وَمَتَّى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ
Its commentaries
مسألة: (ومتى نَقَص النِّصابُ في بعضِ الحَوْلِ، أو باعَه، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ الحَوْلُ) وُجُودُ النِّصابِ في جميعِ الحَوْلِ شَرْطٌ لوُجُوبِ الزكاةِ،
فإن نَقَص الحَوْلُ نَقْصًا يَسِيرًا، فقال أبو بكرٍ: ثَبَت أنَّ نَقْصَ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْن مَعْفُوٌّ عنه.
وقال شيخُنا في كِتابِ الكافى: إن نَتَجَتْ واحِدَةٌ، ثبم هَلَكَتْ واحِدَةٌ، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ،
وإن خَرَج بعضُها، وهَلَكَتِ الأُخْرَى قبلَ خُرُوجِ بَقِيَّتِها، انْقَطَعَ الحَوْلُ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ لها حُكْمُ الوُجُودِ في الزكاةِ حتى يَخْرُجَ جَمِيعُها.
وقال القاضى: إن كان النِّتاجُ والمَوْتُ حَصَلا في وَقْتٍ واحِدٍ لم تَسْقُطِ الزكاةُ، لأنَّ النِّصابَ لم يَنْقُصْ،
وإن تَقَدَّمَ المَوْتُ النِّتاجَ، سَقَطَتِ الزكاةُ. وظاهِرُ قَوْلِهما أنَّه لا يُعْفَى عن النَّقْصِ في الحَوْلِ وإن كان يَسِيرًا؛ لعُمُومِ قولِه عليه السلامُ:«لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ». ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كَلامُ أبي بكرٍ على أنَّه أراد النَّقْصَ في طَرَفِ الحَوْلِ، فيكونُ كنَقْصِ النِّصابِ حَبَّةً أو حَبَّتَيْن. واللهُ أعلمُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: إن نَقَص الحَوْلُ أقَلَّ مِن يَوْم لا يُؤثِّرُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ، أشْبَهَ الحَبَّةَ والحَبَّتَيْن. وظاهِرُ الحَدِيثِ يَقْتَضِى التَّأْثِيرَ، وهو أوْلَى، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ومتى باع النِّصابَ في أثْناءِ الحَوْلِ، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ حَوْلُ الزكاةِ، واسْتَانَفَ له حَوْلًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. ولا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا أن يُبْدِلَ ذَهَبًا بفِضَّةٍ، أو فِضَّةً بذَهَبٍ، فإنَّه مَبْنِىٌّ على الرِّوايَتَيْن في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ؛ إحْداهما، يُضَمُّ؛ لأنَّهما كالجِنْسِ الواحِدِ، إذ هما أُرُوشُ الجِناياتِ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ، فهما كالمالِ الواحِدِ، فعلى هذا لا يَنْقَطِعُ الحَوْلُ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخرِ؛ لأنَّهما جِنْسان في بابِ الرِّبا، فلم يُضَمَّ أحَدُهما إلى الآخَر، كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ.
فعلى هذا يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، ولا يُبْنَى أحَدُهما على حُوْلِ الآخَرِ، كالجِنْسَيْن مِن الماشِيَةِ. ٨٣٩ - مسألة: (إلَّا أن يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِن الزكاةِ عندَ قُرْبِ وُجُوبِها، فلا تَسْقُطُ)
وكذا لو أتْلَفَ جُزْءًا مِن النِّصابِ، ليَنْقُصَ النِّصابُ، فتَسْقُطَ عنه الزكاةُ، لم تَسْقُطْ، وتُؤْخَذُ منه في آخِرِ الحَوْلِ. وهذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ الماجِشُون، وإسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ.
