وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ فَهُوَ صَرِيحٌ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بِعِيدٌ
Its commentaries
مسألة: (وإن قال: يَا لُوطِىُّ. أو: يا مَعْفُوجُ (٢) . فهو صَرِيحٌ) في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وعليه الحَدُّ إذا قَذَفَه بعملِ قومِ بُوطٍ،
إمَّا فاعِلًا أو مَفْعولًا به، فعليه حَدُّ القَذْفِ. وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ [بنُ الحسنِ]، وأبو ثَوْرٍ.
وقال عَطاءٌ، وقَتادَةُ، وأبو حنيفةَ: لا حَدَّ عليه. لأنَّه قَذَف بما لا يُوجِبُ الحَدَّ عندَه، وعندَنا هو مُوجِبٌ للحَدِّ، وقد بَيَّنَّاه فيما مَضَى.
وكذلك لو قَذَف امرأةً أنَّها وُطِئَتْ في دُبُرِها، أو قَذَف رجلًا بوَطْءِ امرأةٍ في دُبُرِها، فعليه الحَدُّ عندَنا، وعندَ أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، ومَبْنَى الخِلافِ ههنا على الخِلافِ في وُجوبِ حَدِّ الزِّنَى على فاعِلِ ذلك، وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ فيه.
فإن قَذَف رجلًا بإتْيَانِ بَهِيمةٍ، انْبَنَى ذلك على وُجوبِ الحَدِّ على فاعِلِه،
فمَن أوْجَبَ عليه الحَدَّ، أوْجَبَ حَدَّ القَذفِ على قاذِفِه ،
ومَن لا فلا. وكلُّ ما لا يَجِبُ الحَدُّ بفِعْلِه، لا يجبُ الحَدُّ على القاذِفِ به، كما لو قَذَف إنْسانًا بالمُباشَرَةِ فيما دُونَ الفَرْجِ ، أو بالوَطْءِ بالشُّبْهَةِ، أو قَذَف امرأةً بالمُساحَقَةِ، أو بالوَطْءِ مُسْتَكْرَهَةً، لم يَجِبِ الحَدُّ على القاذِفِ؛ لأنَّه رَمَاه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَه باللَّمْسِ والنَّظَرِ.
وِكذلك لو قال: يا كافِرُ، يا فاسِقُ، يا سارِقُ، يا مُنافِقُ، يا فاجرُ، يا خبِيثُ، يا أعْوَرُ، يا أقْطَعُ، يا أعْمَى، يا مُقْعَدُ، يا ابنَ الزَّمِنِ الأَعْمَى الأعْرَجِ. فلا حَدَّ عليه في ذلك كلِّه؛ لأنَّه قَذَفَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فهو كما لو قال: يا كاذِبُ، يا نَمَّامُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ، ولكنَّه يُعَزَّرُ لسَبِّ النَّاسِ وأذَاهُم، فأشْبَهَ ما لو قَذَفَ مَن لا يُوجِبُ قَذْفُه الحَدَّ.
٤٤٤١ - مسألة: (فإن قال: أرَدْتُ) بقَوْلِى: يا لُوطِىُّ (أنَّكَ مِن قَوْمِ لُوطٍ) فقال الخِرَقِىُّ: (لَا حَدَّ عليه. وهو بَعِيدٌ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ، في ذلك، فروَى عنَه جَماعةٌ، أنَّه يَجِبُ عليه الحَدُّ بقولِه: يا لُوطِىُّ. ولا يُسْمَعُ تَفْسِيرُه بما يُحِيلُ القَذْفَ. وهو اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ. ونحوَه قال الزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ. والثانيةُ، لا حَدَّ عليه. نَقَلَها المَرُّوذِىُّ. ونحوَ هذا قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ. قال الحسنُ: إذا قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَه دِينُ لُوطٍ.
فلا حَدَّ عليه. وِإن قال: أردتُ أنَّه يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ. فعليه الحَدُّ. ووَجْهُ ذلك، أنَّه فَسَّرَ كَلامَه بما لا يُوجِبُ الحَدَّ، فلم يَجِبْ عليه حَدٌّ، كما لو فَسَّرَه به مُتَّصِلًا بكَلامِه. وعن أحمدَ، رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّه إذا كان في غَضَبِه، قال: إنَّه لأهْلٌ أن يُقامَ عليه الحَدُّ؛ لأَنَّ قَرِينَةَ الغَضَبِ تَدُلُّ على إرادَةِ القَذْفِ،
بخلافِ حالِ الرِّضا. والصَّحِيحُ في المذهبِ الرِّوايةُ الأُولَى؛ لأَنَّ هذه الكَلِمَةَ لا يُفْهَمُ منها إلَّا القَذْفُ بعَمَلِ قومِ لُوطٍ، فكانتْ صريحةً فيه، كقولِه: يا زَانِى. ولأَنَّ قومَ لُوطٍ لم يَبْقَ منهم أحَدٌ، فلا يَحْتَمِلُ أن يُنْسَبَ إليهم.
