وَلَا يُخْرَجُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ حَامِلٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا حَيٌّ شُقَّ بَطْنُهَا وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا
Its commentaries
(وَلَا يُخْرَجُ مِنْهُ) بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ (إلَّا) لِحَقِّ آدَمِيٍّ كَ (أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) وَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ إخْرَاجِهِ وَمُسَاوَاتِهِ بِالْأَرْضِ كَمَا جَازَ زَرْعُهُ وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ إذَا بَلِيَ وَصَارَ تُرَابًا زَيْلَعِيٌّ. (حَامِلٌ مَاتَتْ وَوَلَدُهَا حَيٌّ) يَضْطَرِبُ (شُقَّ بَطْنُهَا) مِنْ الْأَيْسَرِ (وَيُخْرَجُ وَلَدُهَا) وَلَوْ بِالْعَكْسِ وَخِيفَ عَلَى الْأُمِّ قُطِعَ وَأُخْرِجَ وَلَوْ مَيِّتًا وَإِلَّا لَا كَمَا فِي كَرَاهَةِ الِاخْتِيَارِ.
وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ وَمَاتَ هَلْ يُشَقُّ قَوْلَانِ، وَالْأَوْلَى نَعَمْ فَتْحٌ. فُرُوعٌ] الِاتِّبَاعُ أَفْضَلُ مِنْ النَّوَافِلِ لَوْ لِقَرَابَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ فِيهِ صَلَاحٌ مَعْرُوفٌ. يُنْدَبُ دَفْنُهُ فِي جِهَةِ مَوْتِهِ وَتَعْجِيلُهُ وَسَتْرُ مَوْضِعِ غُسْلِهِ فَلَا يَرَاهُ إلَّا غَاسِلُهُ وَمَنْ يَعْنِيهِ،
وَإِنْ رَأَى بِهِ مَا يُكْرَهُ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ، لِحَدِيثِ «اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ» .
وَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ قَبْلَ دَفْنِهِ وَبِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ وَبِإِرْثَائِهِ بِشَعْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي مَدْحِهِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ جِنَازَتِهِ، لِحَدِيثِ «مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ»
وَبِتَعْزِيَةِ أَهْلِهِ وَتَرْغِيبِهِمْ فِي الصَّبْرِ وَبِاِتِّخَاذِ طَعَامٍ لَهُمْ وَبِالْجُلُوسِ لَهَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَوَّلُهَا أَفْضَلُ. وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا إلَّا لِغَائِبٍ. وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ ثَانِيًا، وَعِنْدَ الْقَبْرِ، وَعِنْدَ بَابِ الدَّارِ؛ وَيَقُولُ عَظَّمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك وَبِزِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ لِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ وَيَقْرَأُ يس،
وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ قَرَأَ الْإِخْلَاصَ أَحَدَ عَشَرَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ أَجْرَهَا لِلْأَمْوَاتِ أُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ الْأَمْوَاتِ» ، وَيَحْفِرُ قَبْرًا لِنَفْسِهِ،
وَقِيلَ يُكْرَهُ؛ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ لَا يُكْرَهَ تَهْيِئَةُ نَحْوِ الْكَفَنِ
بِخِلَافِ الْقَبْرِ. يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي طَرِيقٍ ظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ حَتَّى إذَا لَمْ يَصِلْ إلَى قَبْرِهِ إلَّا بِوَطْءِ قَبْرٍ تَرَكَهُ.
لَا يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلًا وَلَا إجْلَاسُ الْقَارِئِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. عَظْمُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَمٌ.
إنَّمَا يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ إذَا أَوْصَى بِذَلِكَ.
كُتِبَ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ أَوْ عِمَامَتِهِ أَوْ كَفَنِهِ عَهْدُ نَامَهْ يُرْجَى أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ. أَوْصَى بَعْضُهُمْ أَنْ يُكْتَبَ فِي جَبْهَتِهِ وَصَدْرِهِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم - فَفُعِلَ ثُمَّ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ فَسُئِلَ فَقَالَ: لَمَّا وُضِعْت فِي الْقَبْرِ جَاءَتْنِي مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَلَمَّا رَأَوْا مَكْتُوبًا عَلَى جَبْهَتِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالُوا: أَمِنْت مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
(قَوْلُهُ إلَّا لِحَقِّ آدَمِيٍّ) احْتِرَازٌ عَنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا إذَا دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ وُضِعَ عَلَى غَيْرِ يَمِينِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ لَا يُنْبَشُ عَلَيْهِ بَعْدَ إهَالَةِ التُّرَابِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ كَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مَغْصُوبَةً)
وَكَمَا إذَا سَقَطَ فِي الْقَبْرِ مَتَاعٌ أَوْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ مَغْصُوبٍ أَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الْمَالُ دِرْهَمًا بَحْرٌ. قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةِ الْفَتْوَى: امْرَأَةٌ دَفَنَتْ مَعَ بِنْتِهَا مِنْ الْمَصَاغِ وَالْأَمْتِعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إرْثًا عَنْهَا بِغَيْبَةِ الزَّوْجِ أَنَّهُ يُنْبَشُ لِحَقِّهِ،
وَإِذَا تَلِفَتْ بِهِ تَضْمَنُ الْمَرْأَةُ حِصَّتَهُ اهـ وَاحْتُرِزَ بِالْمَغْصُوبَةِ عَمَّا إذَا كَانَتْ وَقْفًا.
قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة: أَنْفَقَ مَالًا فِي إصْلَاحِ قَبْرٍ فَجَاءَ رَجُلٌ وَدَفَنَ فِيهِ مَيِّتَهُ، وَكَانَتْ الْأَرْضُ مَوْقُوفَةً يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فِيهِ، وَلَا يُحَوَّلُ مَيِّتُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِي وَقْفٍ اهـ. وَعَبَّرَ فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْحَفْرِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ أَوْ أُخِذَتْ بِشُفْعَةٍ) أَيْ بِأَنْ اشْتَرَى أَرْضًا فَدَفَنَ فِيهَا مَيِّتَهُ ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالشِّرَاءِ فَتَمَلَّكَهَا بِالشُّفْعَةِ
(قَوْلُهُ وَمُسَاوَاتُهُ بِالْأَرْضِ) أَيْ لِيُزْرَعَ فَوْقَهُ مَثَلًا لِأَنَّ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَظَاهِرِهَا،
فَإِنْ شَاءَ تَرَكَ حَقَّهُ فِي بَاطِنِهَا وَإِنْ شَاءَ اسْتَوْفَاهُ فَتْحٌ
(قَوْلُهُ: كَمَا جَازَ زَرْعُهُ) أَيْ الْقَبْرِ وَلَوْ غَيْرَ مَغْصُوبٍ
وَكَذَا يَجُوزُ دَفْنُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ أَيْضًا، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ مِنْ الْأَيْسَرِ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي الدُّرَرِ، وَلْيُنْظَرْ وَجْهُهُ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ مَاتَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا وَهِيَ حَيَّةٌ
(قَوْلُهُ قُطِعَ) أَيْ بِأَنْ تُدْخِلَ الْقَابِلَةُ يَدَهَا فِي الْفَرْجِ وَتَقْطَعَهُ بِآلَةٍ فِي يَدِهَا بَعْدَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ
(قَوْلُهُ: لَوْ مَيِّتًا) لَا وَجْهَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ بِالْعَكْسِ ط
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَا يَجُوزُ تَقْطِيعُهُ لِأَنَّ مَوْتَ الْأُمِّ بِهِ مَوْهُومٌ، فَلَا يَجُوزُ قَتْلُ آدَمِيٍّ حَيٍّ لِأَمْرٍ مَوْهُومٍ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) أَيْ وَلَا مَالَ لَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ مَالًا يَضْمَنُ مَا بَلَعَهُ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى نَعَمْ) لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حُرْمَةُ الْآدَمِيِّ أَعْلَى مِنْ صِيَانَةِ الْمَالِ لَكِنَّهُ أَزَالَ احْتِرَامَهُ بِتَعَدِّيهِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَمُفَادُهُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ فِي جَوْفِهِ بِلَا تَعَدٍّ لَا يُشَقُّ اتِّفَاقًا كَمَا لَا يُشَقُّ الْحَيُّ مُطْلَقًا لِإِفْضَائِهِ إلَى الْهَلَاكِ لَا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِرَامِ [فُرُوعٌ فِي الْجَنَائِز]
(قَوْلُهُ: الِاتِّبَاعُ أَفْضَلُ) أَيْ اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ بِرُّ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ، فَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ ط
(قَوْلُهُ أَوْ جِوَارٍ) سَيَأْتِي فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَقَارِبِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْجَارَ مَنْ لَصِقَ بِهِ. وَقَالَا: مَنْ يَسْكُنُ فِي مَحَلَّتِهِ وَيَجْمَعُهُمْ مَسْجِدُ الْمَحَلَّةِ، وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْجَارُ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. اهـ.
قُلْت: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَهُوَ يُقَيَّدُ هُنَا بِالْمُلَاصِقِ أَيْضًا؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ مَا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ الْإِطْلَاقِ. وَقَدْ يُقَالُ: كَلَامُ الْمُوصِي يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ. وَالْجَارُ عُرْفًا الْمُلَاصِقُ أَوْ مَنْ يَسْكُنُ فِي الْمَحَلَّةِ فَتُصْرَفُ إلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ هُنَا فَيَكُونُ حَدُّهُ إلَى الْأَرْبَعِينَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: يُنْدَبُ دَفْنُهُ فِي جِهَةِ مَوْتِهِ) أَيْ فِي مَقَابِرِ أَهْلِ الْمَكَانِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْ قُتِلَ،
وَإِنْ نُقِلَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ فَلَا بَأْسَ شَرْحُ الْمُنْيَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى نَقْلِهِ.
قُلْت: وَلِذَا صَحَّ «أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي مَضَاجِعِهِمْ» مَعَ أَنَّ مَقْبَرَةَ الْمَدِينَةِ قَرِيبَةٌ، وَلِذَا دُفِنَتْ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ فَتَحُوا دِمَشْقَ عِنْدَ أَبْوَابِهَا وَلَمْ يُدْفَنُوا كُلُّهُمْ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ
(قَوْلُهُ وَتَعْجِيلُهُ) أَيْ تَعْجِيلُ جِهَازِهِ عَقِبَ تَحَقُّقِ مَوْتِهِ، وَلِذَا كُرِهَ تَأْخِيرُ صَلَاتِهِ وَدَفْنِهِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ
(قَوْلُهُ لَمْ يَجُزْ ذِكْرُهُ) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ صَاحِبَ بِدْعَةٍ لِيَرْتَدِعَ غَيْرُهُ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهِ قَبْلَ دَفْنِهِ) قِيلَ مُطْلَقًا،
وَقِيلَ إلَى مَا دُونَ مُدَّةِ السَّفَرِ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِقَدْرِ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ لِأَنَّ مَقَابِرَ الْبَلَدِ رُبَّمَا بَلَغَتْ هَذِهِ الْمَسَافَةَ فَيُكْرَهُ فِيمَا زَادَ.
قَالَ فِي النَّهْرِ عَنْ عِقْدِ الْفَرَائِدِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ
وَأَمَّا نَقْلُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ فَلَا مُطْلَقًا.
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْمَشَايِخِ فِي امْرَأَةٍ دُفِنَ ابْنُهَا، وَهِيَ غَائِبَةٌ فِي غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ تَصْبِرْ، وَأَرَادَتْ نَقْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا ذَلِكَ، فَتَجْوِيزُ شَوَاذِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
وَأَمَّا نَقْلُ يَعْقُوبَ وَيُوسُفَ - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - مِنْ مِصْرَ إلَى الشَّامِ لِيَكُونَا مَعَ آبَائِهِمَا الْكِرَامِ فَهُوَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَلَمْ يَتَوَفَّرْ فِيهِ شُرُوطُ كَوْنِهِ شَرْعًا لَنَا اهـ مُلَخَّصًا وَتَمَامُهُ فِيهِ
(قَوْلُهُ وَبِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ) أَيْ إعْلَامِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لِيَقْضُوا حَقَّهُ هِدَايَةٌ. وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الْأَزِقَّةِ وَالْأَسْوَاقِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَنْوِيهٌ بِذِكْرِهِ وَتَفْخِيمٌ، بَلْ يَقُولُ: الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ،
فَإِنَّ نَعْيَ الْجَاهِلِيَّةِ مَا كَانَ فِيهِ قَصْدُ الدَّوَرَانِ مَعَ الضَّجِيجِ وَالنِّيَاحَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ وَبِإِرْثَائِهِ) تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ النَّهْرِ. وَاعْتَرَضَهُ ح بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَفِي الْقَامُوسِ: رَثَيْت الْمَيِّتَ وَرَثَوْته: بَكَيْته وَعَدَّدْت مَحَاسِنَهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ مَنْ تَعَزَّى إلَخْ) تَمَامُهُ «فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا»
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: تَعَزَّى وَاعْتَزَى انْتَسَبَ، وَالْعَزَاءُ اسْمٌ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ قَوْلُهُمْ فِي الِاسْتِغَاثَةِ يَا لِفُلَانٍ أَعِضُّوهُ: أَيْ قُولُوا لَهُ: اعْضَضْ بِأَيْرِ أَبِيك، وَلَا تَكْنُوا عَلَى الْأَيْرِ بِالْهَنِ، وَهَذَا أَمْرُ تَأْدِيبٍ وَمُبَالَغَةٍ فِي الزَّجْرِ عَنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ اهـ لَكِنْ كَوْنُ الْمُرَادِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ هُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْيَةِ أَوْلَى
(قَوْلُهُ: وَبِتَعْزِيَةِ أَهْلِهِ) أَيْ تَصْبِيرِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِهِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَزَاءُ الصَّبْرُ أَوْ حُسْنُهُ. وَتَعَزَّى: انْتَسَبَ. اهـ. فَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ، وَفِيمَا قَبْلَهُ الثَّانِي فَافْهَمْ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَتُسْتَحَبُّ التَّعْزِيَةُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَفْتِنَّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ عَزَّى أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَالتَّعْزِيَةُ أَنْ يَقُولَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لِمَيِّتِك. اهـ.
