِبْ وَإِلَّا وَجَبَتْ، وَبِتَأْخِيرِهِ يَأْثَمُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ اهـ.
أَقُولُ: وَعَلَيْهِ لَوْ أَصَابَ مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا نَجَّسَهُ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الْأَكْمَلِ بِقِيلَ يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِمَادِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُمْ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَشْمَةِ وَبَيْنَ السِّنِّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ السِّنَّ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَالْوَشْمَةَ أَثَرٌ،
فَإِنْ اُدُّعِيَ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ رُدَّ بِأَنَّ الصَّبْغَ وَالِاخْتِضَابَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ طَهَارَتِهِ،
وَإِنْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْوَشْمَةَ امْتَزَجَتْ بِاللَّحْمِ وَالْتَأَمَتْ مَعَهُ
بِخِلَافِ الصَّبْغِ نَقُولُ: إنَّ مَا تَدَاخَلَ فِي اللَّحْمِ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ كَمَا لَوْ تَشَرَّبَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدِهِ مَثَلًا، وَمَا عَلَى سَطْحِ الْجِلْدِ مِثْلُ الْحِنَّاءِ وَالصَّبْغِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ
«وَلَمَّا جُرِحَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أُحُدٍ جَاءَتْ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا وَكَمَّدَتْ بِهِ حَتَّى الْتَصَقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ» .
وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: كُسِرَ عَظْمُهُ فَوُصِّلَ بِعَظْمِ الْكَلْبِ وَلَا يُنْزَعُ إلَّا بِضَرَرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ فِي يَدِهِ تَصَاوِيرُ وَيَؤُمُّ النَّاسَ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ اهـ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ فِي رَجُلٍ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ أَمْ لَا؟ أَجَابَ نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -. اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَّا وَدَكَ دُهْنِ مَيْتَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَدَكَ الدَّسَمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ) أَيْ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَوْ دُبِغَ ثُمَّ غُسِلَ طَهُرَ.
قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: الْكِيمَخْتُ الْمَدْبُوغُ بِدُهْنِ الْخِنْزِيرِ إذَا غُسِلَ يَطْهُرُ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْأَثَرِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ: وَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: بَلْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ إلَخْ) ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فَقَطْ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؛ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ» الْحَدِيثَ "
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَمُسْتَعْمَلٌ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاسِلُ مُكَلَّفًا، بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا يُعْتَبَرُ ظَنُّ الْمُسْتَعْمِلِ لِلثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ زَيْلَعِيٌّ.
(قَوْلُهُ: طَهَارَةَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ ظَنَّ.
(قَوْلُهُ: بِلَا عَدَدٍ بِهِ يُفْتَى) كَذَا فِي الْمُنْيَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُهُمَا بِمَرَّةٍ أَجْزَأَهُ وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ.
وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالثَّلَاثِ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَفِي السِّرَاجِ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ مُخْتَارُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّلَاثِ مُخْتَارُ الْبُخَارِيِّينَ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُوَسْوِسًا وَإِنْ كَانَ مُوَسْوِسًا فَالثَّانِي اهـ بَحْرٌ.
قَالَ فِي النَّهْرِ وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ اهـ وَعَلَيْهِ جَرَى صَاحِبُ الْمُخْتَارِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ غَلَبَةَ الظَّنِّ إلَّا فِي الْمُوَسْوِسِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي الْحِلْيَةِ وَقَالَ: وَقَدْ مَشَى الْجَمُّ الْغَفِيرُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
أَقُولُ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَحَقُّقِ الْخِلَافِ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْلَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ غَيْرُ الْقَوْلِ بِالثَّلَاثِ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بِكَلَامِ الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ وَالْمُحِيطِ.
