وَلَا فَاسِقٍ وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ
Its commentaries
مسألة: (ولا حضانَةَ لرقيقٍ ولا فاسقٍ، ولا كافرٍ على مسلمٍ) لا تَثْبُتُ الحضانةُ لطِفْلٍ ولا مَعْتُوهٍ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ عليها، وهو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُه، فكيف يَكْفُلُ غيرَه! ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يُوثَقُ به في أداءِ الواجبِ مِن الحضانةِ، ولا حَظَّ للولدِ في حضانتِه؛ لأنَّه يَنْشأُ على طَرِيقتِه. ولا لرقيقٍ. وبهذا قال عطاءٌ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، في حُرٍّ له وَلَد حُرٌّ مِن أمَةٍ: الأُمُّ أحقُّ به، إلَّا أن تُباعَ فيُنْقَلَ، فيكونُ الأبُ أحَقَّ به؛ لأنَّها أمٌّ مُشْفِقَةٌ، أشْبَهَتِ الحُرَّةَ. ولَنا، أنَّها لا تَمْلِكُ مَنافِعَها التى تَحْصُلُ الكَفالةُ بها؛ لكونِها مملوكةً لسيدِها، فلم تَكُنْ لها حَضانةٌ، كما لو بِيعتْ ونُقِلَتْ. ولا تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ. وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وسَوَّارٌ العَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى: تَثْبُتُ؛ لِما رُوِىَ عن عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رافعِ بنِ سِنانٍ ، أنَّه أسْلَم، وأبَتِ امْرَأتُه أن تُسْلِمَ، فأتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: ابْنَتِى، وهى فطيمٌ، أو شِبْهُه.
[وقال رافع: ابْنَتِى]. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْعُدْ ناحِيَةً».
وقال لها:«اقعُدِى ناحِيَةً». وقال:«ادْعُواها». فمالَتِ الصَّبِيَّةُ إلى أمِّها. فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ اهْدِها». فمالتِ الصَّبِيَّةُ [إلى أبيها]، فأخَذَها. رواه أبو داودَ . ولَنا، أنَّها وِلايةٌ، فلا تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ، كوِلايةِ النِّكاحَ والمالِ، ولأنَّها إذا لم تَثْبُتْ للفاسقِ، فالكافرُ أوْلَى؛ لأنَّ ضَرَرَه أكثرُ، فإنَّه مُجْتَهِدٌ في إخْراجِه عن دِينه، ويُخْرِجُه عن الإسلامِ بِتَعْلِيمِه الكُفْرَ، وتَزْيِينِه له، وهذا أعْظَمُ الضَّرَرِ، والحضانةُ إنَّما تَثْبُتُ لحظِّ الولدِ، فلا تُشرَعُ على وَجْهٍ يَكُونُ فيه هَلاكُه وهَلاكُ دِينه.
فأمَّا الحديثُ، فقد رُوِى على غيرِ هذا الوجهِ، ولا يُثْبتُه أهلُ النَّقْلِ، وفى إسنادِه مَقالٌ. قاله ابنُ المُنْذِرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلِمَ أنَّها تَخْتارُ أباها بدَعْوتِه، فكان ذلك خاصًّا في حَقِّه.
فصل: فأمَّا مَن بَعْضُه حُرٌّ،
فإن لم تَكُنْ بينَه وبينَ سَيِّدِه مُهايأَةٌ، فهو كالقِنِّ؛ لكونِ منافعِه مُشْتركَةً بينَه وبينَ سيدِه.
وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّ له الحضانةَ في أيامِه ؛ لأنَّه قال: كلُّ ما يَتَجَزَّأُ ، فعليه النِّصفُ مِن كلِّ شَىْءٍ. وهذا اختيارُ أبى بكرٍ. وعندَ الشافعىِّ، لا حضانةَ له؛ لأنَّه كالقِنِّ عندَه. وهو أصْلٌ قد تَقَدَّمَ.