[مطلب فِي الثَّوَاب عَلَى المصيبة] ١ ِ
[تَنْبِيهٌ] هَذَا الدُّعَاءُ بِإِعْظَامِ الْأَجْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَزَّى مُعَاذًا بِابْنٍ لَهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الثَّوَابِ عَلَى الْمُصِيبَةِ. وَقَدْ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ فِي الْمُسَايَرَةِ. قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: مَا وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ مِنْ وَعْدِ الرِّزْقِ، وَوَعْدِ الثَّوَابِ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَلَى أَلَمِ الْمُؤْمِنِ وَأَلَمِ طِفْلِهِ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا مَحْضُ فَضْلٍ وَتَطَوُّلٍ مِنْهُ - تَعَالَى - لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِوَعْدِهِ الصَّادِقِ. اهـ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِلثَّوَابِ الصَّبْرُ أَمْ لَا؟
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَعَ لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْمَصَائِبَ نَفْسَهَا لَا ثَوَابَ فِيهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْكَسْبِ بَلْ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا،
فَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ كَفَّرَتْ الذَّنْبَ؛ إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُكَفِّرِ أَنْ يَكُونَ كَسْبًا كَالْبَلَاءِ، فَالْجَزَعُ لَا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ بَلْ هُوَ مُصِيبَةٌ أُخْرَى. وَرُدَّ بِتَصْرِيحِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَجْنُونِ وَالْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ مَأْجُورٌ مُثَابٌ مُكَفَّرٌ عَنْهُ بِالْمَرَضِ، فَحَكَمَ بِالْأَجْرِ مَعَ انْتِفَاءِ الْعَقْلِ الْمُسْتَلْزِمِ لِانْتِفَاءِ الصَّبْرِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةَ يُشَاكَهَا إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» مَعَ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا» فَفِيهِ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابٌ مُمَاثِلٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ قَبْلُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى،
فَمَنْ أُصِيبَ وَصَبَرَ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابَانِ: لِنَفْسِ الْمُصِيبَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَمَنْ انْتَفَى صَبْرُهُ فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَجُنُونٍ فَكَذَلِكَ أَوْ لِنَحْوِ جَزَعٍ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ ذَيْنِك الثَّوَابَيْنِ شَيْءٌ اهـ مُلَخَّصًا.
وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ الصَّبْرِ لِلثَّوَابِ عَلَى الْمُصِيبَةِ إلَّا إذَا انْتَفَى لِعُذْرٍ كَجُنُونٍ.
وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِهَا فَهُوَ حَاصِلٌ بِلَا شَرْطٍ
(قَوْلُهُ وَبِاِتِّخَاذِ طَعَامٍ لَهُمْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ
وَيُسْتَحَبُّ لِجِيرَانِ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالْأَقْرِبَاءِ الْأَبَاعِدِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ لَهُمْ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلِأَنَّهُ بِرٌّ وَمَعْرُوفٌ، وَيُلِحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ لِأَنَّ الْحُزْنَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَيَضْعُفُونَ. اهـ.
مَطْلَبٌ فِي كَرَاهَةِ الضِّيَافَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَقَالَ أَيْضًا: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الضِّيَافَةِ مِنْ الطَّعَامِ مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ شُرِعَ فِي السُّرُورِ لَا فِي الشُّرُورِ، وَهِيَ بِدْعَةٌ مُسْتَقْبَحَةٌ: وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصُنْعَهُمْ الطَّعَامَ مِنْ النِّيَاحَةِ ". اهـ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الطَّعَامِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَبَعْدَ الْأُسْبُوعِ وَنَقْلُ الطَّعَامِ إلَى الْقَبْرِ فِي الْمَوَاسِمِ، وَاِتِّخَاذُ الدَّعْوَةِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَجَمْعُ الصُّلَحَاءِ وَالْقُرَّاءِ لِلْخَتْمِ أَوْ لِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ أَوْ الْإِخْلَاصِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اتِّخَاذَ الطَّعَامِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِأَجْلِ الْأَكْلِ يُكْرَهُ.
وَفِيهَا مِنْ كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: وَإِنْ اتَّخَذَ طَعَامًا لِلْفُقَرَاءِ كَانَ حَسَنًا اهـ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ فِي الْمِعْرَاجِ.