أَقُولُ: وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْكَافِي مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا قَوْلٌ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ مَشَى فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ فَقَالَ: فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْمَذْهَبَ اعْتِبَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالثَّلَاثِ لِحُصُولِهَا بِهِ فِي الْغَالِبِ وَقَطْعًا لِلْوَسْوَسَةِ وَأَنَّهُ مِنْ إقَامَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ الَّذِي فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى حَقِيقَتِهِ عُسْرٌ كَالسَّفَرِ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ اهـ. وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِمْدَادِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُتُونِ حَيْثُ صَرَّحُوا بِالثَّلَاثِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
(قَوْلُهُ: لِمُوَسْوِسٍ) قَدَّرَهُ اخْتِيَارًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى تَحَقُّقِ الْخِلَافِ، وَإِلَّا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ كَعِبَارَةِ الْكَافِي وَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمَا ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ وَالْمُوَسْوِسُ بِكَسْرِ الْوَاوِ؛ لِأَنَّهُ مُحَدِّثٌ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ، وَلَا يُقَالُ بِالْفَتْحِ وَلَكِنْ مُوَسْوَسٌ لَهُ أَوْ إلَيْهِ أَيْ: يُلْقَى إلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ، وَهِيَ حَدِيثُ النَّفْسِ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ.
(قَوْلُهُ: ثَلَاثًا) قَيْدٌ لِلْغَسْلِ وَالْعَصْرِ مَعًا عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ أَوْ لِلْعَصْرِ فَقَطْ. وَيُفْهَمُ مِنْهُ تَثْلِيثُ الْغَسْلِ، فَإِنَّهُ إذَا عُصِرَ مَرَّةً بِحَيْثُ لَا يَبْقَى التَّقَاطُرُ لَا يُعْصَرُ مَرَّةً أُخْرَى إلَّا بَعْدَ أَنْ يُغْسَلَ. اهـ. نُوحٌ. ثُمَّ اشْتِرَاطُ الْعَصْرِ ثَلَاثًا هُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ يُكْتَفَى بِهِ فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ سَبْعًا) ذَكَرَهُ فِي الْمُلْتَقَى وَالِاخْتِيَارِ، وَهَذَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَيُنْدَبُ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِهِ وَخِلَافِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا لَوْ النَّجَاسَةُ كَلْبِيَّةً.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يَنْعَصِرُ) أَيْ: تَقْيِيدُ الطَّهَارَةِ بِالْعَصْرِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَنْعَصِرُ وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ مَتْنًا.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَقْطُرُ) تَصْوِيرٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْعَصْرِ ط. وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِيهِ شَرْطٌ فِي جَمِيعِ الْمَرَّاتِ، وَجَعَلَهَا فِي الدُّرَرِ شَرْطًا لِلْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فَقَطْ،
وَكَذَا فِي الْإِيضَاحِ لِابْنِ الْكَمَالِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ وَكَافِي النَّسَفِيِّ وَعَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: غَسَلَ الثَّوْبَ ثَلَاثًا وَعَصَرَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَقُوَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُبَالِغْ فِيهِ صِيَانَةً لِلثَّوْبِ لَا يَجُوزُ اهـ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: طَهُرَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُكَلَّفٌ بِقُدْرَتِهِ وَوُسْعِهِ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَطْلُبَ مَنْ هُوَ أَقْوَى لِيَعْصِرَ ثَوْبَهُ شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّ قُدْرَةَ الْغَيْرِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
(قَوْلُهُ: الْأَظْهَرُ نَعَمْ لِلضَّرُورَةِ) كَذَا فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ. أَيْ: لِئَلَّا يَلْزَمَ إضَاعَةُ الْمَالِ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَكِنْ اخْتَارَ فِي الْخَانِيَّةِ عَدَمَ الطَّهَارَةِ اهـ.
قُلْت: وَبِهِ جَزَمَ فِي الدُّرَرِ، وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ مَا لَا يَنْعَصِرُ مِنْ تَثْلِيثِ الْجَفَافِ.
