وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إِلَّا لَهُ أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ
Its commentaries
مسألة: (ولا يَجُوزُ الكَلامُ والإِمامُ يَخْطُبُ، إلّا له، أو لمَن كَلَّمَه) يَجِبُ الإِنْصاتُ مِن حينِ يَأْخُذُ الإِمامُ في الخُطْبَةِ، فلا يَجُوزُ الكلامُ لمَن حَضَرَها، نَهَى عن ذلك عثمانُ، وابنُ عمرَ.
وقال أبو مسعودٍ: إذا رَأيْتَه يَتَكَلَّمُ، والإِمامُ يخطُبُ، فاقْرَعْ رَأْسَه بالعَصا. وكَرِهَ ذلك عامَّةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والأوْزاعِىُّ. وعن أحمدَ؛ لا يَحْرُمُ الكَلامُ. وكان سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، وأبو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُون والحَجَّاجُ يَخْطُبُ.
وقال بعضُهم: إنَّا لم نُؤْمَرْ أن نُنْصِتَ لهذا. وللشافعىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن. واحْتَجَّ مَن أجازَه بما روَى أنَسٌ، قال: بينَما النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إذْ قامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَك الكُراعُ ، هَلَك الشَّاءُ ، فَادْعُ اللَّهَ أن يَسْقِيَنا. وذَكَر الحديثَ. مُتَّفَقٌ عليه . ورُوِىَ أنَّ رجلًا قام والنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، متى السَّاعَةُ؟ فأعْرَضَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأوْمَأَ النَّاسُ إليه بالسُّكُوتِ، فلم يَقْبَلْ وأعادَ الكَلامَ، فلمَّا كان الثَّالِثَةُ، قال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «ويْحَكَ مَاذَا أعْدَدْتَ لَهَا؟».
قال: حُبَّ اللَّهِ ورسولِه. قال:«إنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». فلم يُنْكِرْ عليه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كَلامَه،
ولو حَرُم لأنْكَرَه. ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، والإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». مُتَّفَقٌ عليه . وعن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أسْفَارًا، وَالَّذِى يَقُولُ لَهُ أنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ». رَواه الإِمامُ أحمدُ . وعن أُبَىِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَرَأ يومَ الجُمُعَةِ «تَبَارَكَ» وهو قائِمٌ فذَكَّرَنا بأيَّامِ اللَّهِ، وأبو الدَّرْداء أو أبو ذَرٍّ يَغْمِزُنِى، فقالَ: متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ، إنِّى لم أسْمَعْها إلَّا الآنَ؟
فأشارَ إليه، أنِ اسْكُتْ، فلمَّا انْصَرَفُوا، قال: سَأَلْتُكَ متى أُنْزِلَتْ هذه السُّورَةُ فلم تُخْبِرْنِى. فقالَ أُبَىٌّ: ليس لك مِن صَلاتِك اليومَ إلَّا ما لَغَوْتَ. فذَهَبَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فذَكَرَ له ذلك، وأخْبَرَه بالذى قال أُبَىٌّ، فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صَدَقَ أُبَىٌّ». رَواه عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ، وابنُ ماجَه . وما احْتَجُّوا به، فالظَّاهِرُ أنَّه مُخْتَصٌّ بمَن كَلَّمَ الإِمامَ، أو كَلَّمَه الإِمامُ؛ لأنَّه لا يَشْتَغِلُ بذلك عن سَماعِ خُطْبَتِهِ،
وكذلك سَأَل النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- الذى دَخَل:«هَلْ صَلَّيْتَ؟». فأجابَه. وسَأل عمرُ عثمانَ، فأجابَه. فتَعَيَّنَ جَمْلُه على ذلك، جَمْعًا بينَ الأخْبارِ،
ولا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه؛ لأنَّ كلامَ الإِمامِ لا يَكُونُ في حالِ خُطْبَتِه،
بخِلافِ غيرِه، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ تَرَجَّحَتْ أحادِيثُنا؛ لأنَّها قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ونَصُّه، وذلك سُكُوتُه، والنَّصُّ أقْوَى.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ القَرِيبِ والبَعِيدِ؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْناه. وقد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: مَن كان قَرِيبًا يَسْمَعُ ويُنْصِتُ،
ومَن كان بَعِيدًا يُنْصِتُ؛ فإنَّ للمُنْصِتِ الذى لا يَسْمَعُ مِن الحَظِّ ما للسامِعِ. وقد روَى عبدُ اللَّهِ بنُ عَمْروٍ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال:«يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفرٍ؛ رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو، فَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، إنْ شَاءَ أعْطَاهُ، وَإنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بإنْصَاتٍ وَسُكوُتٍ، وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِى تَلِيهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاَثَةِ أيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ .
