التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفُرُوضِ الْخَمْسَةِ وَالْوِتْرِ أَدَاءٌ وَقَضَاءً لَازِمٌ وَقَضَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ فَلَمْ يَجُزْ فَجْرُ مَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ إلَّا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ نُسِيَتْ الْفَائِتَةُ أَوْ فَاتَتْ سِتٌّ اعْتِقَادِيَّةٌ بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا
Its commentaries
بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ لَمْ يَقُلْ الْمَتْرُوكَاتِ ظَنًّا بِالْمُسْلِمِ خَيْرًا، إذْ التَّأْخِيرُ بِلَا عُذْرٍ كَبِيرَةٌ لَا تَزُولُ بِالْقَضَاءِ بَلْ بِالتَّوْبَةِ أَوْ الْحَجِّ،
وَمِنْ الْعُذْرِ الْعَدُوُّ، وَخَوْفُ الْقَابِلَةِ مَوْتَ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخَّرَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ وَبِالتَّحْرِيمَةِ فَقَطْ بِالْوَقْتِ يَكُونُ أَدَاءً عِنْدَنَا، وَبِرَكْعَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْإِعَادَةُ فِعْلُ مِثْلِهِ فِي وَقْتِهِ لِخَلَلٍ غَيْرِ الْفَسَادِ لِقَوْلِهِمْ: كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ تُعَادُ أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَقْتِ،
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَنَدْبًا، وَالْقَضَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ كَاَلَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ مَجَازٌ (التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفُرُوضِ الْخَمْسَةِ وَالْوِتْرِ أَدَاءٌ وَقَضَاءً لَازِمٌ) يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ، لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» وَبِهِ يَثْبُتُ الْفَرْضُ الْعَمَلِيُّ (وَقَضَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ فَرْضٌ وَوَاجِبٌ وَسُنَّةٌ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ، وَجَمِيعُ أَوْقَاتِ الْعُمْرِ وَقْتٌ لِلْقَضَاءِ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْمَنْهِيَّةَ كَمَا مَرَّ (فَلَمْ يَجُزْ) تَفْرِيعٌ عَلَى اللُّزُومِ (فَجْرُ مَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ) لِوُجُوبِهِ عِنْدَهُ (إلَّا) اسْتِثْنَاءً مِنْ اللُّزُومِ فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ (إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ) حَقِيقَةً إذْ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَفْوِيتُ الْوَقْتِيَّةِ لِتَدَارُكِ الْفَائِتَةِ.
وَلَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ كُلَّ الْفَوَائِتِ فَالْأَصَحُّ جَوَازُ الْوَقْتِيَّةِ مُجْتَبَى، وَفِيهِ ظَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ ضِيقَ وَقْتِ الْفَجْرِ فَصَلَّاهَا وَفِيهِ سَعَةٌ يُكَرِّرُهَا إلَى الطُّلُوعِ وَفَرْضَهُ الْأَخِيرَ (أَوْ نُسِيَتْ الْفَائِتَةُ) لِأَنَّهُ عُذْرٌ (أَوْ فَاتَتْ سِتٌّ اعْتِقَادِيَّةٌ) لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ الْمُقْتَضِي لِلْحَرَجِ (بِخُرُوجِ وَقْتِ السَّادِسَةِ) عَلَى الْأَصَحِّ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً أَوْ قَدِيمَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّهُ مَتَى اخْتَلَفَ التَّرْجِيحُ رُجِّحَ إطْلَاقُ الْمُتُونِ بَحْرٌ (أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا) أَيْ يَسْقُطُ لُزُومُ التَّرْتِيبِ أَيْضًا بِالظَّنِّ الْمُعْتَبَرِ، كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ ذَاكِرًا لِتَرْكِهِ الْفَجْرَ فَسَدَ ظُهْرُهُ،
فَإِذَا قَضَى الْفَجْرَ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ جَازَ الْعَصْرُ، إذْ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَاءِ الْعَصْرِ، وَهُوَ ظَنٌّ مُعْتَبَرٌ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ.
وَفِي الْمُجْتَبِي: مَنْ جَهِلَ فَرْضِيَّةَ التَّرْتِيبِ يُلْحَقُ بِالنَّاسِي وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ بُخَارَى، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا فِي الْقُنْيَةِ: صَبِيٌّ بَلَغَ وَقْتَ الْفَجْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ مَعَ تَذَكُّرِهِ جَازَ،
وَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بِهَذَا الْعُذْرِ
(قَوْلُهُ لَمْ يَقُلْ الْمَتْرُوكَاتِ إلَخْ) لِأَنَّ فِي التَّعْبِيرِ بِالْفَوَائِتِ إسْنَادَ الْفَوْتِ إلَيْهَا، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهِ بَلْ هُوَ مُلْجَأٌ لِعُذْرٍ مُبِيحٍ
بِخِلَافِ الْمَتْرُوكَاتِ لِأَنَّ فِيهِ إسْنَادَ التَّرْكِ لِلْمُكَلَّفِ وَلَا يَلِيقُ بِهِ رَحْمَتِيٌّ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ كِتَابِ الصَّلَاةِ الْكَلَامُ فِي حُكْمِ جَاحِدِهَا وَتَارِكِهَا وَإِسْلَامِ فَاعِلِهَا.
(قَوْلُهُ إذْ التَّأْخِيرُ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ ط.
(قَوْلُهُ لَا تَزُولُ بِالْقَضَاءِ) وَإِنَّمَا يَزُولُ إثْمُ التَّرْكِ، فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا إذَا قَضَاهَا وَإِثْمُ التَّأْخِيرِ بَاقٍ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ بَلْ بِالتَّوْبَةِ) أَيْ بَعْدَ الْقَضَاءِ
أَمَّا بِدُونِهِ فَالتَّأْخِيرُ بَاقٍ، فَلَمْ تَصِحَّ التَّوْبَةُ مِنْهُ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِهَا الْإِقْلَاعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَوْ الْحَجُّ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَبْرُورَ مِنْهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَسَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ط.