وَقَالَ: وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ فَيُحْتَرَزُ عَنْهَا لِأَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَبَحَثَ هُنَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِمُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَرِيرٍ الْمَارِّ بِحَدِيثٍ آخَرَ فِيهِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - دَعَتْهُ امْرَأَةُ رَجُلٍ مَيِّتٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ دَفْنِهِ فَجَاءَ وَجِيءَ بِالطَّعَامِ» . أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا مَعَ احْتِمَالِ سَبَبٍ خَاصٍّ،
بِخِلَافِ مَا فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ. عَلَى أَنَّهُ بَحَثَ فِي الْمَنْقُولِ فِي مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ غَيْرِنَا كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ جَرِيرٍ الْمَذْكُورِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ أَوْ غَائِبٌ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ غَالِبًا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْكَثِيرَةِ كَإِيقَادِ الشُّمُوعِ وَالْقَنَادِيلِ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَفْرَاحِ، وَكَدَقِّ الطُّبُولِ، وَالْغِنَاءِ بِالْأَصْوَاتِ الْحِسَانِ، وَاجْتِمَاعِ النِّسَاءِ وَالْمُرْدَانِ، وَأَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي حُرْمَتِهِ وَبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ بِهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ
(قَوْلُهُ: وَبِالْجُلُوسِ لَهَا) أَيْ لِلتَّعْزِيَةِ، وَاسْتِعْمَالُ لَا بَأْسَ هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى: الْجُلُوسُ فِي الْمُصِيبَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِلرِّجَالِ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ، وَلَا تَجْلِسُ النِّسَاءُ قَطْعًا اهـ
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) أَمَّا فِيهِ فَيُكْرَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَالْفَتْحِ، لَكِنْ فِي الظَّهِيرِيَّةِ: لَا بَأْسَ بِهِ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي الْبَيْتِ أَوْ الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ يَأْتُونَهُمْ وَيُعَزُّونَهُمْ. اهـ.
قُلْت: وَمَا فِي الْبَحْرِ مِنْ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَسَ لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَالنَّاسُ يَأْتُونَ وَيُعَزُّونَهُ» اهـ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ جُلُوسَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لِلتَّعْزِيَةِ.
وَفِي الْإِمْدَادِ: وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَئِمَّتِنَا يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ عِنْدَ صَاحِبِ الْبَيْتِ
وَيُكْرَهُ لَهُ الْجُلُوسُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ إلَيْهِ مَنْ يُعَزِّي، بَلْ إذَا فَرَغَ وَرَجَعَ النَّاسُ مِنْ الدَّفْنِ فَلْيَتَفَرَّقُوا وَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِأُمُورِهِمْ وَصَاحِبُ الْبَيْتِ بِأَمْرِهِ اهـ.
قُلْت: وَهَلْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ بِالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ حَتَّى إذَا فَرَغُوا قَامَ وَلِيُّ الْمَيِّتِ وَعَزَّاهُ النَّاسُ كَمَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا الظَّاهِرُ؟ لَا لِكَوْنِ الْجُلُوسِ مَقْصُودًا لِلتَّعْزِيَةِ لَا الْقِرَاءَةِ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ وَالْجُلُوسُ فِي الْمَقْبَرَةِ فَوْقَ الْقُبُورِ الْمَدْثُورَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ
(قَوْلُهُ وَأَوَّلُهَا أَفْضَلُ) وَهِيَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَفْضَلُ مِنْهَا قَبْلَهُ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَيِّتِ مَشْغُولُونَ قَبْلَ الدَّفْنِ بِتَجْهِيزِهِ وَلِأَنَّ وَحْشَتَهُمْ بَعْدَ الدَّفْنِ لِفِرَاقِهِ أَكْثَرُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُرَ مِنْهُمْ جَزَعٌ شَدِيدٌ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ لِتَسْكِينِهِمْ جَوْهَرَةٌ
(قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ بَعْدَهَا) لِأَنَّهَا تُجَدِّدُ الْحُزْنَ مِنَحٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْزِيهِيَّةٌ ط
(قَوْلُهُ إلَّا لِغَائِبٍ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُعَزِّي أَوْ الْمُعَزَّى غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِهَا جَوْهَرَةٌ.
قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَاضِرَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ
(قَوْلُهُ وَتُكْرَهُ التَّعْزِيَةُ ثَانِيًا) فِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَزَّى مَرَّةً أَنْ يُعَزِّيَ مَرَّةً أُخْرَى رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. إمْدَادٌ
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْقَبْرِ) عَزَاهُ فِي الْحِلْيَةِ إلَى الْمُبْتَغَى بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ،
وَقَالَ: وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ عَنْ إبْرَاهِيمَ: التَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ بِدْعَةٌ. اهـ.
قُلْت: لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُنَاكَ الْقِرَاءَةُ وَالدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بِالتَّثْبِيتِ
(قَوْلُهُ وَعِنْدَ بَابِ الدَّارِ) فِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى بَابِ الدَّارِ لِلتَّعْزِيَةِ لِأَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ، وَمَا يُصْنَعُ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ مِنْ فَرْشِ الْبُسُطِ، وَالْقِيَامِ عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ مِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ. اهـ. بَحْرٌ
(قَوْلُهُ وَيَقُولُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك) أَيْ جَعَلَهُ عَظِيمًا بِزِيَادَةِ الثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك بِالْمَدِّ: أَيْ جَعَلَ سَلْوَك وَصَبْرَك حَسَنًا ابْنُ حَجَرٍ، وَقَوْلُهُ وَغُفِرَ لِمَيِّتِك بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُكَلَّفًا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: وَيُعَزِّي الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك، وَصَبَّرَك وَالْكَافِرُ بِالْمُسْلِمِ: غَفَرَ اللَّهُ لِمَيِّتِك، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك.
[مطلب فِي زِيَارَة الْقُبُور]
(قَوْلُهُ وَبِزِيَارَةِ الْقُبُورِ) أَيْ لَا بَأْسَ بِهَا، بَلْ تُنْدَبُ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى، فَكَانَ يَنْبَغِي التَّصْرِيحُ بِهِ لِلْأَمْرِ بِهَا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ كَمَا فِي الْإِمْدَادِ، وَتُزَارُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ كَمَا فِي مُخْتَارَاتِ النَّوَازِلِ.
قَالَ فِي شَرْحِ لُبَابِ الْمَنَاسِكِ إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالسَّبْتِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: الْمَوْتَى يَعْلَمُونَ بِزُوَّارِهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمًا قَبْلَهُ وَيَوْمًا بَعْدَهُ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ. اهـ. وَفِيهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَزُورَ شُهَدَاءَ جَبَلِ أُحُدٍ، لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ عَلَى رَأْسِ كُلِّ حَوْلٍ فَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الْخَمِيسِ مُتَطَهِّرًا مُبَكِّرًا لِئَلَّا تَفُوتَهُ الظُّهْرُ بِالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
اهـ.
