وَإِنْ كُوثِرَ بمَاءٍ يَسِيرٍ أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ
Its commentaries
٢٠ - مسألة؛ قال: (فإن كُوثِرَ بماءٍ يَسِيرٍ، أو بغير الماءِ كالتُّرابِ ونَحوه، فأزال التَّغَيُّر، لم يَطْهُر) في أحدِ الوَجْهين؛ لأَنَّ هذا لا يَدفَعُ النجاسةَ عن نفسه، فعن غيرِه أولَى.
والثاني، يَطْهُرُ؛ لأنَّ عِلَّةَ النجاسةِ زالتْ، وهو التغَير، أشْبَه ما لو زال تَغيَّره بنفسه. ولأن الماءَ اليَسِيرَ إذا لم يُؤثِّر فلا أقلَّ مِن أن يكونَ وجودُه كعدَمِه، ويَحتَمِلُ التفْرِقةَ بينَ المُكاثَرَةِ بالماءِ اليَسِيرِ وغيرِه،
فإذا كُوثِرَ بالماء اليَسِيرِ طَهُرَ؛ لما ذكزنا،
وإذا كُوثر بالتُّرابِ، أو غيرِه، لم يَطْهُرْ؛ لأنَّ ذلك رُبّما سَتَر التغيُّرَ الحادِثَ مِن النجاسةِ، فَيُظنُّ أنه قد زال، ولم يَزُلْ.
فصل: فأمَّا الماء الذي يقعُ فيه بول الآدَمِيِّ، إذا قُلنا بنَجاسَتِه، فلا يَطْهُرُ بالمُكاثَرَةِ بقُلَّتَين، لأنَّ القُلَّتَين بالنِّسْبَةِ إلى البولِ، كما دونَهما بالنسبةِ إلى غيرِه، لكن يَطْهُرُ بأحدِ ثلأثةِ أشياءَ، أحدُها المُكاثرةُ بما لا يُمكِن نَزْحُه. الثاني، أن يُنْزَحَ منه حتى يزُولَ تَغَيره، وَيَبْقَى ما لا يُمكِن نَزْحُه. الثالث، أن يَزُولَ تَغَيُره بنفسِه إن كان كذلك. ذكره ابنُ عَقِيلِ.
فصل: فأمّا غيرُ الماءِ مِن المَائِعاتِ إِذا وقعت فيه نجاسةٌ، ففيه ثلاثُ روايات: إحداهُنَّ، أنه يَتَنَجَّسُ وإن كَثُر، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الفَأرَةِ تموتُ في السمنِ، فقال:«إنْ كَانَ جَامِدًا فَألْقُوها وما حَوْلَها، وإنْ كَانَ مَائِعًا فَلا تَقْرَبُوه». رواه الإِمامُ أحمدُ . ونهى عنه، ولم يفرِّقْ بين قليله وكثيرِه. ولأنَّها لا تُطَهِّرُ غيرَها، فلا تدفعُ النجاسةَ عن نفسِها كاليسيرِ. والثانية، أنَّها كالماءِ، لا يَنْجُسُ منها ما بَلَغ قُلَّتَين إلا بالتَّغَيُّرِ، قياسًا على الماءِ، قال حَرب : سألتُ أحمدَ،
قلتُ: كلبٌ وَلَغ في سَمنٍ وزَيتٍ؟ قال: إذا كان في آنِيَةٍ كبيرةٍ، مِثلَ حُبٍّ أو نحوه، رَجَوْتُ أن لا يكونَ به بَأسٌ، يُوكَلُ،
وإن كان في آنيةٍ صغيرةٍ فَلا يُعجِبُنِي. والثالثة، أنَّ ما أصله الماءُ، كالخَلِّ التَّمرِيِّ يَدفَعُ النجاسةَ؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الماءُ، وما لا فلا.
فصل: وإِذا قُلنا: إنَّ غيرَ الماءِ مِن المائِعاتِ، كالخَلِّ ونحوه يُزِيلُ النجاسةَ، انبنَى على ذلك أنَّ الكثيرَ منه لا يَنْجُسُ إلا بالتَّغْيِيرِ، لكونِ حُكْمِه في دفع النجاسةِ حكمَ الماءِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: فأمّا الماء المستعمَل في رَفْعِ الحدثِ، وما كان طاهِرًا غير مطَهِّرٍ، ففيه احتِمالان، أحدُهُما، أنه يَدفَع النجاسةَ عن نفْسِه إذا كَثر؛ لحديثِ القلَّتَين.