(قَوْلُهُ وَمِنْ الْعُذْرِ) أَيْ لِجَوَازِ تَأْخِيرِ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ وَقْتِهَا،
وَأَمَّا قَضَاءُ فَوَائِتَ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِلسَّعْيِ عَلَى الْعِيَالِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ الْعَدُوُّ) كَمَا إذَا خَافَ الْمُسَافِرُ مِنْ اللُّصُوصِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ جَازَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوَقْتِيَّةَ لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ بَحْرٌ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ.
قُلْت: هَذَا حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهَا أَصْلًا،
أَمَّا لَوْ كَانَ رَاكِبًا فَيُصَلِّي عَلَى الدَّابَّةِ وَلَوْ هَارِبًا،
وَكَذَا لَوْ كَانَ يُمْكِنُهُ صَلَاتُهَا قَاعِدًا أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ اسْتَقْبَلَ يَرَاهُ الْعَدُوُّ يُصَلِّي بِمَا قَدَرَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(قَوْلُهُ وَخَوْفُ الْقَابِلَةِ إلَخْ) وَكَذَا خَوْفُ أُمِّهِ إذَا خَرَجَ رَأْسُهُ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ وَتَضَعُ تَحْتَهَا طَسْتًا وَتُصَلِّي فَذَاكَ عِنْدَ عَدَمِ الْخَوْفِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ) وَذَلِكَ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» ح عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ. مَطْلَبٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ بِمَعْنَى اللَّفْظِ، وَبِمَعْنَى الصِّيغَةِ وَفِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَدَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْأَمْرُ قَدْ يُرَادُ بِهِ لَفْظُهُ: أَعْنِي مَا تَرَكَّبَ مِنْ مَادَّةِ أم ر، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الصِّيغَةُ كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. وَهِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ.
وَأَمَّا لَفْظُ الْأَمْرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا. وَالتَّحْقِيقُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ أَوْ الرَّاجِحِ. فَإِطْلَاقُ لَفْظِ أم ر عَلَى الصِّيغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ حَقِيقَةٌ، فَالْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ فِيهِ مَجَازًا، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَكُونُ الْمَنْدُوبُ أَدَاءً وَقَضَاءً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقَضَاءُ خَاصًّا بِمَا كَانَ مَضْمُونًا وَالنَّفَلُ لَا يُضْمَنُ بِالتَّرْكِ اخْتَصَّ الْقَضَاءُ بِالْوَاجِبِ، وَمِنْهُ مَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ النَّفْلِ فَأَفْسَدَهُ فَإِنَّهُ صَارَ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا فَيُقْضَى، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ الْأَدَاءَ يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ، وَالْقَضَاءُ يَخْتَصُّ بِالْوَاجِبِ، وَلِهَذَا عَرَّفَهُمَا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ بِأَنَّ الْأَدَاءَ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ وَالْقَضَاءُ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ؛
وَالْمُرَادُ بِالثَّابِتِ بِالْأَمْرِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالْأَمْرِ فَيَشْمَلُ النَّفَلَ، لَا مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالْوَقْتِ لِيَعُمَّ أَدَاءَ غَيْرِ الْمُوَقِّتِ كَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالْأَمَانَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ؛ وَتَمَامُ تَحْقِيقِ ذَلِكَ فِي التَّلْوِيحِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ ظَهَرَ أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّارِحِ لِلْأَدَاءِ تَبَعًا لِلْبَحْرِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
(قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْتُ الْعُمْرَ أَوْ غَيْرَهُ بَحْرٌ.
وَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ فِعْلُ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ أَدَاءً إلَّا إذَا وَقَعَ كُلُّ الْوَاجِبِ فِي الْوَقْتِ مَعَ أَنَّ وُقُوعَ التَّحْرِيمَةِ فِيهِ كَافٍ أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ وَبِالتَّحْرِيمَةِ فَقَطْ بِالْوَقْتِ يَكُونُ أَدَاءً؛ فَقَوْلُهُ بِالتَّحْرِيمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِيَكُونُ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ بِالْوَقْتِ بِمَعْنَى فِي؛
وَلَوْ قَالَ ثُمَّ الْأَدَاءُ ابْتِدَاءَ فِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ لَاسْتَغْنَى عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ. اهـ. ح وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ بِالتَّحْرِيمَةِ يَكُونُ أَدَاءً عِنْدَنَا هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَالْبَاقِي قَضَاءٌ، وَذَكَرَ ط عَنْ الشَّارِحِ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فَرَاجِعْهُ مَطْلَبٌ فِي تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ.
(قَوْلُهُ وَالْإِعَادَةُ فِعْلُ مِثْلِهِ) أَيْ مِثْلِ الْوَاجِبِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّفَلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ بِهِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ فِي وَقْتِهِ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ خَارِجَ الْوَقْتِ يَكُونُ إعَادَةً أَيْضًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ
وَأَمَّا بَعْدَهُ فَنَدْبًا: أَيْ فَتُعَادُ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ غَيْرِ الْفَسَادِ زَادَ فِي الْبَحْرِ وَعَدَمَ صِحَّةِ الشُّرُوعِ يَعْنِي وَغَيْرِ عَدَمِ صِحَّةِ الشُّرُوعِ، وَتَرَكَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْفَسَادِ مَا هُوَ الْأَعَمَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُنْعَقِدَةً ثُمَّ تَفْسُدُ أَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ أَصْلًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكَنْزِ وَفَسَدَ اقْتِدَاءُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ ح.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَذَكَرَ شَارِحُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَقْتِ قَوْلُ الْبَعْضِ، وَإِلَّا فَفِي الْمِيزَانِ الْإِعَادَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ إتْيَانٌ بِمِثْلِ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَالِ بِأَنْ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِعْلُ مَوْصُوفٍ بِصِفَةِ الْكَمَالِ فَأَدَّاهُ عَلَى وَجْهِ النُّقْصَانِ، وَهُوَ نُقْصَانٌ فَاحِشٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ، وَهُوَ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ ذَاتًا مَعَ صِفَةِ الْكَمَالِ اهـ فَإِنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ مَا يُفْعَلُ خَارِجَ الْوَقْتِ يَكُونُ إعَادَةً أَيْضًا كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ،
وَأَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ قِسْمَيْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. اهـ.