قُلْت: اُسْتُفِيدَ مِنْهُ نَدْبُ الزِّيَارَةِ وَإِنْ بَعُدَ مَحَلُّهَا. وَهَلْ تُنْدَبُ الرِّحْلَةُ لَهَا كَمَا اُعْتِيدَ مِنْ الرِّحْلَةِ إلَى زِيَارَةِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَزِيَارَةِ السَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَكَابِرِ الْكِرَامِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَمَنَعَ مِنْهُ بَعْضُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا لِزِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَاسًا عَلَى مَنْعِ الرِّحْلَةِ لِغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَرَدَّهُ الْغَزَالِيُّ بِوُضُوحِ الْفَرْقِ،
فَإِنَّ مَا عَدَا تِلْكَ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ مُسْتَوِيَةٌ فِي الْفَضْلِ، فَلَا
فَائِدَةَ فِي الرِّحْلَةِ إلَيْهَا. وَأَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَإِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْقُرْبِ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَنَفْعُ الزَّائِرِينَ بِحَسَبِ مَعَارِفِهِمْ وَأَسْرَارِهِمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتَاوِيهِ: وَلَا تُتْرَكُ لِمَا يَحْصُلُ عِنْدَهَا مِنْ مُنْكَرَاتٍ وَمَفَاسِدَ كَاخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقُرُبَاتِ لَا تُتْرَكُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ عَلَى الْإِنْسَانِ فِعْلُهَا وَإِنْكَارُ الْبِدَعِ، بَلْ وَإِزَالَتُهَا إنْ أَمْكَنَ. اهـ.
قُلْت: وَيُؤَيِّدُ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ تَرْكِ اتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ،
وَإِنْ كَانَ مَعَهَا نِسَاءٌ وَنَائِحَاتٌ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لِلنِّسَاءِ) وَقِيلَ: تَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرُّخْصَةَ ثَابِتَةٌ لَهُنَّ بَحْرٌ، وَجَزَمَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ بِالْكَرَاهَةِ لِمَا مَرَّ فِي اتِّبَاعِهِنَّ الْجِنَازَةَ.
وَقَالَ الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ: إنْ كَانَ ذَلِكَ لِتَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُنَّ فَلَا تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ حَدِيثُ «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» وَإِنْ كَانَ لِلِاعْتِبَارِ وَالتَّرَحُّمِ مِنْ غَيْرِ بُكَاءٍ وَالتَّبَرُّكِ بِزِيَارَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ فَلَا بَأْسَ إذَا كُنَّ عَجَائِزَ.
وَيُكْرَهُ إذَا كُنَّ شَوَابَّ كَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ اهـ وَهُوَ تَوْفِيقٌ حَسَنٌ
(قَوْلُهُ وَيَقُولُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَالسُّنَّةُ زِيَارَتُهَا قَائِمًا، وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا، كَمَا «كَانَ يَفْعَلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخُرُوجِ إلَى الْبَقِيعِ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» إلَخْ.
وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ لِلْمُنْلَا عَلَى الْقَارِئِ: ثُمَّ مِنْ آدَابِ الزِّيَارَةِ مَا قَالُوا، مِنْ أَنَّهُ يَأْتِي الزَّائِرُ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ الْمُتَوَفَّى لَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ لِأَنَّهُ أَتْعَبُ لِبَصَرِ الْمَيِّتِ،
بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُقَابِلَ بَصَرِهِ، لَكِنْ هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَرَأَ أَوَّلَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ رَأْسِ مَيِّتٍ وَآخِرَهَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ» وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ يُسَلِّمَ بِلَفْظِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَإِنَّهُ وَرَدَ:«السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا - إنْ شَاءَ اللَّهُ - بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» ثُمَّ يَدْعُو قَائِمًا طَوِيلًا،
وَإِنْ جَلَسَ يَجْلِسُ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا بِحَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. اهـ. قَالَ ط: وَلَفْظُ الدَّارِ مُقْحَمٌ، أَوْ هُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّازِمِ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ عَلَى الدَّارِ فَأَوْلَى سَاكِنُهَا، وَذِكْرُ الْمَشِيئَةِ لِلتَّبَرُّكِ لِأَنَّ اللُّحُوقَ مُحَقَّقٌ، أَوْ الْمُرَادُ اللُّحُوقُ عَلَى أَتَمِّ الْحَالَاتِ فَتَصِحُّ الْمَشِيئَةُ
(قَوْلُهُ وَيَقْرَأُ يس) لِمَا وَرَدَ «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ» بَحْرٌ.
وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَيَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ إلَى الْمُفْلِحُونَ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ - وَآمَنَ الرَّسُولُ - وَسُورَةِ يس وَتَبَارَكَ الْمُلْكُ وَسُورَةِ التَّكَاثُرِ وَالْإِخْلَاصِ اثْنَيْ عَشَرَ مَرَّةً أَوْ إحْدَى عَشَرَ أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْنَاهُ إلَى فُلَانٍ أَوْ إلَيْهِمْ. اهـ. مَطْلَبٌ فِي الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ وَإِهْدَاءُ ثَوَابِهَا لَهُ
[تَنْبِيهٌ] صَرَّحَ عُلَمَاؤُنَا فِي بَابِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ بِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ صَدَقَةً أَوْ غَيْرَهَا كَذَا فِي الْهِدَايَةِ، بَلْ فِي زَكَاةِ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ: الْأَفْضَلُ لِمَنْ يَتَصَدَّقُ نَفْلًا أَنْ يَنْوِيَ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لِأَنَّهَا تَصِلُ إلَيْهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ اهـ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَكِنْ اسْتَثْنَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةَ الْمَحْضَةَ كَالصَّلَاةِ وَالتِّلَاوَةِ فَلَا يَصِلُ ثَوَابُهَا إلَى الْمَيِّتِ عِنْدَهُمَا،
بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَالصَّدَقَةِ وَالْحَجِّ. وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْكُلِّ، وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
أَقُولُ: مَا مَرَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَاَلَّذِي حَرَّرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وُصُولُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ إذَا كَانَتْ بِحَضْرَتِهِ أَوْ دَعَا لَهُ عَقِبَهَا وَلَوْ غَائِبًا لِأَنَّ مَحَلَّ الْقِرَاءَةِ تَنَزُّلُ الرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ، وَالدُّعَاءُ عَقِبَهَا أَرْجَى لِلْقَبُولِ،
وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ انْتِفَاعُ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ لَا حُصُولُ ثَوَابِهَا لَهُ، وَلِهَذَا اخْتَارُوا فِي الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ مِثْلَ ثَوَابِ مَا قَرَأْته إلَى فُلَانٍ،
وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالْوَاصِلُ إلَيْهِ نَفْسُ الثَّوَابِ.
وَفِي الْبَحْرِ: مَنْ صَامَ أَوْ صَلَّى أَوْ تَصَدَّقَ وَجَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَالْأَحْيَاءِ جَازَ، وَيَصِلُ ثَوَابُهَا إلَيْهِمْ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، ثُمَّ قَالَ: وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْعُولُ لَهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ عِنْدَ الْفِعْلِ لِلْغَيْرِ أَوْ يَفْعَلَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْعَلُ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ، لِإِطْلَاقِ كَلَامِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ. اهـ.
