وَعَنْهُ: إِنَّهَا نَجِسَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ إِذَا جَبَّرَ بِهِ سَاقَهُ وَالْحَمَّامُ وَالْحَشُّ وَأَعْطَانُ الْإِبِلِ وَهِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا، وَتَأْوِي إِلَيْهَا
Its commentaries
(وعنه، أنها نَجِسَةٌ) اخْتارَه القاضي؛ لأنها لا حُرْمَةَ لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُصَلَّى عليها. فعلى هذا يَكُونُ (حُكمُها حُكْمَ العَظْمَ النجِسِ) على ما بَيَّنا. ٣٤٠ - مسألة: (ولا تصِحُّ الصلاةُ في المَقْبَرة والحَمّامِ والحُشِّ وأعْطانِ الإبِلِ التى تُقِيمُ فيها وتَأوِي إليها والمَوْضِع المَغْصُوبِ. وعنه، تَصِحُّ مع التحْرِيمِ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في الصلاةِ في هذه المَواضِع؛ فرُوِيَ عنه أن الصلاةَ لا تَصِح فيها بحالٍ. رُوِيَتْ كَراهَةُ الصلاةِ في المَقْبَرَةِ عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ، وابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، والنخَعِي، وابنِ المُنْذِرِ.
ومِمن قال: لا يُصَلى في مَبارِكِ الإبِلِ. ابنُ عُمَرَ، وجابِرُ بنُ سَمرَةَ، والحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، أنَّ الصلاةَ في هذه صَحِيحَة، ما لم تَكنْ نَجِسَةً. وهو مَذْهَبُ الشَّافعيّ، وأبي حنيفةَ؛ لقولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
وفي لَفْظٍ:«فَحَيْثُمَا أدْرَكَتْكَ الصلَاة فَصَلِّ؛ فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتِّفَق عليه . ولأنه مَوْضِع طاهِرٌ، فصَحَّتِ الصَّلاةُ فيه، كالصحْراءِ. والأوْلَى ظاهِر المَذْهَبِ؛ لقَوْلِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «الأرْضُ كُلهَا مَسْجدٌ إلَّا الحَمَّامَ والمَقْبَرَةَ». رَواه أبو داودَ . وعن جابِرِ بنِ سَمرَةَ، أن رجلًا سال رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنصَلِّي في مَرابِض الغنَمِ؟ قال:«نَعَمْ». قال: أنصَلى في مَباركِ الإبِلِ؟ قال:«لَا». رَواه مسلم . وهذه الأحادِيث خاصةٌ مُقَدَّمَةٌ على عُمُوم أحادِيثِهم.
فصل: فأمَّا الحُشُّ فثَبَتَ الحُكْمُ فيه بالتنبِيهِ؛ لأنه إذا مُنِع مِن الصلاةِ في هذه المَواضِعِ، لكَوْنِها مَظانَّ النجاسَةِ، فالحُشُّ أوْلَى، لكَوْنِه مُعدًّا للنَّجاسَةِ ومَقْصُودًا لها، ولأنه قد مُنِع مِن ذِكْرِ اللهِ تعالى والكلامِ فيه، فمَنْعُ الصلاةِ فيه أوْلَى. قال شيخُنا : ولا أعْلَمُ فيه نَصًّا.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: إن كان المُصَلِّي عالِمًا بالنَّهْىٍ، لم تَصِح صَلَاتُه فيها؛ لأنه عاصٍ بالصلاةِ فيها، والمَعْصِيَةُ لا تكونُ قُرْبَة ولا طاعَةً.
وإن كان جاهِلًا، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّها لا تَصِحُّ مع العِلْمِ، فلم تَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالصلاة في مَحَل نَجِسٍ. والثانيةُ، تَصِحُّ؛ لأنه مَعْذُورٌ. فصل: ذَكَر القاضي أنَّ المَنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع تَعَبُّدٌ، فعلى هذا يَتَناوَلُ النَّهْىُ كل ما يَقع عليه الاسْمُ، فلا فرْقَ في المَقبَرَةِ بينَ الحَدِيثَةِ والقَدِيمَة، وما تَقَلَّبَتْ أترِبتها أو لم تتَقلِّبْ.