أَقُولُ: لَكِنَّ صَرِيحَ كَلَامِ الشَّيْخِ أَكْمَلِ الدِّينِ فِي شَرْحِهِ عَلَى أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيِّ عَدَمُ تَقْيِيدِهَا بِالْوَقْتِ، وَبِكَوْنِ الْخَلَلِ غَيْرَ الْفَسَادِ، وَبِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ الْقِسْمَيْنِ لِأَنَّهُ عَرَّفَهَا بِأَنَّهَا فِعْلُ مَا فُعِلَ أَوَّلًا مَعَ ضَرْبٍ مِنْ الْخَلَلِ ثَانِيًا، ثُمَّ قَالَ: إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْأَوَّلُ فَاسِدًا فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ،
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِأَنْ وَقَعَ الْأَوَّلُ نَاقِصًا لَا فَاسِدًا فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ تَقْسِيمُ الْوَاجِبِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَبِالْأَوَّلِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ،
وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فَالْفِعْلُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْجَبْرِ كَالْجَبْرِ بِسُجُودِ السَّهْوِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِقَوْلِهِمْ إلَخْ) هَذَا التَّعْلِيلُ عَلِيلٌ، إذْ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ فَاسِدًا لَا يُعَادُ وَلَا أَنَّ الْإِعَادَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْوَقْتِ بَلْ صَرَّحَ بَعْدَهُ بِأَنَّهَا بَعْدَ الْوَقْتِ إعَادَةٌ أَيْضًا. عَلَى أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِمْ تُعَادُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، فَالْمُنَاسِبُ مَا فَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ حَيْثُ جَعَلَ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّعْرِيفِ حَيْثُ قَيَّدَ فِي التَّعْرِيفِ بِالْوَقْتِ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ مُطْلَقٌ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَعَنْ شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِوُقُوعِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَقْتِ إلَخْ) لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ سِوَى صَاحِبِ الْبَحْرِ، حَيْثُ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ، حَيْثُ ذَكَرَ فِي الْقُنْيَةِ عَنْ الْوَبَرِيِّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ يُؤْمَرُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لَا بَعْدَهُ،
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ التَّرْجُمَانِيِّ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَوْلَى فِي الْحَالَيْنِ. اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا وُجُوبَ بَعْدَ الْوَقْتِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا مِنْ وَاجِبَاتِهَا أَوْ ارْتَكَبَ مَكْرُوهًا تَحْرِيمِيًّا لَزِمَهُ وُجُوبًا أَنْ يُعِيدَ فِي الْوَقْتِ،
فَإِنْ خَرَجَ أَثِمَ وَلَا يَجِبُ جَبْرُ النُّقْصَانِ بَعْدَهُ.
فَلَوْ فَعَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ. اهـ.
أَقُولُ: مَا فِي الْقُنْيَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ الْإِعَادَةَ وَاجِبَةٌ أَوْ لَا، وَقَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِخَلَلٍ غَيْرِ الْفَسَادِ لَا تَكُونُ وَاجِبَةً. وَعَنْ الْمِيزَانِ التَّصْرِيحُ بِوُجُوبِهَا.
وَقَالَ فِي الْمِعْرَاجِ: وَفِي جَامِعِ التُّمُرْتَاشِيِّ لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ يُكْرَهُ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ. قَالَ أَبُو الْيُسْرِ: هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَالِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْقَوْمَةَ غَيْرُ رُكْنٍ عِنْدَهُمَا فَتَرْكُهَا لَا يُفْسِدُ، وَالْأَوْلَى الْإِعَادَةُ. اهـ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَلْ تَكُونُ الْإِعَادَةُ وَاجِبَةً، فَصَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُرَّاحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ. وَأَنَّهُ بِالْأَوَّلِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ،
وَأَنَّ الثَّانِيَ بِمَنْزِلَةِ الْجَبْرِ. وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْهِدَايَةِ؛ وَصَرَّحَ بِهِ النَّسَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَنَارِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَأَبِي الْيُسْرِ: مَنْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ. زَادَ أَبُو الْيُسْرِ: وَيَكُونُ الْفَرْضُ هُوَ الثَّانِيَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي ابْنَ الْهُمَامِ: لَا إشْكَالَ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ إذْ هُوَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ، وَيَكُونُ جَابِرًا لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ، وَجَعْلَهُ الثَّانِي يَقْتَضِي عَدَمَ سُقُوطِهِ بِالْأَوَّلِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَازِمُ تَرْكِ الرُّكْنِ لَا الْوَاجِبِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ امْتِنَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ يَحْتَسِبُ الْكَامِلَ وَإِنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا عَلِمَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ سَيُوقِعُهُ انْتَهَى.
وَمِنْ هَذَا يَظْهَرُ أَنَّا إذَا قُلْنَا الْفَرْضُ هُوَ الْأَوَّلُ فَالْإِعَادَةُ قِسْمٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ،
وَإِنْ قُلْنَا الثَّانِي فَهِيَ أَحَدُهُمَا. اهـ.
أَقُولُ: فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْأَرْجَحَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهَا عِنْدَ الْبَعْضِ خَاصَّةً بِالْوَقْتِ، وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَعَلَيْهِ فَوُجُوبُهَا فِي الْوَقْتِ وَلَا تُسَمَّى بَعْدَهُ إعَادَةً، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ الْوَبَرِيِّ،
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا تَكُونُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَشَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ، فَإِنَّهَا تَكُونُ وَاجِبَةً فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا الَّذِي هُوَ الْمَرْجُوحُ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الْقُنْيَةِ عَنْ التَّرْجُمَانِيِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا وَاجِبَةً فِي الْوَقْتِ مَنْدُوبَةً بَعْدَهُ كَمَا فَهِمَهُ فِي الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَدْ نَقَلَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْبَحْرِ عَنْ خَطِّ الْعَلَّامَةِ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ يَجِبُ أَنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِمْ: كُلُّ صَلَاةٍ أُدِّيَتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ سَبِيلُهَا الْإِعَادَةُ. اهـ.