(قَوْلُهُ: بِتَثْلِيثِ جَفَافٍ) أَيْ: جَفَافِ كُلِّ غَسْلَةٍ مِنْ الْغَسْلَاتِ الثَّلَاثِ وَهَذَا شَرْطٌ فِي غَيْرِ الْبَدَنِ وَنَحْوِهِ،
أَمَّا فِيهِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ تَوَالِي الْغَسْلِ ثَلَاثًا
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّوَالِي وَالْجَفَافِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَازِلِ وَفِي الذَّخِيرَةِ مَا يُوَافِقُهُ. اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا جَرَى مَاءُ الِاسْتِنْجَاءِ تَحْتَ الْخُفِّ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَيَطْهُرُ الْخُفُّ تَبَعًا كَمَا قُلْنَا فِي عُرْوَةِ الْإِبْرِيقِ إذَا أَخَذَهَا بِيَدٍ نَجِسَةٍ وَغَسَلَ يَدَهُ ثَلَاثًا تَطْهُرُ الْعُرْوَة تَبَعًا لِلْيَدِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: انْقِطَاعِ تَقَاطُرٍ) زَادَ الْقُهُسْتَانِيُّ وَذَهَابِ النَّدَاوَةِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: حَدُّ التَّجْفِيفِ أَنْ يَصِيرَ بِحَالٍ لَا تَبَتُّلُ مِنْهُ الْيَدُ،
وَلَا يُشْتَرَطُ صَيْرُورَتُهُ يَابِسًا جِدًّا. اهـ. ثُمَّ هَلْ يَلْزَمُ ذَهَابُ أَثَرٍ شَقَّ زَوَالُهُ؟ ذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ مُفَادَ مَا فِي الْمُنْيَةِ عَنْ الْمُحِيطِ نَعَمْ
بِخِلَافِ الثَّوْبِ. وَقَالَ: وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا لَا تَعْرَى عَنْ شَيْءٍ اهـ. وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ تَعَقَّبَ مَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ قَالَ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوَالَ الْأَثَرِ شَرْطٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا لَمْ يَشُقَّ كَيْفَمَا كَانَ التَّطْهِيرُ وَبِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَلْيُحْفَظْ ذَلِكَ اهـ وَنَحْوُهُ فِي حَاشِيَةِ الْوَانِيِّ عَلَى الدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ: غَيْرِ مُنْعَصِرٍ) أَيْ: بِأَنْ تَعَذَّرَ عَصْرُهُ كَالْخَزَفِ أَوْ تَعَسَّرَ كَالْبِسَاطِ أَفَادَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: مِمَّا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ إلَخْ) حَاصِلُهُ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ
إمَّا أَنْ لَا يَتَشَرَّبَ فِيهِ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ أَصْلًا كَالْأَوَانِي الْمُتَّخَذَةَ مِنْ الْحَجَرِ وَالنُّحَاسِ وَالْخَزَفِ الْعَتِيقِ، أَوْ يَتَشَرَّبَ فِيهِ قَلِيلًا كَالْبَدَنِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ أَوْ يَتَشَرَّبَ كَثِيرًا؛ فَفِي الْأَوَّلِ طَهَارَتُهُ بِزَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ أَوْ بِالْعَدَدِ عَلَى مَا مَرَّ؛
وَفِي الثَّانِي كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ الْقَلِيلَ فَيُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ،
وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَصْرُهُ كَالثِّيَابِ فَطَهَارَتُهُ بِالْغَسْلِ وَالْعَصْرِ إلَى زَوَالِ الْمَرْئِيَّةِ وَفِي غَيْرِهَا بِتَثْلِيثِهِمَا،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ كَالْحَصِيرِ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْبَرْدِيِّ وَنَحْوِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَشَرَّبْ فِيهِ بَلْ أَصَابَ ظَاهِرَهُ يَطْهُرُ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ أَوْ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِلَا عَصْرٍ،
وَإِنْ عُلِمَ تَشَرُّبُهُ كَالْخَزَفِ الْجَدِيدِ وَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ بِدُهْنٍ نَجِسٍ وَالْحِنْطَةِ الْمُنْتَفِخَةِ بِالنَّجِسِ؛ فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ،
وَالثَّانِي أَوْسَعُ اهـ وَبِهِ يُفْتَى دُرَرٌ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْخَزَفِ الْعَتِيقِ بِمَا إذَا تَنَجَّسَ رَطْبًا وَإِلَّا فَهُوَ كَالْجَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهَدُ اجْتِذَابُهُ اهـ وَقَالُوا فِي الْبِسَاطِ النَّجِسِ إذَا جُعِلَ فِي نَهْرٍ لَيْلَةً طَهُرَ
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالتَّقْيِيدُ بِاللَّيْلَةِ لِقَطْعِ الْوَسْوَسَةِ وَإِلَّا فَالْمَذْكُورُ فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ إذَا أَجْرَى عَلَيْهِ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَتَوَهَّمَ زَوَالَهَا طَهُرَ؛ لِأَنَّ إجْرَاءَ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ اهـ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِاللَّيْلَةِ. اهـ.
