وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَيُصَلِّي بِهِمْ
Its commentaries
مسألة: (وإن خَرَج معهم أهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطُوا بالمسلمين) وجملَةُ ذلك، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فهم بَعِيدُون مِن الإِجابَةِ،
وإن أُغِيثَ المسلمون فرُبَّما قالوا: هذا حَصَل بدُعائِنا وإجابَتِنا.
وإن خَرَجُوا لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبون أرْزاقَهم مِن رَبِّهم، فلا يُمْنَعُون مِن ذلك. ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهم اللَّهُ تعالى؛ لأنَّه قد ضَمِن أرْزاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِن أرْزاقَ المُؤْمِنين. ويُؤْمَرُون بالانْفِرادِ عن المُسْلِمين، لأَنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذابٌ، فيَعُمَّ مَن حَضَرَهم،
فإنَّ عادًا اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهُم.
فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المسلمون، لئلَّا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَل مِن السُّقْيا بدُعائِهم. قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزولُ الغَيْت يَوْمَ يَخْرُجُونَ وحدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لفِتْنَتِهم، ورُبَّما فُتِن بهم غيرُهم. ٧١١ - مسألة: (فيُصَلِّى بهم، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ) قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في مَشرُوعِيَّةِ صلاةِ الاسْتِسْقاء وصِفَتِها. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في خُطْبَةِ الاسْتِسْقاءِ وفى مَوْضِعِها، فرُوِىَ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، لكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.
والمَشْهُورُ أن فيها خُطْبَةً بعدَ الصَّلاةِ. قال أبو بكر: اتَّفَقُوا عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ.
والصَّحِيحُ أنَّها بعدَ الصَّلاةِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم خَطَبَنا . لأنَّها صلاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدَيْن. وفيها رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَخْطُبُ قبلَ الصَّلاةِ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بنِ عُثْمان ، وهِشَامِ بنِ إسماعِيلَ ، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ. وبه قال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما روَى أنَسٌ، وعائشةُ، أنَّ النبىَّ - رضي اللَّه عنه - خَطَب وصَلَّى .
وعن عبد اللَّهِ بنِ زيدٍ، قال: رَأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَوْمَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فحَوَّلَ ظَهْرَه إلى النّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِداءَه، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، جَهَر فيهما بالقِراءَةِ. مُتَّفَقٌ عليه . وفيها رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ الصَّلاةِ وبعدَها؛ لوُرُودِ الأخْبارِ بكِلا الأمْرَيْن، ودلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْن ، فحُمِلَ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل الأمْرَيْن. وأيًّا ما فَعَل مِن ذلك فهو جائِزٌ؛
لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ على جَمِيِعِ الرِّواياتِ. والأَوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصَّلاةِ، كالعِيدِ، وليكونُوا قد فرغُوا مِن الصَّلاةِ،
فإن أُجِيبَ دُعاؤُهم وأُغِيثُوا لم يَحْتاجُوِا إلى الصَّلاةِ في المَطَر. وقولُ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم. نفْىٌ لصِفَةِ الخُطْبَةِ لا لأصْلِها؛ بدَلِيلِ قَوْلِه: إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ.
فصل: والمَشْرُوعُ خُطْبَةٌ واحِدَةٌ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ.
وقال مالكٌ والشافعىُّ: يَخْطُبُ كخُطْبَتَى العِيدَيْن؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: صَنَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما صَنَع في العِيدِ . ولأنَّها أشْبَهَتْها في صِفَةِ الصَّلاةِ، فكذلك في صِفَةِ الخُطْبَةِ. ولَنا، قولُ ابن عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّكْبيرِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَل بينَ ذلك بسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ، ولأنَّ كلَّ مَن نَقَل الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْن.
والصَّحيحُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ.
ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوه، فهو مَحْمُولٌ على الصَّلاةِ، بدَلِيلِ أوَّلِ الحَدِيثِ.
وإذا صَعِد المِنْبَرَ للْخُطْبَةِ جَلَس،
وإن شاء لم يَجْلِسْ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولا ههُنا أذانٌ يَجْلِسُ لفَراغِه.