قُلْت: أَيْ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ وُجُوبَهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْوَقْتِ. وَظَاهِرُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ التَّحْرِيرِ تَرْجِيحُهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَيْضًا تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ، فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَيُشِيرُ إلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْمِيزَانِ مِنْ قَوْلِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَهُوَ إتْيَانُ مِثْلِ الْأَوَّلِ ذَاتًا مَعَ صِفَةِ الْكَمَالِ: أَيْ كَمَالِ مَا نَقَصَهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ يَعُمُّ وُجُوبَ الْإِتْيَانِ بِهَا كَامِلَةً فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ كَمَا مَرَّ.
ثُمَّ هَذَا حَيْثُ كَانَ النُّقْصَانُ بِكَرَاهَةِ تَحْرِيمٍ لِمَا فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْحَقَّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ كَوْنِ تِلْكَ الْكَرَاهَةِ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ تَنْزِيهٍ فَتُسْتَحَبُّ اهـ أَيْ تُسْتَحَبُّ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ أَيْضًا.
[تَنْبِيهٌ] يُؤْخَذُ مِنْ لَفْظِ الْإِعَادَةِ وَمِنْ تَعْرِيفِهَا بِمَا مَرَّ أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ لِأَنَّ مَا فُعِلَ أَوَّلًا هُوَ الْفَرْضُ فَإِعَادَتُهُ فِعْلُهُ ثَانِيًا؛
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِالثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ؛
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَكْرِيرِهَا ثَانِيًا جَبْرُ نُقْصَانِ الْأُولَى، فَالْأُولَى فَرْضٌ نَاقِصٌ، وَالثَّانِيَةُ فَرْضٌ كَامِلٌ مِثْلُ الْأُولَى ذَاتًا مَعَ زِيَادَةِ وَصْفِ الْكَمَالِ،
وَلَوْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ نَفْلًا لَزِمَ أَنْ تَجِبَ الْقِرَاءَةُ فِي رَكَعَاتِهَا الْأَرْبَعِ،
وَأَنْ لَا تُشْرَعَ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَلَمْ يَذْكُرُوهُ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا فَرْضًا عَدَمُ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالْأُولَى لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَكُونُ فَرَضَا بَعْدَ الْوُقُوعِ،
أَمَّا قَبْلَهُ فَالْفَرْضُ هُوَ الْأُولَى.
وَحَاصِلُهُ تَوَقُّفُ الْحُكْمِ بِفَرْضِيَّةِ الْأُولَى عَلَى عَدَمِ الْإِعَادَةِ، وَلَهُ نَظَائِرُ كَسَلَامِ مَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ يُخْرِجُهُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا، وَكَفَسَادِ الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَتَوَقُّفِ الْحُكْمِ بِفَرْضِيَّةِ الْمَغْرِبِ فِي طَرِيقِ الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى عَدَمِ إعَادَتِهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ؛
وَأَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلَ أَيْضًا بِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ الثَّانِيَةُ أَرَادَ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ؛ وَإِلَّا لَزِمَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِ الْأُولَى بِتَرْكِ مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ كَمَا مَرَّ عَنْ الْفَتْحِ، وَلَزِمَ أَيْضًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ فِي الثَّانِيَةِ لَوْ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ،
فَإِنَّ الْفَرْضَ مِنْهَا آيَةٌ وَالثَّلَاثُ وَاجِبَةٌ وَالزَّائِدُ سُنَّةٌ، وَمَا ذَاكَ إلَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا قَبْلَ الْوُقُوعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ يَقَعُ الْكُلُّ فَرْضًا،
وَكَذَا لَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ أَوْ الرُّكُوعَ أَوْ السُّجُودَ، هَذَا نِهَايَةُ مَا تَحَرَّرَ لِي مِنْ فَتْحِ الْمَلِكِ الْوَهَّابِ، فَاغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْ مُفْرَدَاتِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
(قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ فِعْلُ الْوَاجِبِ إلَخْ)
وَقِيلَ فِعْلُ مِثْلِهِ بِنَاءً عَلَى الْمَرْجُوحِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ لَا بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَدَاءُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ وَكُتُبِ الْأُصُولِ
(قَوْلُهُ وَإِطْلَاقُهُ إلَخْ) أَيْ كَمَا فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَقَضَاءُ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ إلَخْ؛ وَقَوْلُ الْكَنْزِ: وَقَضَى الَّتِي قَبْلَ الظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ قَبْلَ شَفْعِهِ،
وَكَذَا إطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ الْقَضَاءَ عَلَى الْحَجِّ بَعْدَ فَسَادِهِ مَجَازٌ، إذْ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ يَصِيرُ بِخُرُوجِهِ قَضَاءً كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَقَدَّمْنَا وَجْهَ كَوْنِ النَّفْلِ لَا يُسَمَّى قَضَاءً وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ حَقِيقَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَنَّهُ يُسَمَّى أَدَاءً حَقِيقَةً، كَمَا إذَا أَتَى بِالْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ؛
أَمَّا إذَا أَتَى بِهَا بَعْدَهُ فَهِيَ قَضَاءٌ، إذْ لَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ وَقْتَهَا وَإِنْ كَانَ وَقْتَ الظُّهْرِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ أَدَاءً وَقَضَاءً) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ، فَيَشْمَلُ ثَلَاثَ صُوَرٍ: مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ قَضَاءً، أَوْ الْبَعْضُ قَضَاءً وَالْبَعْضُ أَدَاءً، أَوْ الْكُلُّ أَدَاءً كَالْعِشَاءِ مَعَ الْوِتْرِ ط وَدَخَلَ فِيهِ الْجُمُعَةُ،
فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ لَازِمٌ،
فَلَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْفَجْرَ يُصَلِّيهَا وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ إسْمَاعِيلُ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
(قَوْلُهُ يَفُوتُ الْجَوَازُ بِفَوْتِهِ) الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الصِّحَّةُ لَا الْحِلُّ؛ وَأَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِلَازِمِ الْفَرْضِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى قِسْمَيْ الْوَاجِبِ وَهُوَ مُرَادُ مَنْ سَمَّاهُ فَرْضًا كَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ، وَشَرْطًا كَالْمُحِيطِ، وَوَاجِبًا كَالْمِعْرَاجِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» ) تَمَامُ الْحَدِيثِ «أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لْيَقْضِ الَّتِي تَذَكَّرَهَا، ثُمَّ لْيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» ح عَنْ الدُّرَرِ وَذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بِاخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ مَعَ بَيَانِ مَنْ خَرَّجَهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي تَوْثِيقِ بَعْضِ رُوَاتِهِ وَفِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ دَعْوَى كَوْنِهِ مَشْهُورًا مَرْدُودَةٌ لِلْخِلَافِ فِي رَفْعِهِ فَضْلًا عَنْ شُهْرَتِهِ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ وَاَلَّذِي حَطَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ الْمَيْلُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ بِاسْتِحْبَابِ التَّرْتِيبِ وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْبُرْهَانِ بِمَا لَخَصَّهُ نُوحٌ أَفَنْدِي، فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
(قَوْلُهُ وَقَضَاءُ الْفَرْضِ إلَخْ) لَوْ قُدِّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ أَوْ آخِرَهُ عَنْ التَّفْرِيعِ الْآتِي لَكَانَ أَنْسَبَ. وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَالسُّنَّةِ يُوهِمُ الْعُمُومَ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ،
فَلَوْ قَالَ وَمَا يُقْضَى مِنْ السُّنَّةِ لِرَفْعِ هَذَا الْوَهْمِ رَمْلِيٌّ.
