Fiqh of the Four Schools Search for a mas’ala in the schools’ booksCtrl K

Its commentaries

شرح الزركشي على مختصر الخرقيal-Zarkashi

قال: وإذا أسلم الكافر. ش: هذا هو المنصوص المختار لعامة الأصحاب. ١٨٤ - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن ثمامة بن أثال أسلم فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» رواه أحمد.

١٨٥ - وفي الصحيحين أنه اغتسل، وليس فيه أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك،

232

وفي البخاري أنه اغتسل قبل الإسلام،

233

وإذا الحديثان لم يتواردا على محل واحد، فاغتساله كان قبل إسلامه، وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك كان بعد الإسلام.

١٨٦ - «وعن قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يغتسل بماء وسدر» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، ولأنه لا يسلم غالبا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة كالنوم، وتردد أبو بكر فوافق الأصحاب في التنبيه، وخالفهم في غيره فقال: يستحب،

234

ولا يجب، وأغرب أبو محمد في الكافي، فحكى ذلك رواية. ١٨٧ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يأمر به في حديث معاذ،

235

ولو وجب لأمر به، إذ هو أول الواجبات بعد الإسلام، ولأن ذلك يقع كثيرا، وتتوفر الدواعي على نقله،

236

فلو وقع لاستفاض، وحديث أبي هريرة في إسناده مقال [ما] ، على أنه قد يحمل على الاستحباب،

237

وكذلك حديث قيس، وقرينته ذكر السدر فيه، جمعا بين الأدلة (ويجاب) بأنه إنما ذكر في حديث معاذ أصول العبادات لا شرائطها، ولا نسلم عدم استفاضة ذلك، بل قضية ثمامة تقتضي استفاضته، وظاهر الأمر الوجوب (فعلى الأول) إذا أجنب في حال كفره ثم أسلم تداخلا، وأنيط الحكم بغسل الإسلام، وعلى قول أبي بكر: يجب عليه الغسل للجنابة وإن اغتسل في كفره، لعدم صحة نيته.

وقد شمل كلام الخرقي المرتد،

238

ومن لم يوجد منه جنابة، وهو الأعرف فيهما،

239

ومن اغتسل في حال كفره، وهو كذلك، وقد قيد ابن حمدان المسألة بالبالغ، والأكثرون أطلقوا، لكن قد يؤخذ من تعليلهم ما قاله، وقد يوجه الإطلاق بأن المذهب صحة إسلام من لم يبلغ، ومقتضى كلامهم أن الغسل والحال هذه شرط لصحة الصلاة، كما صرح به أبو بكر في التنبيه،

240

وإذا يصير بمنزلة وطء الصبي، والتحقيق تعلق الغسل به كما تقدم، والله أعلم.

[الطهر من الحيض والنفاس من موجبات الغسل] قال: والطهر من الحيض والنفاس. ش: لا خلاف في وجوب الاغتسال بذلك في الجملة، لإشارة النص وهو قوله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن، أوقف سبحانه حق الزوج من الوطء على الاغتسال، فدل على وجوبه.

١٨٨ - وقد صرح بذلك المبين لكتاب ربه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال لفاطمة بنت أبي حبيش وقد سألته عن استحاضتها، فقال: «ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي» رواه البخاري.

١٨٩ - وقال لأم حبيبة - وسألته أيضا عن ذلك - فقال لها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هذا عرق، فاغتسلي وصلي» رواه مسلم، والبخاري ولفظه: «ثم اغتسلي وصلي» ودم النفاس هو دم حيض يجتمع ثم يخرج.

