ولا يصح الرهن إلا أن يكون مقبوضا. من جائز الأمر. والقبض فيه من وجهين،
Its commentaries
كتاب الرهن]
ش: الرهن في اللغة الثبوت والدوام، يقال: ماء راهن. أي راكد، ونعمة راهنة، أي ثابتة دائمة،
وقيل: هو مأخوذ من الحبس، ومنه قوله سبحانه: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: ٢١] أي حبيس بمعنى محبوس، وهو قريب من الأول، لأن المحبوس ثابت في مكانه لا يزايله، وهو في اصطلاح الفقهاء: توثقة دين بعين - أو بدين على قول - يمكن أخذه من ذلك، إن تعذر الوفاء من غيره، وهو جائز بالإجماع، وقد شهد لذلك قَوْله تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: ٢٨٣] .
٢٠١٨ - وفي الصحيحين «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشترى من يهودي طعاما، ورهنه درعا من حديد» .
٢٠١٩ - وفي البخاري «عن عائشة: توفي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير» ، والله أعلم. [اشتراط القبض لصحة الرهن] قال: ولا يصح الرهن إلا أن يكون مقبوضا. ش: ظاهر كلام الخرقي، وابن أبي موسى، وابن عقيل في التذكرة، والقاضي في الجامع الصغير، وابن عبدوس أن القبض شرط في صحة الرهن، والمعروف عند الأصحاب أنه إنما هو شرط للزومه، وعلى ذلك حمل القاضي - فيما أظن - وابن الزاغوني وأبو محمد - كلامه،
وكذلك قال في الهبة أيضا: إن القبض شرط لصحتها، وهو مقتضى كلام طائفة ثم، وقد جعل القاضي في التعليق القبض في الرهن آكد منه في الهبة، معللا بأن استدامة القبض في الرهن شرط فيه،
بخلاف الهبة، وبأن القصد التوثقة، ولا تحصل إلا بالقبض،
بخلاف الهبة، إذ القصد منها الملك، قال: وهو يحصل وإن لم تقبض.
إذا عرف هذا فجعل القبض شرطا للصحة أو للزوم إنما هو في غير المعين المفرز، كقفيز من صبرة، ورطل من زبرة، ونحوهما،
أما المعين كالعبد والدار ونحوهما، والمشاع المعلوم بالنسبة من معين، فهل حكمه حكم ما تقدم، يشترط لصحته أو للزومه القبض؟ وهو مقتضى كلام الخرقي، وأبي بكر في التنبيه، وابن أبي موسى، ونصبها أبو الخطاب والشريف
وقال في الكافي: إنه المذهب لظاهر قَوْله تَعَالَى: {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة: ٢٨٣] وصفها سبحانه بكونها مقبوضة، ولأنه عقد إرفاق أشبه القرض، أو لا يشترط له ذلك، بل يلزم بمجرد العقد
وقال في التلخيص: إنه الأشهر، قياسا على البيع؟ على روايتين.
(تنبيه) : حيث اعتبر اللزوم فذلك في حق الراهن، إذ لا لزوم في حق المرتهن، والله أعلم.
[من يصح منه الرهن] قال: من جائز الأمر. ش: الجار والمجرور في موضع الحال، أي لا يصح الرهن إلا مقبوضا في حال كونه من جائز الأمر، وصاحب الحال محذوف دل عليه السياق، وتقديره: من مقبض جائز الأمر، وهو المكلف، الرشيد، المختار،
فلو رهن وهو كذلك فحجر عليه لجنون، أو سفه، أو فلس لم يصح تقبيضه، بل
ويبطل إذنه في القبض إن كان قد أذن، لأنه نوع تصرف، وتصرف هؤلاء غير صحيح،
وكذلك إن أغمي عليه، نعم يقوم ولي المجنون والسفيه مقامه في ذلك،
وفي المفلس يعتبر إذن الغرماء في القبض،
ولو رهن وهو مختار، ثم أكره على القبض لم يصح ذلك، ويستفاد مما تقدم أنه إذا لم يصح التقبيض من هؤلاء - وإن كان قد وجد الرهن - فلأن لا يصح عقد الرهن بطريق الأولى، والله أعلم. قال: والقبض فيه من وجهين، فإن كان مما ينقل فقبض المرتهن له أخذه إياه من راهنه منقولا، وإن كان مما لا ينقل - كالدور، والأرضين - فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه، لا حائل دونه.
ش: قبض كل شيء بحسبه، على ما جرت العادة فيه، على المشهور
والمختار من الروايتين، فقبض ما ينقل - كالصبر ونحوها - بالنقل.
٢٠٢٠ - «قال ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا، فنهانا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه» . متفق عليه، والنهي عن ذلك لعدم قبضه.
٢٠٢١ - لأن في البخاري عنه أيضا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه» وفي لفظ «حتى يستوفيه» وقبض ما يكال، أو يوزن، أو يعد، أو يذرع، بكيله أو وزنه أو عدده أو ذرعه، نظرا للعرف في ذلك،
ولما تقدم.
٢٠٢٢ - وعن عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا اشتريت فاكتل، وإذا بعت فكل» رواه أحمد والبيهقي، وللبخاري منه كلام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغير إسناد،
وفي رواية للبيهقي «إذا ابتعت كيلا فاكتل، وإذا بعت كيلا فكل» . ٢٠٢٣ - «وعن حكيم بن حزام، وعثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنهما كانا يجلبان الطعام من أرض قينقاع إلى المدينة، فيبيعانه بكيله، فأتى عليهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «ما هذا؟» قالا: جلبناه من أرض كذا وكذا، ونبيعه بكيله، قال: «لا تفعلا ذلك، إذا اشتريتما طعاما فاستوفياه، فإذا بعتماه فكيلاه» رواه البيهقي في سننه، ولا يشترط مع ذلك نقله على المذهب، لظاهر ما تقدم، وفيه احتمال، وشرط الاعتداد بكيل ذلك أو وزنه ونحوهما حضور المشتري أو وكيله، فلو كيل أو وزن بغير حضوره لم يكن قبضا إلا أن يشتري منه مكيلا بعينه، ويدفع إليه ظرفا ويقول: كله لي. فيفعل، فإنه يصير مقبوضا، قال صاحب التلخيص: وفيه نظر إذ الفرق بين كيله في ظرف أو غير ظرف بعيد جدا.
وهل يكتفي بعلم كيل ذلك أو وزنه [ونحو ذلك] عن الكيل والوزن ونحوهما؟ نص أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - في المكيل على روايتين، كما إذا اشترى مكيلا قد شاهد كيله قبل البيع، ولم يغب عنه، (إحداهما) لا يكتفي بذلك، ولا يكون قبضا صحيحا، وهي اختيار أبي بكر، والقاضي.
