وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ مَوْقُوفَةً
Its commentaries
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ومَن ارْتَدَّ لم يَزُلْ مِلْكُه، بل يكونُ مَوْقوفًا، وتَصَرُّفاتُه مَوْقوفةً، فإن أسْلَمَ، ثَبَت مِلْكُه وتَصَرُّفاتُه، وإلَّا بَطَلَتْ) لا يُحْكَمُ بزَوالِ مِلْكِ المُرْتَدِّ برِدَّتِه، في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العلمِ. [قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنهم مِن أهلِ العلمِ]. فعلى هذا، إن قُتِلَ أو ماتَ، زال مِلْكُه بمَوْتِه،
وإن راجَعَ الإِسلامَ، فمِلْكُه باقٍ له. فعلى هذا، تَصَرُّفاتُه في رِدَّتِه بالبَيعِ والهِبَةِ والعِتْقِ والتَّدْبيرِ والوَصِيَّةِ ونحو ذلك مَوْقُوفَةٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا أنَّ تصَرُّفَه كان صَحِيحًا،
فإن قُتِلَ أو مات، كان باطِلًا. [وهذا الذي قاله الشَّريفُ أبو جَعْفَرٍ عَن أحمدَ. وهو قولُ أبي حَنيفةَ. وأحدُ قَوْلَي الشافِعيِّ].
وقال [أبو بكرٍ]: يزولُ مِلْكُه بِرِدَّتِه،
فإن راجَعَ الإِسلامَ رُدَّ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأنَفًا، لأنَّ عِصْمَةَ نَفْسِه ومالِه إنَّما تَثْبُتُ بإسْلامِه، فزَوالُ إسلامِه يُزِيلُ عِصْمَتَهما، كما لو لَحِقَ بدارِ الحَرْبِ، ولأنَّ المسلمين مَلَكُوا إراقَةَ دَمِه برِدَّتِه، فوَجَب أن يَمْلِكُوا أمْواله بها .
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ: مالُه مَوْقُوفٌ، إن أسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقاءَ مِلْكِه،
وإن ماتَ أو قُتِلَ تَبَيَّنَّا زَواله مِن حينَ رِدَّتِه. قال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ: هذا ظاهِرُ كلام أحمدَ. وعن الشافعيِّ الأقْوالُ الثَّلاثةُ. ولَنا، أنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَه [فَلم يَزُلْ مِلْكُه به] كزِنَى المُحْصَنِ، وقَتْلِ مَن يُكافِئُه عَمْدًا، لا يَلْزَمُ منه زَوالُ المِلْكِ، بدَليلِ الزَّاني المُحْصَنِ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، [وأهْلِ الحَرْبِ]،
فإنَّ مِلْكَهم ثابِتٌ مع عَدَم عِصْمَتِهم،
ولو لَحِقَ المُرْتَدُّ بدارِ الحَرْبِ، لم يَزُلْ مِلْكُه، لكنْ يُباحُ لكَلِّ أحَدٍ قَتْلُه بغيرِ اسْتِتابَةٍ، وأخْذُ مالِه لِمَن قَدَر عليه، لأنَّه صارَ حَرْبِيًّا، حُكْمُه حُكْمُ أهْلِ الحَرْبِ.
ولو ارْتَدَّ جماعةٌ وامْتَنَعوا في دَارِهم عن طاعةِ الإِمامِ، زالتْ عِصْمَتُهم في أنْفُسِهم وأموالِهم، لأنَّ الكُفَّارَ الأصْليِّينَ لا عِصْمَةَ لهم في دارِهم، فالمُرْتَدُّونَ أَوْلَى.
فصل: فأمَّا على قولِ أبي بكرٍ، فتَصرُّفُ المُرْتَدِّ باطِلٌ؛ لأنَّ مِلْكَه قد زَال برِدَّتِه. وهذا أحَدُ أقوالِ الشافعيِّ. وعن الشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّه إن تَصَرَّفَ قبلَ الحَجْرِ عليه، انْبَنَى على الأقْوالِ الثلاثةِ،
وإن تَصَرَّفَ بعدَ الحَجْرِ عليه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه كالسَّفِيهِ. ولَنا، أنَّ مِلْكَه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِه مع بَقاءِ مِلْكِه فيه، فكان تَصَرُّفُه مَوْقُوفًا، كتَبَرُّعِ المريضِ.
فصل: وإن تَزَوَّجَ، لم يَصِحَّ تَزَوُّجُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على النِّكاحِ، وما مَنَع الإِقْرارَ على النِّكاحِ، مَنَع انعِقادَه، كنِكاحِ الكافِرِ المُسْلِمَةَ.
وإن زَوَّجَ مُولِّيَتَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ولَايتَه على مُولِّيَتِه قد زالتْ برِدَّتِه،
وكذلك إن زَوَّجَ أمَتَه؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يكونُ مَوْقُوفًا، ولأنَّ النِّكاحَ وإن كان في الأمَةِ فلا بُدَّ في عَقْدِه من ولَايةٍ صَحِيحَةٍ، بدَليلِ أنَّ المرأةَ لا يجوزُ أن تُزَوِّجَ أمَتَها،
وكذلك الفاسِقُ، والمُرْتَدُّ لا ولايَةَ له، فإنَّه أدْنَى حالًا من الفاسِقِ الكافِرِ .