فأمَّا إن كان فيها قَبْرٌ أو قبْران، لم يُمْنعْ مِن الصلاةِ فيها، لأنه لا يَتَناوَلها الاسْمُ. [ويَحْتَمِل إلْحاقُها بما فيها أكْثَرُ مِن قَبْرَيْن؛ لأنها إنَّما سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً لكَوْنِها قد قُبِر فيها، وهذا مَوْجُودٌ في القبريْن، ولأن قَوْلَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مسَاجِد». يَتَناوَلُ ما فيه قبْرٌ واحدٌ، كذلك هذا. وعلى هذا، لو حَلَف لا يَدْخُلُ مَقْبَرةً، حَنِث بدُخُولِ ما فيه قبْران. والله أعلمُ] .
وإن نُقِلَتِ القُبُورُ ما، حازَت الصلاةُ فيها؛ لزَوالِ الاسْمِ، ولأن مَسْجِدَ رسوِلِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كانت فيه قبُورُ المُشْرِكِين، فنُبِشَتْ. مُتَّفَق عليه . ولا فرْقَ في الحَمامِ بينَ مَكانِ الغَسْلِ، والمَسْلَخِ، والأتُونِ، وكل ما يُغْلَقُ عليه بابُ الحَمّامِ؛ لتَناوُلِ الاسْمِ له. وأعْطانُ الإبِلِ هي التى تُقِيمُ فيها وتأوِي إليها.
وقيل: هي المَواضِعُ التى تُناخُ فيها إذا وَرَدَتْ. والأولُ أجْوَدُ؛ لأنه جَعَلَه في مُقابَلَةِ مُراحِ الغنَمِ. والحُشُّ الذى يُتَّخَذ للغائِطِ والبَوْلِ. فيُمْنَعُ مِن الصلاةِ فيما هو داخِلُ بابِه. قال شيخُنا : ويَحْتَمِلُ أنَّ المنْعَ مِن الصلاةِ في هذه المَواضِع مُعَلل بكَوْنِها مَظان للنجاساتِ؛
فإن المَقْبَرَةَ تُنبَشُ، ويَظْهَرُ التُّرابُ الذى فيه دِماءُ المَوْتَى وصَدِيدهم، ومَعاطِنُ الإبِلِ يُبالُ فيها،
فإنَّ البَعِيرَ البارِكَ كالجِدار؛ يستتِرُ به ويَبول، كما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، ولا يَتَحَقِّقُ هذا في غيرِها. والحَمّامُ مَوْضِعُ الأوْساخِ والبَوْلِ. فنُهِيَ عن الصلاةِ فيها لذلك وإن كانت طاهِرَةً؛ لأن المَظنَّة يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بها وإن خَفِيَتِ الحِكْمَةُ،
ومتى أمْكَنَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ، كان أوْلَى مِن قَهْرِ التَّعَبدِ. ويَدُلُّ على هذا تَعْدِيَةُ الحُكْمِ إلى الحُشِّ المسْكوتِ عنه بالتَّنْبِيه، ولابدَّ في التنبِيهِ مِن وُجُودِ مَعْنَى المَنْطوقِ، وإلَّا لم يَكُن تَنْبِيهًا. فعلى هذا يُمْكِنُ قَصْرُ الحُكْمِ على ما هو مَظِنة منها. فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ في مَوْضِع المَسْلَخِ مِن الحَمّامِ، ولا في سَطْحِه؛ لعَدَمِ المَظنةِ فيه،
وكذلك ما أشْبَهَه. والله أعلمُ.