وقال أبو حَنيفةَ، والشافعيُّ: تَسقُطُ عنه الزكاةُ، لأنَّه نَقَص قبلَ تَمامِ حَوْلِه، فلمِ تَجِبْ فيه الزكاةُ، كما لو أتْلَفَه لحاجَتِه. ولَنا، قَوْلُه عزَّ وَجَلَّ:{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} إلى قَوْلِه: {فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ}. فعاقَبَهم اللهُ تَعالَى بذلك، لفِرارِهم مِن الصَّدَقَةِ. ولأنَّه قَصَد إسْقاطَ نَصِيبِ مَن انْعَقَدَ سَبَبُ اسْتِحْقاقِه، فلم يَسْقُطْ، كما لو طَلَّقَ امْرَأَتَه في مَرَضِ مَوْتِه، ولأنَّه لَمّا قَصَد قَصْدًا فاسِدًا، اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ عُقُوبَتَه بنَقِيضِ قَصْدِه، كمَن قَتَل مَوْرُوثَه لاسْتِعْجالِ مِيراثِه، عاقَبَه الشَّرْعُ بالحِرْمانِ.
أمّا إذا أتْلَفَه لحاجَةٍ، فلم يَقْصِدْ قَصْدًا فاسِدًا، وإنَّما يُؤَثِّرُ ذلك إذا كان عندَ قُرْبِ الوُجُوبِ؛ لأنَّه حِينَئِذٍ مَظِنَّةُ الفِرارِ،
فإن فَعَل ذلك في أوَّلِ الحَوْلِ لم تَجِبِ الزكاةُ، لكَوْنِه ليس بمَظِنَّةٍ للفِرارِ.
وقِيلَ: تَجِبُ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا قُلْنا: لا تَسْقُطُ الزكاةُ. وحالَ الحَوْلُ، أخْرَجَ الزكاةَ مِن جِنْسِ المالِ المَبِيعِ، دُونَ المَوْجُودِ، لأنَّه الذى وَجَبَب الزكاةُ بسَبَبِه، ولَوْلاه لم تَجِبْ في هذه زكاةٌ.
فصل: وإذا باعَ النِّصابَ فانْقَطَعَ الحَوْلُ، ثم وَجَد بالثانِى عَيْبًا فرَدَّه، اسْتَأْنَفَ حَوْلًا لزَوالِ مِلْكِه بالبَيْعِ، قَلَّ الزَّمانُ أو كَثُرَ.
وإن حالَ الحَوْلُ على النِّصاب المُشْتَرَى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ،
فإن وَجَد به عَيْبًا قبلَ إخْراجِ زَكاتِه فله الرَّدُّ، سَواءٌ قُلْنا: الزكاةُ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، أو بالذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزكاةَ لا تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، بمَعْنَى اسْتِحْقاقِ الفُقراءِ جُزْءًا منه، بل بمَعْنَى تَعَلُّقِ حَقِّهم به، كتَعَلُّقِ الأرْشِ بالجانِى، فعلى هذا يَرُدُّ النِّصابَ، وعليه إخْرَاجُ زَكَاتِه مِن مالٍ آخَرَ.
فإن أخْرَجَ الزكاةَ منه، ثم أرادَ رَدَّه، انْبَنَى على المَعِيبِ إذا حَدَث به عَيْبٌ آخَرُ عندَ المُشْتَرِى، هل له رَدُّه؟ على رِوايَتَيْن،
ومتى رَدَّه فعليه عِوَضُ الشّاةِ المُخْرَجَةِ، تُحْسَبُ عليه بحِصَّتِها مِن الثَّمَنْ، والقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى في قِيمَتِها مع يَمِينِه؛ لأنَّه غارِمٌ، إذا لِم تكنْ بَيِّنَةٌ. وفيه وَجْهٌ، أنَّ القَوْلَ قَوْلُ البائِعِ؛ لأنَّه يَغْرَمُ ثَمَنَ. المَبِيعِ، فيَرُدُّه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الغارِمَ لثَمَنِ الشّاةِ المُدَّعاةِ هو المُشْتَرِى.
فإن أخْرَجَ الزكاةَ مِن غيرِ النِّصابِ، فله الرَّدُّ وَجْهًا واحِدًا.