وقال القاضى: يَجِبُ الإِنْصاتُ على السَّامِعِ،
ويُسْتَحَبُّ لمَن لا يَسْمَعُ؛ لأنَّ الإِنْصاتَ إنَّما وَجَب لأجْلِ الاسْتِماعِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ. وللبَعِيدِ أن يَذْكُرَ اللَّهَ تَعالَى، ويَقْرَأَ القرآنَ، ويُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا يَرْفَعُ صَوْتَه. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما بينَه وبينَ نفسِه. ورَخَّصَ له في القِراءَةِ والذِّكْرِ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعىُّ، وليس له رَفعُ صَوْتِه، ولا المُذاكَرَةُ في الفِقْهِ، ولا الصلاةُ، ولا أن يَجْلِسَ في حَلْقَةٍ.
قال ابنُ عَقِيلٍ: له صلاةُ النَّافِلَةِ، والمُذاكَرَةُ في الفِقْهِ. ولَنا، عُمُومُ الأحاديثِ المَذْكُورَةِ، وأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن الحِلَقِ يَوْمَ الجُمُعَةِ قبلَ الصَّلاةِ. ولأنَّه إذا رَفَع صَوْتَه مَنَع مَن هو أقْرَبُ منه مِن السَّماعِ وآذاه بذلك، فيَكُونُ عليه إثْمُ مَن يُؤْذِى المسلمين، وصَدَّ عن ذِكْرِ اللَّهِ تَعالَى. وهل ذِكْرُ اللَّه سِرًّا أفْضَلُ أو الإِنْصاتُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الإِنْصاتُ أفْضَلُ؛ لحديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ، وقولِ عُثمانَ. والثَّانِى، الذِّكْرُ أَفْضَلُ؛
لأنَّه يَحْصُلُ ثَوابُ الذِّكْرِ مِن غيرِ ضَرَرٍ، فكانَ أفْضَلَ، كقَبْلِ الخُطْبَةِ.
فصل: فأمَّا الكَلامُ على الخَطِيبِ، أو مَن كَلَّمَه فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَأَل سُلَيْكًا الدَّاخِلَ وهو يَخْطُبُ:«أصَلَّيْتَ؟» قال: لا . وسَأَل عمرُ عثمانَ حينَ دَخَل وهو يَخْطُبُ، فأجابَه عثمانُ. ولأنَّ تَحْرِيمَ الكَلامِ عليه، لاشْتِغالِه بالإنْصاتِ الواجِبِ، وسَماعِ الخُطْبَةِ، ولا يَحْصُلُ ههُنا، وسَواءٌ سَأَلَه الخَطِيبُ فأجابَه، أو كَلَّمَ بعضُ النَّاسِ الخَطِيبَ لحاجَةٍ ابْتِداءً؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَيْن قبلُ.
فصل: وإذا سَمِع مُتَكَلِّمًا لم يَنْهَه بالكَلامِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ». ولكن يُشِيرُ إليه، ويَضَعُ أُصْبُعَه على فِيهِ. كما رَوَيْنا عن أُبَىٍّ. وهذا قولُ زيدِ بنِ صُوحانَ ، وعبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ. وكَرِه الإِشارَةَ طَاوُسٌ. ولَنا، أنَّ الذى قال للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: متى السَّاعَة؟ أَوْمَأَ إليه النَّاسُ بالسُّكُوتِ بحَضْرَةِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلم يُنْكِرْ عليهم، ولأنَّ الإِشارَةَ تَجُوزُ في الصَّلاةِ للحاجَةِ التى يُبْطِلُها الكلامُ، فجَوازُها في الخُطْبَةِ أوْلَى.
فصل: فأمَّا الكلامُ الواجِبُ؛ كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ مِن البِئْرِ، أو مَن يَخافُ عليه نارًا، أو حَيَّةً، ونَحْوَ ذلك، فلا يَحْرُمُ؛ لأنَّ هذا يَجُوزُ في نَفْسِ الصَّلاةِ مع فَسادِها به، فهُنا أَوْلى.
فأمَّا تَشْمِيتُ العاطِسِ، ورَدُّ السَّلامِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْدَاهما، يَجُوزُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ: يَرُدُّ الرجلُ السَّلامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ فقالَ: نعم، والإِمَامُ يَخْطُبُ.