والثاني، أنه يَنْجس، لأنَّه لا يَطْهر، أشْبَه الخَلَّ.
فصل: ولا فَرقَ بينَ يسيرِ النجاسةِ وكثيرِها، ما أدرَكَه الطرفُ وما لم يدرِكْه، إلا أنَّ ما يعفَى عن يسيرِه كالدَّمِ، حكْمُ الماءِ الذي يَتَنَجس به حكمه في العَفْو عن يسيرِه.
وكذلك كلُّ نجاسةٍ نَجّسَتِ الماءَ، حكمه حكمُها، لأنَّ نجاسةَ الماءِ ناشِئة عن نجاسةِ الواقعِ، وفَرعٌ عليها، في الفرع يَثْبت له حكم أصلِه. ورُوى عن الشافعيِّ أنَّ ما لا يدرِكُه الطرف مِن النجاسةِ مَعفوٌّ عنه؛ للمَشَقَّةِ الَّلاحقةِ به. ونَصَّ في موضعٍ أن الذّبابَ إذا وَقَع على خلاءٍ رَقِيقٍ، أو بول، ثم وقع على الثَّوْبِ، غُسِلَ مَوْضِعه، ونجاسة الذُّبابِ مما لا يُدركها الطرف. ولَنا، أنّ دليلَ التنجِيسِ لا يفَرِّقُ بينَ قليلِ النجاسةِ وكثيرِها، ولا بين ما يُدركه الطرفُ وما لا يدركه، فالتَّفْرِيق تَحَكم، وما ذكروه مِن المَشَقَّةِ ممنوع؛
لأنّا إنَّما نحكم بالنجاسةِ إذا عَلِمنا وصولَها، ومع العلمِ لا يفتَرِقُ القليلُ والكثيرُ في المشقَّةِ،
ثم إن المشقَّةَ بمُجرَّدِها حِكْمَةٌ لا يجوز تَعَلُّق الحكْمِ بها بمجرَّدِها، وجَعلُ ما لا يدركُه الطرَّفُ ضابطًا لها إنَّما يصحُّ بالتَّوْقِيفِ، أو باعتبارِ الشّرعِ له في مَوْضِعٍ، ولم يُوجَد واحدٌ منهما. ٢١ - مسألة؛ قال: (والكثيرُ ما بلَغَ قُلَّتَين، واليَسِيرُ ما دُونَهما) القُلَّةُ: الجَرَّةُ، سُمِّيتْ قُلَّةً لأنَّها تُقَل بالأيدي، والمراد فهنا بالقُلَّةِ قِلالُ هجَرَ ؛ لما يأتي، وإنّما جعلْنا القُلَّتَين حدًّا للكثيرِ؛ لأنَّ حديثَ القُلَّتَين دَلَّ على نجاسةِ ما لم يَبْلُغْهُما بطريق المفْهومِ، وعلى دَفْعِهما للنجاسةِ عن أنفُسِهما، فلذلك جَعَلْناهُما حدًّا للكثيرِ، فمتى جاء لفظُ الكثيرِ هاهُنا فالمرادُ به القُلَّتانِ.
واللهُ أعلمُ.
٢٢ - مسألة؛ قال: (وهما خَمسُمِائَةِ رَطْلٍ بالعِراقِيِّ) في ظاهرِ المذهبِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه رُوىَ عن ابنِ جُرَيجٍ أَنّه قال: رأيتُ قِلال هجَر، فرأيتُ القُلَّةَ تَسَعُ قربَتَين أو قربتين وشيئًا. والقِربَةُ مائةُ رِطْل بالعِراقِيِّ باتِّفاقِ القائلين بتحديدِ الماءِ بالقِربِ، والاحتياطُ أن يُجْعَلَ الشيءُ نصفًا، فكانت القُلَّتانِ بما ذكرنا خَمسَمائةِ رِطْلٍ. ورُوى عن أحمدَ أنَّ القُلَّتَين أربَعُمائةِ رَطلٍ بالعِراقِي. رَواه عنه الأثْرَمُ، وإسماعيلُ بنُ سعيدٍ . وحكاه ابنُ المُنْذِرِ؛
لما رَوَى الجُوزجانِي ، بإسْنادِه عن يحيى بن عُقَيلِ ، قال: رأيتُ قِلال هجَرَ، وأظنُّ كلَّ قُلَّةٍ تأخذ قِربَتَين. ورُوى نحوُ ذلك عن ابنِ جُرَيج. وإنما خَصَصنا القُلَّةَ بقلالِ هجرَ؛ لوجْهين، أحدهما، ما روَى الخَطابِي بإسنادِه إلى ابنِ جُرَيجٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرسَلًا:«إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَين بِقِلالِ هجر».