وظاهر كلام الخرقي أن الغسل إنما يجب بالانقطاع، وهو أحد الوجهين وظاهر الأحاديث،

241

(والثاني) - وصححه أبو البركات وغيره - يجب بالخروج، إناطة للحكم بسببه، لكن الانقطاع شرط لصحته اتفاقا، وفائدة الوجهين إذا استشهدت الحائض، فعلى قول الخرقي لا تغسل، إذ الانقطاع الشرعي الموجب للغسل لم يوجد، وعلى قول غيره تغسل للوجوب بالخروج، وقد حصل الانقطاع حسا، فأشبه ما لو طهرت في أثناء عادتها،

242

وقال أبو محمد: لا يجب على الوجهين، لأن الطهر شرط في صحة الغسل، أو في السبب الموجب له [ولم يوجد] . وقد ينبني أيضا على قول الخرقي [أنه لا يجب] ، بل ولا يصح غسل ميتة مع قيام حيض ونفاس،

243

وإن لم تكن شهيدة، وهو قويل في المذهب، لكن لا بد أن يلحظ فيه أن غسلها للجنابة قبل انقطاع دمها لا يصح، لقيام الحدث، كما هو رأي ابن عقيل في التذكرة،

244

وإذا لا يصح غسل الموت لقيام الحدث كالجنابة،

245

وإذا لم يصح لم يجب، حذارا من تكليف ما لا يطاق،

246

والمذهب صحة غسلها لها قبل ذلك، فينتفي هذا البناء.

واعلم أن ظاهر ترجمة الخرقي أولا يقتضي أنه لا يجب الغسل بغير تلك الخمسة المذكورة، لأنه قال: والموجب للغسل خروج المني. إلى آخره،

247

وظاهره حصر الوجوب في هذه الخمسة دون غيرها.

فلا يجب بولادة عرية عن دم، وهو أحد الوجهين أو الروايتين، على ما في الكافي، واختيار الشيخين، لعدم المقتضي لذلك، وهو النفاس أو المني،

248

(والثاني) - واختاره ابن أبي موسى، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، وغيرهم، يجب قياما للمظنة مقام الحقيقة، ولأنه مني منعقد، ورد بخروج العلقة، فإنها لا توجب الغسل بلا نزاع، وينبني على التعليلين الفطر بذلك، وتحريم الوطء قبل الاغتسال،

249

فمن علل بالأول يلزمه ذلك، لا من علل بالثاني اهـ.

250

ولا يجب أيضا بغسل ميت، بل يستحب،

251

(وعنه) : يجب من تغسيل الكافر.

١٩٠ - لما روي «عن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أنه لما مات أبو طالب أتيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات. قال: «اذهب فوار أباك، ثم لا تحدثن شيئا حتى تأتيني» فواريته فجئته فأمرني فاغتسلت فدعا لي» . رواه أبو داود والنسائي، وقد يجب مطلقا. ١٩١ - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من غسل ميتا فليغتسل» رواه أبو داود،

252

والمذهب الأول بلا ريب، نظرا للأصل، وحملا لما تقدم على الاستحباب، لعموم «حديث صفوان: أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة.

» ١٩٢ - وفي مالك في الموطأ أن أسماء غسلت أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة،

253

وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا. على أنه ليس في حديث علي أنه غسله، مع أن الأحاديث لم تثبت، قاله أحمد وغيره،

254

ومن ثم قال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد عدم الاستحباب رأسا. اهـ.

255

ولا يجب أيضا على من أفاق من إغماء أو جنون لم يتيقن معه حلم،

256

وإن وجد بلة على المعروف من الروايتين، لأنه معنى يزيل العقل فلا يوجب الغسل كالنوم، ولأنه مع عدم البلة يبعد احتمال الجنابة، ومع وجودها يحتمل أن ذلك لغير شهوة، ويحتمل أنه [حصل] عن المرض المزيل للعقل، فلا يجب الغسل مع الشك، (والثانية) : يجب وإن لم يجد بلة.

١٩٣ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغتسل من الإغماء، وفعله على وجه القربة دليل على الوجوب، وتوسط أبو الخطاب فأوجبه مع البلة كالنائم.