وَمِثْلُهُ فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى عَنْ الشُّمُنِّيِّ وَابْنِ الْكَمَالِ،
وَلَوْ مُوِّهَ الْحَدِيدُ بِالْمَاءِ النَّجِسِ يُمَوَّهُ بِالطَّاهِرِ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، فَعِنْدَهُ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا وَهَذَا فِي الْحَمْلِ فِي الصَّلَاةِ
أَمَّا لَوْ غُسِلَ ثَلَاثًا ثُمَّ قُطِعَ بِهِ نَحْوُ بِطِّيخٍ أَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ لَا يُنَجِّسُهُ فَالْغَسْلُ يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ إجْمَاعًا، وَتَمَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَبِقَلْعِهَا) الْمُنَاسِبُ فَبِغَسْلِهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ أَيْ: مَا لَا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا وَلَوْ بِدَفْعَةٍ بِلَا تَجْفِيفٍ كَالْخَزَفِ وَالْآجُرِّ الْمُسْتَعْمَلَيْنِ كَمَا مَرَّ وَكَالسَّيْفِ وَالْمِرْآةِ
وَمِثْلُهُ مَا يُتَشَرَّبُ فِيهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ كَالْبَدَنِ وَالنَّعْلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ: الْغَسْلُ وَالْعَصْرُ ثَلَاثَةً فِيمَا يَنْعَصِرُ وَتَثْلِيثُ الْجَفَافِ فِي غَيْرِهِ ط.
(قَوْلُهُ: فِي إجَّانَةٍ) بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ: إنَاءٌ تُغْسَلُ فِيهِ الثِّيَابُ وَالْجَمْعُ أَجَاجِينُ مِصْبَاحٌ أَيْ: إنَّ هَذَا الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ إذَا غُسِلَ ثَلَاثًا فِي إجَّانَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي ثَلَاثِ إجَّانَاتٍ.
قَالَ فِي الْإِمْدَادِ: وَالْمِيَاهُ الثَّلَاثَةُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي النَّجَاسَةِ، فَالْأُولَى يَطْهُرُ مَا أَصَابَتْهُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا، وَالثَّانِيَةُ بِثِنْتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ بِوَاحِدَةٍ،
وَكَذَا الْأَوَانِي الثَّلَاثَةُ الَّتِي غُسِلَ فِيهَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ،
وَقِيلَ يَطْهُرُ الْإِنَاءُ الثَّالِثُ بِمُجَرَّدِ الْإِرَاقَةِ وَالثَّانِي بِوَاحِدَةٍ، وَالْأَوَّلُ بِثِنْتَيْنِ اهـ.
بَقِيَ لَوْ غُسِلَ فِي إجَّانَةٍ وَاحِدَةٍ
قَالَ فِي الْفَيْضِ: تُغْسَلُ الْإِجَّانَةُ بَعْدَ الثَّلَاثِ مَرَّةً اهـ وَشَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ غَسَلَ الْعُضْوَ فِي الْإِجَّانَةِ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ يُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ أَدْخَلَهُ فِي حَبَابِ الْمَاءِ وَلَوْ فِي خَوَابِي خَلٍّ يَخْرُجُ مِنْ الثَّالِثَةِ طَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ خِلَافًا لَهُمَا، لِاشْتِرَاطِ مُحَمَّدٍ فِي غَسْلِ النَّجَاسَةِ الْمَاءَ، وَاشْتِرَاطِ أَبِي يُوسُفَ الصَّبَّ بَدَائِعُ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ غُسِلَ إلَخْ) نَقَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي الْبَحْرِ عَنْ السِّرَاجِ وَتَابَعَهُ مَنْ بَعْدَهُ حَتَّى الشُّرُنْبُلَالِيُّ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا اتَّزَرَ فِي الْحَمَّامِ وَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْإِزَارِ يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْإِزَارِ،
وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ. وَفِي الْمُنْتَقَى: شَرَطَ الْعَصْرَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ بِمَا نَصُّهُ: تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ،
وَلَوْ غَمَسَ الثَّوْبَ فِي نَهْرٍ جَارٍ مَرَّةً وَعَصَرَهُ يَطْهُرُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُعْصَرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يَغْسِلُهَا أَيْ: النَّجَاسَةَ الْغَيْرَ الْمَرْئِيَّةِ ثَلَاثًا وَيَعْصِرُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ رِوَايَةِ الْأُصُولِ.