والثاني، أنّ قلال هجرَ أكبرُ ما يكونُ مِنَ القلالِ، وأشْهرُها في عَصر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ذَكَره الخَطّابِيّ، فقال: هي مشهورةُ الصنعَةِ، معلومةُ المِقْدارِ، لا تَخْتَلِفُ كما لا تختلفُ الصِّيعانُ والمَكايِيلُ. فلذلك حَمَلْنا الحديثَ عليها، وعَمِلْنا بالاحتياطِ،
فإذا قُلْنا: هما خَمسُمائةِ رطلٍ بالعِراقِيِّ، فذلك بالرطلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي هو سِتُّمائة درهمٍ، مَائة وسَبْعَةُ أرطالٍ وسُبْعُ رطلِ.
(وَإِنْ كُوثِرَ) ، أَوْ كَانَ كَثِيرًا فَأُضِيفَ إِلَيْهِ (بمَاءٍ يَسِيرٍ) طَهُورٍ، (أَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ) كَالتُّرَابِ، وَالْخَلِّ، وَنَحْوِهِمَا، لَا مِسْكٍ وَنَحْوِهِ، (فَأَزَالَ التَّغَيُّرَ) لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَطْهُرَ) ، وَقَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَلِأَنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ زَالَتْ، وَهِيَ التَّغَيُّرُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ زَالَ بِالْمُكَاثَرَةِ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: التُّرَابُ لَا يَطْهُرُ، لِأَنَّهُ يَسْتُرُ النَّجَاسَةَ
بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَقِيلَ بِهِ فِي النَّجِسِ الْكَثِيرِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَغَيْرِهِ، وَأَطْلَقَ فِي " الْإِيضَاحِ " رِوَايَتَيْنِ فِي التُّرَابِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اجْتَمَعَ مِنْ نَجِسٍ وَطَهُورٍ وَطَاهِرٍ قُلَّتَانِ بِلَا تَغَيُّرٍ فَكُلُّهُ نَجِسٌ،
وَقِيلَ: طَاهِرٌ، وَقِيلَ: طَهُورٌ، وَإِنْ أُضِيفَتْ قُلَّةٌ نَجِسَةٌ إِلَى مِثْلِهَا، وَلَا تَغَيُّرَ لَمْ تَطْهُرْ فِي الْمَنْصُوصِ كَنَجَاسَةٍ أُخْرَى،
وَفِي غَسْلِ جَوَانِبِ بِئْرٍ نُزِحَتْ وَأَرْضِهَا رِوَايَتَانِ. (وَالْكَثِيرُ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ) هُمَا تَثْنِيَةُ قُلَّةٍ، وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا، وَمِنْهُ قُلَّةُ الْجَبَلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ، سُمِّيَتْ قُلَّةً لِعُلُوِّهَا وَارْتِفَاعِهَا،
وَقِيلَ: لِأَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ يُقِلُّهَا بِيَدِهِ أَيْ: يَرْفَعُهَا، وَالتَّحْدِيدُ وَقَعَ بِقِلَالِ هَجَرَ،
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّهَا مَشْهُورَةُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ لَا يَخْتَلِفُ كَالصِّيعَانِ، وَلِأَنَّ خَبَرَ الْقُلَّتَيْنِ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى رَفْعِهِمَا النَّجَاسَةَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى نَجَاسَةِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا، فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُمَا حَدًّا لِلْكَثِيرِ (وَالْيَسِيرُ مَا دُونَهُمَا) أَيْ: دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، و" الْفُرُوعِ "، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا، وَالِاحْتِيَاطُ إِثْبَاتُ الشَّيْءِ، وَجَعْلُهُ نِصْفًا، لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُنْكَرٍ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ تِسْعُمِائَةِ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ، بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ، وَالرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ: مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " الْقَدِيمِ، وَعَزَاهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ،