فصل: ويُؤْخَذُ مَالُ المُرْتَدِّ، فيُتْرَكُ عندَ ثِقَةٍ مِن المسلمين،
فإن كان له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امْرأةٍ ثِقَةٍ؛ لأنَّهُنَّ مُحَرَّماتٌ عليه، فلا يُمَكَّنُ منهنَّ. وذَكَرَ القاضي أنَّه يُؤْجَرُ عَقارُه، وعَبِيدُه، وإماؤُه. قال شيخُنا : والأوْلَى أن لا يُفْعَلَ ذلك؛ لأنَّ مُدَّةَ انْتِظارِه قَريبَةٌ، ليس في انْتِظارِه فيها ضَررٌ، فلا يُفَوَّتُ عليه مَنافِعُ مِلْكِه فيما لا يَرْضَاه من أجْلِها، فإنَّه رُبَّما راجَعَ الإِسلامَ، فيَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في مالِه بإجارَةِ الحاكِمِ له.
وإن لَحِقَ بدَارِ الحَرْبِ، أو تَعَذَّرَ قَتْلُه مُدُّةً طَويلَةً، فَعَلَ الحَاكِمُ ما يَرَى الحَظَّ فيه، مِن بَيعِ الحَيَوانِ الذي يَحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ وغيرِه، وإجارَةِ ما يَرَى إبْقَاءَه، والمُكاتَبُ يُؤَدِّي إلى الحاكمِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّه نائِبٌ عنه.
٤٥٩٥ -
(وَمَنِ ارْتَدَّ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ) أَيْ: لَا يُحْكَمُ بِزَوَالِ مِلْكِهِ، قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، لِأَنَّ الرِّدَّةَ سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَهُ، فَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِهَا، كَزِنَا الْمُحْصَنِ، لِأَنَّ زَوَالَ الْعِصْمَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ زَوَالُ الْمُلْكِ كَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ (بَلْ يَكُونُ مَوْقُوفًا، وَتَصَرُّفَاتُهُ) مِنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهِ (مَوْقُوفَةً) عَلَى الْمَذْهَبِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا: لِأَنَّهُ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ، فَكَانَ التَّصَرُّفُ فِيهِ مَوْقُوفًا، كَتَبَرُّعِ الْمَرِيضِ، وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، قَالَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ،
وَفِي " الْوَسِيلَةِ " نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: يُمْنَعُ مِنْهُ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَجُعِلَ فِي " التَّرْغِيبِ " كَلَامُ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفِ وَاحِدًا،
وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا وَغَيْرُهُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَلَمْ يَقُولُوا: يُتْرَكُ عِنْدَ ثِقَةٍ، بَلْ قَالُوا: يُمْنَعُ مِنْهُ
Says nothing on this mas’ala.
فصل [في أحكام المرتد] قال المصنف رحمه الله: (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفاً وتصرفاته موقوفة، فإن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته، وإلا بطلت. وتقضى ديونه وأروش جناياته، وينفق على من تلزمه مؤونته، وما أتلف من شيء ضمنه. ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا تضمن ما أتلفته. وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته، ولا يصح تصرفه. وإن أسلم رد إليه تمليكاً مستأنفاً) .
أما كون من ارتد لا يزول ملكه على المذهب؛ فلأن الذي وجد منه سبب يبيح الدم، وذلك لا يوجب زوال الملك. دليله الزاني المحصن والقاتل.
وأما كونه يزول ملكه على قول أبي بكر؛ فلأن عصمة نفسه وماله بالإسلام فإذا ارتد زال العاصم لهما. فوجب أن تزول عصمتهما. ولهذا لو لحق بدار الحرب أبيح دمه وماله.
ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه. فوجب أن يملكوا أخذ ماله.
والأول أصح؛ لما تقدم. وزوال العصمة لا ينفي بقاء الملك. بدليل الحربي فإنه لا عصمة له وملكه ثابت. وزوال ملك المرتد بلحوقه بدار الحرب ممنوع بل تزول عصمته،
ويباح لكلٍّ أخذه؛ كمال الحربي سواء.
فعلى هذا يكون ملكه موقوفاً فإن أسلم تبين استمرار ثبوته وإن مات أو قتل زال ملكه من حيث موته أو قتله، وعلى قول أبي بكر إذا أسلم يرد إليه ما كان له على وجه الاستئناف.
وأما كون تصرفاته من البيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة على المذهب؛ فلأنه مال تعلق به حق الغير. فكان التصرف فيه موقوفاً؛ كتبرع المريض.
وأما كونها غير صحيحة على قول أبي بكر؛ [فلأنه تصرف في غير ملك.
فعلى المذهب إن أسلم نفذ تصرفه؛ كما لو صح المريض من مرضه،
وإن قتل أو مات بطل؛ لأنه تصرف في مال تعلق به حق جماعة المسلمين. وعلى قول أبي بكر] فلا إشكال فيه.
وأما كونه تُقضى ديونه وأروش جناياته؛ فلأن ذلك حق واجب عليه.
وأما كونه ينفق على من تلزمه مؤونته؛ فلأن ذلك واجب بإيجاب الشرع. أشبه الدَّين.
وأما كون ما أتلفه من شيء في ردته يضمنه على المذهب؛ فلأن الإتلاف يوجب الضمان على المسلم. فلأن يوجبه على المرتد بطريق الأولى.
وأما كونه يتخرج في الجماعة إذا ارتدوا ولهم منعة أنها لا تضمن ما أتلفته؛ فلأنها في معنى البغاية. وتحقيقه أن الباغي إنما لم يضمن ما أتلفه؛ لأن في تضمينه ذلك تنفيراً له عن الرجوع إلى قبضة الإمام، وهذا المعنى موجود في الجماعة المرتدة الممتنعة.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.