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي الْإِزَارِ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا تُتْرَكُ الرِّوَايَاتُ الظَّاهِرَةُ فِيهِ. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي تَطْهِيرِ النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ زَوَالُ عَيْنِهَا وَلَوْ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ فِي إجَّانَةٍ كَمَا مَرَّ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا تَثْلِيثُ غَسْلٍ وَلَا عَصْرٍ،
وَأَنَّ الْمُعْتَبَرَ غَلَبَةُ الظَّنِّ فِي تَطْهِيرِ غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِلَا عَدَدٍ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ أَوْ مَعَ شَرْطِ التَّثْلِيثِ عَلَى مَا مَرَّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ الْجَارِي وَمَا فِي حُكْمِهِ مِنْ الْغَدِيرِ أَوْ الصَّبَّ الْكَثِيرَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالنَّجَاسَةِ أَصْلًا وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ مِرَارًا بِالْجَرَيَانِ أَقْوَى مِنْ الْغَسْلِ فِي الْإِجَّانَةِ الَّتِي عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِيهَا تُلَاقِي الْمَاءَ وَتَسْرِي مَعَهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الثَّوْبِ فَيَبْعُدُ كُلَّ الْبُعْدِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَلَيْسَ اشْتِرَاطُهُ حُكْمًا تَعَبُّدِيًّا حَتَّى يُلْتَزَمَ وَإِنْ لَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الْحَلْوَانِيُّ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فِي إزَارِ الْحَمَّامِ: إنَّهُ لَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ دَمًا أَوْ بَوْلًا وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ كَفَاهُ، وَقَوْلُ الْفَتْحِ إنَّ ذَلِكَ لِضَرُورَةِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا مَرَّ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِمَا فِي السِّرَاجِ، وَأَقَرَّهُ فِي النَّهْرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي غَدِيرٍ) أَيْ: مَاءٍ كَثِيرٍ لَهُ حُكْمُ الْجَارِي.
(قَوْلُهُ: أَوْ صُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ) أَيْ: بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْمَاءُ وَيَخْلُفُهُ غَيْرُهُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْجَرَيَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّكْرَارِ وَالْعَصْرُ هُوَ الصَّحِيحُ سِرَاجٌ.
(قَوْلُهُ: بِلَا شَرْطِ عَصْرٍ) أَيْ: فِيمَا يَنْعَصِرُ، وَقَوْلُهُ " وَتَجْفِيفٍ " أَيْ: فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ.
(قَوْلُهُ: هُوَ الْمُخْتَارُ) عِبَارَةُ السِّرَاجِ: وَأَمَّا حُكْمُ الْغَدِيرِ: فَإِنْ غُمِسَ الثَّوْبُ فِيهِ ثَلَاثًا وَقُلْنَا بِقَوْلِ الْبَلْخِيِّينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَإِنْ لَمْ يُعْصَرْ.
وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الْعَصْرُ كُلَّ مَرَّةٍ،
وَقِيلَ: مَرَّةً وَاحِدَةً. اهـ.