٢٠٢٤ - لما روي عن جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع، وصاع المشتري» ، رواه ابن ماجه، والبيهقي. واحتج به أحمد في رواية ابن إبراهيم.
٢٠٢٥ - ورواه البيهقي من رواية أبي هريرة أيضا، وزاد «فيكون للبائع الزيادة، وعليه النقصان» (والثانية) يكتفي بذلك، قبضا صحيحا، إذ المقصود معرفة المقدار وقد حصل، وعلى هذا للمشتري التصرف فيه بذلك، وليس له مطالبة البائع بكيل، وإن ادعى نقصانه لم يقبل منه، وعلى الأول تنعكس هذه الأحكام، وظاهر كلام المجد، وغيره الاكتفاء بعلم ذلك في غير المكيل، وصاحب التلخيص أجرى ذلك في الوزن أيضا فقال فيما اشتري بكيل أو وزن، وقبض بمعياره، ثم بيع من بائعه، أن فيه الروايتين.
(تنبيه) : فإن كان المبيع في الكيل، وعقد البيع الثاني، ففرغه المشتري الثاني، صح القبض، وأغنى عن الاستئناف، انتهى.
وقبض ما يتناول - كالجواهر، والأثمان، ونحوهما - بالتناول، إذ العرف فيها ذلك، وقبض الحيوان بمشيه من مكانه. وما عدا ذلك - كالدور، والعقار، والثمرة على الشجرة، ونحو ذلك - بالتخلية بينه وبين مرتهنه، من غير حائل بينهما، بأن يفتح له باب الدار، أو يسلم إليه مفتاحها، ونحو ذلك، وإن كان فيها متاع للراهن، وعن أحمد رواية أخرى أن قبض جميع الأشياء بالتخلية مع التمييز، قياسا على العقار ونحوه.
ومقتضى كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه لم يجعل للقبض إلا وجهين فقط، النقل، والتخلية، فقد يقال في الجواهر ونحوها: إن تناولها نقل لها، لأنها انتقلت من يد البائع إلى يد المشتري، وكيل المكيل ونحوه نقله من محله إلى محل آخر، وخلاصته أن صفات النقل تختلف، وأحال الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بيانها على موقف، ثم إنه - رَحِمَهُ اللَّهُ - لم يتعرض لصفة القبض فيما يعتبر له القبض في البيع، فليعتمد هنا.
وقوله: أخذ من راهنه. إشارة إلى أنه لا بد في القبض من التسليم من الراهن، أو ما يقوم مقامه، وهو إذنه في ذلك، أما إن لم يوجد واحد منهما فإن وجود ذلك كعدمه، على المعروف المجزوم به، وفي التلخيص في الهبة حكاية رواية بصحة قبض ما قبضه المتهب بدون إذن الواهب، فيخرج هنا كذلك، ولا معرج على ذلك، أما على المذهب فلو كان الرهن في يد المرتهن، بإعارة، أو وديعة، ونحو ذلك، ففي اشتراط إذنه له في القبض روايتان، وقيل: وجهان، فإن اشترط فلا بد من مضي زمن يتأتى القبض فيه، فإذا كان المرهون حاضرا بين يدي الراهن، اكتفي بمضي مدة يتأتى قبض ذلك فيها، فاكتياله أو وزنه، أو نقله حسب ما هو، وإن كان في بيته، أو دكانه، ونحو ذلك، فلا بد من أن يمضي إليه، ويشاهد المرهون، ليتحقق التمكين، ثم بعد ذلك تمضي مدة يمكن القبض فيها على ما ذكر، وإن لم يشترط الإذن ففي اعتبار مضي زمن يتأتى القبض فيه وجهان، والله أعلم.
كِتَابُ الرَّهْنِ] ِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ. يُقَالُ: مَاءٌ رَاهِنٌ. أَيْ رَاكِدٌ. وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ. أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ.
وَقِيلَ: هُوَ مِنْ الْحَبْسِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وَقَالَ: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ، وَلَا يُفَارِقُهُ. وَغَلْقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ. وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ: الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَهُوَ جَائِزٌ. بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ،
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَتُقْرَأُ: فَرِهَانٌ. وَالرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، وَالرُّهُنُ: جَمْعُ الْجَمْعِ. قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ» .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ.
[فَصْلٌ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ] (٣٢٧٢) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الْحَضَرِ، كَمَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي ذَلِكَ، إلَّا مُجَاهِدًا، قَالَ: لَيْسَ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ السَّفَرَ فِي الرَّهْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ، وَكَانَا بِالْمَدِينَةِ.» وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فِي السَّفَرِ، فَجَازَتْ فِي الْحَضَرِ، كَالضَّمَانِ.
فَأَمَّا ذِكْرُ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِكَوْنِ الْكَاتِبِ يُعْدَمُ فِي السَّفَرِ غَالِبًا، وَلِهَذَا لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْكَاتِبِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ مَعَهُ أَيْضًا.
[فَصْلٌ الرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ] (٣٢٧٣) فَصْلٌ: وَالرَّهْنُ غَيْرُ وَاجِبٍ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، كَالضَّمَانِ وَالْكِتَابَةِ. وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . إرْشَادٌ لَنَا لَا إيجَابٌ عَلَيْنَا، بِدَلِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} . وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهِ عِنْدَ إعْوَازِ الْكِتَابَةِ، وَالْكِتَابَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا.
[فَصْلٌ لَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ] (٣٢٧٤) فَصْلٌ: وَلَا يَخْلُو الرَّهْنُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ، أَحَدُهَا، أَنْ يَقَعَ بَعْدَ الْحَقِّ، فَيَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى أَخْذِ الْوَثِيقَةِ بِهِ، فَجَازَ أَخْذُهَا بِهِ كَالضَّمَانِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ:{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . فَجَعَلَهُ بَدَلًا عَنْ الْكِتَابَةِ، فَيَكُونُ فِي مَحَلِّهَا، وَمَحَلُّهَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَقِّ،
وَفِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُ:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} . فَجَعَلَهُ جَزَاءً لِلْمُدَايِنَةِ مَذْكُورًا بَعْدَهَا بِفَاءِ التَّعْقِيبِ الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَقَعَ الرَّهْنُ مَعَ الْعَقْدِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ، فَيَقُولُ: بِعْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ إلَى شَهْرٍ، تَرْهَنُنِي بِهَا عَبْدَك سَعْدًا. فَيَقُولُ: قَبِلْت ذَلِكَ. فَيَصِحُّ أَيْضًا. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ثُبُوتِهِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْقِدْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْحَقِّ،
وَيَشْتَرِطْ فِيهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إلْزَامِ الْمُشْتَرِي عَقْدَهُ، وَكَانَتْ الْخِيرَةُ إلَى الْمُشْتَرِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْذُلُهُ، فَتَفُوتُ الْوَثِيقَةُ بِالْحَقِّ.
الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَرْهَنَهُ قَبْلَ الْحَقِّ، فَيَقُولُ: رَهَنْتُك عَبْدِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا. فَلَا يَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي. وَذَكَرَ الْقَاضِي: أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّهُ يَصِحُّ.
فَمَتَى قَالَ: رَهَنْتُك ثَوْبِي هَذَا بِعَشْرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا غَدًا. وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ، ثُمَّ أَقْرَضَهُ الدَّرَاهِمَ، لَزِمَ الرَّهْنُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ، فَجَازَ عَقْدُهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ، كَالضَّمَانِ، أَوْ فَجَازَ انْعِقَادُهَا عَلَى شَيْءٍ يَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، كَضَمَانِ الدَّرْكِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِحَقِّ لَا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهُ كَالشَّهَادَةِ، وَلِأَنَّ الرَّهْنَ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، فَلَا يَسْبِقُهُ، كَالشَّهَادَةِ، وَالثَّمَنُ لَا يَتَقَدَّمُ الْبَيْعَ.
وَأَمَّا الضَّمَانُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّتَهُ،
وَإِنْ سَلَّمْنَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بِالْقَوْلِ، فَجَازَ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ ثَابِتٍ، كَالنَّذْرِ،
بِخِلَافِ الرَّهْنِ. [فَصْلٌ لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ] (٣٢٧٥) مَسْأَلَةٌ قَالَ (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ) يَعْنِي لَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَا يَلْزَمُ رَهْنُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَفِيمَا عَدَّاهُمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَالْأُخْرَى، يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، كَالْبَيْعِ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا، فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي. وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ خَاصَّةً. وَلَيْسَ بِصَحِيحِ؛
فَإِنَّ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ مَعَ عُمُومِهِ، قَدْ أَتْبَعَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ التَّعْمِيمِ،
وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فَقَبْضُهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا،
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَقَبْضُهُ بِتَخْلِيَةِ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَقَدْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الدَّارِ وَالْجَارِيَةِ إذَا رَدَّهَا إلَى الرَّاهِنِ: لَمْ يَكُنْ رَهْنًا فِي الْحَالِ. وَهَذَا كَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْتَزِمُ الرَّهْنَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَلْزَمُ بِالْقَبْضِ، فَلَزِمَ قَبْلَهُ، كَالْبَيْعِ.
وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مَقْبُوضَةً، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبُولِ، فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ، كَالْقَرْضِ، وَلِأَنَّهُ رَهْنٌ لَمْ يُقْبَضْ، فَلَا يَلْزَمُ إقْبَاضُهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَلَا يُشْبِهُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَلَيْسَ بِإِرْفَاقِ. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ:" مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ ". يَعْنِي أَنَّ الرَّاهِنَ الَّذِي يَرْهَنُ وَيَقْبِضُ، يَكُونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، وَلَا يَكُونُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ فَلَسٍ، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي حَالِ رَهْنِهِ وَإِقْبَاضِهِ؛
لِأَنَّ الْعَقْدَ وَالتَّسْلِيمَ لَيْسَ بِوَاجِبِ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَصِحَّ، وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَصَرُّفٍ فِي الْمَالِ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ، كَالْبَيْعِ.
فَإِنْ جُنَّ أَحَدُ الْمُتَرَاهِنَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ مَاتَ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِجُنُونِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ مَوْتِهِ، كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ مَقَامَهُ،
فَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الرَّاهِنَ، وَكَانَ الْحَظُّ فِي التَّقْبِيضِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي بَيْعٍ يَسْتَضِرُّ بِفَسْخِهِ وَنَحْوَهُ أَقْبَضَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْحَظُّ فِي تَرْكِهِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ تَقْبِيضُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ الْمُرْتَهِنَ، قَبَضَهُ وَلِيُّهُ إنْ اخْتَارَ الرَّاهِنُ،
وَإِنْ امْتَنَعَ لَمْ يُجْبَرْ.
وَإِذَا مَاتَ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْقَبْضِ.
فَإِنْ مَاتَ الرَّاهِنُ، لَمْ يَلْزَمْ وَرَثَتُهُ تَقْبِيضَهُ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الرَّاهِنِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هَذَا الدَّيْنِ، فَأَحَبَّ الْوَرَثَةُ تَقْبِيضَ الرَّهْنِ، جَازَ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ سِوَاهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ تَخْصِيصُ الْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْن سَعِيدٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ، أَخْذًا مِمَّا نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَاتَ الرَّاهِنُ أَوْ أَفْلَسَ، فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الْقَبْضِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ قَبْلَهُ. وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا نَقَلَهُ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ وَهَذَا عَامٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يَضْعُفُ جِدًّا لِنُدْرَتِهَا، فَكَيْفَ يُعَارَضُ بِهِ الْخَاصُّ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبْضُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَيَكُونُ الرَّهْنُ قَدْ لَزِمَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَوَجَبَ تَقْبِيضُهُ عَلَى الرَّاهِنِ، فَكَذَلِكَ عَلَى وَارِثِهِ.
وَيَخْتَصُّ هَذَا بِمَا عَدَّا الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ،
وَأَمَّا مَا لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ فِيهِ، فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ تَقْبِيضُهُ؛ لِأَنَّ الْغُرَمَاءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهُمْ بِالتَّرِكَةِ قَبْلَ لُزُومِ حَقِّهِ فِي الرَّهْنِ، فَلَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الرَّاهِنُ، إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ فِي التَّرِكَةِ، وَوَفَاءَ الدَّيْنِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ إذَا لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ؟ قُلْنَا: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرْضَى الْغُرَمَاءُ بِتَسْلِيمِهِ إلَيْهِ، فَيَتِمُّ الرَّهْنُ. وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَمَا بَعْدَهُ؛ لِكَوْنِ الْإِذْنِ يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ وَالْمَوْتِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْحَجْرِ.
[فَصْلٌ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِفَلْسِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ] (٣٢٧٦) فَصْلٌ وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الرَّاهِنِ لِفَلْسِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَسْلِيمُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْصِيصًا لِلْمُرْتَهِنِ بِثَمَنِهِ، وَلَيْسَ لَهُ تَخْصِيصُ بَعْضِ غُرَمَائِهِ.
وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونِ، عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ.
وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وَلَيْسَ لَأَحَدٍ تَقْبِيضُهُ؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَكُنْ لَأَحَدٍ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ أَيْضًا.
وَانْتُظِرَ إفَاقَتُهُ، وَإِنْ خَرِسَ، وَكَانَتْ لَهُ كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ، أَوْ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَكَلِّمِينَ، إنْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ وَلَا كِتَابَتُهُ، لَمْ يَجُزْ الْقَبْضُ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ قَدْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مِنْ لَمْ يَأْذَنْ؛ لِأَنَّ إذْنَهُمْ يَبْطُلُ بِمَا عَرَضَ لَهُمْ. وَجَمِيعُ هَذَا تَنَاوَلَهُ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: مِنْ جَائِزِ الْأَمْرِ ". وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ جَائِزَ الْأَمْرِ.
[فَصْلٌ تَصْرِف الرَّاهِن فِي الرَّهْن قَبْل الْقَبْض بِهِبَةِ أَوْ بَيْع أَوْ عِتْق] (٣٢٧٧) فَصْلٌ إذَا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ فِي الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ، بِهِبَةِ أَوْ بَيْعٍ أَوْ عِتْقٍ، أَوْ جَعَلَهُ صَدَاقًا، أَوْ رَهَنَهُ ثَانِيًا، بَطَلَ الرَّهْنُ الْأَوَّلُ، سَوَاءٌ قَبَضَ الْهِبَةَ وَالْمَبِيعَ وَالرَّهْنَ الثَّانِيَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، أَوْ فَعَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ ذَلِكَ،
وَإِنْ دَبَّرَ الْعَبْدَ، أَوْ أَجَرَهُ، أَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّصَرُّفَ لَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ.
وَلِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ، فَلَا يَقْطَعُ اسْتَدَامَتْهُ كَاسْتِخْدَامِهِ.
وَإِنْ كَاتَبَ الْعَبْدَ، انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ رَهْنِ الْمُكَاتَبِ،
فَإِنْ قُلْنَا: يَجُوزُ رَهْنُهُ. لَمْ يَبْطُلْ رَهْنُهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ. بَطَلَ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ.
[فَصْلٌ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ] فَصْلٌ: وَاسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ.
فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْمُرْتَهِنُ عَنْ يَدِهِ بِاخْتِيَارِهِ، زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ، وَبَقِيَ الْعَقْدُ، كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَبْضٌ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ بِإِجَارَةِ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِذَا عَادَ فَرَدَّهُ إلَيْهِ، عَادَ اللُّزُومُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا ارْتَهَنَ دَارًا، ثُمَّ أَكْرَاهَا صَاحِبُهَا، خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ،
فَإِذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ، صَارَتْ رَهْنًا.
وَقَالَ فِي مَنْ رَهَنَ جَارِيَةً، ثُمَّ سَأَلَ الْمُرْتَهِنَ أَنْ يَبْعَثَهَا إلَيْهِ لِتَخْبِزَ لَهُمْ، فَبَعَثَ بِهَا، فَوَطِئَهَا: انْتَقَلَتْ مِنْ الرَّهْنِ،
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا، فَلَا شَيْءَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ رَهْنًا فِي تِلْكَ الْحَالِ،
فَإِذَا رَدَّهَا رَجَعَتْ إلَى الرَّهْنِ. وَمِمَّنْ أَوْجَبَ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ،
فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: ابْتِدَاءُ الْقَبْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. فَأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِدَامَةُ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ، يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِي الِابْتِدَاءِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِدَامَةِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قُلْنَا: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ. كَانَ شَرْطًا فِي الِاسْتِدَامَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ لَيْسَتْ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ فِي ابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ اسْتَدَامَتْهُ كَالْهِبَةِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} . لِأَنَّهَا إحْدَى حَالَتَيْ الرَّهْنِ، فَكَانَ الْقَبْضُ فِيهَا شَرْطًا، كَالِابْتِدَاءِ. وَيُفَارِقُ الْهِبَةَ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي ابْتِدَائِهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ،
فَإِذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْقَبْضِ ثَانِيًا، وَالرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ مِنْ بَيْعِهِ، وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ ثَمَنِهِ،
فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ بَيْعِهِ، وَلَمْ تَحْصُلْ وَثِيقَةٌ.
وَإِنْ أُزِيلَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ لِغَيْرِ حَقٍّ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ إبَاقِ الْعَبْدِ، أَوْ ضَيَاعِ الْمَتَاعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لَمْ يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ ثَابِتَةٌ حُكْمًا، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَزُلْ.
[فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِن] (٣٢٧٩) فَصْلٌ: وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بِإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَقْبِيضُهُ، فَاعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي قَبْضِهِ، كَالْوَاهِبِ.
فَإِنْ تَعَدَّى الْمُرْتَهِنُ، فَقَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَقْبِضْ.
وَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَهُ، زَالَ حُكْمُ الْإِذْنِ.
وَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِذْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ لَزِمَ لِاتِّصَالِ الْقَبْضِ بِهِ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ لِزَوَالِ الْقَبْضِ، اُعْتُبِرَ الْإِذْنُ فِي الْقَبْضِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ الرَّهْنُ، أَشْبَهَ الْأَوَّلَ، وَيَقُومُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ مَقَامَهُ، مِثْلُ إرْسَالِهِ الْعَبْدَ إلَى مُرْتَهِنِهِ، وَرَدِّهِ لِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ إلَى يَدِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِذْنِ، فَاكْتُفِيَ بِهِ، كَدُعَاءِ النَّاسِ إلَى الطَّعَامِ، وَتَقْدِيمِهِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَجْرِي مَجْرَى الْإِذْنِ فِي أَكْلِهِ.
[مَسْأَلَةٌ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ] (٣٢٨٠) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَالْقَبْضُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فَقَبْضُ الْمُرْتَهِنِ لَهُ أَخْذُهُ إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِهِ مَنْقُولًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كَالدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، فَقَبْضُهُ تَخْلِيَةُ رَاهِنِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ، لَا حَائِلَ دُونَهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَبْضَ فِي الرَّهْنِ كَالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ،
فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ أَوْ تَنَاوُلُهُ،
وَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا، أَوْ شَيْئًا خَفِيفًا يُمْكِنُ قَبْضُهُ بِالْيَدِ، فَقَبْضُهُ تَنَاوُلُهُ بِهَا،
وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا، رَهَنَهُ بِالْكَيْلِ، أَوْ مَوْزُونًا، رَهَنَهُ بِالْوَزْنِ، فَقَبْضُهُ اكْتِيَالُهُ أَوْ اتِّزَانُهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا سَمَّيْت الْكَيْلَ فَكِلْ» .