فصل: وإنْ كان البَيْعُ بالخِيارِ، انْقَطَعَ الحَوْلُ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، سَواءٌ كان الخِيارُ للبائِعِ أو للمُشْتَرِى، أو لهما؛ لأنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ أنَّ البَيْعَ بشَرْطِ الخِيارِ يَنْقُلُ المِلْكَ عَقِيبَ العَقْدِ، ولا يَقِفُ على انْقِضاءِ الخِيارِ. فعلى هذا إذا رُدَّ المَبِيعُ على البائِعِ اسْتَقْبَلَ به حَوْلًا. وعن أحمدَ، لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ حتى يَنْقَضِىَ الخِيارُ. وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَنتقِلُ المِلْكُ إن كان الخِيارُ للبائِعِ،
وإن كان للمُشْتَرِى خَرَج عن البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِى. وعن الشافعيِّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ؛ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن، وقَوْلٌ ثالِثٌ، أنَّه مُرَاعًى،
فإن فسَخاه تَبَيَّنّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ، وإلَّا تَبَيَّنّا أنَّه انْتَقَلَ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ، فانْتَقَلَ المِلْكُ عَقِيبَه، كما لو لم يُشْتَرَطِ الخِيارُ. وهكذا الحُكْمُ لو فَسَخا البَيْعَ في المَجْلِسِ بخِيارِهما؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ، فهو كخِيارِ الشَّرْطِ.
ولو مَضَى الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيارِ، ثم فَسَخا البَيْعَ، كانت زَكاتُه على المُشْتَرِى؛ لأنَّه مِلْكُه وإن قُلْتا بالرِّوايَةِ الأُخْرَى، لم يَنْقَطِعِ الحَوْلُ ببَيْعِه؛ لأنَّ مِلْك البائِعِ لم يَزُلْ عنه.
ولو حال عليه الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيارِ، كانت زَكاتُه على البائِعِ،
فإن أخْرَجَها مِن غيرِه، فالبَيْعُ بحالِه،
وإن أخْرَجَها منه بَطَل البَيْعُ في المُخْرجِ، وهل يَبْطُلُ في الباقِى؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وإن لم يُخْرِجْها حتى سُلِّمَتْ إلى المُشْتَرِى، وانْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيارِ، لَزِم البَيْعُ فيه، وكان عليه الإِخْراجُ مِن غيرِه، كما لو باع ما وَجَبَتْ فيه الزكاةُ.
ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فهَلَّ هِلالُ شَوّالٍ، ففِطْرَتُه على المُشْتَرِى،
وإن كان في مُدَّةِ الخِيارِ على الصَّحِيحِ. وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، يَكُونُ في مُدَّةِ الخِيارِ على البائِعَ.
فصل: فإن كان البَيْعُ فاسِدًا، لم يَنْقَطِعْ به الحَوْلُ، وبَنَى على حَوْلِه الأوَّلِ؛ لأنَّه لا يَنْقُلُ المِلْكَ إلَّا أن يَقْبِضَه المُشْتَرِى ويَتَعَذَّرَ رَدُّه، فيَصيرَ كالمَغْصُوبِ، على ما مَضَى.
فصل: ويَجُوزُ التَّصَرُّفُ في النِّصابِ الذى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ بالبَيْعِ وأنْواعِ التَّصَرُّفاتِ، وليس للسّاعِى فَسْخُ البَيْعِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، إلَّا أنَّه إذا امْتَنعَ مِن أداءِ الزكاةِ نَقَض البَيْعَ في قَدْرِها.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَصِحُّ لأنَّنا إن قُلْنا: إنَّ الزكاةَ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ. فقد باع ما لا يَمْلِكُه.