٤٤٤٢ -
(وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ) هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ: عَفَجَ، يَعْنِي: نَكَحَ، فَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى مَنْكُوحٍ، أَيْ: مَوْطُوءٍ (فَهُوَ صَرِيحٌ) فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِمَا إِذَا قَذَفَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ اللُّوطِيَّ الزَّانِي بِالذُّكُورِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: يَا زَانِي، وَحِينَئِذٍ لَا يُسْمَعُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُحِيلُ الْقَذْفَ،
وَعَنْهُ: مَعَ غَضَبٍ، لِأَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْقَذْفِ
بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَهَذَا رِوَايَةٌ نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ (وَهُوَ بِعِيدٌ) لَأَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِهِ وَإِرَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ فِيهِ بُعْدٌ، مَعَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ،
وَلَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ،
وَقِيلَ: لَا، وَمَبْنَى الْخِلَافِ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ
فَصْلٌ: وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانى، يَا عَاهِرُ، زَنَى فَرْجُكَ. وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ.
وَإِنْ قَالَ يَالُوطِىُّ، أَوْ: يَا مَعْفُوجُ. فَصْلٌ: وألفاظُ القَذْفِ تَنْقَسِمُ إلى صَرِيحٍ وكِنَايَةٍ؛ فالصَّرِيحُ قَوْلُه: يا زانِى، يا عاهِرُ. هذا المذهبُ. عليه الأصحابُ. ولا يُقْبَلُ قوْلُه: أَرَدْتُ يا زَانِىَ العَيْنِ. ولا: يا عاهِرَ اليَدِ.
وقال فى «التَّبْصِرَةِ»: لم يُقْبَلْ مع سَبْقِه ما يدُل على قَذْفٍ صَرِيح، وإلَّا قُبِلَ. وإنْ قَالَ: يا لُوطِىُّ، أو: يا مَعْفُوجُ. فهو صَرِيحٌ. إذا قال له: يا فَهُوَ صَرِيحٌ.
لُوطِىُّ. فهو صَرِيحٌ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه فى رِوايةِ الجماعةِ. وعليه جماهيرُ الأصحاب. قال فى «الفُروعِ»: نقَلَه واخْتارَه الأكثرُ. قال الزَّرْكَشِىُّ: عليه عامَّةُ الَأصحابِ. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى وَقَالَ الْخِرَقِىُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ.
«الفُروعِ» وغيرِه. وصحَّحه المُصَنِّفُ، وغيرُه.
وعنه، صَرِيحٌ مع الغضَبِ ونحوِه دُونَ غيرِه.
وقال الخِرَقِىُّ: إذا قال: أرَدْتُ أنَّكَ مِن قَوْمِ لُوطٍ. [فلا حَدَّ عليه. قال المُصَنِّفُ: وهو بعيدٌ. قال فى «الهِدايَةِ»: إذا قال: أرَدْتُ أنك مِن قَوْمِ لُوطٍ] . هذا لا يُعْرَفُ. انتهى.
وكذا لو قال: نَوَيْتُ أنَّ دِينَه دِينُ قَوْمِ لُوطٍ. وهو رِوايةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
وإذا قال: يا مَعْفُوجُ. فهو صَرِيحٌ وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرَّجُلِ. احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
أيضًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وعليه الأصحابُ. قال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحَدُّ به. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذَّهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: إنَّه كِنايَةٌ. ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِىِّ. وعليه جَرَى المُصَنِّفُ، والمَجْدُ.
قال: (وإن قال: يا لوطي، أو يا معفوج فهو صريح. وقال الخرقي: إذا قال: أردت أنك من قوم لوط فلا حد عليه وهو بعيد. وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال احتمل وجهين) .
أما كون قول: يا لوطي صريحاً على قول غير الخرقي؛ فلأن اللوطي الزاني بالصبيان. أشبه ما لو قال: يا زاني.
وأما كون قول: يا معفوج صريحاً على ذلك؛ فلأن معناه يا مفعولاً به فعل قوم لوط، وذلك صريح فهذا مثله.
فإن قيل: قد تقدم أن الصريح ما لا يحتمل غير القذف وهذا يحتمله.
قيل: معناه والله أعلم أنه صريح في الحكم لا في اللفظ.
فعلى هذا يجب الحد عليه كما لو قذفه بالزنى.
وأما كون قائل ذلك إذا قال: أردتُ أنك من قوم لوط لا حد عليه على قول الخرقي؛ فلأن كلامه يصح أن يراد به ذلك فإذا قال: أردته لم يجب الحد لشَكِّنا في المقتضي له لا سيما والحدود تدرأ بالشبهات.
وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن إطلاق مثل ذلك وإرادة مثل ذلك فيه بُعد.
وأما كونه إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال يحتمل أن لا يحد؛ فلأن ما فسر كلامه محتمل الإرادة والحد يدرأ بالشبهة.
وأما كونه يحتمل أن يحد؛ فلأنه لا يراد بمثل ذلك اللفظ في الغالب غير الزنى. فلم يقبل تفسيره بغيره؛ كما لو قال: يا زاني وفسره بغيره.
فإن قيل: ما المراد بعمل قوم لوط الذي ينتفي معه وجوب الحد؟
قيل: هو محبة الصبيان وتقبيلهم ونحو ذلك مما لا يوجب حداً.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.