257

ولا يجب أيضا على من أراد الجمعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

ويرد على حصر الخرقي [الموت] فإنه موجب في الجملة بلا نزاع. والله أعلم. [غمس الحائض والجنب والمشرك أيديهم في الماء] قال: والحائض، والجنب، والمشرك إذا غمسوا أيديهم في الماء فهو طاهر ش: لا إشكال أن مجرد غمس الحائض أو الجنب يده أو غيرها من أعضائه في الماء لا يزيل طهارته، لطهارة بدنيهما.

١٩٤ - لما في الصحيحين «عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، قال: فانخنست منه. الحديث إلى قوله: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس» .

» ١٩٥ - ولمسلم من حديث حذيفة نحوه.

١٩٦ - «وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيضع فاه على موضع فيها» . رواه مسلم وغيره،

258

أما لو غمس الجنب أو الحائض الذي انقطع حيضها يده في الإناء قاصدا رفع الحدث عنها والماء قليل،

259

فإن طهوريته تزول على المذهب المنصوص، ولم يرتفع حدثه على المعروف، وهل زوالها بأول جزء لاقاه، أو بأول جزء انفصل عنه؟ فيه وجهان، أشهرهما الثاني،

260

وإن نويا الاغتراف فهو باق على طهوريته،

261

وإن غمسا بعد نية الاغتسال ذاهلين عن نية الاغتراف، وعن رفع الحدث عن اليد بالوضع فروايتان. أنصهما عن الإمام، وأصحهما عند عامة الأصحاب: زوال طهوريته، لحصول الغمس بعد نية رفع الحدث.

١٩٧ - وفي سنن سعيد عن ابن عمر: من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي فهو نجس. (والثانية) - وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي البركات - بقاء طهوريته.

١٩٨ - لأن أبا هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إنه يتناوله تناولا ولأنه لما قصد بأخذه استعماله خارج الإناء فقد صرف عنه النية، هذا هو التحقيق في التقسيم، وظاهر ما في المغني عن بعض الأصحاب أنه قال بالمنع أيضا فيما إذا نويا الاغتراف، وفيه نظر،

262

ولو وضع الجنب رجله بعد نية الغسل أثر على الأصح، قاله ابن تميم، وعاكسه ابن حمدان فقال: إنه طاهر في الأصح، ولأبي محمد في المغني في إلحاق الرجل باليد منعا وتسليما. وقد دخل في كلام الخرقي - بطريق التنبيه - المحدث إذا غمس يده في الإناء أنه لا يؤثر، وهو كذلك، [إلا إذا اغترف بعد نية الطهارة، وبعد غسل وجهه، قاصدا لرفع الحدث عنها بالغمس،

263

فإن طهوريته تزول، كما في الجنب،

264

وكذا إن] ذهل عن رفع الحدث عنها والحال ما تقدم، على قويل،

265

والمذهب عدم تأثير ذلك، بخلاف الجنب على الأشهر كما تقدم، نظرا إلى أن الوضوء يتكرر،

266

فلو أثر لشق، بخلاف الجنب.

١٩٩ - ثم إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغترف في الوضوء بعد غسل وجهه، كما ثبت في الصحيح، ولم يثبت أنه في الجنابة اغترف إلا بعد غسل يديه، إذا عرف حكم الحائض والجنب، فحكم المشرك أنه إن كان ممن تحل ذبيحته، ولم يتظاهر بشرب الخمر، وأكل الخنزير، ونحو ذلك،

267

فإن غمسه لا يؤثر شيئا.

٢٠٠ - لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - توضأ من مزادة مشركة، وأضافه يهودي بخبز شعير، وإهالة سنخة، ولأن الكفر في قلبه لا يؤثر في بدنه، وقوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: ٢٨] ليس المراد به - والله أعلم - النجاسة الحقيقية على الأشهر الأعرف، بل الاستقذار، وفاقا لأبي عبيدة والزجاج.

٢٠١ - وعن قتادة: قيل لهم ذلك لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضئون.

268

ومن هذه حاله جدير بأن يوصف بالتنجيس، ويمنع من قربان مسجد له على غيره شرف وتعظيم.

