فَلَا يُكْفَرُ جَاحِدُهُ وَيُقْضَى وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً وَيُكَبِّرُ قَبْلَ رُكُوعِ ثَالِثَتِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ وَقَنَتَ فِيهِ مُخَافِتًا عَلَى الْأَصَحِّ مُطْلَقًا
Its commentaries
(فَلَا يُكْفَرُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ: أَيْ لَا يُنْسَبُ إلَى الْكُفْرِ (جَاحِدُهُ وَتَذَكُّرُهُ فِي الْفَجْرِ مُفْسِدٌ لَهُ كَعَكْسِهِ) بِشَرْطٍ خِلَافًا لَهُمَا (وَ) لَكِنَّهُ (يُقْضَى) وَلَا يَصِحُّ قَاعِدًا وَلَا رَاكِبًا اتِّفَاقًا. (وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ) كَالْمَغْرِبِ؛ حَتَّى لَوْ نَسِيَ الْقُعُودَ لَا يَعُودُ وَلَوْ عَادَ يَنْبَغِي الْفَسَادُ كَمَا سَيَجِيءُ (وَ) لَكِنَّهُ (يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً) احْتِيَاطًا، وَالسُّنَّةُ السُّوَرُ الثَّلَاثُ، وَزِيَادَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ لَمْ يَخْتَرْهَا الْجُمْهُورُ. (وَيُكَبِّرُ قَبْلَ رُكُوعِ ثَالِثَتِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ) كَمَا مَرَّ ثُمَّ يَعْتَمِدُ،
وَقِيلَ كَالدَّاعِي. (وَقَنَتَ فِيهِ) وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ الْمَشْهُورُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ يُفْتَى وَصَحَّ الْجِدُّ بِالْكَسْرِ بِمَعْنَى الْحَقِّ، مُلْحَقَةٌ بِمَعْنَى لَاحِقٍ، وَنَحْفِدُ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ بِمَعْنَى نُسْرِعُ،
فَإِنْ قَرَأَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتْ خَانِيَّةٌ كَأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُهْمَلَةٌ (مُخَافِتًا عَلَى الْأَصَحِّ مُطْلَقًا) وَلَوْ إمَامًا، لِحَدِيثِ «خَيْرُ الدُّعَاءِ الْخَفِيُّ» .
(قَوْلُهُ فَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ) أَيْ جَاحِدُ أَصْلَ الْوِتْرِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ عَدَمَ الْإِكْفَارِ لَازِمُ السُّنِّيَّةِ وَالْوُجُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ح.
قُلْت: وَالْمُرَادُ الْجُحُودُ مَعَ رُسُوخِ الْأَدَبِ، كَأَنْ يَكُونَ لِشُبْهَةِ دَلِيلٍ أَوْ نَوْعِ تَأْوِيلٍ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ السُّنَنَ فَإِنْ رَآهَا حَقًّا أَثِمَ وَإِلَّا كَفَرَ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِخْفَافًا كَمَا عَزَاهُ فِي الْبَحْرِ إلَى التَّجْنِيسِ وَالنَّوَازِلِ وَالْمُحِيطِ، وَلِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَلَا يَكْفُرُ جَاحِدُهُ إلَّا إنْ اسْتَخَفَّ وَلَمْ يَرَهُ حَقًّا عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي مَرَّ فِي السُّنَنِ اهـ وَأَرَادَ بِمَا مَرَّ، هُوَ أَنْ: يَقُولَ هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا لَا أَفْعَلُهُ.
مَطْلَبٌ فِي مُنْكِرِ الْوِتْرِ وَالسُّنَنِ أَوْ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ
قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَيَكْفُرُ بِإِنْكَارِ أَصْلِ الْوِتْرِ وَالْأُضْحِيَّةِ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْقُنْيَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا جُحُودُ وُجُوبِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ تَعْلِيلُ الزَّيْلَعِيِّ بِثُبُوتِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ،
فَإِنَّ الثَّابِتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وُجُوبُهُ لَا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّةَ السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ أَوْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ يَكْفُرُ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَسَيَأْتِي فِي سُنَنِ الْفَجْرِ أَنَّهُ يُخْشَى الْكُفْرُ عَلَى مُنْكِرِهَا.
قُلْت: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْإِنْكَارُ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا. وَقَدْ صَرَّحَ فِي التَّحْرِيرِ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ مُنْكِرَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ يَكْفُرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَطَائِفَةٍ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَهُوَ مَا يَعْرِفُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ كَوُجُوبِ اعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَخَوَاتِهَا يَكْفُرُ مُنْكِرُهُ، وَمَا لَا فَلَا؛ كَفَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَإِعْطَاءِ السُّدُسِ الْجَدَّةَ وَنَحْوِهِ أَيْ مِمَّا لَا يَعْرِفُ كَوْنَهُ مِنْ الدِّينِ إلَّا الْخَوَاصُّ.