وَقِيلَ: وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "
وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، فَعَلَى هَذَا هُوَ سُبْعُ الرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ وَنِصْفُ سُبْعِهِ، فَتَكُونُ الْقُلَّتَانِ بِالدِّمَشْقِيِّ مِائَةَ رِطْلٍ وَسَبْعَةَ أَرْطَالٍ وَسُبْعَ رِطْلٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِأُوقِيَّةٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ، وَبِالْقُدْسِيِّ: ثَمَانُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ، وَنِصْفُ سُبْعٍ، وَبِالْحَلَبِيِّ: تِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ، وَبِالْمِصْرِيِّ: أَرْبَعُمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ، وَمِسَاحَتُهُمَا مُرَبَّعًا: ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا، وَمُدَوَّرًا: ذِرَاعٌ طُولًا، وَذِرَاعَانِ وَنِصْفُ ذِرَاعٍ عُمْقًا، وَالْمُرَادُ بِهِ: ذِرَاعُ الْيَدِ، صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ
وَهما خَمسُمِائَةِ رَطْلٍ بِالعِراقي. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحاب. وجزَم به الخِرَقِيُّ، و «الهِدايةِ»، و «الإِيضاحِ»، و «المُذْهبِ»، و «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغَةِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجِيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ»، و «المَذهبِ الأَحمَدِ»، و «إدراكِ الغايَة»، وغيرهم. وقدَّمَه في «الفُروعَ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «النَّظْمِ»، و «مَجْمَعِ البَحرَين»،
وقال: إنه أَوْلَى. وابنُ رَزِين،
وقال: إنَّه أصَحُّ. و «المُسْتَوْعِب»،
وقال: إنَّه أظهرُ. واخْتارَه ابنُ عَبْدوس في «تَذكِرَتِه». قال الزركشِي: هذا المشهورُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمُخْتارُ للأصحابِ. وعنه، أَربَعُمِائَةٍ. قدَّمَه ابنُ تَميمٍ، وصاحبُ «الفائقِ». وأطْلَقَهُما في «الكافِي».
وقال في «الرِّعايَة الكُبْرَى»: وحُكِىَ عنه ما يدُلُّ على أنَّ القُلَّتَينِ سِتُمِائَةِ رطْلٍ. انتهى.
قلت: ويُؤخذُ من رواية نقَلها ابنُ تَميمٍ، وابنُ حَمدان، وغيرُهما، أنَّ القُلَّتَين أربَعُمِائَةِ رطْلٍ، وسِتَّةٌ وسِتُون رطْلًا، وَهلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ أَوْ تَحدِيدٌ؟ عَلَى وَجهينِ.
وثُلُثَا رطْلٍ؛ فإنَّهُم قالوا: القُلَّةُ تَسَعُ قِربَتَين.
وعنه، ونِضفٌ. وعنه، وثُلُثٌ. والقِربَةُ تَسَعُ مِائَةَ رطْلٍ عندَ القائِلين بها. فعلَى الرِّواية الثَّالثة، يكونُ القُلَّتان ما قُلْنا، ولم أجِد مَنْ صرَّحَ به، وإنَّما يذْكُرون الرِّواياتِ فيما تَسَعُ القُلَّةُ، وما قُلْناه لازِمُ ذلك.
فائدتان؛ إحدَاهما، مِساحةُ القُلَّتَين، إذا قُلْنا: إنَّهُما خَمسُمِائَةِ رطْلٍ. ذِراعٌ ورُبْعٌ طُولًا وعرضًا وعُمقًا. قاله في «الرِّعاية» وغيرِه. الثَّانيةُ، الصَّحيحُ من المذهب أنَّ الرِّطْلَ العِراقِيَّ مِائَةُ دِزهمٍ وثَمان وعِشْرون دِرهمًا وأربَعةُ أسْباعِ دِرهمٍ، فهو سُبْعُ الرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ ونِصفُ سُبعِه. وعلى هذا جمهورُ الأصحاب.