فصل: ولا تَصِحُّ الصلاةُ في المَوْضِع المَغْصُوبِ في أظْهِرِ الروايَتَيْن، وأحَدِ قَوْلَى الشافعيّ. والروايَةُ الثانيةُ، تَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والقولُ الثاني للشافعي؛ لأن النهْىَ لا يَعُودُ إلى الصلاةِ، فلم يَمْنع صِحتَها، كما لو صَلَّى وهو يَرَى غَرِيقًا يُمْكنُه إنْقاذُه، فلم يُنْقِذْه، أو مَطَل غريمَه الذى يُمْكنُه إيفاؤه وصَلَّى. ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الصلاةَ عِبادَةٌ، أتى بهِا على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنه، فلم تَصِحَّ، كصلاةِ الحائض؛
فإنْ حَرَكاتِه مِن القِيامِ والركُوعِ والسجُودِ أفْعالٌ اخْتِيارِية، هو مَنْهِي عنها عاص بها، فكيف يكُونُ مُطِيعًا بما هو عاص به.
فأمّا مَن رَأى الغَرِيقَ فليس بمَنْهي عن الصلاةِ، إنما هو مَأمُورٌ بالصلاةِ وإنْقاذِ الغرِيقِ، وأحَدُهما آكَدُ مِن الآخَرِ.
أمَّا في مسألتِنا، فإن أفْعالَ الصلاةِ في نَفْسِها مَنْهِيّ عنها. إذا ثَبَت هذا, فلا فَرْقَ بينَ غَصْبِه لرَقبة الأرْض، أو دَعْواه مِلْكيتها، وبينَ غَصْبِه مَنافِعَها، بأن يَدعِيَ إجارَتَها ظُلْمًا ، أو يَضَعَ يَدَه عليها مُدة ويُخْرِجَ ساباطًا في مَوْضع لا يَحِل له، أو يَغْضبِ راحِلَةً ويُصَلىَ عليها، أو سَفِينَة ويصلِّيَ فيها، أو لَوْحًا فيَجْعَلَه سَفِينَةً ويُصَلِّيَ عليه، كل ذلك حُكمُه في الصلاةِ حُكْمُ الدار المَغْصُوبَةِ على ما بَيَّناه. فصل: قال أحمدُ: يُصَلى الجُمُعَةَ في مَوْضِعِ الغَصْبِ.
يَعْنِي إذا كان الجامع أو بَعْضُه مَغْصُوبًا، صَحتِ الصلاةُ فيه؛ لأنَّ الجُمُعَةَ تَخْتَصُّ ببُقْعَةٍ،
فإذا صَلّاها الإمامُ في المَوْضِعِ المَغْصُوبِ، فامْتَنَع النّاسُ مِن الصلاةِ فيه، فاتَتْهم الجُمُعَةُ،
وكذلك مَن امْتَنَع فاتَتْه، ولذلك أبِيحَتْ خلفَ الخَوارِجِ والمُبْتَدِعَةِ، وصَحَّتْ في الطُّرقِ لدُعاءِ الحاجَةِ إليها،
وكذلك الأعْيادُ والجِنازَةُ.
فصل: وتُكْرَه في مَوْضِعَ الخَسْفِ. قالَه أحمدُ: لأنه مَوْ ضِعٌ مَسْخوطٌ عليه، وقد قال النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لأصحابِه يومَ مَرَّ بالحِجْرِ : «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤلَاءِ المُعَذبِينَ، إلَّا أنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أصَابَهُمْ». ولا بَأسَ بالصلاةِ في الكَنِيسَةِ النظِيفَةِ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وأبي موسى؛ وهو قول الحسنِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والشعْبِي، والأوْزاعِي. وكَرِه ابنُ عباس ومالكٌ الكنائِسَ؛ لأجْلِ الصُّوَرِ.