قُلْت: وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْوِتْرَ، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ سُنَّةٌ، وَقَضَاؤُهُ وَاجِبٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، لَكِنْ يُجَابُ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
(قَوْلُهُ وَالْوَاجِبُ) كَالْمَنْذُورَةِ وَالْمَحْلُوفِ عَلَيْهَا وَقَضَاءِ النَّفْلِ الَّذِي أَفْسَدَهُ ط
(قَوْلُهُ وَقْتٌ لِلْقَضَاءِ) أَيْ لِصِحَّتِهِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ إلَّا لِعُذْرٍ ط وَسَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ إلَّا الثَّلَاثَةَ الْمَنْهِيَّةَ) وَهِيَ الطُّلُوعُ وَالِاسْتِوَاءُ وَالْغُرُوبُ ح وَهِيَ مَحَلٌّ لِلنَّفْلِ الَّذِي شَرَعَ بِهِ فِيهَا ثُمَّ أَفْسَدَهُ ط.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ فَلَمْ يَجُزْ) أَيْ بَلْ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا كَمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ مَنْ تَذَكَّرَ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا.
(قَوْلُهُ لِوُجُوبِهِ) أَيْ الْوِتْرِ عِنْدَهُ: أَيْ عِنْدَ الْإِمَامِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ فَرْضٌ عَمَلِيٌّ عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ) أَيْ عِنْدَ الْفَوَائِتِ وَالْوَقْتِيَّةِ،
أَمَّا الْفَوَائِتُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ فَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مَخْصُوصٌ حَتَّى يُقَالَ يَسْقُطُ تَرْتِيبُهَا بِضِيقِهِ ط وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاءُ الْوَقْتِيَّةِ إلَّا مَعَ التَّخْفِيفِ فِي قَصْرِ الْقِرَاءَةِ وَالْأَفْعَالِ يُرَتِّبُ وَيَقْتَصِرُ عَلَى مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ بَحْرٌ عَنْ الْمُجْتَبَى.
وَفِي الْفَتْحِ: وَيُعْتَبَرُ الضِّيقُ عِنْدَ الشُّرُوعِ، حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِيَّةِ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ، وَأَطَالَ حَتَّى ضَاقَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَقْطَعَهَا ثُمَّ يَشْرَعَ فِيهَا،
وَلَوْ شَرَعَ نَاسِيًا وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَتَذَكَّرَ عِنْدَ ضِيقِهِ جَازَتْ. اهـ.
(قَوْلُهُ الْمُسْتَحَبُّ) أَيْ الَّذِي لَا كَرَاهَةَ فِيهِ قُهُسْتَانِيِّ.
وَقِيلَ أَصْلُ الْوَقْتِ، وَنَسَبَهُ الطَّحَاوِيُّ إلَى الشَّيْخَيْنِ، وَالْأَوَّلُ إلَى مُحَمَّدٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ وَقْتِ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فِي الْعَصْرِ، إذْ يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ إذَا لَزِمَ تَأْخِيرُ ظُهْرِ الشِّتَاءِ وَالْمَغْرِبِ مَثَلًا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا ثُمَّ رَأَيْت الزَّيْلَعِيَّ خَصَّ الْخِلَافَ بِالْعَصْرِ، وَلِذَا
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَتَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا لَوْ تَذَكَّرَ الظُّهْرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهُ يَقَعُ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَيَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضَهُ فِيهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَعَلَى الثَّانِي يُصَلِّي الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ. وَاخْتَارَ الثَّانِي قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ أَكْثَرَ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَصَحَّحَ فِي الْمُحِيطِ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ بِمَا فِي الْمُنْتَقَى مِنْ أَنَّهُ إذَا افْتَتَحَ الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ احْمَرَّتْ الشَّمْسُ ثُمَّ تَذَكَّرَ الظُّهْرَ مَضَى فِي الْعَصْرِ. قَالَ: فَهَذَا نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ اهـ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَحِينَئِذٍ انْقَطَعَ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ حَيْثُ لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا. اهـ.