وَحَاصِلُهُ: اشْتِرَاطُ الْغَمْسِ فِي الْغَدِيرِ ثَلَاثًا عِنْدَهُمْ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَصْرِ فَتَنَبَّهْ. مَطْلَبٌ فِي تَطْهِيرِ الدُّهْنِ وَالْعَسَلِ
(قَوْلُهُ: وَيَطْهُرُ لَبَنٌ وَعَسَلٌ إلَخْ)
قَالَ فِي الدُّرَرِ: لَوْ تَنَجَّسَ الْعَسَلُ فَتَطْهِيرُهُ أَنْ يُصَبَّ فِيهِ مَاءٌ بِقَدْرِهِ فَيُغْلَى حَتَّى يَعُودَ إلَى مَكَانِهِ، وَالدُّهْنُ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ فَيُغْلَى فَيَعْلُو الدُّهْنُ الْمَاءَ فَيُرْفَعُ بِشَيْءٍ هَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اهـ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ، وَهُوَ أَوْسَعُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى.
وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخُلَاصَةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّثْلِيثِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ مُجْزِئَةٌ عَنْ التَّثْلِيثِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ تَصْحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ لَفْظَةَ: فَيُغْلَى ذُكِرَتْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مِنْ زِيَادَةِ النَّاسِخِ، فَإِنَّا لَمْ نَرَ مَنْ شَرَطَ لِتَطْهِيرِ الدُّهْنِ الْغَلَيَانَ مَعَ كَثْرَةِ النَّقْلِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالتَّتَبُّعِ لَهَا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّحْرِيكُ مَجَازًا، فَقَدْ صَرَّحَ فِي مَجْمَعِ الرِّوَايَةِ وَشَرْحِ الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ يُصَبُّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مَاءً وَيُحَرَّكَ فَتَأَمَّلْ.
اهـ. أَوْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا جَمَدَ الدُّهْنُ بَعْدَ تَنَجُّسِهِ. ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْخَزَائِنِ فَقَالَ: وَالدُّهْنُ السَّائِلُ يُلْقَى فِيهِ الْمَاءُ، وَالْجَامِدُ يُغْلَى بِهِ حَتَّى يَعْلُوَ إلَخْ. ثُمَّ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْمَاءِ مِثْلَ الْعَسَلِ أَوْ الدُّهْنِ مُوَافِقٌ لِمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ عَنْ الْكَافِي، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. وَذَكَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ الِاكْتِفَاءَ فِي الْعَسَلِ وَالدِّبْسِ بِالْخُمُسِ قَالَ: لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدْرًا مِنْ الْمَاءِ.
قُلْت: يُحْتَمَلُ أَنَّ قَدْرًا مُصَحَّفٌ عَنْ قَدْرِهِ بِالضَّمِيرِ فَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمَجْمَعِ، وَبِهِ يَسْقُطُ مَا نَقَلَهُ عَنْ بَعْضِ الْمُفْتِينَ.
هَذَا وَفِي الْقُنْيَةِ عَنْ رُكْنِ الْأَئِمَّةِ الصَّبَّاغِيِّ أَنَّهُ جَرَّبَ تَطْهِيرَ الْعَسَلِ بِذَلِكَ فَوَجَدَهُ مُرًّا. وَذَكَرَ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ الْفَأْرَةُ فِي دَنِّ النَّشَاءِ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ إنْ تَنَاهَى أَمْرُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(قَوْلُهُ: وَلَحْمٌ طُبِخَ إلَخْ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ صُبَّتْ الْخَمْرَةُ فِي قِدْرٍ فِيهَا لَحْمٌ إنْ كَانَ قَبْلَ الْغَلَيَانِ يَطْهُرُ اللَّحْمُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا،
وَإِنْ بَعْدَهُ فَلَا. وَقِيلَ يُغْلَى ثَلَاثًا كُلَّ مَرَّةٍ بِمَاءٍ طَاهِرٍ وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَتَجْفِيفُهُ بِالتَّبْرِيدِ. اهـ. بَحْرٌ.