وإن قُلْنا: تَتَعَلَّقُ بالذَّمِّةِ. فقَدْرُ الزكاةِ مُرْتَهَنٌ بها، وبَيْعُ الرَّهْنِ لا يَجُوزُ. ولَنا، - أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حتى يَبْدُوَ صَلاحُها. مُتَّفقٌ عليه . ومَفْهُومُه صِحَّةُ بَيْعِها إذا بَدَا صَلاحُها، وهو عامٌّ فيما تَجِبُ فيه الزكاةُ وغيرِه. ونَهَى عن بَيْعِ الحبِّ حتى يَشْتَدَّ، والعِنَبِ حتى يَسْوَدَّ . وهما ممّا تَجِبُ الزكاةُ فيه. ولأنَّ الزكاةَ إن وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ لم تَمْنَعْ صِحَّةَ بَيْعِ النِّصابِ، كما لو باع مالَه وعليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ.
وإن تَعَلَّقَتْ بالعَيْنِ، فهو تَعَلُّقٌ لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في جُزْءٍ مِن النِّصابِ، فلم يَمْنَعْ بَيْعَ جَمِيعِه، كأَرْشِ الجِنايَةِ. وقَوْلُهم: باع ما لا يَمْلِكُه. لا يَصِحُّ؛
فإنَّ المِلْكَ لم يَثْبُتْ للفُقَراءِ في النِّصابِ، بدَلِيلِ أنَّ له أداءَ الزكاةِ مِن غيرِه بغيرِ رِضاهم، وليس برَهْنٍ،
فإنَّ أحْكامَ الرَّهْنِ غيرُ ثابتَةٍ فيه، فعلى هذا إذا تَصَرَّفَ في النِّصابِ، ثم أخْرَجَ الزكاةَ مِن غيرِه، وإَلَّا كُلِّفَ إخْراجَها وتَحْصِيلَها إن لم تَكُنْ عندَه،
فإن عَجَز بَقِيَتْ في ذِمَّتِه، كسائِرِ الدُّيُون. ويَحْتَمِلُ أن يُفْسَخَ البَيْعُ في قَدْرِ الزكاةِ ههُنا، وتُؤْخَذَ مِن النِّصابِ، ويَرْجِعَ البائِعُ عليه بقَدْرِ ما؛ لأنَّ على الفُقَراءِ ضَرَرًا في إتْمامِ البَيْعِ، وتَفْوِيتًا لحُقُوقِهم، فوَجَبَ فَسْخُه؛ لقَوْلِه عليه السلامُ:«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهذا أصَحُّ.
٨٤٠ -
(وَمَتَّى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) انْقَطَعَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ،
وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ، وَلَا فِي النَّقْصِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ أَوْ طَرَفِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ وَسَطِ الْحَوْلِ مُؤَثِّرٌ، وَظَاهِرُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي التَّأْثِيرَ مُطْلَقًا.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (أَوْ بَاعَهُ) وَلَوْ بِيعَ خِيَارٌ عَلَى الْمَذْهَبِ (أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَمَنَ أَبْدَلَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا، لَكِنْ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الْأُمَّاتِ، وَالنِّصَابُ تَامُّ النِّتَاجِ، وَلَا بَيْعٍ فَاسِدٍ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ إِذَا أَبْدَلَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ، وَبِالْعَكْسِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ مُخَرَّجَةٌ مِنْ عَدَمِ الضَّمِّ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ،
وَالْمَذْهَبُ: لَا يَنْقَطِعُ، لِأَنَّهُمَا كَالْجِنْسِ الْوَاحِدِ،
فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ، أَخْرَجَ مِمَّا مَعَهُ عِنْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّهُ يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَهُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى مِثْلِهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّيْخَانِ: إِذَا اشْتَرَى عَرَضًا لِتِجَارَةٍ بِنَقْدٍ، أَوْ بَاعَهَا بِهِ، أَنَّهُ يَبْنِي عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي أَثْمَانِ الْعُرُوضُ؛ وَهِيَ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ وِفَاقًا،
وَفِي عَطْفِهِ الْإِبْدَالَ عَلَى الْبَيْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرَانِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ هَلْ هِيَ بَيْعٌ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ،
ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إِبْدَالِ الْمُصْحَفِ لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ، وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ، وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَبَّرَ بِالْبَيْعِ، وَبَعْضٌ بِالْإِبْدَالِ، وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ.