وقيل: هو مائَةٌ وثمانيةٌ وعِشْرون وثَلاثَةُ أسْباعِ درهمٍ. نقَله الزَّركَشِيّ عن صاحبِ «التَّلْخيص» فيه. ولم أجِد في النُّسْخَةِ التي عندِي إلَّا كالمذهبِ المُتَقَدِّم.
وقيل: هو مِائَةٌ وثمانيةٌ وعِشْرون دِرهما. وهو في «المُغْنِي» القديمِ.
وقيل: مِائَةٌ وثلاثون دِرهمًا. وقال في «الرِّعاية» في صفَةِ الغُسْلِ: والرِّطْلُ العِراقِي الآَن مِائَةٌ وثلاثون دِرهمًا، وهو أحَدٌ وتِسْعونَ مِثْقالًا، وكان قبلَ ذلك تِسْعونَ مِثْقالًا، زِنَتُها مِائَة وثمانية وعشرون وأربعَةُ أسْباع، فزِيدَ فيها مِثْقال ليزولَ الكسْرُ.
وقال غيرُه ذلك. فعلى المذهبِ، تكون القُلَّتان بالدمشْقي مِائَةَ رِطْل وسَبْعَةَ أرطالٍ وسُبْعَ رطْل. في هل ذلك تَقْريبٌ أوْ تَحديدٌ؟ على وَجْهين. وأطْلَقُهما في «المُذْهبِ»، و «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ»، و «النَّظْمِ»، وابنُ مُنَجَّى في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَرحِه»، و «الحاويَين»؛ أحَدُهما، أنَّه تقْرِيبٌ. وهو المذهبُ. جزَم به في «العُمدَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «التَّسْهِيلِ»، وغيرهم. وقدَّمَه في «الفُروعِ»، و «ابنِ تَميم»، و «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، وغيرهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وصَحَّحَه في «المُغْنِي»، و «الشرحِ»، و «مَجْمع البَحرَين»، و «الفائقِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «شرحِ ابنِ رَزِين»، وغيرهم.
قال في «الكافِي»: أظْهرهما أنَّه تَقْريب. واخْتارَه ابنُ عَبْدوس في «تَذْكِرَتِه» وغيرُه. والوَجْهُ الثَّاني، أنه تحديد. اخْتارَه أبو الحسن الآمِدِيُّ. قال ابنُ عُبَيدان: وهو اختِيارُ القاضِي. قال الشَّارِحُ: وهو ظاهرُ قَوْلِ القاضي. وقدَّمَ في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى» إذا قُلْنا: هما خَمسُمِائةٍ. يكونُ تَقْريبًا. وأطْلقَ الوَجْهين إذا قُلْنا: هما أربَعُمِائَةٍ. واخْتارَ أنَّ الأربَعَمِائةٍ تحديدٌ، والخَمسَمِائَةٍ تقريبٌ. وقدَّمَ في «المُحَرَّرِ» أنَّ الخمسَمِائةٍ تقْريب. . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهان؛ أحدُهما، في محَلِّ الخِلافِ في التقْريب والتَّحديدِ للأصحابِ طرقٌ؛ أصَحُّها أنه جارٍ، سوءٌ قُلْنا: هما خَمسُمِائةٍ أو أربَعُمِائةٍ، كما هو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّف هنا، و «الكافِي»، و «ابنِ تميم»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الحاويَين»، و «الشرحِ» و «النظْمِ» وغيرهم الطريقةُ الثانيةُ، أن محَل الخلافِ إذا قُلْنا: هما خَمسُمِائةٍ. وهي طَريقَتُه في «المُحَرر»، و «الرِّعاية الصغْرى». وهو ظاهِرُ كلامِه في «المُغنِي»؛ فإنه قال: اخْتلَفَ أصحابُنا؛ هل هما خَمسُمِائةِ رطْل تَقْريبًا أو تحديدًا؟
قال ابنُ مُنَجَّى في «شرحِه»: وهو الأشْبَهُ. الطريقةُ الثالثةُ، في الخمسِمائَةٍ رِوايتان،
وفي الأربَعِمائَةٍ وَجْهان. وهي المُقَدمَة في «الرِّعاية الكُبرى»،
ثم قال: وقيلَ الوَجْهان إذا قُلْنا: هما خَمسُمِائَةٍ. وهو أظْهرُ. انتهى. الثاني، حكَى المُصَنِّفُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِلافَ هنا وَجْهين، وكذا في «المُذْهَبِ»، و «الكافي»، و «المُغْنِي»، و «الشّرحِ»، و «ابنِ تَميم»، وابنُ مُنَجَّى، وابنُ رَزِين، في «شَرحَيهِما». وحَكَى الخِلافَ رِوايتَين في «التَّلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «المَجْدِ»، و «الفُروعِ»، و «الرِّعاية الصُّغْرى»، و «الفائقِ»، و «الحاويَين»، وابنُ عَبْدوسٍ، في «تذْكِرَتِه».