٧١٢ -
(وَإِنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا) لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَاللَّهُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ،
وَالْمَذْهَبُ يَكْرَهُ، لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ،
وَإِذَا غِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا ظَنُّوهُ بِدُعَائِهِمْ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ (وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَ،
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُمْ لَا يُفْرَدُونَ بِيَوْمٍ؛ لِئَلَّا يَتَّفِقَ نُزُولُ غَيْثٍ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمُ لِفِتْنَتِهِمْ، وَرُبَّمَا افْتَتَنَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ،
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": إِفْرَادُهُمْ بِيَوْمٍ أَوْلَى؛ لِئَلَّا يَظُنُّوا إِنَّمَا حَصَلَ مِنَ السُّقْيَا بِدُعَائِهِمْ،
وَفِي خُرُوجِ عَجَائِزِهِمُ الْخِلَافُ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُمْ شَابَّةٌ بِلَا خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ "، وَجَعَلَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مَنْ خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ الِاسْتِسْقَاءُ بِمَنْ ظَهَرَ صَلَاحُهُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَقَدِ اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ، وَمُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ مَرَّةً أُخْرَى، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
وَقَالَ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ.
وَقَالَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَيَجُوزُ أَنْ يُستَشَفَّعَ إِلَى اللَّهِ بِرَجُلٍ صَالِحٍ،
وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي " مَنْسَكِهِ " الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ: إِنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي دُعَائِهِ، وَجَزَمَ به فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ (فَيُصَلِّي بِهِمْ) رَكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ،
وَعَنْهُ: بِلَا تَكْبِيرٍ زَائِدٍ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ،
وَفِي " النَّصِيحَةِ " يَقْرَأُ فِي الْأُولَى {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا} وَفِي الثَّانِيَةِ مَا أَحَبَّ [خُطْبَةُ الِاسْتِسْقَاءِ]
وإنْ خرَج أهْلُ الذمَّةِ يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطوا بالمُسْلِمين. وهذا بلا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نِزاعٍ مِن حيثُ الجُمْلَةُ. وظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّهم لا يُفْرَدُون بيومٍ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. ونصَرَه المَجْدُ، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَيْن». قال فى «تَجْريدِ العِنايَةِ»: لا يُفْرَدُ أهلُ الذِّمَّةِ بيوْم فى الأظْهَرِ. وجزَم به فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «النَّظْمِ»، و «الإِفاداتِ». واخْتارَه المَجْدُ، وغيرُه. وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الصُّغْرى»، و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الحَواشِى»، و «الزَّرْكَشِىِّ».
قال فى «البُلْغَةِ»: فإنْ خرَج أهلُ الذِّمَّةِ، فَلْيَنْفَرِدوا. قال فى «الوَجيزِ»: وينْفَرِدُ أهلُ الذمَّةِ إنْ خَرَجوا.
قال فى «المُسْتَوْعِبِ»: فإنْ خرَجُوا لم يُمْنَعُوا، وأُمِرُوا بالانْفِرادِ عنِ المُسْلِمين. قال الخِرَقِىُّ: لم يُمْنَعوا، وأُمِرُوا أنْ يكُونوا مُنْفرِدين عنِ المُسْلِمين. فكلام هؤلاءِ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُرادُهم بالانفِرادِ، عَدَمَ الاخْتِلاطِ. وهو الذى يظْهَرُ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُرادُهم، الانْفِرادَ بيوم.
وقيل: الأُوْلَى خُروجُهم مُنْفرِدين بيومٍ. اخْتارَه ابنُ أبِى مُوسى. وجزَم به فى «التَّلْخيصِ»؛ فقال: وخُروجُهم فى يوم آخَرَ أوْلَى. وأطْلَقَهما فى «الفُروعِ»، و «الرِّعايَةِ الكُبْرَى».
وقال فى «مَجْمَعِ البَحْرَيْن»: لو قال قائلٌ: إنه لا يجوزُ خُروجُهم فى وقْتٍ مُفْرَدٍ. لم يُبْعِدْ؛ لأنَّهم قد يُسْقَون فتُخْشَى الفِتْنَةُ على ضَعَفَةِ المُسْلِمين.
فوائد؛ منها، يُكْرَهُ إخْراجُ أهلِ الذِّمَّةِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وغيرُهم مِنَ العُلَماءِ. وظاهرُ كلامِ أبِى بَكْرٍ فى «التَّنْبِيهِ»، أنَّه لا يُكْرَهُ. وهو قوْل فى «الفُروعِ». وأطْلقَهما فى «الرِّعايَةِ». ونقَل المَيْمُونِىُّ، يخْرُجون معهم.
فأمَّا خُروجُهم مِن تلْقاءِ أنْفُسِهم، فلا يُكَرهُ، قولًا واحدًا. ومنها، حُكْمُ نِسائِهم ورَقِيقِهم وصِبْيانِهم، حُكْمُهم. ذكَرَه الآمِدِىُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال فى «الفُروعِ»: وفى خُروجِ عَجائزِهم، الخِلافُ.