وقال ابنُ عَقِيل: تُكْره الصلاةُ فيها؛ لأنه كالتَّعْظِيمِ والتبجِيلِ لها،
وقِيل: لأنه يُضِر بهم. ولَنا، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صلَّى في الكَعْبَةِ وفيها صُوَر ، ثم قد دَخَلتْ في عُمُومِ قولِه -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَأيْنَمَا أدْرَكتكَ المملَاةُ فَصَل، فَإنهُ مَسْجِدٌ». مُتَّفق عليه . ٣٤١ -
(وَعَنْهُ: إِنَّهَا نَجِسَةٌ) اخْتَارَهَا الْقَاضِي، لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَقَدْ أُبِينَتْ مِنْ حَيٍّ فَتَكُونُ نَجِسَةً (حُكْمُهَا حُكْمُ الْعَظْمِ النَّجِسِ إِذَا جَبَّرَ بِهِ سَاقَهُ) لِتَسَاوِيهِمَا حِينَئِذٍ فِي أَصْلِ النَّجَاسَةِ،
وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَتِ السِّنُّ وَغَيْرُهَا، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ،
وَإِنْ ثَبَتَتْ وَتَرَيَّحَ أَوْ تَغَيَّرَ فَهُوَ نَجِسٌ يُؤْمَرُ بِقَلْعِهِ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى قَبْلَ زَوَالِهِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فَإِنَّهُ يُزِيلُهُ، وَيُعِيدُ مَا صَلَّى بِهِ فِي الْأَصَحِّ،
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": أَصْلُهُمَا الرِّوَايَتَانِ فِي نَجَاسَتِهِ.
فَرْعٌ: إِذَا جَعَلَ مَوْضِعَ سِنِّهِ سِنَّ شَاةٍ مُذَكَّاةٍ، فَصَلَاتُهُ مَعَهُ مُجْزِئَةٌ ثَبَتَتْ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ.
وَصِلَةٌ: وَصْلُ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " أَوْ شَعْرِ غَيْرِهَا بِشَعْرٍ حَرَامٍ، لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَلْعُونٌ،
وَقِيلَ: يُكْرَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا بَأْسَ بِوَصْلِهِ بِقَرَامِلَ، وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ،
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ رَجَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَبَعْدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ،
وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَالْأَيِّمُ وَذَاتُ الزَّوْجِ سَوَاءٌ،
وَقِيلَ: لَا بَأْسَ بِإِذْنِ زَوْجٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَ شَعْرَ أَجْنَبِيَّةٍ فِي حِلِّ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَجْهَانِ،
وَإِنْ كَانَ شَعْرَ بَهِيمَةٍ كُرِهَ،
ثُمَّ إِنْ كَانَ الشَّعْرُ نَجِسًا لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ مَعَهُ فِي الْأَشْهَرِ،
وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا، وَقُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَفِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ مَعَهُ وَجْهَانِ.
[الْأَمَاكِنُ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا] (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ) هِيَ بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ، لَكِنْ بِفَتْحِهَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَبِضَمِّهَا الْمَشْهُورُ، وَبِكَسْرِهَا قَلِيلٌ، وَالشَّيْءُ إِذَا كَثُرَ فِي مَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى مِنِ اسْمِهِ كَقَوْلِهِمْ: أَرْضٌ مَسْبَعَةٌ إِذَا كَثُرَ فِيهَا السِّبَاعُ (وَالْحَمَّامُ) مُشَدَّدٌ وَاحِدُ الْحَمَّامَاتِ الْمَبْنِيَّةِ (وَالْحَشُّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمَّهَا الْبُسْتَانُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَخْرَجِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ، فَسُمِّيَتِ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا بِذَلِكَ (وَأَعْطَانُ الْإِبِلِ) وَاحِدُهَا عَطَنٌ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهِيَ الْمَعَاطِنُ الْوَاحِدُ مَعْطِنٌ بِكَسْرِهَا (وَهِيَ الَّتِي تُقِيمُ فِيهَا، وَتَأْوِي إِلَيْهَا) قَالَهُ أَحْمَدُ،
وَقِيلَ: مَكَانُ اجْتِمَاعِهَا إِذَا صَدَرَتْ عَنِ الْمَنْهَلِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: وَمَا تَقِفُ فِيهِ لِتَرِدَ الْمَاءَ،
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَرَاحِ الْغَنَمِ لَا نُزُولِهَا فِي سَيْرِهَا. قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ لِعَلَفِهَا لِلنَّهْيِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ،