وَإِنْ ارْتَهَنَ الصُّبْرَةَ جُزَافًا، أَوْ كَانَ ثِيَابًا أَوْ حَيَوَانًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:«كُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنْ الرُّكْبَانِ جُزَافًا. فَنَهَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ غَيْرَ مَنْقُولٍ، كَالْعَقَارِ وَالثَّمَرَةِ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَقَبْضُهُ التَّخْلِيَةُ بَيْنَ مُرْتَهِنِهِ وَبَيْنَهُ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ، بِأَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَ الدَّارِ، أَوْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ مِفْتَاحَهَا.
وَإِنْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَفِيهَا قُمَاشٌ لِلرَّاهِنِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهَا بِمِلْكِ الرَّاهِنِ، لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ، كَالثَّمَرَةِ فِي الشَّجَرَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَهُ دَابَّةً عَلَيْهَا حِمْلٌ لِلرَّاهِنِ، فَسَلَّمَهَا إلَيْهِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ.
وَلَوْ رَهَنَ الْحِمْلَ وَهُوَ عَلَى الدَّابَّةِ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ بِحِمْلِهَا، صَحَّ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ حَصَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَيَكُونُ مَوْجُودًا فِي الرَّهْنِ مِنْهُمَا.
[فَصْلٌ رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لَا يُنْقَلُ] (٣٢٨١) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لَا يُنْقَلُ. خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، سَوَاءٌ حَضَرَ الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا كَالْجَوْهَرَةِ يَرْهَنُ نِصْفَهَا، فَقَبْضُهَا تَنَاوُلُهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهَا إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكِ،
فَإِنْ رَضِيَ الشَّرِيكُ، تَنَاوَلَهَا، وَإِنْ امْتَنَعَ الشَّرِيكُ، فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ بِكَوْنِهَا فِي يَدِ الشَّرِيكِ، جَازَ، وَنَابَ عَنْهُ فِي الْقَبْضِ،
وَإِنْ تَنَازَعَ الشَّرِيكُ وَالْمُرْتَهِنُ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ عَدْلًا تَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا وَإِنْ نَاوَلَهَا الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِغَيْرِ رِضَا الشَّرِيكِ فَتَنَاوَلَهَا،
فَإِنْ قُلْنَا: اسْتِدَامَةُ الْقَبْضِ شَرْطٌ.
لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ التَّنَاوُلُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِشَرْطِ. فَقَدْ حَصَلَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ فِي يَدِهِ مَعَ التَّعَدِّي فِي غَيْرِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا فَسَلَّمَهُ إلَيْهِ مَعَ ثَوْبٍ لِغَيْرِهِ، فَتَنَاوَلَهُمَا مَعًا.
وَلَوْ رَهَنَهُ ثَوْبًا، فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ أَحَدَهُمَا، لَمْ يَثْبُتْ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ أَقْبِضهُ الرَّهْنَ،
فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ الرَّهْنُ، تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّسْلِيمِ.
وَإِنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الثَّوْبَيْنِ مَعًا، حَصَلَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا.
[فَصْلٌ رَهْنه دَارًا فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُمَا فِيهَا ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِن] (٣٢٨٢) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَهُ دَارًا، فَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَهُمَا فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ الرَّاهِنُ، صَحَّ الْقَبْضُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَعْد خُرُوجِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ فِي الدَّارِ فَيَدُهُ عَلَيْهَا، فَمَا حُصِلَتْ التَّخْلِيَةُ. وَلَنَا، أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بِقَوْلِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا وَعَدَمِ الْمَانِعِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا خَارِجِينَ عَنْهَا،
وَلَا يَصِحُّ مَا ذَكَرَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ خُرُوجَ الْمُرْتَهِنِ مِنْهَا لَا يُزِيلُ يَدَهُ عَنْهَا، وَدُخُولَهُ إلَى دَارِ غَيْرِهِ لَا يُثْبِتُ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهُ بِخُرُوجِهِ عَنْهَا مُحَقِّقٌ لِقَوْلِهِ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ التَّخْلِيَةِ.
[فَصَلِّ رَهْنه مَالًا لَهُ فِي يَد الْمُرْتَهِن عَارِيَّة أَوْ وَدِيعَة أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوه] (٣٢٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ مَالًا لَهُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ عَارِيَّةً أَوْ وَدِيعَةً أَوْ غَصْبًا أَوْ نَحْوَهُ، صَحَّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لَهُ يُمْكِنُ قَبْضُهُ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَد لُزُومُ الرَّهْنِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ زَائِدٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا حُصِلَتْ الْوَدِيعَةُ فِي يَدِهِ بَعْد الرَّهْنِ، فَهُوَ رَهْنٌ. فَلَمْ يَعْتَبِرْ أَمْرًا زَائِدًا؛
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ ثَابِتَةٌ، وَالْقَبْضُ حَاصِلٌ.
وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لَا غَيْرُ، وَيُمْكِنْ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ مَعَ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ. كَمَا لَوْ طُولِبَ الْوَدِيعَةِ فَجَحَدَهَا لِتَغَيُّرِ الْحُكْمِ، وَصَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ زَائِدٍ.
وَلَوْ عَادَ الْجَاحِدُ، فَأَقَرَّ بِهَا،
وَقَالَ لِصَاحِبِهَا: خُذْ وَدِيعَتَك. فَقَالَ: دَعْهَا عِنْدَك وَدِيعَةً كَمَا كَانَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْك فِيهَا. لَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ حُدُوثِ أَمْرٍ زَائِدٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِيرُ رَهْنًا حَتَّى تَمْضِيَ مُدَّةً يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا،
فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِيهَا،
وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُهُ فِيهَا،
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ،
وَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَصِرْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُوَافِيَهُ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِ أَوْ بِإِمْكَانِهِ، وَيَكْفِي ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ، لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً.