وَلَا شُبْهَةَ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْوِتْرِ وَنَحْوِهِ يَعْلَمُ الْخَوَاصُّ وَالْعَوَامُّ أَنَّهَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَنْبَغِي الْجَزْمُ بِتَكْفِيرِ مُنْكِرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ تَأْوِيلٍ
بِخِلَافِ تَرْكِهَا، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ عَنْ اسْتِخْفَافٍ كَمَا مَرَّ يَكْفُرُ وَإِلَّا بِأَنْ يَكُونَ كَسَلًا أَوْ فِسْقًا بِلَا اسْتِخْفَافٍ فَلَا. هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ مُفْسِدٌ لَهُ) أَيْ لِلْفَجْرِ وَالْفَجْرُ غَيْرُ قَيْدٍ، بَلْ هُوَ مِثَالٌ.
(قَوْلُهُ كَعَكْسِهِ) وَهُوَ تَذَكُّرُ الْفَرْضِ فِيهِ ح
(قَوْلُهُ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ عَدَمُ ضِيقِ الْوَقْتِ وَعَدَمُ صَيْرُورَتِهَا سِتًّا،
وَأَمَّا عَدَمُ النِّسْيَانِ فَلَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا تَذَكَّرَهُ فِي الْفَجْرِ، أَوْ تَذَكَّرَ الْفَجْرَ فِيهِ رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) فَلَا يَحْكُمَانِ بِالْفَسَادِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا ط.
(قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ يَقْضِي) لَا وَجْهَ لِلِاسْتِدْرَاكِ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ نَظَرًا إلَى قَوْلِهِ اتِّفَاقًا بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْخِلَافَ فِيمَا قَبْلَهُ: أَيْ إنَّهُ يَقْضِي وُجُوبًا اتِّفَاقًا،
أَمَّا عِنْدَهُ فَظَاهِرٌ؛ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرٍ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا ذَكَرَهُ» كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ.
وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَالنَّهْرِ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ
فَرْعُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ بِمَا ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ.
قُلْت: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ،
فَإِنَّ دَلَالَةَ الْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ مِمَّا يُقَوِّي الْإِشْكَالَ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمَا لَمَّا ثَبَتَ عِنْدَهُمَا دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ قَالَا بِهِ،
وَلَمَّا ثَبَتَ دَلِيلُ الْقَضَاءِ قَالَا بِهِ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ.
(قَوْلُهُ وَلَا يَصِحُّ إلَخْ) لِأَنَّ الْوَاجِبَاتِ لَا تَصِحُّ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا عُذْرٍ. وَعِنْدَهُمَا وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، لَكِنْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى رَاحِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي اللَّيْلِ، وَإِذَا بَلَغَ الْوِتْرَ نَزَلَ فَيُوتِرُ عَلَى الْأَرْضِ» بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ، وَالْقُعُودُ كَالرُّكُوبِ
(قَوْلُهُ اتِّفَاقًا) رَاجِعٌ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ ح وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي خَمْسٍ: فِي تَذَكُّرِهِ فِي الْفَرْضِ، وَعَكْسِهِ،
وَفِي قَضَائِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، وَإِعَادَتِهِ بِفَسَادِ الْعِشَاءِ خَزَائِنُ؛ أَيْ فَإِنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِسُنِّيَّتِهِ لَا يَلْزَمُ فَسَادُ الْفَرْضِ وَلَا فَسَادُهُ بِالتَّذَكُّرِ، وَلَا يَقْضِي فِي الْوَقْتَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَيُعَادُ لَوْ ظَهَرَ فَسَادُ الْعِشَاءِ دُونَهُ.
(قَوْلُهُ كَالْمَغْرِبِ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى فِيهِ وَاجِبَةٌ، وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ط.
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ نَسِيَ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالْمَغْرِبِ،
وَلَوْ كَانَ كَالنَّفْلِ لَعَادَ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَ مَا قَامَ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ لِأَنَّ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ النَّفْلِ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ ط.
(قَوْلُهُ لَا يَعُودُ) أَيْ إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا لِاشْتِغَالِهِ بِفَرْضِ الْقِيَامِ.
(قَوْلُهُ كَمَا سَيَجِيءُ) أَيْ فِي بَابِ سُجُودِ السَّهْوِ، لَكِنَّهُ رَجَّحَ هُنَاكَ عَدَمَ الْفَسَادِ وَنَقَلَ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ الْحَقُّ.
(قَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ كَالْمَغْرِبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي ثَالِثَتِهِ.
(قَوْلُهُ احْتِيَاطًا) أَيْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرَدَّدَ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَرْضِ؛ فَبِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ فِي جَمِيعِهِ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي لَا فَتَجِبُ احْتِيَاطًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ.
(قَوْلُهُ وَالسُّنَّةُ السُّوَرُ الثَّلَاثُ) أَيْ الْأَعْلَى وَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصُ، لَكِنْ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ التَّعْيِينَ عَلَى الدَّوَامِ يُفْضِي إلَى اعْتِقَادِ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ لَا يَجُوزُ،
فَلَوْ قَرَأَ بِمَا وَرَدَ بِهِ الْآثَارُ أَحْيَانًا بِلَا مُوَاظَبَةٍ يَكُونُ حَسَنًا بَحْرٌ، وَهَلْ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ فَقَطْ أَوْ إذَا رَأَى ذَلِكَ حَتْمًا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ؟ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ فِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الْإِمَامَةِ.
(قَوْلُهُ وَزِيَادَةُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ إلَخْ) أَيْ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدَ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْحِلْيَةِ: وَمَا وَقَعَ فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ زِيَادَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَنْكَرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَلَمْ يَخْتَرْهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ اهـ.
(قَوْلُهُ وَيُكَبِّرُ) أَيْ وُجُوبًا وَفِيهِ قَوْلَانِ كَمَا مَرَّ فِي الْوَاجِبَاتِ، وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ عَنْ الْبَحْرِ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْجِيحُ عَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ رَافِعًا يَدَيْهِ) أَيْ سُنَّةً إلَى حِذَاءِ أُذُنَيْهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَهَذَا كَمَا فِي الْإِمْدَادِ عَنْ مَجْمَعِ الرِّوَايَاتِ لَوْ فِي الْوَقْتِ،
أَمَّا فِي الْقَضَاءِ عِنْدَ النَّاسِ فَلَا يَرْفَعُ حَتَّى لَا يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى تَقْصِيرِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي فَصْلِ إذَا أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا يُسَنُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إلَّا فِي سَبْعٍ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ يَعْتَمِدُ) أَيْ يَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ كَمَا فِي حَالَةِ الْقِرَاءَةِ ح.
(قَوْلُهُ وَقِيلَ كَالدَّاعِي) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرْفَعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ وَبُطُونُهُمَا إلَى السَّمَاءِ إمْدَادٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبْقِيهِمَا كَذَلِكَ إلَى تَمَامِ الدُّعَاءِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَقَنَتَ فِيهِ) أَيْ فِي الْوِتْرِ أَوْ الضَّمِيرُ إلَى مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي حَقِيقَةِ الْقُنُوتِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ؛ فَنَقَلَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ طُولُ الْقِيَامِ دُونَ الدُّعَاءِ،
وَفِي الْفَتَاوَى الصُّغْرَى الْعَكْسُ، وَيَنْبَغِي تَصْحِيحُهُ بَحْرٌ.
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُمْ دُعَاءُ الْقُنُوتِ إضَافَةُ بَيَانٍ اهـ
وَمِثْلُهُ فِي الْإِمْدَادِ. ثُمَّ الْقُنُوتُ وَاجِبٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا كَالْخِلَافِ فِي الْوِتْرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْبَدَائِعِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ مَا فِي غُرَرِ الْأَفْكَارِ عَدَمُ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ عِنْدَنَا، فَإِنَّهُ قَالَ: الْقُنُوتُ عِنْدَنَا وَاجِبٌ. وَعِنْدَ مَالِكٍ مُسْتَحَبٌّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ الْأَبْعَاضِ. وَعِنْدَ أَحْمَدَ سُنَّةٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ الْمَشْهُورُ) قَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الْوَاجِبَاتِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ عَنْ النَّهْرِ. وَذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْقُنُوتَ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الصَّحَابَةِ أَدْعِيَةٌ مُخْتَلِفَةٌ وَلِأَنَّ الْمُؤَقَّتَ مِنْ الدُّعَاءِ يَذْهَبُ بِرِقَّةِ الْقَلْبِ. وَذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ مَا سِوَى: اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ التَّوْقِيتُ وَرَجَّحَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ تَبَرُّكًا بِالْمَأْثُورِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ مُتَّحِدَانِ، وَحَاصِلُهُمَا تَقْيِيدُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بِغَيْرِ الْمَأْثُورِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الزَّيْلَعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ: يَعْنِي مِنْ غَيْرِ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ وَاَللَّهُمَّ اهْدِنَا إلَخْ اهـ فَلَفْظُ يَعْنِي بَيَانٌ لِمُرَادِ مُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ خَارِجًا عَنْهَا، وَلِذَا
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَ التَّوْقِيتِ فِيمَا عَدَا الْمَأْثُورَ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ إذَا لَمْ يُؤَقَّتْ
ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْأَلْفَاظِ الْوَارِدَةِ فِي اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك إلَخْ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُضَمَّ إلَيْهِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي إلَخْ وَأَنَّ مَا عَدَا هَذَيْنِ فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وَمِنْهُ مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَ عَذَابَكَ الْجِدُّ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّك وَعَدُوِّهِمْ. اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ الْكِتَابِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَك وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَك. اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ بَأْسَك الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك، مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك، لَا أَحْصَى ثَنَاءً عَلَيْك، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ.
وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقُنُوتَ يَقُولُ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الْآيَةَ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا،
وَقِيلَ يَقُولُ: يَا رَبِّ ثَلَاثًا، ذَكَرَهُ فِي الذَّخِيرَةِ. اهـ.
أَقُولُ: هَذَا يُفِيدُ أَنَّ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّ مِقْدَارَ الْقِيَامِ فِي الْقُنُوتِ مِقْدَارُ سُورَةِ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}
وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ اهـ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ، أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُنُوتَ الْوَاجِبَ هُوَ طُولُ الْقِيَامِ لَا الدُّعَاءُ تَأَمَّلْ.
هَذَا، وَذَكَرَ فِي الْحِلْيَةِ أَنَّ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك» إلَخْ. جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ النَّسَائِيّ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَتَبَوَّأَ مَضْجَعَهُ» .
(قَوْلُهُ وَصَحَّ الْجِدُّ) قَالَ فِي الْحِلْيَةِ وَالْجِدُّ فِي «إنَّ عَذَابَك الْجِدُّ» ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد، وَبِهِ انْدَفَعَ قَوْلُ الشُّمُنِّيِّ فِي شَرْحِ النُّقَايَةِ إنَّهُ لَا يَقُولُهُ.
(قَوْلُهُ وَمُلْحِقٌ بِمَعْنَى لَاحِقٍ) مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَنَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ، وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَنَصَّ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ صَوَابٌ، كَذَا فِي الْحِلْيَةِ.
قُلْت: بَلْ فِي الْقَامُوسِ الْفَتْحُ أَحْسَنُ، أَوْ الصَّوَابُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى لَاحِقٍ) أَيْ إنَّهُ مِنْ أَلْحَقَ الْمَزِيدِ بِمَعْنَى لَحِقَ الْمُجَرَّدِ.
وَفِي الشُّرُنْبُلَالِيَّة أَنَّ الْمُطَرِّزِيَّ صَحَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ مُلْحِقُ الْفُسَّاقِ بِالْكُفَّارِ الْأَوَّلُ أَوْلَى احْتِرَازًا عَنْ الْإِضْمَارِ، وَتَمَامُهُ فِيهَا.
قُلْت: وَلَعَلَّ مَا صَحَّحَهُ الْمُطَرِّزِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ تِلْمِيذُ الزَّمَخْشَرِيّ وَشَيْخُ صَاحِبِ الْقُنْيَةِ بَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ مَذْهَبِ الِاعْتِزَالِ، مِنْ أَنَّ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَالْكُفَّارِ
(قَوْلُهُ كَأَنَّهُ لِأَنَّهُ كَلِمَةٌ مُهْمَلَةٌ) كَذَا فِي الْبَحْرِ، لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ وَرَدَ فِي «صِفَةِ الْبُرَاقِ لَهُ جَنَاحَانِ يَحْفِذُ بِهِمَا» أَيْ يَسْتَعِينُ عَلَى السَّيْرِ ط
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَمُقَابِلُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَاسْتَحْسَنُوا الْجَهْرَ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ لِلْإِمَامِ لِيَتَعَلَّمُوا، وَفَصَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَهُ الْقَوْمُ فَالْأَفْضَلُ لِلْإِمَامِ الْإِخْفَاءُ وَإِلَّا فَالْجَهْرُ. اهـ.
قُلْت: هَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَخْرُجُ عَمَّا قَبْلَهُ.
وَفِي الْمُنْيَةِ مَنْ اخْتَارَ الْجَهْرَ اخْتَارَهُ دُونَ الْقِرَاءَةِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ إمَامًا) قَالَ فِي الْخَزَائِنِ إمَامًا كَانَ أَوْ مُؤْتَمًّا أَوْ مُنْفَرِدًا، أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ إلَخْ) أَفَادَ أَنَّ الْمُخَافَتَةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً ط
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.