أَقُولُ: فِي هَذَا التَّرْجِيحِ نَظَرٌ، يُوَضِّحُهُ مَا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، حَيْثُ قَالَ: إنَّمَا وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْعَصْرِ لِمَعْرِفَةِ آخِرِ الْوَقْتِ، فَعِنْدَنَا آخِرُهُ فِي حُكْمِ التَّرْتِيبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ،
وَفِي حُكْمِ جَوَازِ تَأْخِيرِ الْعَصْرِ تَغَيُّرُ الشَّمْسِ. وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ: آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ؛ فَعِنْدَهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَزِمَهُ التَّرْتِيبُ وَإِلَّا فَلَا. وَعِنْدَنَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ وَيَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ التَّغَيُّرِ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ،
وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الْفَرَاغُ مِنْ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّغَيُّرِ لَا يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ لِأَنَّ مَا بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَيْسَ وَقْتًا لِأَدَاءِ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ مَا فِي الْمُنْتَقَى لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمَّا تَذَكَّرَ الظُّهْرَ بَعْدَ التَّغَيُّرِ لَا يُمْكِنُهُ صَلَاتُهُ فِيهِ، فَلِذَا لَمْ تَفْسُدْ الْعَصْرُ وَإِنْ كَانَ افْتَتَحَهَا قَبْلَ التَّغَيُّرِ نَاسِيًا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ لِوَقْتِ التَّذَكُّرِ، مَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْفَتْحِ فِيمَا لَوْ أَطَالَ الصَّلَاةَ ثُمَّ تَذَكَّرَ الْفَائِتَةَ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَعُلِمَ أَيْضًا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى اخْتِلَافِ الْمَشَايِخِ بَلْ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فَاعْتِبَارُ أَصْلِ الْوَقْتِ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْمَبْسُوطِ،
وَأَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْمُتُونِ، وَلِذَا جَزَمَ بِهِ فَقِيهُ النَّفْسِ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ بِلَفْظِ عِنْدَنَا، فَاقْتَضَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَلِذَا نُسِبَ الْقَوْلُ الْآخَرُ إلَى الْحَسَنِ، نَعَمْ صَرَّحَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ بِأَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا مَرَّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَوْ تَذَكَّرَ الْفَجْرَ عِنْدَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ يُصَلِّيهَا مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ حِينَئِذٍ مَكْرُوهَةٌ، بَلْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَنَّهُ يُصَلِّيهَا عِنْدَهُمَا وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجُمُعَةِ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُصَلِّي الْجُمُعَةَ ثُمَّ يَقْضِي الْفَجْرَ، فَلَمْ يَجْعَلَا فَوْتَ الْجُمُعَةِ عُذْرًا فِي تَرْكِ التَّرْتِيبِ وَمُحَمَّدٌ جَعَلَهُ عُذْرًا فَكَذَلِكَ هُنَا. اهـ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عِبَارَةَ الْمُحِيطِ وَلَيْسَ فِيهَا التَّصْحِيحُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ مَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَصْلُ الْوَقْتِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ حَقِيقَةً) تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ ضَاقَ: أَيْ ضَاقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا ظَنًّا، وَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِهِ ظَنَّ مَنْ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ إلَخْ
(قَوْلُهُ إذْ لَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، لَكِنَّهُ إنَّمَا يُنَاسِبُ اعْتِبَارَ أَصْلِ الْوَقْت. وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مَعْنَاهُ تَفْوِيتُ الْوَقْتِيَّةِ عَنْ وَقْتِهَا الْمُسْتَحَبِّ ح. وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى تَفْوِيتًا، بَلْ هُوَ تَعْلِيلٌ ذَكَرَهُ الْمَشَايِخُ لِمَا هُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَرَرْنَاهُ
(قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ كُلَّ الْفَوَائِتِ) صُورَتُهُ عَلَيْهِ الْعِشَاءُ وَالْوِتْرُ مَثَلًا ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ الْفَجْرَ حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْوِتْرَ مَثَلًا وَفَرْضَ الصُّبْحِ فَقَطْ وَلَمْ يَسَعْ الصَّلَوَاتِ الثَّلَاثَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُصَلِّ الْوِتْرَ. وَصَرَّحَ فِي الْمُجْتَبَى بِأَنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ الْوَقْتِيَّةِ ح عَنْ الْبَحْرِ، لَكِنْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: الَّذِي رَأَيْته فِي الْمُجْتَبَى الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ. اهـ.
قُلْت: رَاجَعْت الْمُجْتَبَى فَرَأَيْت فِيهِ مِثْلَ مَا عَزَاهُ إلَيْهِ فِي الْبَحْرِ،
وَكَذَا قَالَ الْقُهُسْتَانِيُّ جَازَتْ الْوَقْتِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
(قَوْلُهُ يُكَرِّرُهَا إلَى الطُّلُوعِ) يَعْنِي يُعِيدُهَا ثَانِيًا وَثَالِثًا وَهَكَذَا إذَا كَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ لَا يَسَعُهُمَا ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِ سَعَةٌ إلَى أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ إعَادَةٍ مِنْ الْإِعَادَاتِ ضَيِّقَةٌ حَقِيقَةٌ فَيُعِيدُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ،
وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ إعَادَتِهِ أَنَّهُ يَسَعُهُمَا صَلَّى الْفَائِتَةَ ثُمَّ الْوَقْتِيَّةَ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(قَوْلُهُ أَوْ نُسِيَتْ الْفَائِتَةُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ضَاقَ الْوَقْتُ. وَفِيهِ أَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ فِيمَنْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ حَذْفُ التَّذَكُّرِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ إذَا نَسِيَ الْفَائِتَةَ وَصَلَّى مَا هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهَا مِنْ وَقْتِيَّةٍ أَوْ فَائِتَةٍ أُخْرَى
وَكَذَا يَسْقُطُ بِنِسْيَانِ إحْدَى الْوَقْتِيَّتَيْنِ؛ كَمَا لَوْ صَلَّى الْوِتْرَ نَاسِيًا أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّاهَا لَا يُعِيدُ الْوِتْرَ، لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ لَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ بِلَا وُضُوءٍ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَّةَ بِهِ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَّةَ لَا الْوِتْرَ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ نَاسِيًا أَنَّ الْعِشَاءَ فِي ذِمَّتِهِ فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ أَفَادَهُ ح.
قُلْت: وَنَظِيرُهُ أَيْضًا مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ يُعِيدُ الظُّهْرَ فَقَطْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِي.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ) أَيْ لِأَنَّ النِّسْيَانَ عُذْرٌ سَمَاوِيٌّ مُسْقِطٌ لِلتَّكْلِيفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ بَحْرٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ فَاتَتْ سِتٌّ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَائِتَةِ وَالْوَقْتِيَّةِ وَلَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ إذَا كَانَتْ الْفَوَائِتُ سِتًّا، كَذَا فِي النَّهْرِ.
أَمَّا بَيْنَ الْوَقْتِيَّتَيْنِ كَالْوِتْرِ وَالْعِشَاءِ فَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِهَذَا الْمُسْقِطِ كَمَا لَا يَخْفَى ح. وَأَطْلَقَ السِّتَّ فَشَمِلَ مَا إذَا فَاتَتْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَالْإِمْدَادِ.