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا، فَهُوَ كَتَلَفِ الرَّهْنِ قَبْلَ قَبَضَهُ. ثُمَّ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ مِنْ الرَّاهِنِ فِي الْقَبْضِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، يَفْتَقِرُ، لِأَنَّهُ قَبْضٌ يَلْزَمُ بِهِ عَقْدٌ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِغَيْرِ إذْنٍ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَإِقْرَارُهُ فِي يَدِهِ لَا يَكْفِي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمَغْصُوبَ فِي يَدِ غَاصِبِهِ مَعَ إمْكَانِ أَخْذِهِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنٍ فِي الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَهُ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى الْقَبْضُ فِيهَا، لَمْ يَلْزَمْ الرَّهْنُ. حَتَّى يَعُودَ فَيَأْذَنَ، ثُمَّ تَمْضِي مُدَّةٌ يَقْبِضُهُ فِي مِثْلِهَا.
[فَصْلٌ رَهْنه الْمَضْمُون كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّة وَالْمَقْبُوض فِي بَيْع فَاسِد أَوْ عَلَى تَوَجَّهَ السَّوْم] (٣٢٨٤) فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَهُ الْمَضْمُونَ، كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْمَقْبُوضِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ، أَوْ عَلَى تَوَجُّهِ السَّوْمِ. صَحَّ، وَزَالَ الضَّمَانُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَزُولُ الضَّمَانُ، وَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الرَّهْنِ، وَالْحُكْمُ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا فِيهِ يَبْقَى بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ صَارَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ. وَهُوَ رَهْنٌ كَمَا كَانَ، فَكَذَلِكَ ابْتِدَاؤُهُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الرَّهْنِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي إمْسَاكِهِ رَهْنًا لَمْ يَتَجَدَّدْ مِنْهُ فِيهِ عُدْوَانٌ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبِضهُ إيَّاهُ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ ضَمَانِهِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا. مَمْنُوعٌ؛
فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَدُهُ عَادِيَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَتُهَا، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ لَهُ، وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ يَدُ أَمَانَةٍ. وَيَدُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَنَحْوِهِمَا يَدٌ ضَامِنَةٌ، وَهَذَانِ مُتَنَافِيَانِ. وَلِأَنَّ السَّبَبَ الْمُقْتَضِيَ لِلضَّمَانِ زَالَ، فَزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ إلَى مَالِكِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الْغَصْبُ وَالْعَارِيَّةُ وَنَحْوُهُمَا، وَهَذَا لَمْ يَبْقَ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ مَعَ زَوَالِ سَبَبِهِ وَحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ،
وَأَمَّا إذَا تَعَدَّى فِي الرَّهْنِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لِعُدْوَانِهِ، لَا لِكَوْنِهِ غَاصِبًا وَلَا مُسْتَعِيرًا، وَهَا هُنَا قَدْ زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ، وَلَمْ يَحْدُثْ مَا يُوجِبهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ.
[فَصْلٌ وَكَّلَ الْمُرْتَهِن الرَّاهِن فِي قَبَضَ الرَّهْن لَهُ مِنْ نَفْسه] (٣٢٨٥) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ، وَيَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِهِ مَقَامَ قَبْضِهِ، فِي لُزُومِ الرَّهْنِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ.
وَإِنْ وَكَّلَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ فِي قَبْضِ الرَّهْنِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِيَ الْحَقَّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنْ الرَّاهِنِ،
فَإِذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ لَمْ يَحْصُلْ مَعْنَى الْوَثِيقَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْبَيْعِ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ دَفَعَ إلَى الْبَائِعِ غِرَارَةً،
وَقَالَ: كُلُّ حَقِّي فِي هَذِهِ. فَفَعَلَ، كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا. فَيَخْرُجُ هَاهُنَا كَذَلِكَ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الرَّاهِن بِتَقْبِيضِ الرَّهْن أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِن بِقَبْضِهِ] (٣٢٨٦) فَصْلٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِتَقْبِيضِ الرَّهْنِ، أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِقَبْضِهِ، كَانَ ذَلِكَ مَقْبُولًا فِيمَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا فِيهِ.
وَإِنْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِالتَّقْبِيضِ، ثُمَّ أَنْكَرَهُ،
وَقَالَ: أَقْرَرْت بِذَلِكَ وَلَمْ أَكُنْ قَبَّضْت شَيْئًا. أَوْ أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِالْقَبْضِ، ثُمَّ أَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ لَهُ،
فَإِنْ طَلَبَ الْمُنْكِرُ يَمِينَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَلْزَمُهُ يَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ،
وَلَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ وَطَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَ خَصْمِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ.
وَالثَّانِي، يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي مَنْصُوصِهِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَبْضِ قَبْلَهُ، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ،
وَيَلْزَمُ خَصْمَهُ الْيَمِينُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْعَادَةِ، وَهَذَا أَجْوَدُ. وَيُفَارِقُ الْبَيِّنَةَ، فَإِنَّهَا لَا تَشْهَدُ بِالْحَقِّ قَبْلَهُ،
وَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً عَادِلَةً.
وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَ الْمُقِرُّ غَائِبًا، فَقَالَ: أَقْرَرْت لِأَنَّ وَكِيلِي كَتَبَ إلَيَّ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَانَ لِي خِلَافُهُ. سَمِعْنَا قَوْلَهُ، وَأَحْلَفْنَا خَصْمَهُ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ عَادَ فَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، لَمْ يَحْلِفْ خَصْمُهُ.
وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ،
فَأُمًّا إنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَّضْته. وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ فَالْأَصْلُ مَعَهُ، وَهُوَ عَدَمُ الْإِقْبَاضِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ،
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَقَدْ وُجِدَ الْقَبْضُ، لِكَوْنِهِ لَا يَحْصُلُ فِي يَدِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: أَخَذْته بِغَيْرِ إذْنِي. قَالَ: بَلْ بِإِذْنِك. وَهُوَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهُ،
فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ وُجِدَ، وَيَدُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِحَقِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ قَبْضِهَا] (٣٢٨٧) فَصْلٌ: وَإِذَا رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ، فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ قَبْضِهَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهَا دُونَ الْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا فِيهِمَا، وَإِنَّمَا طَرَأَ انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي إحْدَاهُمَا، فَلَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، ثُمَّ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبِ أَوْ خِيَارٍ أَوْ إقَالَةٍ، وَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِ الْبَاقِيَةِ وَبَيْنَ مَنْعِهَا.
وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بَعْد قَبْضِ الْأُخْرَى، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا،
فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بِكَمَالِهِ،
فَإِنْ رَضِيَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِ التَّالِفَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَلْزَمْ فِيهَا، وَتَكُونُ الْمَقْبُوضَةُ رَهْنًا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَلَوْ تَلِفَتْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ بَعْد الْقَبْضِ، فَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَوْ تَلِفَ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ،
فَإِذَا تَلِفَ بَعْضُهُ أَوْلَى.