وقال في «الرِّعاية الكُبرى»: الرِّوايتان في الخَمسمائَةٍ، والوَجْهان في الأربَعِمِائَةٍ. وقدَّمَ في «مَجْمَع البَحرَين» و «ابنِ عُبَيدان» أن الخِلافَ وَجْهان. وفائدةُ الخلافِ في أصلِ المسْألةِ أن مَنِ اعتَبرَ التحديدَ لم يعْفُ عن النقْص اليسيم، والقائلُون بالتَّقْريبِ يعفون عن ذلك.
فوائد؛ إحداها، لو شَكَّ في بلوغِ الماءِ قدرًا ينفَعُ النجاسةَ، ففيه وَجْهان. وأطْلَقَهُما في «المُغْنِي»، و «الشَّرحِ»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الفُروع»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»؛ أحَدُهما، أنَّه نَجِس. وهو الصَّحيحُ. قاله المَجْدُ في «شَرحِ الهداية».
قال في «القَواعدِ الفِقْهِيَّة»: هذا المُرَجَّحُ عندَ صاحبِ «المُغْنِي»، و «المُحَرَّرِ».
والثاني، أنَّه طاهر. قال في «القواعدِ الفِقْهِيَّةِ»: وهو أظْهرُ. الثّانيةُ، لو أخْبَره عَدلٌ بنجاسةِ الماءِ، قَبِلَ قوْلَه إنْ عَيَّنَ السَبَبَ. على الصَّحيحِ مِن المذهب، وإلا فلا.
وقيل: يقبلُ مُطْلقًا. ومشهورُ الحالِ كالعَدلِ على الصّحيحِ. قاله المُصَنِّفُ والشَّارح، وصَححَه في «الرِّعاية».
وقيل: لا يَقْبَلُ قوْلَه. وأطْلَقَهما في «الفُروع».
ويُشتَرَطُ بلُوغه. وهو ظاهرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«المُغْنِي»، و «الشرحِ»؛ فإنَّهما قيَّدَاه بالبُلوغِ.
وقيل: يَقبَلُ قوْلَ المُميِّزِ. وأطْلَقَهما في «الفُروع».
ولا يَلْزَمُ السُّؤالُ عن السَّبَبَ. قدَّمه في «الفائقِ».
وقيل: يلْزَمُ. وأطْلَقَهما في «الفُروعِ». الثَّالثةُ، لو أصابَه ماءُ مِيزَابٍ ولا أمارةَ، كُرِة سُؤالُه عنه على الصَّحيحِ من المذهب. ونقَلَه صالحٌ. فلا يَلْزَمُ الجوابُ.
وقيل: بلَى، كما لو سأل عن القِبْلَةِ.
وقيل: الأوْلَى السؤالُ والجوابُ. وقيل بلُزُومِهما. وأوْجَبَ الأزَجيُّ إجابَتَه إنْ علِمَ نجاسَتَه، وإلَّا فلا
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال أبو المَعالِي: إنْ كان نَجِسًا لَزِمَه الجوابُ وإلَّا فلا. نقَلَه ابنُ عُبَيدان.
وإذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ، أَوْ كَانَ نَجِسًا، فَشَكَّ فِي طَهارَتِهِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنِ اشْتَبَه الْمَاءُ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ، لَمْ يَتَحَرَّ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهبِ، وَيَتَيَمَّمُ.