وقال: ولا تخرُجُ شابَّةٌ منهم. بلا خِلافٍ فى المذهبِ. ذكَرَه فى «الفُصولِ». وجعَل كأهْلِ الذِّمَّةِ كلَّ مَن خالَفَ دِينَ الإسْلامِ فى الجُمْلَةِ. وفنها، يجوزُ التَّوَسُّلُ بالرَّجُلِ الصَّالحِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيل: يُسْتَحَبُّ. قال الإِمامُ أحمدُ للمَرُّوذِىِّ: يتَوسَّلُ بالنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فى دُعائِه. وجزَم به فى «المُسْتَوْعِبِ»، وغيرِه. وجعَله الشَّيْخُ تَقِىُّ الدِّينِ كَمَسْألةِ اليَمينِ به. قال: والتَّوسُّلُ بالإيمانِ به وطاعَتِه ومَحَبَّتِه والصَّلاةِ والسَّلام عليه، وبدُعائِه وشَفاعتِه، ونحوِه ممَّا هو مِن فعْلِه أو أفْعالِ العِبادِ المأْمورِ بها فى حَقِّه، مَشْروعٌ إجْماعًا. وهو مِنَ الوَسِيلةِ المأْمورِ بها فى قولِه تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وقال الإِمامُ أحمدُ، وغيرُه مِنَ العُلَماءِ: فى قوْلِه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ:«أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَق».
الاسْتِعاذَةُ لا تكونُ بمَخْلُوقٍ. فَيُصَلِّى بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ،
قال: (وإن خرج أهل الذمة لم يمنعوا. ولم يختلطوا بالمسلمين) .
أما كون أهل الذمة إذا خرجوا إلى الاستسقاء لا يمنعون؛ فلأنه خروج إلى طلب الرزق والله تعالى ضمن أرزاقهم كما ضمن أرزاق المسلمين.
وأما كونهم لا يختلطون بالمسلمين؛ فلأنهم كفار عصاة فربما نزل عليهم أذى فعم المسلمين. وقد نبه الله تعالى على ذلك بقوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} .
فإذا لم يختلطوا اختص نزول العذاب بهم ولهذا جعلت مقابرهم منفردة عن المسلمين.
قال: (فيصلي بهم. ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد. ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به) .
أما كون الإمام في الاستسقاء يصلي بالناس؛ فلما تقدم ذكره.
وأما كونه يخطب خطبة واحدة؛ فلأنه لم ينقل عن النبي عليه السلام أنه خطب في الاستسقاء أكثر من واحدة.
وأما كونه يخطب بعد الصلاة؛ فلأن أبا هريرة رضي الله عنه قال:«صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم ثم خطبنا ... مختصر» رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
ولأنها صلاة ذات تكبير فكانت خطبتها بعد الصلاة كالعيد.
وعن الإمام أحمد: أنه يخطب قبل الصلاة لقول عبدالله بن زيد: «فتوجه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه ثم صلى» متفق عليه.
وعنه: أنه مخير في الخطبة قبل الصلاة وبعدها لأن الجميع مروي.
وعنه: لا خطبة لها لقول ابن عباس رضي الله عنهما: «فلم يخطب خطبتكم هذه. ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع» رواه النسائي وابن ماجة.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم من حديث أبي هريرة:«صلى ثم خطبنا». وثم للترتيب. والجواب عن حديث عبدالله بن زيد أنه ليس فيه تصريح بالخطبة قبل الصلاة. وإنما قال:«دعا». وعن قول ابن عباس:«فلم يخطب خطبتكم هذه» أنه نفى الصفة لا أصل الخطبة. والمعنى أنه كان جُلُّ خطبته الدعاء والتضرع والتكبير.
وأما كونه يفتتح الخطبة بالتكبير؛ فلأنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:«صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كما صنع في العيدين».
وأما كونه يكثر فيها من الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به مثل قوله تعالى:{استغفروا ربكم إنه كان غفاراً? يرسل السماء عليكم مدرارا}. وقوله تعالى:{وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}؛ فلأن الاستغفار سبب لنزول المطر؛ لما تقدم من الآية.
ولأنه يروى عن عمر رضي الله عنه «أنه استسقى فلم يزد على الآيات. فقيل له. فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي ينزل بها الغيث».
وعن علي رضي الله عنه:«عجبت من يبطئ عنه الرزق ومعه مفاتيحه. قيل: وما مفاتيحه؟ قال: الاستغفار».
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.