وَقَالَ: أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ،
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ، وَالْمَنْعُ مِنْهَا تَعَبُّدٌ، فَيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ،
وَفِي آخَرَ بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النَّجَاسَةِ، فَأُقِيمَتْ مَقَامَهَا،
وَظَاهِرُهُ أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا تَصِحُّ فِي الْمَقْبَرَةِ كَغَيْرِهَا، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، ذَكَرَهَا السَّامِرِيُّ، وَفِي ثَالِثَةٍ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ: صِحَّتُهَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَثْنَى، وَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ، تَكَرَّرَ نَبْشُهَا أَوْ لَا، وَلَا يَضُرُّ قَبْرَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا الِاسْمُ،
وَقِيلَ: بَلَى، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَظْهَرُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ تُسَمَّى مَقْبَرَةً أَمْ لَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخَشْخَاشَةَ فِيهَا جَمَاعَةُ قَبْرٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَمْنَعُ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِدَارِهِ مَوْتَى، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي مسَلخ حَمَّامٍ،
وَمِثْلُهُ أَتُونُهُ، وَمَا تَبِعَهُ فِي بِيَعٍ، وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّلَاةَ فَوْقَ الْحَمَّامِ،
وَالصَّحِيحُ: قَصْرُ النَّهْيِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ،
وَأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إِنْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ،
وَإِنْ عُلِّلَ فَإِنَّمَا يُعَلَّلُ بِمَظِنَّةِ النَّجَاسَةِ، وَلَا يُتَخَيَّلُ هَذَا فِي أَسْطِحَتِهَا، لَكِنْ يُصَلَّى فِيهَا لِلْعُذْرِ،
وَفِي الْإِعَادَةِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِيهَا مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ،
وَلَوْ فَاتَ الْوَقْتُ، وَالْحَشُّ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِالتَّنْبِيهِ لِكَوْنِهِ مُعَدًّا لِلنَّجَاسَةِ، وَمَقْصُودًا لَهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى،
وَمِنَ الْكَلَامِ فِيهِ، فَمَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ أَوْلَى،
وَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": لَا أَعْلَمُ فِيهِ نَصًّا
Says nothing on this mas’ala.
قال: (ولا تصح الصلاة في المقبرة، والحمام، والحش، وأعطان الإبل التي تقيم فيها وتأوي إليها، والموضع المغصوب. وعنه تصح مع التحريم.
وقال بعض أصحابنا: حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك).
أما كون الصلاة في المقبرة والحمام لا تصح على الصحيح من المذهب؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم:«الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» رواه أبو داود.
وأما كونها في الحش لا تصح؛ فلأن احتمال النجاسة فيه أكثر من المقبرة والحمام فالمنع من الصلاة فيهما
تنبيه على المنع من الصلاة فيه.
وأما كونها في أعطان الإبل لا تصح؛ فلما روى جابر بن سمرة «أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنصلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم. قال: أنصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا» رواه مسلم.
وأما كون أعطان الإبل هي التي تقيم فيها وتأوي إليها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الأعطان مقابلة مراح الغنم حين قال:«صلوا في مراح الغنم ولا تصلوا في مبارك الإبل».
والمراح: هو الذي يراح إليه ويستراح فيه فكذلك الأعطان.
وأما كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح؛ فلأن قيامه وقعوده ولبثه فيه محرم منهي عنه فلم تقع عبادة كالصلاة في زمن الحيض. وكلام المصنف رحمه الله في كون الصلاة في الموضع المغصوب لا تصح يقتضي التعميم سواء كانت جمعة أو غيرها. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على صحة الجمعة في الموضع المغصوب؛ لأنها تختص بموضع معين. والمنع من الصحة يفضي إلى تعطيلها. ولذلك جاز فعلها خلف الخوارج وأهل البدع والفجور.