قال: (وإن كُوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغيّر لم يطهر، ويتخرج أن يطهر) .
أما كون ما كُوثر بماء يسير لا يطهر على المذهب؛ فلأن ذلك لا يدفع الخبث عن نفسه؛ فلأن لا يدفع عن غيره بطريق الأولى.
وأما كون ما كُوثر بغير الماء كالتراب والخل لا يطهر على المذهب؛ فلأن الماء اليسير إذا لم يطهّر مع كونه مطهرًا في الجملة؛ فلأن لا يطهّر غيرَه بطريق الأولى. قال ابن عقيل: التراب ونحوه لا يُطَهّر لأنه لا يزيل التغيّر وإنما يستره.
وأما كون ما كُوثر بماء يسير أو بطاهر يتخرج أن يطهر؛ فلأن علة التنجيس التغيّر وقد زال فوجب زوال التنجيس كما لو زال التغيّر بالمكاثرة.
قال: (والكثير ما بلغ قلتين، واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي. وعنه أربعمائة. وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين) .
أما كون الكثير ما بلغ قلتين. وهما تثنية قلة. وهي الجرّة. وسميت بذلك لأنها تُقَلُّ. أي تحمل. ومنه قوله تعالى:{حتى إذا أَقَلَّت سحابًا ثِقَالاً}. أي حملت.
واليسير ما دونهما؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرّق بين القلتين وما دونهما حيث قال:«إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث». فوجب جعل ما لم يحمل الخبث كثيرا لدفعه الخبث وما دونه يسيرًا لعدم دفعه ذلك.
وأما كون القلتين خمسمائة رطلٍ بالعراقي على المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن جريج أنه قال:«رأيت قِلال هَجَر وكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا». فالاحتياط أن يُجْعل الشيء نصفًا. والقربة مائة بإجماع فتكون القلتان خمسمائة رطل بالعراقي. والرطل العراقي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا فيكون القنطار بالرطل الدمشقي أحد وعشرين رطلاً وثلث رطل. فتكون القلتان على هذا مائة رطل وستة أرطال وثلثي رطل. كذا ذكر المصنف رحمه الله في المغني القديم وعزاه إلى أبي عبيد .
وذكر في المغني الجديد أن الرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم. فتكون القلتان على هذا مائة رطل وسبعة أرطال وأوقية وخمسة أسباع أوقية.
وأما كونهما أربعمائة على روايةٍ فلما روي عن ابن جريج ويحيى بن عُقيل: أن القلة تأخذ قربتين. وقِربُ الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل.
فعلى هذا تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل بالدمشقي على الأول. وعلى ما في المغني الجديد تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل وأربعة أسباع أوقية.
وأما كون ذلك تقريبًا على وجهٍ؛ فلأن الشيء إنما جعل نصفًا احتياطًا والغالب استعماله دون النصف.
وأما كونه تحديدًا على وجه؛ فلأن ما جعل احتياطًا يصير واجبًا كغسل جزء من الرأس مع الوجه.
فإن قيل: الخلاف في التقريب والتحديد راجع إلى خمسمائة أو إلى أربعمائة أو إليهما.
قيل: ظاهر هنا رجوعه إليهما، وظاهر كلامه في المغني رجوعه إلى خمسمائة؛ لأنه قال فيه: اختلف أصحابنا هل القلتان خمسمائة رطل تحديدًا أو تقريبًا؟ فخص الخلاف بخمسائة. والأشبه ذلك إن قيل القربة مائة بإجماع لأنه لا ترديد في كون القلتين قربتين وإنما الترديد في الزائد عليهما.
وإن قيل: القربة مائة تقريبًا حسن مجيء الخلاف في التقريب والتحديد في الروايتين المتقدم ذكرهما.
فإن قيل: ما الصحيح منهما؟
قيل: التقريب عند المصنف رحمه الله، والتحديد عن أبي الحسن الآمدي. وذكره المصنف في المغني.
إذا علم ذلك. ففائدة الخلاف لو نقصتا رطلاً أو نحوه فوقع فيها نجاسة فعلى القول بالتقريب هو طاهر؛ لأنه نقص يسير لا أثر له، وعلى القول بالتحديد هو نجس لأنه ما نقص عن قلتين.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.