٤٠٣٦ -
(وَلَا فَاسِقٍ) لِأَنَّهُ لَا يُوَفِّي الْحَضَانَةَ حَقَّهَا، وَلَا حَضَانَةَ لِلْوَلَدِ ; لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَتِهِ، وَخَالَفَ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ لِذَلِكَ وَأَقَرَّ النَّاسُ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ بَيَانًا وَاضِحًا عَامًّا، وَلِاحْتِيَاطِ الْفَاسِقِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى وَلَدِهِ (وَلَا كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ) بَلْ ضَرَرُهُ أَعْظَمُ ; لِأَنَّهُ يَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ وَيُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ بِتَعْلِيمِهِ الْكُفْرَ وَتَرْبِيَتِهِ عَلَيْهِ،
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرَرٌ، فَكَانَ مَنْفِيًّا
ولا فاسِقٍ. هذا المذهبُ. وعليه الأصحابُ. واخْتارَ ابنُ القَيِّمِ، وَلَا لِامْرَأَةٍ مُزَوجَةٍ لأَجْنَبِىٍّ مِنَ الطِّفْلَ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «الهَدْى»، أنَّ له الحَضانَةَ،
وقال: لا يُعْرَفُ أنَّ الشَّارِعَ فرَّقَ لذلك، وأقَرَّ النَّاسَ، ولم يُبَيِّنْه بَيانًا واضِحًا عامًّا، ولاحْتِياطِ الفاسِقِ وشَفَقتِه على وَلَدِه. ولا لامْرَأة مُزَوجَةٍ لأجْنَبِىٍّ مِن الطِّفْلِ. هذا الصَّحيحُ مِن المذهبِ مُطْلَقًا ولو رَضِىَ الزَّوْجُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ؛ منهم الخِرَقِىُّ وغيرُه. وجزَم به فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
«الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. قال المُصَنِّفُ وغيرُه: هذا الصَّحيحُ.
وقال ابنُ أبى مُوسى وغيرُه: العَمَلُ عليه. وأطْلَقَه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ.
وعنه، لها حَضَانَةُ الجارِيَةِ. وخصَّ النَّاظِمُ وغيرُه هذه الرِّوايةَ بابْنَةِ دُونِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
سَبْعٍ، وهو المَروِىُّ عن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
وقال فى «الرِّعَايَةِ الكُبرى»: وعنه، لها حَضانَةُ الجارِيَةِ الى سَبعِ سِنِين.
وعنه، حتى تَبلُغ بحَيْضٍ أو غيرِه. واخْتارَ ابنُ القَيِّمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «الهَدْى»، أن الحَضانةَ لا تسْقُطُ إذا رَضِىَ الزَّوْجُ؛ بِناءً على أنَّ سقُوطَها لمُراعاةِ حقِّ الزَّوْجِ.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: مُزَوَّجَةٍ لأجْنَبِىٍّ. أنها لو كانتْ مزَوجَةً لغيرِ أجْنَبِىٍّ، أنَّ لها الحَضانَةَ. وهو صحيحٌ. وهو المذهبُ. قال فى «الفُروعِ»: هذا الأَشْهَرُ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «النَّظْمِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، وغيرِهم.
وقيل: لا حَضانَةَ لها إلا إذا كانتْ مُزَوَّجَةً بجَدِّه.
وقال فى «الفُروعِ»: ويتوَجهُ احْتِمالٌ، إذا كانَ الزَّوْجُ ذا رَحِمٍ، لا يسْقُطُ. وما هو ببعيدٍ.
فائدة: حيثُ أسْقَطْنا حَضانَتَها بالنِّكاحِ، فالصَّحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ الدُّخولُ، بل يسقُطُ حقُّها بمُجَرَّدِ العَقْدِ. قال المُصَنِّفُ: وهو ظاهرُ كلامِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الخِرَقِىِّ. قال الزَّرْكَشِىُّ: وهو مُقْتَضَى كلامِ الخِرَقِىِّ وعامَّةِ الأصحابِ. وهو كما قال. قال فى «الفُروعِ»: ولا يُعْتَبَرُ الدُّخولُ، فى الأصحِّ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ: هذا أوْلَى. وقدَّمه فى «النَّظْمِ».
وقيل: يُعْتَبَرُ الدُّخولُ. وهو احْتِمالٌ للمُصَنِّفِ.
فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا.
تنبيه: قولُه : فإنْ زالَتِ المَوانِعُ، رَجَعُوا إلى حُقُوقِهم. بلا نِزاعٍ. وقد يُقالُ: شَمِلَ كلامُه ما لو طَلُقَتْ مِن الأَجْنَبِىِّ طَلاقًا رجْعِيًّا ولم تَنْقَضِ العِدَّةُ، فيرْجِعُ إليها حقُّها مِن الحَضانَةِ بمُجَردِ الطَّلاقِ. وهو الصَّحيحُ مِن المذهبِ. اخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ. وقدَّمه فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقىِّ. وهو الذى نصَّه القاضى . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى «تعْليقِه»، وقطع به جُمْهورُ أصحابِه؛ كالشَّرِيفِ، وأبى الخَطَّابِ، والشِّيرَازِىِّ، وابنِ البَنَّا، وابنِ عَقِيلٍ فى «التَّذْكِرَةِ»، وغيرِهم.
