وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ
Its commentaries
مسألة: (ولَا يُقْتَصُّ مِن الطَّرَفِ إلَّا بعدَ بُرْئِه) في قولِ أكثرِ أَهْلِ العلمِ؛ منهم النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والحسنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ : كلُّ مَن نحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ يَرَى الانْتِظارَ بالجُرحِ حتى يَبْرَأَ. ويتَخَرَّجُ لنا أنَّه يجوزُ الاقْتِصاصُ قبلَ البُرْءِ، بِناءً على قَوْلِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ، يُفْعَلُ به كما فعَل. وهذا قولُ الشافعىِّ.
قال: ولو سألَ القَوَدَ ساعةَ قُطِعَتْ إصْبَعُه، أقَدْتُه؛ لما رَوَى جابرٌ، أنَّ رَجُلًا طعَن رجلًا بقَرْنٍ في رُكْبَتِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ أقِدْنِى. قال:«حَتَّى تَبْرَأَ». فأبَى، وعَجَّلَ، فاسْتَقادَ له رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فَعِيبَتْ رِجْلُ المُسْتَقِيدِ، وبَرأَتْ رِجلُ المُسْتَقادِ منه. فقال له النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَيْسَ لك شَىْءٌ، إنَّكَ عَجِلْتَ». رواه سعيدٌ مُرْسلًا . ولأَنَّ القِصاصَ في الطرًّفِ لا يَسْقُطُ بالسِّرايةِ، فوَجَبَ أن يَمْلِكَه في الحالِ، كما لو بَرَأَ.
ولَنا، ما رَوَى جابرٌ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهى أن يُسْتَقادَ مِن الجُرْحِ حتى يَبْرأَ المَجْرُوحُ. وروَاه الدَّارَقُطنِىُّ ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. ولأَنَّ الجُرْحَ لا يُدْرَى أقَتْلٌ هو أو لا، فيَنْبَغِى أن يُنْتَظَرَ ليُعْلَمَ ما حُكْمُه؟ فقد روَاه ، وفى سِياقِه، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، عَرَجْتُ. فقال:«قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى، فأَبْعَدَكَ اللَّه»، وبَطَل عَرَجُكَ». ثم نَهَى أن يُقْتَصَّ مِن جُرْحٍ حتى يَبْرَأَ صاحِبُه.
وهذه زِيادةٌ يجبُ قَبُولُها، وهى مُتَأخِّرَة عن الاقْتِصاصِ، فتكونُ ناسِخَةً له. وفى نفسِ الحديثِ ما يَدُلُّ على أنَّ اسْتِقادَتَه قبلَ البُرْءِ مَعْصِيَةٌ؛ لقَوْلِه:«قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِى». وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ، وهو مَبْنَى الخِلافِ.
٤١٦٩ -
(وَلَا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إِلَّا بَعْدَ بُرْئِهِ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَقَالَ: حَتَّى تَبْرَأَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَقِدْنِي، فَأَقَادَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي فَأَبْعَدَكَ اللَّهُ وَبَطَلَ عَرَجُكَ " ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ جُرْحٍ حَتَّى يَبْرَأَ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يُدْرَى أَيُؤَدِّي إِلَى الْقَتْلِ أَمْ لَا؟ فَيَجِبُ أَنْ يُنْتَظَرَ لِيُعْلَمَ حُكْمُهُ،
وَفِي ثَانِيَةٍ وَحَكَاهَا فِي " الشَّرْحِ " تَخْرِيجًا يَجِبُ قَبْلَ الْبُرْءِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّهُ إِذَا سَرَى إِلَى النَّفْسِ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ لَا يَسْقُطُ بِالسِّرَايَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ فِي الْحَالِ، كَمَا لَوْ بَرِئَ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "،
وَفِي " الرَّوْضَةِ ": لَوْ قَطَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدًا فَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْحَالِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ وَبَعْدَهُ، لَا الْقَوَدُ قَبْلَهُ
ولا يَقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ إلا بعدَ بُرْئِه. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه يَحرُمُ عليه أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الطَّرَفِ قبلَ بُرْئِه. وهو ظاهِرُ كلامِ المُصَنِّفِ هنا، بل وظاهِرُ كلامِ الأصحابِ.
قال فى «الفُروعِ»: ويَحرُمُ القَوَدُ قبلَ بُرْئِه على الأصحِّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، لا يَحْرُمُ. وهو تخْرِيجٌ فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، مِن قوْلِنا: إنَّه إذا سَرَى إلى النَّفْسِ يُفْعَلُ به كما فعَل.
فَلَو سَرَى إِلَى نَفْسِهِ، كَانَ هَدْرًا،
وَإِنْ سَرَى الْقِصَاصُ إِلَى نَفْسِ الْجَانِى، كَانَ هَدْرًا أَيْضًا.
فائدة: قولُه: فإنِ اقْتَصَّ قبلَ ذلك، بَطَلَ حقُّه مِن سِرايَةِ جُرْحِه،
فلو سَرَى إلى نَفْسِه، كانَ هَدْرًا. قال الإِمامُ أحمدُ: لأنَّه قد دخَلَه العَفْوُ بالقِصاصِ. وهو مِنَ المُفْرَداتِ.
قال: (ولا يقتص من الطرف إلا بعد برئه. فإن (١) اقتص قبل ذلك بطل حقه من سراية جرحه.
فلو سرى إلى نفسه كان هدراً.
وإن سرى القصاص إلى نفس الجاني كان هدراً أيضاً).
أما كون الطرف لا يقتص منه إلا بعد برئه؛ فلما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهَى أن يُستقادَ من الجرحِ حتى يبرَأ المجروح»؛ لأن الجرح لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل؟ فيجب أن ينتظر ليعلم ما حكمه.
وأما كون حق المجني عليه من سراية جرحه يبطل إذا اقتص قبل برئه؛ فلأن جابراً روى «أن رجلاً طعنَ رجلاً بقرنٍ في ركبته. فقال: يا رسول الله! أقدْ لي. فقال: حتى يبرأ. فأتى وعجّل. فاستقادَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم. فعيبَت رجْل المستَقيد وبرأَت رجْل المستقَاد منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليسَ لكَ شيءٌ إنك عجّلت». رواه سعيد مرسلاً.
ولأن المجني عليه استعجل ما لم يكن له استعجاله. فبطل حقه؛ كقاتل موروثه.
وأما كون سراية الجرح إلى نفس المجني عليه هدراً إذا اقتص [على المجني] من الجاني قبل برء جرحه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال في الحديث المتقدم:«ليس لك شيء».
ولأن حقه بطل باستعجاله، ومع بطلانه يتعين كون السراية إلى نفسه هدراً.
وأما كون سراية القصاص المذكور إلى نفس الجاني هدراً أيضاً؛ فلأنه سراية قصاص، وقد تقدم أنها غير مضمونة. [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.