وَفِي جَامِعِ الْفَتَاوَى: وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ فِي الْفَرَائِضِ اهـ.
وَفِي كِتَابِ الرُّوحِ لِلْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيِّ الْحَنْبَلِيِّ الشَّهِيرِ بِابْنِ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي إهْدَاءِ الثَّوَابِ إلَى الْحَيِّ؛ فَقِيلَ يَصِحُّ لِإِطْلَاقِ قَوْلِ أَحْمَدَ: يَفْعَلُ الْخَيْرَ وَيَجْعَلُ نِصْفَهُ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ،
وَقِيلَ لَا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ بِنَفْسِهِ؛
وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ ذَلِكَ عِنْدَ الْفِعْلِ، فَقِيلَ: لَا لَكِنَّ الثَّوَابَ لَهُ فَلَهُ التَّبَرُّعُ بِهِ وَإِهْدَاؤُهُ لِمَنْ أَرَادَ كَإِهْدَاءِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ،
وَقِيلَ نَعَمْ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ لَهُ لَا يُقْبَلُ انْتِقَالُهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْأَوْلَى. وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصِحُّ إهْدَاءُ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَنْوِي الْقُرْبَةَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ. وَعَلَى الثَّانِي يَصِحُّ، وَتُجْزِئُ عَنْ الْفَاعِلِ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالُوا: نَلْقَى اللَّهَ - تَعَالَى - بِالْفَقْرِ وَالْإِفْلَاسِ، وَالشَّرِيعَةُ لَا تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوُصُولِ أَنْ يُهْدِيَهُ بِلَفْظِهِ كَمَا لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَنَحْوِهِ، نَعَمْ إذَا فَعَلَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ نَوَى جَعْلَ ثَوَابِهِ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَهَبَ أَوْ يُعْتِقَ أَوْ يَتَصَدَّقَ
وَيَصِحُّ إهْدَاءُ نِصْفِ الثَّوَابِ أَوْ رُبُعِهِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ. وَيُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى الْكُلَّ إلَى أَرْبَعَةٍ يَحْصُلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ رُبُعُهُ فَكَذَا لَوْ أَهْدَى الرُّبُعَ لِوَاحِدٍ وَأَبْقَى الْبَاقِيَ لِنَفْسِهِ اهـ مُلَخَّصًا.
قُلْت: لَكِنْ سُئِلَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ عَمَّا لَوْ قَرَأَ لِأَهْلِ الْمَقْبَرَةِ الْفَاتِحَةَ هَلْ يُقْسَمُ الثَّوَابُ بَيْنَهُمْ أَوْ يَصِلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثْلُ ثَوَابِ ذَلِكَ كَامِلًا. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ أَفْتَى جَمْعٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ اللَّائِقُ بِسَعَةِ الْفَضْلِ. مَطْلَبٌ فِي إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
-[تَتِمَّةٌ] ذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتَاوَى الْفِقْهِيَّةِ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ زَعَمَ مَنْعَ إهْدَاءِ ثَوَابِ الْقِرَاءَةِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ جَنَابَهُ الرَّفِيعَ لَا يُتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إلَّا بِمَا أَذِنَ فِيهِ، وَهُوَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَسُؤَالُ الْوَسِيلَةِ لَهُ قَالَ: وَبَالَغَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ لِإِذْنٍ خَاصٍّ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَعْتَمِرُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمُرًا بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ.
وَحَجَّ ابْنُ الْمُوَفَّقِ وَهُوَ فِي طَبَقَةِ الْجُنَيْدِ عَنْهُ سَبْعِينَ حَجَّةً، وَخَتَمَ ابْنُ السِّرَاجِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ خَتْمَةٍ؛ وَضَحَّى عَنْهُ مِثْلَ ذَلِكَ. اهـ.
قُلْت: رَأَيْت نَحْوَ ذَلِكَ بِخَطِّ مُفْتِي الْحَنَفِيَّةِ الشِّهَابِ أَحْمَدَ بْنِ الشَّلَبِيِّ شَيْخِ صَاحِبِ الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الطَّيِّبَةِ لِلنُّوَيْرِيِّ،
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَلَهُ أَنَّ ابْنَ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ قَالَ: يُسْتَحَبُّ إهْدَاؤُهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ.
قُلْت: وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا لَهُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ يَدْخُلُ فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ حَيْثُ أَنْقَذَنَا مِنْ الضَّلَالَةِ، فَفِي ذَلِكَ نَوْعُ شُكْرٍ وَإِسْدَاءُ جَمِيلٍ لَهُ، وَالْكَامِلُ قَابِلٌ لِزِيَادَةِ الْكَمَالِ. وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَانِعِينَ مِنْ أَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ لِأَنَّ جَمِيعَ أَعْمَالِ أُمَّتِهِ فِي مِيزَانِهِ. يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ،
فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَخْبَرَنَا بِأَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَذَا اُخْتُلِفَ فِي إطْلَاقِ قَوْلِ اجْعَلْ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي شَرَفِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَنَعَ مِنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لَهُ دَلِيلٌ. وَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} وَحَدِيثَ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَقَامَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَمَالَهُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ فِي الْعِلْمِ وَالثَّوَابِ وَسَائِرِ الْمَرَاتِبِ وَالدَّرَجَاتِ
وَكَذَا وَرَدَ فِي دُعَاءِ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ: وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظِّمْهُ وَاعْتَمِرْهُ تَشْرِيفًا إلَخْ فَيَشْمَلُ كُلَّ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ مَنْدُوبٌ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي خُطْبَتَيْ كِتَابَيْهِ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ، وَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْحَلِيمِيُّ وَصَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَدْ رَدَّ عَلَى الْبُلْقِينِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْقَايَاتِيُّ، وَوَافَقَهُ صَاحِبُهُ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ، وَوَافَقَهُمَا أَيْضًا صَاحِبُهُمَا إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ، بَلْ زَادَ عَلَيْهِمَا بِالْمُبَالَغَةِ حَيْثُ جَعَلَ كُلَّ مَا صَحَّ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْجُودًا فِي كَيْفِيَّةِ الدُّعَاءِ بِزِيَادَةِ الشَّرَفِ، وَهِيَ: اللَّهُمَّ صَلِّ أَبَدًا أَفْضَلَ صَلَوَاتِك عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِك وَنَبِيِّك وَرَسُولِك مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَزِدْهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا، وَأَنْزِلْهُ الْمَنْزِلَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَك يَوْمَ الْقِيَامَةِ اهـ.
فَانْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ طَلَبَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفَضْلِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْوَارِدِ كَصَلَاةِ التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ بِفَضْلِ طَلَبِ الزِّيَادَةِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَيْفَ مَعَ هَذَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ فِي ذَلِكَ مَحْذُورًا، وَوَافَقَهُمْ أَيْضًا صَاحِبُهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا اهـ مُلَخَّصًا
(قَوْلُهُ: وَيَحْفِرُ قَبْرًا لِنَفْسِهِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَبِحَفْرِ قَبْرٍ لِنَفْسِهِ، عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ حَفْرَ مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِالْبَاءِ مُضَافٌ إلَى قَبْرٍ: أَيْ وَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة: لَا بَأْسَ بِهِ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، هَكَذَا عَمِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وَغَيْرُهُمَا. اهـ.
(قَوْلُهُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي إلَخْ) كَذَا قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ،
وَقَالَ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ مُتَحَقِّقَةٌ غَالِبًا،
بِخِلَافِ الْقَبْرِ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}
(قَوْلُهُ يُكْرَهُ الْمَشْيُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَوَطْؤُهُ، وَحِينَئِذٍ فَمَا يَصْنَعُهُ مَنْ دُفِنَتْ حَوْلَ أَقَارِبِهِ خَلْقٌ مِنْ وَطْءِ تِلْكَ الْقُبُورِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى قَبْرِ قَرِيبِهِ مَكْرُوهٌ.
وَيُكْرَهُ النَّوْمُ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ بَلْ أَوْلَى، وَكُلُّ مَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ السُّنَّةِ، وَالْمَعْهُودُ مِنْهَا لَيْسَ إلَّا زِيَارَتُهَا وَالدُّعَاءُ عِنْدَهَا قَائِمًا اهـ.
قُلْت: وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ وَجَدَ طَرِيقًا إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ لَا يَمْشِي عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
وَفِي خِزَانَةِ الْفَتَاوَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يُوطَأُ الْقَبْرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُزَارُ مِنْ بَعِيدٍ وَلَا يَقْعُدُ،
وَإِنْ فَعَلَ يُكْرَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَطَأَ الْقُبُورَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَوْ يُسَبِّحُ أَوْ يَدْعُو لَهُمْ. اهـ.
وَقَالَ فِي الْحِلْيَةِ: وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَإِلَيْهِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ،
ثُمَّ ذُكِرَ عَنْ الْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ حَمَلَ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْقَبْرِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِغَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْآثَارِ، وَأَنَّهُ قَالَ إنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، ثُمَّ نَازَعَهُ بِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ وَالتُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ وَالْمُحِيطِ وَغَيْرِهِ، مِنْ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ وَطْءَ الْقَبْرِ وَالْقُعُودَ أَوْ النَّوْمَ أَوْ قَضَاءَ الْحَاجَةِ عَلَيْهِ، وَبِأَنَّهُ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ وَطْئِهِ وَالْمَشْيِ عَلَيْهِ، وَتَمَامُهُ فِيهَا.
وَقَيَّدَ فِي نُورِ الْإِيضَاحِ كَرَاهَةَ الْقُعُودِ عَلَى الْقَبْرِ بِمَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ قِرَاءَةٍ.
قُلْت: وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا بَلِيَ الْمَيِّتُ، وَصَارَ تُرَابًا يَجُوزُ زَرْعُهُ، وَالْبِنَاءُ عَلَيْهِ،
وَمُقْتَضَاهُ جَوَازُ الْمَشْيِ فَوْقَهُ. ثُمَّ رَأَيْت الْعَيْنِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ذَكَرَ كَلَامَ الطَّحَاوِيِّ الْمَارَّ، ثُمَّ قَالَ: فَعَلَى هَذَا مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ أَنَّ وَطْءَ الْقُبُورِ حَرَامٌ
وَكَذَا النَّوْمُ عَلَيْهَا لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي،
فَإِنَّ الطَّحَاوِيَّ هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَلَا سِيَّمَا بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى.
قُلْت: لَكِنْ قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَاقِعَ فِي كَلَامِهِمْ التَّعْبِيرُ بِالْكَرَاهَةِ لَا بِلَفْظِ الْحُرْمَةِ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ يُوَفَّقُ بِأَنَّ مَا عَزَاهُ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ إلَى أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ مِنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْجُلُوسِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ يُرَادُ بِهِ نَهْيُ التَّحْرِيمِ، وَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْوَطْءِ وَالْقُعُودِ إلَخْ يُرَادُ بِهِ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ فِي غَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَغَايَةُ مَا فِيهِ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كَلَامِهِمْ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَكْرُوهَاتُ الصَّلَاةِ، وَتَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ كَمَا يَأْتِي، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[مطلب فِي وَضَعَ الجريد ونحو الآس عَلَى الْقُبُور]
[تَتِمَّةٌ قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ دُونَ الْيَابِسِ] ١ مَطْلَبٌ فِي وَضْعِ الْجَرِيدِ وَنَحْوِ الْآسِ عَلَى الْقُبُورِ
[تَتِمَّةٌ] يُكْرَهُ أَيْضًا قَطْعُ النَّبَاتِ الرَّطْبِ وَالْحَشِيشِ مِنْ الْمَقْبَرَةِ دُونَ الْيَابِسِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمُنْيَةِ وَعَلَّلَهُ فِي الْإِمْدَادِ بِأَنَّهُ مَا دَامَ رَطْبًا يُسَبِّحُ اللَّهَ - تَعَالَى - فَيُؤْنِسُ الْمَيِّتَ وَتَنْزِلُ بِذِكْرِهِ الرَّحْمَةُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْخَانِيَّةِ.