فَرْعٌ: لَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي أَمْوَالِ الصَّيَارِفَةِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى سُقُوطِهَا فِيمَا يَنْمُو، وَوُجُوبِهَا فِي غَيْرِهِ، وَالْأُخْرَى يَقْتَضِي الْعَكْسَ (إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا فَلَا تَسْقُطُ)
وَيَحْرُمُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} ، فَعَاقَبَهُمْ تَعَالَى بِذَلِكَ لِفِرَارِهِمْ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إِسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ، كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَشَرَطَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَاعَةٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ الْفِرَارِ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ، أَوْ وَسَطِهِ؛ لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ أَوْ مُنْتَفِيَةٌ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ،
وَقِيلَ: أَوْ بِشَهْرَيْنِ لَا أَزْيَدَ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ، وَحُكْمُ الْإِتْلَافِ كَذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يُزَكِّي مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ،
وَفِي " مُفْرَدَاتِ " أَبِي يَعْلَى الصَّغِيرِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ بِالتَّحَيُّلِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ كَمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحَيُّلِ فِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى عَدَمَ الْفِرَارِ، وَثَمَّ قَرِينَةٌ، عُمِلَ بِهَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْأَشْهَرِ
ومتى نقَص، النِّصابُ فى بَعضِ الحَوْلِ. انْقَطَعَ الحَوْلُ. هذا المذهبُ، وعليه الجمهورُ. وتقدَّم قوْلٌ، بأنَّه لو انْقَطَعَ فى أثْناءِ حوْلِ عُرضِ التِّجارَةِ، وكان كامِلًا فى أوَّلِه وآخِرِه، أنَّه لا يَضُرُّ. أو باعَه، أو أبْدَلَه بغيرِ جِنْسِه، انْقَطَعَ الحوْلُ. هذا المذهبُ بشَرْطِه، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
وعليه الأصحابُ.
وقال ابنُ تَميمِ: وإنْ أبْدَلَه لا بمِثْلِه ممَّا فيه الزَّكاةُ، انْقَطَعَ على الأصحِّ. قال فى «القَواعِدِ»: وخرج أبو الخَطَّابِ فى «الانْتِصارِ» رِوايةً بالبِنَاءِ فى الإِبدالِ مِن غيرِ الجِنْسِ مُطْلَقًا.
فائدتان؛ إحْدَاهما، لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ بإبْدالِ نِصابِ ذَهَبٍ بفِضَّةٍ، أو بالعَكْسِ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. فيكونُ ذلك مُسْتَثْنًى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه ممَّن أطْلَقَ. وفيه رِوايةٌ مُخَرَّجَةٌ مِن عَدَمِ ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخرِ، وإخْراجِه عنه. قال ابنُ تَميمٍ: إبْدالُ أحَدِ النَّقْدَيْن بالآخرِ يَنْبَنِى على الضَّمِّ. قال فى «القَواعِدِ»: فيه رِوايَتَان. قال الزَّرْكَشِىُّ: طرِيقَةُ أبي محمدٍ، وطائفَةٍ، وصحَّحَها أبو العَبَّاسِ، مَبْنِيَّةٌ على الضَّمِّ، وطريقَةُ القاضى وجماعَةٍ، منهم المَجْدُ، إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ الْفِرَارَ مِنَ الزَّكَاةِ عِنْدَ قُرْبِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَسْقُطُ.
أنَّ الحَوْلَ لا ينْقَطِعُ مُطْلَقًا،
وإنْ لم نَقُلْ بالضَّمِّ.