وعنه، لا يرْجِعُ إليها حقُّها حتى تَنْقَضِىَ عِدَّتُها. وهى تخْرِيجٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، ووَجْهٌ فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعَايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِى»، وغيرِهم.
وقال فى «الرِّعَايَةِ الكُبْرى»: وَجْهان.
وقيل: رِوايَتان. وصحَّحهما فى «التَّرْغيبِ». ومالَ إليه النَّاظِمُ. قال القاضى: هو قِياسُ المذهبِ.
قلتُ: وهو قَوِىٌّ. وأطْلَقهما فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايَتَيْن»، و «الحاوِى الصَّغِيرِ»، و «القَواعِدِ»، و «تَجْريدِ العِنايةِ»، وغيرِهم.
فائدتان؛ إحْداهما، نظِيرُ هذه المَسْألَةِ، لو وَقَفَ على أوْلادَه، وشرَطَ فى وَقْفِه أنَّ مَنْ تزوَّجَ مِن البَناتِ لا حقَّ له، فتَزَوَّجَتْ، ثم طَلُقَتْ. قالَه القاضى، واقْتَصَرَ عليه فى «الفُروعِ».
وقال ابنُ نَصْرِ اللَّهِ فى «حَواشِيه» على «الفُروعِ»: وهل مثْلُه، إذا وَقَفَ على زوْجَتِه ما دامَتْ عازِبَةً،
فإنْ تزَوَّجَتْ، فلا حقَّ لها؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ لاحْتِمالِ أَنْ يريدَ بِرَّها؛ حيثُ ليسَ لها مَن تَلْزَمُه نفَقَتُها، كأوْلادِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويَحْتَمِلُ أَنْ يُريدَ صِلَتَها ، ما دامَتْ حافِظَةً لحُرْمَةِ فِراشِه عن غيرِه،
بخِلافِ الحَضانَةِ والوَقْفِ على الأوْلادِ. انتهى.
قلتُ: يُرْجَعُ فى ذلك الى حالِ الزَّوْجِ عندَ الوَقْفِ،
فإنْ دلَّتْ قرِينَةٌ على أحَدِهما، عُمِلَ به، وإلَّا فلا شئَ لها.
الثَّانيةُ، هل يسقُطُ حقُّها بإسْقاطِها للحَضانَةِ؟ فيه احْتِمالان، ذكَرَهما فى «الانْتِصارِ» فى مسْألَةِ الخِيارِ، هل يُورَثُ أمْ لا؟. قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ أنَّه كإسْقاطِ الأبِ الرُّجوعَ فى الهِبَةِ.
وقال ابنُ القَيمِ، رَحِمَه اللَّهُ، فى «الهَدْى»: هل الحَضانَةُ حقُّ للحاضِنِ، أو حقٌّ عليه؟ فيه قوْلان فى مذهبِ الإِمامَيْن أحمدَ ومالِك، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، ويَنْبَنِى عليهما؛ هل لمَن له الحَضَانَةُ أَنْ يُسْقِطَها ويَنْزِلَ عنها؟ على قوْلَيْن، وأنه لا تجِبُ عليه خِدْمَةُ الوَلَدِ أيَّامَ حَضانَتِه إلا بأْجْرَةٍ إنْ قُلْنا: الحَقُّ له. وإلَّا وجَبَتْ عليه خِدْمَتُه مجَّانًا، وللفَقِيرِ الأُجْرَةُ، على القَوْلَين.
قال: وإنْ وهَبَتِ الحَضانَةَ للأبِ، وقلْنا: الحَقُّ لها. لَزِمَتِ الهِبَةُ، ولم ترْجِعْ فيها،
وإنْ قلْنا: الحَقُّ عليها. فلها العَوْدُ إلى طَلَبِها. قال وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبوَيْنِ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ بَعِيد آمِن لِيَسْكُنَهُ، فَالْأَبُ أحَقُّ بِالْحَضَانَةِ.
وَعَنْهُ، الأُمُّ أَحَقُّ. فَإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منْ ذَلِكَ، فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ.
فى «الفُروعِ»: كذا قال. ثم قال فى «الهَدْى»: هذا كلُّه كلامُ أصحابِ الإِمامِ مالكٍ، رَحِمَه اللَّهُ. قال فى «الفُروعِ»: كذا قال. وتقدَّم كلامُ ابنِ نَصْرِ اللَّهِ قريبًا.
Says nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.