أَقُولُ: وَدَلِيلُهُ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ «مِنْ وَضْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْجَرِيدَةَ الْخَضْرَاءَ بَعْدَ شَقِّهَا نِصْفَيْنِ عَلَى الْقَبْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُعَذَّبَانِ» . وَتَعْلِيلُهُ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا: أَيْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا بِبَرَكَةِ تَسْبِيحِهِمَا؛ إذْ هُوَ أَكْمَلُ مِنْ تَسْبِيحِ الْيَابِسِ لِمَا فِي الْأَخْضَرِ مِنْ نَوْعِ حَيَاةٍ؛ وَعَلَيْهِ فَكَرَاهَةُ قَطْعِ ذَلِكَ،
وَإِنْ نَبَتَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَمْلِكْ لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ حَقِّ الْمَيِّتِ. وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْحَدِيثِ نَدْبُ وَضْعِ ذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا اُعْتِيدَ فِي زَمَانِنَا مِنْ وَضْعِ أَغْصَانِ الْآسِ وَنَحْوِهِ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّ التَّخْفِيفَ عَنْ الْقَبْرَيْنِ إنَّمَا حَصَلَ بِبَرَكَةِ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ دُعَائِهِ لَهُمَا فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْصَى بِأَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَتَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: وَلَا يُكْرَهُ الدَّفْنُ لَيْلًا) وَالْمُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ نَهَارًا شَرْحُ الْمُنْيَةِ
(قَوْلُهُ: وَلَا إجْلَاسُ الْقَارِئِينَ عِنْدَ الْقَبْرِ) عِبَارَةُ نُورِ الْإِيضَاحِ وَشَرْحِهِ وَلَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ لِلْقِرَاءَةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي الْمُخْتَارِ لِتَأْدِيَةِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ بِالسَّكِينَةِ وَالتَّدَبُّرِ وَالِاتِّعَاظِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: عَظْمُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَمٌ) فَلَا يُكْسَرُ إذَا وُجِدَ فِي قَبْرِهِ لِأَنَّهُ كَمَا حُرِّمَ إيذَاؤُهُ فِي حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ وَجَبَتْ صِيَانَةُ نَفْسِهِ عَنْ الْكَسْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ خَانِيَّةٌ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْحَرْبِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى نَبْشِهِمْ فَلَا بَأْسَ بِهِ تَتَارْخَانِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ، فَتُنْبَشُ وَتُرْفَعُ الْعِظَامُ وَالْآثَارُ، وَتُتَّخَذُ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ أَوْ مَسْجِدًا كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ إسْمَاعِيلُ
(قَوْلُهُ إنَّمَا يُعَذَّبُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يُعَذَّبُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: لَا {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانُوا يُوصُونَ بِالنُّوحِ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ذَلِكَ بَحْرٌ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَفِي شَرْحِ التَّكْمِلَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ النَّدْبُ وَالنِّيَاحَةُ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِكَ لَمَّا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَبْكُونَ عَلَى يَهُودِيٍّ فَقَالَ: إنَّهُ لَيُعَذَّبُ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ» . اهـ. إسْمَاعِيلُ
(قَوْلُهُ عَهْدَ نَامَهْ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ، وَمَعْنَاهُ بِالْفَارِسِيَّةِ الرِّسَالَةُ، وَالْمَعْنَى رِسَالَةُ الْعَهْدِ. وَالْمَعْنَى أَنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِمَّا يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى الْعَهْدِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ يَوْمَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالتَّبَرُّكِ بِأَسْمَائِهِ - تَعَالَى، وَنَحْوِ ذَلِكَ ح
(قَوْلُهُ: يُرْجَى إلَخْ) مُفَادُهُ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْجِنَايَاتِ: وَذَكَرَ الْإِمَامُ الصَّفَّارُ لَوْ كُتِبَ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ أَوْ عَلَى عِمَامَتِهِ أَوْ كَفَنِهِ عَهْدُ نَامَهْ يُرْجَى أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْمَيِّتِ وَيَجْعَلَهُ آمِنًا مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. قَالَ نُصَيْرٌ: هَذِهِ رِوَايَةٌ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى أَفْخَاذِ أَفْرَاسٍ فِي إصْطَبْلِ الْفَارُوقِ: حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - تَعَالَى اهـ. مَطْلَبٌ فِيمَا يُكْتَبُ عَلَى كَفَنِ الْمَيِّتِ وَفِي فَتَاوَى الْمُحَقِّقِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ الشَّافِعِيِّ: سُئِلَ عَنْ كِتَابَةِ الْعَهْدِ عَلَى الْكَفَنِ وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ "
وَقِيلَ: إنَّهُ " اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنِّي أَعْهَدُ إلَيْك فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي، تُقَرِّبُنِي مِنْ الشَّرِّ وَتُبْعِدُنِي مِنْ الْخَيْرِ، وَأَنَا لَا أَثِقُ إلَّا بِرَحْمَتِك، فَاجْعَلْ لِي عَهْدًا عِنْدَك تُوفِينِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ " هَلْ يَجُوزُ؟
وَلِذَلِكَ أَصْلٌ؟ . فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: نَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ نَوَادِرِ الْأُصُولِ لِلتِّرْمِذِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ لَهُ أَصْلٌ،
وَأَنَّ الْفَقِيهَ ابْنَ عُجَيْلٍ كَانَ يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ أَفْتَى بِجَوَازِ كِتَابَتِهِ قِيَاسًا عَلَى كِتَابَةِ لِلَّهِ فِي إبِلِ الزَّكَاةِ، وَأَقَرَّهُ بَعْضُهُمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْكَفَنِ يس وَالْكَهْفُ وَنَحْوُهُمَا خَوْفًا مِنْ صَدِيدِ الْمَيِّتِ وَالْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ مَمْنُوعٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ التَّمْيِيزُ وَهُنَا التَّبَرُّكُ، فَالْأَسْمَاءُ الْمُعَظَّمَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا فَلَا يَجُوزُ تَعْرِيضُهَا لِلنَّجَاسَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُطْلَبُ فِعْلُهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إلَّا إذَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَبُ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ وَقَدَّمْنَا قُبَيْلَ بَابِ الْمِيَاهِ عَنْ الْفَتْحِ أَنَّهُ تُكْرَهُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ وَمَا يُفْرَشُ، وَمَا ذَاكَ إلَّا لِاحْتِرَامِهِ، وَخَشْيَةِ وَطْئِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا فِيهِ إهَانَةٌ فَالْمَنْعُ هُنَا بِالْأَوْلَى مَا لَمْ يَثْبُتْ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَوْ يُنْقَلْ فِيهِ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَتَأَمَّلْ، نَعَمْ نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ فَوَائِدِ الشَّرْجِيِّ أَنَّ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَى جَبْهَةِ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مِدَادٍ بِالْأُصْبُعِ الْمُسَبِّحَةِ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم - وَعَلَى الصَّدْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ قَبْلَ التَّكْفِينِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الشَّهِيدِ] أَخْرَجَهُ مِنْ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مُبَوِّبًا لَهُ مَعَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْفَضِيلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ نَهْرٌ
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.