وقال أبو عبدِ اللَّهِ: قد فَعَلَه غيرُ واحِدٍ. [قال ذلك غيرَ مَرَّةٍ]. ومِمَّن يُرَخِّصُ فيه الحسنُ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ هذا واجِبٌ فوَجَبَ الإِتْيانُ به في الخُطْبَةِ لحَقِّ الآدَمِىِّ، فهو كتَحْذِيرِ الضَّرِيرِ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، إن كان لا يَسْمَعُ، رَدَّ السَّلامَ وشَمَّتَ العَاطِسَ،
وإن كان يَسْمَعُ، فليس له ذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبى داودَ. قلتُ لأحمدَ: يَرُدُّ السَّلامَ والإِمامُ يَخْطُبُ، ويُشَمِّتُ العاطِسَ؟ قال: إذا كان لا يَسْمَعُ الخُطْبَةَ فيَرُدُّ،
وإذا كان يَسْمَعُ فلا. قال اللَّهُ تعالى:{فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا}. قِيلَ له: الرجلُ يَسْمَعُ نَغَمَةَ الإِمامِ بالخُطْبَةِ، ولا يَدْرِى ما يقولُ، أيَرُدُّ السَّلامَ؟ قال: لا. ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ؛ وذلك لأنَّ الإِنْصاتَ واجِبٌ، فلم يَجُزِ الكَلامُ المَانِعُ منه، مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كالأَمْرِ بالإِنْصَاتِ،
بخِلافِ مَن لا يَسْمَعُ. وقال القاضى: لا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ. ورُوىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، وأصحابِ الرَّأْىَ. واخْتُلِفَ فيه عن الشافعىِّ. فيَحْتَمِلُ قولُ القاضى أن يَكُوْنَ مُخْتَصًّا بمَن يَسْمَعُ، فيكونُ مثلَ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عامًّا في الجَمِيع؛ لأنَّ وُجُوبَ الإِنْصاتِ شامِلٌ لهم، فأشْبَهُوا السَّامِعِينَ.
ويَجُوزُ أن يَرُدَّ على المُسَلِمِ بالإِشارَةِ. ذَكرَه القاضى في «المُجَرِّدِ»؛ لأنَّه يَجُوزُ في الصَّلاةِ، فَههُنا أَوْلَى.
٦٧٢ -
(وَلَا يَجُوزُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَصَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ «مَنْ قَالَ: صَهٍ، فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ:«وَالَّذِي يَقُولُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، وَلِقَوْلِهِ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ «إِذَا سَمِعْتَ إِمَامَكَ يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، سَمِعَ الْخُطْبَةَ أَوْ لَا،
وَقِيلَ: وَحَالَةُ الدُّعَاءِ الْمَشْرُوعِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ عَلَى سَامِعٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمْعٌ،
وَعَنْهُ: يُكْرَهُ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يُبَاحُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، كَتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ، وَتَشْمِيتِ عَاطِسٍ، وَرَدِّ السَّلَامِ نُطْقًا كَإِشَارَتِهِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ الضَّرِيرَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ،
وَالثَّانِي: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ نُطْقًا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ إِذَا ذُكِرَ كَالدُّعَاءِ اتِّفَاقًا، وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِذِكْرِ اللَّهِ خُفْيَةً،
وَقِيلَ: بَلْ سُكُوتُهُ أَفْضَلُ، فَيَسْجُدُ لِتِلَاوَةٍ،
وَفِي " الْفُصُولِ " إِنْ بَعُدَ، وَلَمْ يَسْمَعْ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ جَازَ أَنْ يَقْرَأَ،
وَأَنْ يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ، وَلِمَنْ يَسْمَعُ تَسْكِيتُ الْمُتَكَلِّمِ إِشَارَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٌ كَكَلَامِهِ (إِلَّا لَهُ أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لِمَصْلَحَةٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ـ كَلَّمَ سُلَيْكًا، وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ، «وَسَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ ـ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ـ الِاسْتِسْقَاءَ» ،
وَعَنْهُ: يُكْرَهَانِ، وَلَا مَنْعَ، كَأَمْرِ إِمَامٍ بِمَعْرُوفٍ
ولا يجوزُ مع عَدَمِها. يعْنِى، لا يجوزُ إقامَتُها فى أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ واحدٍ، إذا لم يكُن حاجَةٌ. وهذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. قال فى «النُّكَتِ»: هذا هو المعْروفُ فى المذهبِ.
وعنه، يجوزُ مُطْلَقًا. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وحمَله القاضى على الحاجَةِ.