تنبيه: حيْثُ قُلْنا: لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ. فالصَّحيحُ، أنَّه يُخْرِجُ ممَّا مَلَكَه عندَ وُجوبِ الزَّكاةِ. قدَّمه فى «الفُروعِ». ؤقال القاضى، وتَبعَه فى «شَرْحِ المذْهبِ»: يُخْرِجُ مِمَّا مَلَكَه أكْثَرَ الحَوْلِ. قال ابنُ تَميمٍ: ونصَّ أحمدُ على مِثْلِه. الثَّانيةُ، لا ينْقَطِعُ الحَوْلُ فى أمْوالِ الصَّيارِفَةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى سقُوطِها فيما ينْمُو، أو وُجوبِها فى غيرِه. قال فى «الفُروعِ»: والأصُولُ تَقْتَضِى العَكْسَ. وهذا أيضًا يكونُ مُسْتَثْنًى مِن كلامِ المُصَنِّفِ وغيرِه. إلَّا أنْ يَقْصِدَ بذلك الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ.
الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه إذا قَصَد بالبَيْع أو الهِبَةِ أو الإتْلافِ أو نحوِه الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ، لم تَسْقُطْ. وعليه جماهيرُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأصحابِ، وقطَع به أكثَرُهم. وقال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ فى «مُفْرَداتِهْ»، عن بعضِ الأصحاب: تسْقُطُ الزَّكاةُ بالتَّحَيُّلِ. وِفَاقًا لأبي حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ، كما فى بعدِ الحَوْلِ الأَوَّلِ.
قلتُ: وقَواعِدُ المذهبِ وأُصولُه تأْبَى ذلك. فعلَى المذهبِ، اشْتَرَط المُصَنِّفُ أنْ يكونَ ذلك عندَ قُرْبِ وُجوبِها. وجزَم به جماعَةٌ مِنَ الأصحابِ؛ منهم أبو الخَطَّابِ فى «الهِدايَةِ». وقدَّم فى «الرِّعايتَيْن»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِيَيْن»، و «الفائقِ»، وغيرِهم، عَدَمَ السُّقوطِ إذا فعَله فارًّا قبلَ الحَوْلِ بيَوْمَيْن فأكثرَ. وفى كلامِ القاضى، بيَوْمَيْن أو يوم.
وقيل: بشَهْرَيْن. حَكاه فى «الرِّعايَةِ» وغيرِها. وقدَّم فى «الفُروعِ»، أنَّه متى قصَد بذلك الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ مُطْلَقًا، لم تسْقُط، وسواء كان فى أوَّلِ الحَوْلِ أَوْ وسَطِه أو آخرِه. قال: وأطْلَقَه الإِمامُ أحمدُ، فلِهَذا قال ابنُ عَقِيل: هو ظاهِرُ كلامِه. وهو ظاهِرُ ما جزَم به فى «الخُلاصَةِ». وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ».
وقال الزَّرْكَشِيُّ: وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وهو الغالِبُ على كلامِ كثيرٍ مِن المُتَقَدِّمين، واخْتِيارُ طائِفَةٍ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُتأخِّرين، كابنِ عَقِيلٍ، والمَجْدِ، وغيرِهما. وذكَره بعضُهم قوْلًا.
وقال فى «الفائقِ»: نصَّ أحمدُ على وُجوبِها فى مَن باعَ قبلَ الحَوْلِ لنصْفِ عام.
قال ابنُ تَميمٍ: والصَّحيحُ، تأْثيرُ ذلك بعدَ مُضِىِّ أكْثَرَ الحَوْلِ.
وقال المَجْدُ فى «شَرْحِه» وغيره: لا أوَّلَ الحَوْلِ؛ لنُدْرَتِه. وفى كلامِ القاضى، فى أوَّلِ الحَوْلِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نَظَرٌ. وقال أيضًا: فى أوَّلِه أو وَسَطِه لم يُوجَدْ لرَبِّ المالِ الغَرَضُ، وهو التَّرَفُّه بأكْثَرِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَوْلِ والنِّصابِ، وحصُولُ النَّماءِ فيه.