269

وإن كان ممن لا تحل ذبيحته، أو ممن يتظاهر بأكل الخنزير، ونحو ذلك فيخرج في نجاسة الماء بغمسه روايتان، بناء على الروايتين فيما استعملوه هؤلاء من آنيتهم، هل تباح مطلقا، أو لا تباح إلا بعد غسل، وأصلهما يعارض الأصل والغالب.

(تنبيهات) : [أحدها] مراد الخرقي بالطاهر الطاهر غير المقيد، المذكور في صدر كتاب الطهارة. (الثاني) : «انخنست» [من] . انفعلت، مطاوع خنس، من (الخنوس) وهو التأخر والاختفاء، ومنه سميت الكواكب الخمسة - زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد - الخنس. في قوله سبحانه: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [التكوير: ١٥] على قول بعضهم، لأنها تتأخر في رجوعها، بينا تراها في مكان من السماء، حتى تراها راجعة إلى وراء جهتها التي كانت تسير إليها،

270

وقيل: الخنس النجوم كلها، لاختفائها نهارا.

(الثالث) : المزادة بفتح الميم، التي يسميها الناس الراوية، والسطيحة أصغر منها، «وإهالة سنخة» شحم متغير. والله أعلم.

[وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة]

المغنيIbn Qudama

[مَسْأَلَةُ الْغُسْلِ لِلْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ، وُجِدَ مِنْهُ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ،

1,074

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُسْلَ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَالْجَمَّ الْغَفِيرَ أَسْلَمُوا،

1,075

فَلَوْ أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ ظَاهِرًا؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» .

1,076

وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ.

وَلَنَا: مَا رَوَى «قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ قِلَّةِ النَّقْلِ، فَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْجَنَابَةِ فِي شِرْكِهِ،

1,077

فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْبَالِغَ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا،

note

ثُمَّ إنَّ الْخَبَرَ إذَا صَحَّ كَانَ حُجَّةً مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ، حِينَ أَرَادَا الْإِسْلَامَ، سَأَلَا مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَأَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَا: نَغْتَسِلُ، وَنَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُسْتَفِيضًا؛ وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ تَلْحَقُهُ، وَنَجَاسَةٍ تُصِيبُهُ، وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ، وَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ إذَا اغْتَسَلَ، فَأُقِيمَتْ مَظِنَّةُ ذَلِكَ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ، كَمَا أُقِيمَ النَّوْمُ مَقَامَ الْحَدَثِ، وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مَقَامَ الْإِنْزَالِ.

1,078

[فَصْلٌ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ] فَصْلٌ: فَإِنْ أَجْنَبَ الْكَافِرُ ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ فِي كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ غُسْلَ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

1,079

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ الْغُسْلُ فِي الْحَالَيْنِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْغُسْلِ، كَالصِّبَا وَالْجُنُونِ، وَاغْتِسَالُهُ فِي كُفْرِهِ لَا يَرْفَعُ حَدَثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ فِي حَالِ كُفْرِهِ كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْفَعُ حَدَثَهُ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ نِيَّةً مِنْ الصَّبِيِّ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ كَافِرٍ، كَالصَّلَاةِ. وَلَنَا - عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ - أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْبَالِغِينَ الْمُتَزَوِّجِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمَظِنَّةَ أُقِيمَتْ مُقَامَ حَقِيقَةِ الْحَدَثِ، فَسَقَطَ حُكْمُ الْحَدَثِ كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ.

1,080

[فَصْلٌ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ] فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ الْمُسْلِمُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ قَيْسٍ.

1,081

وَيُسْتَحَبُّ إزَالَةُ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ رَجُلًا أَسْلَمَ، فَقَالَ: احْلِقْ. وَقَالَ لِآخَرَ مَعَهُ: أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَأَقَلُّ أَحْوَالِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ.