قُلْت: لَكِنْ يَأْتِي قَرِيبًا أَنَّ الْمُفْتَى بِهِ الْأَوَّلُ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ: إذَا صَبَّ الطَّبَّاخُ فِي الْقِدْرِ مَكَانَ الْخَلِّ خَمْرًا غَلَطًا فَالْكُلُّ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ أَبَدًا، وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُغْلَى ثَلَاثًا لَا يُؤْخَذُ بِهِ،
وَكَذَا الْحِنْطَةُ إذَا طُبِخَتْ فِي الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا. وَعِنْدِي إذَا صُبَّ فِيهِ الْخَلُّ وَتُرِكَ حَتَّى صَارَ الْكُلُّ خَلًّا لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ. فَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ هُنَا ضَعِيفٌ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا دَجَاجَةٌ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: إنَّهَا لَا تَطْهُرُ أَبَدًا لَكِنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَطْهُرُ، وَالْعِلَّةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - تَشَرُّبُهَا النَّجَاسَةَ بِوَاسِطَةِ الْغَلَيَانِ، وَعَلَيْهِ اُشْتُهِرَ أَنَّ اللَّحْمَ السَّمِيطَ بِمِصْرَ نَجِسٌ، لَكِنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَا تَثْبُتُ مَا لَمْ يَمْكُثْ اللَّحْمُ بَعْدَ الْغَلَيَانِ زَمَانًا يَقَعُ فِي مِثْلِهِ التَّشَرُّبُ وَالدُّخُولُ فِي بَاطِنِ اللَّحْمِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي السَّمِيطِ حَيْثُ لَا يَصِلُ إلَى حَدِّ الْغَلَيَانِ، وَلَا يُتْرَكُ فِيهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا تَصِلُ الْحَرَارَةُ إلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ لِتَنْحَلَّ مَسَامُّ الصُّوفِ، بَلْ لَوْ تُرِكَ يَمْنَعُ انْقِلَاعَ الشَّعْرِ؛
فَالْأَوْلَى فِي السَّمِيطِ أَنْ يُطَهَّرَ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَإِنَّهُمْ لَا يَتَحَرَّسُونَ فِيهِ عَنْ النَّجِسِ، وَقَدْ قَالَ شَرَفُ الْأَئِمَّةِ بِهَذَا فِي الدَّجَاجَةِ وَالْكِرْشِ وَالسَّمِيطِ اهـ وَأَقَرَّهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ: وَفِي التَّجْنِيسِ) هُوَ اسْمُ كِتَابٍ لِصَاحِبِ الْهِدَايَةِ قَالَ فِيهِ: إنَّ هَذَا الْكِتَابَ لِبَيَانِ مَا اسْتَنْبَطَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ،
وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَعِبَارَتُهُ هُنَا: وَلَوْ طُبِخَتْ الْحِنْطَةُ فِي الْخَمْرِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: تُطْبَخُ ثَلَاثًا بِالْمَاءِ وَتُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ،
وَكَذَلِكَ اللَّحْمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طُبِخَتْ فِي الْخَمْرِ لَا تَطْهُرُ أَبَدًا وَبِهِ يُفْتَى. اهـ. أَيْ: إلَّا إذَا جَعَلَهَا فِي خَلٍّ كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُخْتَصَرِ الْمُحِيطِ وَقَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَانِيَّةِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ انْتَفَخَتْ مِنْ بَوْلٍ إلَخْ) إنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ قَوْلَ الْإِمَامِ، فَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَبْخِهَا بِالْخَمْرِ بِزِيَادَةِ التَّشَرُّبِ بِالطَّبْخِ، ثُمَّ لَا يُمْكِنُ هُنَا تَطْهِيرُهَا بِجَعْلِهَا فِي الْخَلِّ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا يَنْقَلِبُ خَلًّا بِخِلَافِ الْخَمْرِ.
(قَوْلُهُ: وَجُفِّفَتْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّجْفِيفُ إلَى أَنْ يَزُولَ الِانْتِفَاخُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
(قَوْلُهُ: فَيَطْهُرُ) لِانْقِلَابِ مَا فِيهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْخَمْرِ خَلًّا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
[فَصْلُ الِاسْتِنْجَاءِ] بِإِضَافَةِ فَصْلُ إلَى الِاسْتِنْجَاءِ، وَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَنْجَاسِ مَعَ أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.