فائدتان؛ إحْداهما، الحاجَةُ هنا الضِّيقُ، أو الخَوفُ مِن فِتْنَةٍ أو بُعْدٍ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ فى «الفُصولِ»: إنْ كان البَلَدُ قِسْمَيْن بينَهما نائِرَةٌ ، كان عُذْرًا أَبْلَغَ مِن مشَقَّةِ فَإِنْ فَعَلُوا فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِىَ الصَّحِيحَةُ، الازْدِحامَ. الثَّانيةُ، الحُكْمُ فى العيدِ فى جَوازِ صلاتِه فى مَوْضِعَيْن فأكثرَ، والاقْتِصارِ على مَوْضِعٍ مع عدَمِ الحاجَةِ، كالجُمُعَةِ. قالَه ابنُ عَقِيلٍ. واقْتَصَر عليه فى «الفُروعِ».
ولا يجوزُ الكَلامُ والإِمامُ يخطُبُ، إلَّا له، أو لِمَن كلَّمه. الكلامُ تارَةً يكونُ بينَ الإِمامِ وبينَ مَن يكَلِّمُه، وتارَةً يكونُ بينَ غيرِهما؛
فإنْ كان بينَ الإِمامِ وغيرِه، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، إباحَةُ ذلك، إذا كان لمَصْلَحةٍ، وعليه أكثرُ الأصحابِ.
وعنه، يُكْرَهُ لهما مُطْلَقًا. وعنه، يُباحُ لهما مُطْلَقًا. وهو ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، وجماعةٍ مِنَ الأصحاب. وجزَم به فى «الوَجيزِ».
وإنْ كان الكَلامُ مِن غيرِهما، فقدَّم المُصَنِّفُ التَّحْريمَ مُطْلَقًا. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال فى «التَّلْخيصِ»، و «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: لا يجوزُ فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. جزَم . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
به فى «الوَجيزِ». وقدَّمه فى «الخُلاصَةِ»، وابنُ تَميمٍ فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم.
وعنه، يَحْرُمُ على مَن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يسْمَعُ دونَ غيرِه. اخْتارَه جماعةٌ؛ منهم القاضى. وجزَم به فى «الإِفاداتِ».
وعنه، يُكْرَهُ مُطْلَقًا. وعنه، يجوزُ.
فائدة: قال فى «النُّكَتِ»: ورِوايَةُ عدَم التَّحْريمِ على ظاهِرِها، عندَ أكثرِ الأصحابِ.
وقال أبو المَعالِى: وهذا محْموَلٌ على الكَلِمَةِ والكَلِمتَيْن؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بسَماعِ الخُطْبَةِ، ولا يُمْكِنُه التَّحَرُّزُ مِن ذلك غالِبًا، لاسِيَّما إذا لم يَفُتْه سَماعُ أرْكانِها.
تنبيه: ظاهرُ قولِه: والإِمامُ يخْطُبُ. أنَّ الكلامَ يجوزُ بينَ الخُطْبَتَيْن إذا سكَت. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والصَّحيحُ، أنَّ الكلامَ بينَهما يُباحُ، وهو أحَدُ الوُجوهِ. قال المَجْدُ: هذا عندِى أصحُّ وأقْيَسُ. وقدَّم ابنُ رَزِينٍ الجَوازَ؛ قال: لأنَّه ليس بخاطِبٍ.
وقيل: يُكْرَهُ. وقيل: يحْرُمُ. وهو ظاهرُ كلامِ القاضى. قالَه فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». وأطْلَقَهُنَّ فى «الفُروعِ»، و «الحَواشِى». وأطْلَقَ الثَّانى والثَّالثَ فى «الفائقِ». قال فى «الرِّعايتَيْن»: فى كراهَتِه بينَ الخُطْبَتَيْن وَجْهان. قال فى «الحاوِيَيْن»: وفى الكلامِ بينَ الخُطْبتَيْن وَجْهان، وفى إباحَتِه فى الجُلوسِ بينَ الخُطْبتَيْن وَجْهان. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
فوائد؛ الأُولَى، لو تنفَّس الإِمامُ فهو فى حُكْمِ الخُطْبَةِ. ووجَّه فى «الفُروعِ» احْتِمالًا بالجَوازِ حالَةَ التَّنَفُّسِ. الثَّانيةُ، لا يَحْرُمُ الكلامُ، إذا شرَع الخَطيبُ فى الدُّعاءِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وقد يَحْرُمُ مُطْلَقًا. وأطْلقَهما فى «الكافِى»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «النَّظْمِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . .
وقيل: يَحْرُمُ فى الدُّعاءِ المشْروعِ دونَ غيرِه. وأطْلَقَهُنَّ ابنُ تَميمٍ، و «الفائقِ». الثَّالثةُ، يُسْتَثْنَى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّن أطْلَقَ، ما إذا احْتاجَ الى الكلامِ كتَحْذيرِ ضَريرٍ أو غافِلٍ عن بِئْرٍ، أو هُلْكَةٍ ونحوِه، فإنَّه يجوزُ الكلامُ، بل يجِبُ، كما يجوزُ قطْعُ الصَّلاةِ له. الرَّابعةُ، تجوزُ الصَّلاةُ على النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، إذا سَمِعَها. نصَّ عليه.
وقال القاضى فى كتابِ «التَّخْريجِ»: يكونُ ذلك فى نفْسِه. الخامسةُ، يجوزُ تأْمِينُه على الدُّعاءِ، وحَمْدُه خُفْيَةً إذا عطَس. نصَّ عليه. السَّادسةُ، يجوزُ رَدُّ السَّلامِ، وتشْمِيتُ العاطِسِ نُطْقًا مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. قال فى . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: يجوزُ ذلك فى أصحِّ الرِّوايتَيْن. اخْتارَه المَجْدُ وجماعةٌ. وقدَّمه فى «الفُروعِ».
وعنه، يجوزُ لمَن لم يسْمَعْ. وهو قوْلٌ فى «الرِّعايَةِ». وأطْلقَهما فى «الكافِى»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «النَّاظِمِ»، و «الحَواشِى». قال فى «الفُروعِ»: ويتَوَجَّهُ، يجوزُ إنْ سَمِعَ ولم يَفْهَمْه.
وعنه، يَحْرُمُ مُطْلَقًا. وهو ظاهرُ ما جزَم به فى «التَّلْخيصِ». وقدَّمه فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن». وأطْلَقَ فى رَدِّ السَّلامِ الرِّوايتَيْن فى «الفائقِ». السَّابعةُ، إشارَةُ
وَيَجُوزُ الْكَلَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَبَعْدَهَا.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ فِيها.
الأخْرَسِ المفْهومَةُ كالكلامِ. وفى كلامِ المَجْدِ، له تسْكيتُ المُتكلِّمِ بالإِشارَةِ.
وقال فى «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِه: يُسْتَحَبُّ.
قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه. ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها. وعنه يجوز فيها) .
أما كون الكلام والإمام يخطب لا يجوز لغير الإمام وغير من كلمه على المذهب؛ فلقوله تعالى:{وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قالت عائشة: «نزلت في الخطبة».
ولأن في الخطبة قرآناً.
ولما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إذا قلتَ لصاحبكَ يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصتْ فقد لغوت» متفق عليه.
وكلام المصنف رحمه الله يشمل من سمع الخطبة ومن لم يسمع لعموم الحديث.
ولأن عثمان رضي الله عنه قال:«أنصتوا فإن حظَّ المنصتِ الذي لم يسمع كحظّ المنصتِ السامع».
وأما كونه يجوز على روايةٍ فقياساً على الإمام وعلى من كلمه.
فإن قيل على الأول: لو سلم أحد على السامع ماذا يصنع؟
قيل: روي عن الإمام أحمد أنه يحرم الرد لما فيه من تفويت الإنصات.
ولأن المسلم أسقط حقه حيث سلم في موضع لا يرد عليه فيه. أشبه ما لو سلم عليه في الصلاة.
وروي عنه أنه لا يحرم؛ لأن رد السلام واجب. والخطبة لا تمنع الكلام الواجب بدليل ما لو رأى أعمى يتردى في بئر.
وحكم من يسمع همهمة الخطيب حكم من يسمع مفصلاً.
ومن لا يسمع شيئاً أصلاً يرد السلام.
ولو عطس إنسان فحكم التشميت حكم رد السلام.
وأما كونه يجوز للإمام ولمن كلمه فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم سُليكاً وكلمه هو ودخل وهو يخطب فقال: يا رسول الله! صلى الله عليه وسلم هلك الكراع هلك الشاء فادع الله تعالى أن يسقينا ... وذكر الحديث» متفق عليه.
وأما كونه قبل الخطبة وبعدها يجوز؛ فلما روى ثعلبة بن مالك «أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر. فإذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين. فإذا قامت الصلاة وبرك عمر تكلموا». [
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.