[مَسْأَلَةٌ الطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالطُّهْرُ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا تَجَوُّزٌ؛

1,082

فَإِنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْحَدَثُ، وَانْقِطَاعُهُ شَرْطُ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَصِحَّتِهِ، فَسَمَّاهُ مُوجِبًا لِذَلِكَ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ: انْقِطَاعُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ. وَالْمُبْطِلُ إنَّمَا هُوَ الْحَدَثُ الْخَارِجُ، لَكِنْ عُفِيَ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ،

1,083

فَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتْ الضَّرُورَةُ، فَظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ حِينَئِذٍ وَأُضِيفَ الْحُكْمُ إلَى الِانْقِطَاعِ؛ لِظُهُورِهِ عِنْدَهُ.

وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فِي أَحَادِيثَ، كَثِيرَةٍ «، فَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ، وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةِ بِنْتِ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَغَيْرِهِنَّ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} يَعْنِي: إذَا اغْتَسَلْنَ.

مُنِعَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا.

وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ؛ فَإِنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْوَلَدِ، فَحِينَ خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ الدَّمُ لِعَدَمِ مَصْرِفِهِ، وَسُمَيٌّ نِفَاسًا

1,084

[فَصْلُ الْوِلَادَةِ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ] فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوِلَادَةُ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.

1,085

وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ الْمُوجِبِ، فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِيجَابِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ؛ وَلِأَنَّهَا يُسْتَبْرَأُ بِهَا الرَّحِمُ أَشْبَهَتْ الْحَيْضَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛

1,086

فَإِنَّ الْوُجُوبَ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالْغُسْلِ هَاهُنَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَلَا مَنِيٍّ؛ وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْإِيجَابِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَظِنَّةٌ. قُلْنَا: الْمَظَانُّ إنَّمَا يُعْلَمُ جَعْلُهَا مَظِنَّةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ، وَالْقِيَاسُ الْآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، ثُمَّ قَدْ اخْتَلَفَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَلَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.

[فَصْلٌ إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ] فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ،

1,087

فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا، صَحَّ غُسْلُهَا، وَزَالَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ،

1,088

وَقَالَ: تَزُولُ الْجَنَابَةَ، وَالْحَيْضُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا تَغْتَسِلُ. إلَّا عَطَاءً، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيْضُ أَكْبَرُ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ،

1,089

وَقَالَ: تَغْتَسِلُ. وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ.

1,090

[فَصْلٌ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ] فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ» .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ الْكَافِرَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَغْتَسِلَ لَمَّا غَسَّلَ أَبَاهُ.» وَلَنَا قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الرَّازِيّ، قَالَ:«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» ؛ وَلِأَنَّهُ غُسْلُ آدَمِيٍّ فَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ كَغُسْلِ الْحَيِّ، وَحَدِيثُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

1,091

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَثْبُتُ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ حَمَلُهُ. وَقَدْ ذُكِرَ لِعَائِشَةِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ " وَمَنْ حَمَلِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ " قَالَتْ: وَهَلْ هِيَ إلَّا أَعْوَادٌ حَمَلَهَا، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِهِ.

1,092

وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ غَسَّلَ أَبَا طَالِبٍ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبْ فَوَارِهِ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي. قَالَ: فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْت.» وَقَدْ قِيلَ: يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ الْحَيِّ. وَلَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ.

1,093

[فَصْلٌ لَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ،

1,094

فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ،

1,095

وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ مِنْ جَمِيعِ مَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْهُ؛ لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.

[مَسْأَلَةُ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالْمُشْرِكِ إذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْمَاءِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ وَالْمُشْرِكُ إذَا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَهُوَ طَاهِرٌ)

1,096

أَمَّا طَهَارَةُ الْمَاءِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَاسَةٌ،

1,097

فَإِنَّ أَجْسَامَهُمْ طَاهِرَةٌ، وَهَذِهِ الْأَحْدَاثُ لَا تَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ.

وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَرَقُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ. وَقَدْ رَوَى «أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت، ثُمَّ جِئْت؛ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَّمَ إلَيْهِ بَعْضُ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا وَأَنَا جُنُبٌ. فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ وَقَالَ لِعَائِشَةَ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَقَالَتْ: إنِّي حَائِضٌ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَيَأْخُذُهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» .