وَمِثَالُ الْحُكْمِيَّةِ مَا إذَا تَرَكَ فَرْضًا وَصَلَّى بَعْدَهُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ ذَاكِرًا لَهُ فَإِنَّ الْخَمْسَ تَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا كَمَا سَيَأْتِي؛ فَالْمَتْرُوكَةُ فَائِتَةٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا وَالْخَمْسَةُ الْمَوْقُوفَةُ فَائِتَةٌ حُكْمًا فَقَطْ. وَذَكَرَ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ مَثَلًا الظُّهْرَ مِنْ يَوْمٍ وَالْعَصْرَ مِنْ يَوْمٍ وَالْمَغْرِبَ مِنْ يَوْمٍ وَلَا يَدْرِي أَيَّتُهَا أُولَى. قِيلَ يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْمَتْرُوكَاتِ وَيُصَلِّيهَا سَبْعًا، بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَا صَلَّاهُ أَوَّلًا هُوَ الْآخِرَ فَيُعِيدَهُ ثُمَّ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الظُّهْرَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَغْرِبِ أَوَّلًا فَيُعِيدَ مَا صَلَّاهُ أَوَّلًا.
وَقِيلَ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا فَيُصَلِّي ثَلَاثًا فَقَطْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ إيجَابَ التَّرْتِيبِ فِيهَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ كَسَبْعٍ مَعْنًى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِسِتٍّ فَبِالسَّبْعِ أَوْلَى اهـ مُلَخَّصًا، وَتَمَامُهُ هُنَاكَ وُلِلشُّرُنْبُلَالِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةٌ.
(قَوْلُهُ اعْتِقَادِيَّةٌ) خَرَجَ الْفَرْضُ الْعَمَلِيُّ وَهُوَ الْوِتْرُ،
فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَرَضَا لَكِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مَعَ الْفَوَائِتِ. اهـ. ح أَيْ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْكَثْرَةُ الْمُفْضِيَةُ لِلسُّقُوطِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ وَظِيفَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالْكَثْرَةُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ أَوْ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْوِتْرِ فِي ذَلِكَ إمْدَادٌ.
(قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا فِي حَدِّ التَّكْرَارِ إلَخْ) لِأَنَّهُ يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْ الْفُرُوضِ مُكَرَّرًا، فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ الْوَاجِبِ بَيْنَهَا أَنْفُسِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ أَغْيَارِهَا دُرَرٌ إذْ لَوْ وَجَبَ التَّرْتِيبُ حِينَئِذٍ لَأَفْضَى إلَى الْحَرَجِ.
(قَوْلُهُ بِخُرُوجٍ) مُتَعَلِّقٌ بِفَائِتٍ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُ الْمُتَخَلِّلِ بَعْدَ الْفَائِتَةِ سِتَّةَ أَوْقَاتٍ لَا سِتَّ صَلَوَاتٍ؛
فَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ وَتَذَكَّرَهَا بَعْدَ شَهْرٍ فَصَلَّى بَعْدَهَا وَقْتِيَّةً ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ أَجْزَأَتْهُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ سِتِّ أَوْقَاتٍ، فَسَقَطَ التَّرْتِيبُ: أَيْ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي بَيْنَهُمَا لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ فِيهَا بِالنِّسْيَانِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الصَّلَوَاتِ لَا تُجْزِيهِ لِأَنَّ الْفَائِتَةَ وَاحِدَةٌ وَلَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ إلَّا بِفَوْتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْمُتُونِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا صَحَّحَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، وَاحْتُرِزَ بِهِ أَيْضًا عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ مِنْ اعْتِبَارِ دُخُولِ وَقْتِ السَّادِسَةِ، وَعَمَّا فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ اعْتِبَارِ دُخُولِ وَقْتِ السَّابِعَةِ كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْبَحْرِ.
(قَوْلُهُ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً) أَيْ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ بِصَيْرُورَةِ الْفَوَائِتِ سِتًّا وَلَوْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً؛ كَمَا لَوْ تَرَكَ صَلَاةَ صُبْحٍ مَثَلًا مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَصَلَّى مَا بَيْنَهَا نَاسِيًا لِلْفَوَائِتِ.
(قَوْلُهُ أَوْ قَدِيمَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَخْ) كَمَا لَوْ تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ نَسَقًا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ تَرَكَ فَائِتَةً حَادِثَةً،
فَإِنَّ الْوَقْتِيَّةَ جَائِزَةٌ مَعَ تَذَكُّرِ الْفَائِتَةِ الْحَادِثَةِ لِانْضِمَامِهَا إلَى الْفَوَائِتِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ فَلَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْمُسْقِطَ الْفَوَائِتُ الْحَدِيثَةُ لَا الْقَدِيمَةُ، وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ بِالصَّلَوَاتِ، فَلَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِهَا وَصَحَّحَهُ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ.
وَفِي التَّجْنِيسِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ،
وَفِي الْكَافِي وَالْمِعْرَاجِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ وَالْفَتْوَى كَمَا رَأَيْت، وَالْعَمَلُ بِمَا وَافَقَ إطْلَاقَ الْمُتُونِ أَوْلَى بَحْرٌ
(قَوْلُهُ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا إلَخْ) هَذَا مُسْقِطٌ رَابِعٌ ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الدُّرَرِ، وَجَعَلَهُ فِي الْبَحْرِ مُلْحَقًا بِالنِّسْيَانِ وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ مُسْقِطًا رَابِعًا كَمَا يُتَوَهَّمُ، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ شَارِحُو الْهِدَايَةِ أَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ إنْ كَانَ قَوِيًّا كَعَدَمِ الطَّهَارَةِ اسْتَتْبَعَ الصَّلَاةَ الَّتِي بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا كَعَدَمِ التَّرْتِيبِ فَلَا، وَفَرَّعُوا عَلَيْهِ فَرَعَيْنَ.
أَحَدُهُمَا: لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا طَهَارَةٍ ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ ذَاكِرًا لَهَا أَعَادَ الْعَصْرَ لِأَنَّ فَسَادَ الظُّهْرِ قَوِيٌّ فَأَوْجَبَ فَسَادَ الْعَصْرِ وَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ.