بخلاف باقي الصوات.
فعلى هذا يجب تخصيص كلام المصنف رحمه الله هنا بالصلوات المفروضات والنوافل وما أشبه ذلك مما ليس بجمعة.
وأما كون الصلاة فيما ذكر تصح على روايةٍ: أما فيما عدا الموضع المغصوب؛ فلأن الصلاة في ذلك كله كالصلاة في الموضع المغصوب لاشتراكهما في النهي. وسيأتي دليل صحتها فيه فيما بعد. فيجب أن تصح فيما ذكر لاشتراكهما فيما ذكر.
وأما في الموضع المغصوب؛ فلأنه لم ينقل عن أحد من السلف والخلف أنهم أمروا الظلمة بإعادة ما صلوا في المواضع المغصوبة ولو لم يصح لأمروهم بذلك.
ولأن النهي لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب.
وأما قول المصنف رحمه الله: مع التحريم؛ فتنبيه على أن تحريم الصلاة في المواضع المذكورة لا خلاف فيه وإن اختلف في الصحة؛ لأن النهي ورد
وظاهره التحريم.
وأما كون حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق حكم المقبرة على قول بعض الأصحاب فلما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها: ظهر بيت الله، والمقبرة ، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل، ومحجة الطريق» رواه ابن ماجة.
ولأن المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق مظان للنجاسة أشبهت الحش والحمام.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن الصلاة في المواضع الثلاثة صحيحة عنده.
وقال في المغني: هو قول أكثر أهل العلم. وعلله بأن قوله عليه السلام:«جعلت لي الأرض مسجداً» صحيح متفق عليه. استثني منه المقبرة والحمام والمعاطن للأحاديث الواردة فيها فيبقى فيما عداها على العموم.
ثم قال: حديث المواضع السبعة رواه العمري وزيد بن جبيرة وقد تكلم فيهما من قبل حفظهما.
فإن قيل: ما المراد بالمواضع المذكورة؟
قيل: المجزرة هي موضع ذبح البهائم، والمزبلة: هي التي تجمع فيها الزبل، وقارعة الطريق: هي الطريق الجادة المسلوكة السابلة. وليس المراد كل طريق لأنه لا يخلو موضع من المشي فيه.
ولأن قارعة الطريق إنما سميت بذلك لكثرة قرع الأقدام لها وذلك مفقود في كل طريق.
وأما كون حكم أسطحة ما ذكر حكم المقبرة؛ فلأن سطح الشيء له حكم أسفله؛ لأن الجنب يُمْنع من اللبث على سطح المسجد.
والضمير في قوله: وأسطحتها يحتمل عوده إلى المواضع الثلاثة المذكورة.
قيل: ويحتمل عوده إلى جميع مواضع النهي. وهو ظاهر كلام المصنف رحمه الله في المغني. لأنه نقل عن القاضي أنه علل المنع من الصلاة على ساباط شيء على طريق نافذ بأن العلو تابع للقرار فيثبت فيه حكمه. ثم قال: وعُدي الحكم إلى جميع أسطحة مواضع النهي.
وقال صاحب النهاية بعد ذكره المسألة المذكورة: وطرد القاضي هذا في المواطن كلها.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أن حكم الأسطحة ليس حكم القرار. وصرح به في المغني فقال: الأولى قصر الحكم على ما يتناوله النهي فلا يتعداه إلى سطح ولا ما سواه؛ لأنه لا يتناوله ولا يُتخيل فيه معنى.
ولو علل بالتبعية لم يمنع من الصلاة على الساباط الذي على النهر لكون القرار لا يمنع من الصلاة عليه في سفينة. ولكان ينبغي أن تصح الصلاة على ما حاذى ميمنة الطريق وميسرتها من الساباط لكونه لا يمنع من الصلاة في قرار ذلك.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.