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ «. وَأَجَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَهُودِيًّا دَعَاهُ إلَى خُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ» ؛ وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ كَسَائِرِ مَا فِي الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. وَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ،

1,098

وَمَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ فِي آنِيَتِهِمْ وَثِيَابِهِمْ.

1,099

[فَصْلٌ الْحَائِضُ وَالْكَافِرُ إذَا غَمَسَا أَيْدِيَهُمَا فِي الْمَاءِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا طُهُورِيَّةُ الْمَاءِ،

1,100

فَإِنَّ الْحَائِضَ وَالْكَافِرَ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُمَا يَدَيْهِمَا فِي الْمَاءِ شَيْئًا؛ لِأَنَّ حَدَثَهُمَا لَا يَرْتَفِعُ.

1,101

وَأَمَّا الْجُنُبُ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِهِ فِي الْمَاءِ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طُهُورِيَّتِهِ؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ: غَمَسْت يَدِي فِي الْمَاءِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ ". وَلِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، فَأَشْبَهَ غَمْسَ الْحَائِضِ وَإِنْ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهَا، فَحُكْمُ الْمَاءِ حُكْمُ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْجُنُبُ فِيهِ لِلْجَنَابَةِ.

1,102

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لِيَغْتَرِفَ بِهَا، صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا.

1,103

وَالصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - أَنَّهُ إذَا نَوَى الِاغْتِرَافَ لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا؛ لِأَنَّ قَصْدَ الِاغْتِرَافِ مَنَعَ قَصْدَ غَسْلِهَا، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْمُتَوَضِّئِ إذَا اغْتَرَفَ مِنْ الْإِنَاءِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ.

1,104

وَإِنْ انْقَطَعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَهِيَ كَالْجُنُبِ، فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّفْصِيلِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا فَقَالَ فِي مَوْضِعٍ، فِي الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ يَغْمِسُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ: إذَا كَانَا نَظِيفَيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.

1,105

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: كُنْت لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، ثُمَّ حُدِّثْت عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكَأَنِّي تَهَيَّبْته. وَسُئِلَ عَنْ جُنُبٍ وُضِعَ لَهُ مَاءٌ فَأَدْخَلَ يَدَهُ يَنْظُرُ حَرَّهُ مِنْ بَرْدِهِ؟ قَالَ: إنْ كَانَ إصْبَعًا فَأَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ،

1,106

وَإِنْ كَانَتْ الْيَدُ أَجْمَعَ فَكَأَنَّهُ كَرِهَهُ. وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، وَلَا مَا يَصُبُّ بِهِ عَلَى يَدِهِ، أَتَرَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِفَمِهِ؟ قَالَ: لَا، يَدُهُ وَفَمُهُ وَاحِدٌ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ الْمُجَرَّدَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ.

1,107

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إنْ أَدْخَلَ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْمَاءِ لَمْ يَفْسُدْ،

1,108

وَإِنْ أَدْخَلَ رِجْلَهُ فَسَدَ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ نَجِسٌ، وَعُفِيَ عَنْ يَدِهِ لِمَوْضِعِ الْحَاجَةِ.

وَكَرِهَ النَّخَعِيُّ الْوُضُوءَ بِسُؤْرِ الْحَائِضِ.

1,109

وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ لِلصَّلَاةِ. وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِسُؤْرِهَا بَأْسًا؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى طَهَارَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِيمَا إذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ، فَاسْتَوَيَا فِي الْجَنَابَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ يُرَادُ بِهَا الِاغْتِرَافُ وَقَصْدُهُ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ جَعْلِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا يُغْتَرَفُ بِهَا، فَكَانَ غَمْسُهَا بَعْدَ إرَادَةِ الْغَسْلِ اسْتِعْمَالًا لِلْمَاءِ.

A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.