ثُمَّ إنْ كَانَ تَلَفُهَا بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، فَقَدْ لَزِمَ الرَّهْنُ فِيهَا،
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِ الْأُخْرَى، فَالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إقْبَاضِهَا وَبَيْنَ تَرْكِهِ،
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَقْبِيضِهَا، ثَبَتَ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَتْلَفْ الْأُخْرَى.
[فَصْلٌ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا] (٣٢٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ رَهَنَهُ دَارًا فَانْهَدَمَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا، لَمْ يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهَا لَمْ تَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ،
فَإِنَّ عَرْصَتَهَا وَأَنْقَاضَهَا بَاقِيَةٌ، وَيَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الْخِيَارُ إنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّبَتْ وَنَقَصَتْ قِيمَتُهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ كَمَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ؟ قُلْنَا: الْإِجَارَةُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةِ السُّكْنَى، وَقَدْ تَعَذَّرَتْ وَعَدِمَتْ، فَبَطَلَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالرَّهْنُ عَقْدُ اسْتِيثَاقٍ يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْيَانِ الَّتِي فِيهَا الْمَالِيَّةُ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ.
فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْعَرْصَةُ وَالْأَنْقَاضُ مِنْ الْأَخْشَابِ وَالْأَحْجَارِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَرَدَ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْيَانِ وَالْأَنْقَاضُ مِنْهَا، وَمَا دَخَلَ فِي الْعَقْدِ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ.
[فَصْلٌ كُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا] (٣٢٨٩) فَصْلٌ: وَكُلُّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا جَازَ رَهْنُهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الِاسْتِيثَاقُ بِالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلَى اسْتِيفَائِهِ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُهَا، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كَانَ مَحَلًّا لِحِكْمَةِ الرَّهْنِ، وَمَحِلُّ الشَّيْءِ مَحِلُّ حِكْمَتِهِ، إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ مِنْ ثُبُوتِهِ، أَوْ يَفُوتَ شَرْطٌ، فَيَنْتَفِيَ الْحُكْمُ لِانْتِفَائِهِ، فَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ لِذَلِكَ.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَالِكٌ، وَالْبَتِّيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسَوَّارٌ، وَالْعَنْبَرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ مِنْ شَرِيكِهِ، أَوْ يَرْهَنَهَا الشَّرِيكَانِ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَرْهَنَ رَجُلًا دَارِهِ مِنْ رَجُلَيْنِ، فَيَقْبِضَانِهَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ مَقْصُودُهُ لِمَعْنًى اتَّصَلَ بِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ، بَيَانُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ الدَّائِمُ، وَالْمُشَاعُ لَا يُمْكِنُ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَهُ، لِأَنَّ شَرِيكَهُ يَنْتَزِعُهُ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، وَلِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ شَرْطٌ، وَهَذَا يَسْتَحِقُّ زَوَالَ الْيَدِ عَنْهُ لِمَعْنًى قَارَنَ الْعَقْدَ، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَلَنَا، أَنَّهَا عَيْنٌ يَجُوزُ بَيْعُهَا فِي مَحِلِّ الْحَقِّ، فَيَصِحُّ رَهْنُهَا كَالْمُفْرَزَةِ.
وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَبْسُ، بَلْ مَقْصُودُهُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَالْمُشَاعُ قَابِلٌ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِرَهْنِ الْقَاتِلِ وَالْمُرْتَدِّ وَالْمَغْصُوبِ، وَرَهْنِ مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ غَيْرِ وِلَايَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ.
[فَصْلٌ رَهَنَ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ] (٣٢٩٠) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ بَعْضَ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُشَاعِ، كَمَا يَصِحُّ أَنْ يَرْهَنَ جَمِيعَهُ، سَوَاءٌ رَهَنَهُ مُشَاعًا فِي نَصِيبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَرْهَنَ نِصْفَ نَصِيبِهِ، أَوْ يَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفُ دَارٍ فَيَرْهَنَ نَصِيبَهُ مِنْ بَيْتٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِهِ مِنْ مُعَيَّنٍ مِنْ شَيْءٍ تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ، فَيَحْصُلُ الرَّهْنُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَصَحَّ رَهْنُهُ كَغَيْرِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الرَّهْنِ بِمَا يَضُرُّ بِالْمُرْتَهِنِ، فَيُمْنَعُ مِنْ الْقِسْمَةِ الْمُضِرَّةِ، كَمَا يُمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ.
[فَصْلٌ رَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجَانِي] (٣٢٩١) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُرْتَدِّ وَالْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْجَانِي، سَوَاءٌ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْقَاتِلِ فِي الْمُحَارَبَةِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَانِي. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِي هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِهِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوْضِعِهِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِحَالِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَأَشْبَهَ الْمُشْتَرِيَ إذَا عَلِمَ الْعَيْبَ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، ثُمَّ عَلِمَ بَعْد إسْلَامِ الْمُرْتَدِّ وَفِدَاءِ الْجَانِي، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ زَالَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ زَالَ عَيْبُ الْمَبِيعِ.
وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَهُ رَدُّهُ وَفَسْخُ الْبَيْعِ إنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ بَيْعٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ اقْتَضَاهُ سَلِيمًا،
فَإِذَا سَلَّمَ إلَيْهِ مَعِيبًا، مَلَكَ الْفَسْخَ، كَالْبَيْعِ،
وَإِنْ اخْتَارَ إمْسَاكَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَرْشٌ وَلَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ بِجُمْلَتِهِ لَوْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، لَمْ يَمْلِكْ بَدَلَهُ، فَبَعْضُهُ أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى قُتِلَ الْعَبْدُ بِالرِّدَّةِ أَوْ الْقِصَاصِ، أَوْ أُخِذَ فِي الْجِنَايَةِ، فَلَا أَرْشَ لِلْمُرْتَهِنِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الْأَرْشَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْمَبِيعَ عِوَضٌ عَنْ الثَّمَنِ،
فَإِذَا فَاتَ بَعْضَهُ، رَجَعَ بِمَا يُقَابِلهُ مِنْ الثَّمَنِ،
وَلَوْ فَاتَ كُلُّهُ، مِثْلَ أَنْ يَتْلَفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ، رَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ، وَالرَّهْنُ لَيْسَ بِعِوَضٍ،
وَلَوْ تَلِفَ كُلُّهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَمَا اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِبَدَلِ عَيْنِهِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهِ؟
وَإِنْ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنْ فِدَاءِ الْجَانِي، لَمْ يُجْبَرْ، وَيُبَاعُ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مُقَدَّمٌ عَلَى الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حَدَّثَتْ الْجِنَايَةُ بَعْدَ الرَّهْنِ.