ثَانِيهِمَا: لَوْ صَلَّى هَذِهِ الظُّهْرَ بَعْدَ هَذِهِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُعِدْ الْعَصْرَ حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ ذَاكِرًا لَهَا فَالْمَغْرِبُ صَحِيحَةٌ إذَا ظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ لِأَنَّ فَسَادَ الْعَصْرِ ضَعِيفٌ لِقَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ بِعَدَمِهِ فَلَا يَسْتَتْبِعُ فَسَادَ الْمَغْرِبِ. وَذَكَرَ لَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ أَصْلًا وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ مَا صَلَّاهُ ذَاكِرًا لِلْفَائِتَةِ إنْ كَانَتْ الْفَائِتَةُ تَجِبُ إعَادَتُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَلَا إنْ كَانَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِيهِ. اهـ.
قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ الْمَحَلِّ مُجْتَهَدًا فِيهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ الظَّنِّ فِيهِ مِنْ الْجَاهِلِ، بَلْ إنْ كَانَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ ابْتِدَاءً لَا يُعْتَبَرُ الظَّنُّ،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُبْتَنَى عَلَى الْمُجْتَهَدِ فِيهِ وَيَسْتَتْبِعُهُ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الظَّنُّ لِزِيَادَةِ الضَّعْفِ، فَفَسَادُ الْعَصْرِ هُوَ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ ابْتِدَاءً، وَفَسَادُ الْمَغْرِبِ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَاعْتُبِرَ اهـ أَيْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الظَّنُّ مِنْ الْجَاهِلِ. وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ مَحَلَّ اعْتِبَارِ هَذَا الظَّنِّ وَعَدَمِهِ فِي الْجَاهِلِ لَا الْعَالِمِ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ، وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ.
هَذَا، وَقَدْ اعْتَرَضَ فِي الْبَحْرِ مَا مَرَّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ حَنَفِيًّا فَلَا عِبْرَةَ بِرَأْيِهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْمَغْرِبُ أَيْضًا أَوْ شَافِعِيًّا فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَصْرُ أَيْضًا، أَوْ عَامِّيًّا فَلَا مَذْهَبَ لَهُ بَلْ مَذْهَبُهُ مَذْهَبُ مُفْتِيهِ فَإِنْ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا أَعَادَهُمَا أَوْ شَافِعِيًّا لَا يُعِيدُهُمَا،
وَإِنْ لَمْ يَسْتَفْتِ أَحَدًا وَصَادَفَ الصِّحَّةَ عَلَى مَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَحْثٌ فِي الْمَنْقُولِ،
فَإِنَّ مَا مَرَّ عَنْ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ مِنْ حُكْمِ الْفَرْعَيْنِ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْإِمَامِ قَاضِي خَانْ. وَذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَعَزَاهُ فِي التَّتَارْخَانِيَّة إلَى الْأَصْلِ، وَقَدْ تَبِعَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ صَاحِبَ الْبَحْرِ، لَكِنْ قَالَ: إنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ فِي عَامِّيٍّ لَمْ يُقَلِّدْ مُجْتَهِدًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ فَقِيهًا، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِمُصَادَفَتِهَا مُجْتَهَدًا فِيهِ؛
أَمَّا لَوْ كَانَ حَنَفِيًّا فَلَا عِبْرَةَ بِظَنِّهِ الْمُخَالِفِ لِمَذْهَبِ إمَامِهِ إلَخْ. وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ لِمُصَادَفَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا الصِّحَّةَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَامِّيٍّ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا أَوْ الْتَزَمَ التَّعَبُّدَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مُعْتَقِدًا صِحَّتَهُ وَقَدْ جَهِلَ هَذَا الْحُكْمَ ثُمَّ عَلِمَ ذَلِكَ، وَلِذَا
قَالَ فِي النَّهْرِ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ قَوْلَ الْبَحْرِ لَا عِبْرَةَ بِرَأْيِهِ الْمُخَالِفِ إلَخْ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ إمَامَهُ قَدْ اعْتَبَرَ رَأْيَهُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ التَّرْتِيبَ بِظَنِّهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ،
فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَغْرِبِ؛
وَلَوْ اسْتَفْتَى حَنَفِيًّا فَأَفْتَاهُ بِالْإِعَادَةِ لَمْ تَصِحَّ فَتْوَاهُ اهـ.
(قَوْلُهُ جَازَ الْعَصْرُ) أَيْ إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِيهِ كَمَا مَرَّ، وَأَطْلَقَهُ لِعِلْمِهِ مِنْ التَّعْلِيلِ بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ جَوَازُ الْعَصْرِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ أَيْ يُبْتَنَى عَلَى الْمُجْتَهَدِ فِيهِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ جَوَازُ الظُّهْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا مَرَّ تَقْرِيرُهُ عَنْ الْفَتْحِ
(قَوْلُهُ وَفِي الْمُجْتَبَى إلَخْ) لَيْسَ هَذَا مُسْقِطًا خَامِسًا، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الظَّنَّ السَّابِقَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْجَاهِلِ، بَلْ إنَّمَا نَقَلَ كَلَامَ الْمُجْتَبَى لِيُشِيرَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ الظَّنَّ الْمُعْتَبَرَ لَيْسَ مُسْقِطًا رَابِعًا، لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالنِّسْيَانِ، وَإِنَّمَا الْمُسْقِطَاتُ هِيَ الثَّلَاثُ الَّتِي اقْتَصَرَ عَلَيْهَا أَصْحَابُ الْمُتُونِ فَافْهَمْ.
(قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ مَا فِي الْقُنْيَةِ) إنَّمَا حُكِمَ عَلَى الصَّبِيِّ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الْجَهْلُ كَمَا فِي النَّهْرِ ح.
قُلْت: لَكِنْ فِي هَذَا التَّخْرِيجِ خَفَاءٌ فَإِنَّ الْفَجْرَ فَائِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَكَيْفَ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّرْتِيبُ اعْتِبَارًا لِجَهْلِهِ مَعَ أَنَّهَا نَظِيرُ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى السَّابِقَةِ تَحْتَ قَوْلِهِ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا مُعْتَبَرًا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِاعْتِبَارِ ظَنِّ الْجَاهِلِ مُطْلَقًا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.