فائدتان؛ إحْدَاهما، يُزَكِّى مِن جِنْسِ المَبيع لذلك الحَوْلِ فقط، إذا قصَد الفِرارَ. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ.
وقيلَ: إنْ أبْدلَه بعَقارٍ ونحوِه، وَجَبَتْ زَكاةُ كُلِّ حَوْلٍ. وسألَه ابنُ هانِئً فى مَن ملَك نِصابَ غَنَمٍ سِتَّةَ أشْهُرٍ، ثم باعَها، فمَكَثَتْ عندَه سِتَّةَ أشْهُرٍ؟ قال: إذا فرَّ بها مِنَ الزَّكاةِ، زكَّى ثَمَنَها إذا حالَ عليها الحَوْلُ.
وقيل: يُعْتَبَرُ الأحظُّ للفُقَراءِ. الثَّانيةُ، لو ادَّعَى أنَّه لم يقْصِدْ بما فَعَل الفِرارَ مِنَ الزَّكاةِ، قُبِلَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تَعالَى. وفى الحُكْمِ وَجْهان. وأطْلَقَهما وَإنْ أَبْدَلَهُ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أن يَنْقَطِعَ.
فى «الفُروعَ»، و «ابنِ تَميمٍ».
قلتُ: الأوْلَى أنَّه إنْ غرِفَ بقَرائِنَ أنَّه قَصَد. الفِرارَ، لم يُقْبَلْ قوْلُه، وإلَّا قُبِلَ.
قال: (ومتى نقص النصاب في بعض الحول أو باعه أو أبدله بغير جنسه انقطع الحول إلا أن يقصد بذلك الفرار من الزكاة عند قرب وجوبها فلا تسقط، وإن أبدله بنصاب من جنسه بنى على حوله، ويتخرج أن ينقطع) .
أما كون الحول ينقطع بنقصان النصاب في بعض الحول فلأنه يصدق عليه أنه مال لم يحل عليه الحول لأن الحول على شيء يجب أن يكون حائلاً عليه بكماله. والمراد بنقص النصاب في بعض الحول نقصان النصاب في زمن كبير من الحول
فلو كان الزمن يسيراً كالساعة والساعتين لم يؤثر. وذكر المصنف رحمه الله في المغني ذلك ونسبه إلى أبي بكر وعلله بأن اليسير معفو عنه فلم يؤثر كسائر ما تقدم ذكره في نقصان النصاب من الحبة والحبتين. ولم يفرق أبو بكر بين كون النقص في وسط الحول أو طرفه. وظاهر كلام القاضي أن اليسير في وسط الحول مؤثر.
وأما كونه ينقطع إذا باعه أو أبدله بغير جنسه كما لو باع أربعين من الغنم بعشرين ديناراً أو مائتي درهم بثلاثين من البقر ولم يقصد الفرار من الزكاة فلأن كل واحد من المالين لم يحل عليه حول فيدخل في قوله صلى الله عليه وسلم:«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول».
وأما كونه لا ينقطع الحول إذا قصد بالبيع أو الإبدال الفرار فلأن الله تعالى ذم من تعرض لإسقاط الزكاة فوجب أن لا تسقط.
ولأنه قصد الفرار من زكاة فعورض بنقيض قصده كالقاتل.
وأما قول المصنف رحمه الله: عند قرب وجوبها؛ فإشارة إلى أن ذلك مظنة قصد الفرار.
بخلاف ما إذا باعها في أول الحول أو نصفه فإن المظنة هناك منتفية أو بعيدة.
وأما كون من أبدل النصاب بنصاب من جنسه يبني على حوله على المذهب؛ فلأنه نصاب يُضم إليه نماؤه في الحول فبني حول بدله من جنسه على حوله كالعروض.
وأما كونه يتخرج أن ينقطع فلأن كل واحد منهما لم يحل عليه الحول.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.