فَعَلَى هَذَا إنْ اسْتَغْرَقَ الْأَرْشُ قِيمَتَهُ، بِيعَ وَبَطَلَ الرَّهْنُ،
وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهَا، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْأَرْشِ، وَالْبَاقِي رَهْنٌ.
[فَصْلٌ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ] (٣٢٩٢) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُدَبَّرِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. بِنَاءً عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ. وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ تُوجَدُ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ.
وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدٌ يُقْصَدُ مِنْهُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ الْعَيْنِ، أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ. وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةِ لَا تَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ حُلُولِ الْحَقِّ. وَمَا ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَيُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالصِّفَةِ،
فَإِذَا عَتَقَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ، وَالدَّيْنُ فِي الْمُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَهُ بِالتَّدْبِيرِ، وَيَقْدُمُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ حُصُولَ الْمَقْصُودِ.
وَالْحُكْمُ فِيمَا إذَا عُلِمَ التَّدْبِيرُ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ، كَالْحُكْمِ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي، عَلَى مَا فُصِّلَ فِيهِ.
وَمَتَى مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ الْوَفَاءِ، فَعَتَقَ الْمُدَبَّرُ، بَطَلَ الرَّهْنُ،
وَإِنْ عَتَقَ بَعْضُهُ، بَقِيَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَالٌ يَفْضُلُ عَنْ وَفَاءِ الدَّيْنِ، بِيعَ الْمُدَبَّرُ فِي الدَّيْنِ، وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّدْبِيرِ، وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ، بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وَعَتَقَ مِنْهُ ثُلُثُ الْبَاقِي، وَمَا بَقِيَ لِلْوَرَثَةِ.
[فَصْلٌ رَهْن الْمَكَاتِب] (٣٢٩٣) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْقَبْضِ فِي الرَّهْنِ شَرْطٌ فِي الصَّحِيحِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَا يُؤَدِّيه مِنْ نُجُوم كِتَابَتِهِ رَهْنًا مَعَهُ،
فَإِنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فِيهِ وَفِي اكْتِسَابِهِ،
وَإِنْ عَتَقَ كَانَ مَا أَدَّاهُ مِنْ نُجُومِهِ رَهْنًا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَسَبَ الْعَبْدُ الْقِنُّ، ثُمَّ مَاتَ.
(٣٢٩٤) فَصْلٌ: وَأَمَّا مَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةِ تَحِلُّ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، كَمَنْ عُلِّقَ عِتْقُهُ بِهِلَالِ رَمَضَانَ، وَمَحَلُّ الْحَقِّ آخِرُهُ، لَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ عِنْدَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلَا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ قَبْلَهَا، مِثْلُ أَنْ يُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِآخِرِ رَمَضَانَ، وَالْحَقُّ يَحِلُّ فِي أَوَّلِهِ، صَحَّ رَهْنُهُ؛ لِإِمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ،
فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَالِ مَحِلٌّ لِلرَّهْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى حَتَّى يَسْتَوْفِيَ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُدَبَّرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَّرَا، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ رَهْنُ الْجَارِيَةِ] (٣٢٩٥) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ رَهْنُ الْجَارِيَةِ دُونَ وَلَدِهَا، وَرَهْنُ وَلَدِهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، فَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ تَفْرِقَةٌ، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الْوَلَدِ مَعَ أُمِّهِ، وَالْأُمِّ مَعَ وَلَدِهَا،
فَإِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهَا فِي الدَّيْنِ، بِيعَ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ فِي الْعَقْدِ مُمْكِنٌ، وَالتَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا حَرَامٌ، فَوَجَبَ بَيْعُهُ مَعَهَا.
فَإِذَا بِيعَا مَعًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الثَّمَنِ،
فَإِذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً، مَعَ أَنَّهَا ذَاتُ وَلَدٍ، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ خَمْسُونَ، فَحِصَّتُهَا ثُلُثَا الثَّمَنِ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُرْتَهِنُ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ عَلِمَ، فَلَهُ الْخِيَارُ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ عَيْبٌ فِيهَا، لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهَا بِدُونِهِ،
فَإِنْ أَمْسَكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلِمَ حَالَ الْعَقْدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهَا،
وَإِنْ رَدَّهَا فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ، إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِيهِ.
[فَصْلٌ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ] (٣٢٩٦) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ إصْلَاحُهُ بِالتَّجْفِيفِ، كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ، أَوْ لَا يُمْكِنُ، كَالْبِطِّيخِ وَالطَّبِيخِ.
ثُمَّ إنْ كَانَ مِمَّا يُجَفَّفُ، فَعَلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ حِفْظِهِ وَتَبْقِيَتِهِ، فَلَزِمَ الرَّاهِنَ، كَنَفَقَةِ الْحَيَوَانِ.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجَفَّفُ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ، وَيَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ، إنْ كَانَ حَالًّا، أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ،
وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، جَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ رَهْنًا، سَوَاءٌ شَرَطَ فِي الرَّهْنِ بَيْعَهُ أَوْ أَطْلَقَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ قَبْلَ مَحِلِّ الدَّيْنِ، فَشَرَطَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بَيْعَهُ وَجَعَلَ ثَمَنَهُ مَكَانَهُ، صَحَّ.
وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ قَبْلَ حُلُولِ الْحَقِّ لَا يَقْتَضِيه عَقْدُ الرَّهْنِ، فَلَمْ يَجِبْ، وَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيهِ وَجْهَيْنِ، كَالْقَوْلَيْنِ.
وَلَنَا، أَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ،
فَإِذَا تَعَيَّنَ حِفْظُهُ فِي بَيْعِهِ، حُمِلَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْعَقْدِ، كَتَجْفِيفِ مَا يَجِفُّ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْحَيَوَانِ، وَحِرْزِ مَا يَحْتَاجُ إلَى حِرْزٍ.
وَأَمَّا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُبَاعَ، فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ مَا يَتَضَمَّنُ فَسَادَهُ، وَفَوَاتَ الْمَقْصُودِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُجَفِّفَ مَا يَجِفُّ، أَوْ لَا يُنْفِقَ عَلَى الْحَيَوَانِ.
وَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ إنْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ الرَّاهِنُ أَوْ غَيْرُهُ، بَاعَهُ.
وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ، وَجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، وَلَا يَقْضِي الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَعْجِيلُ وَفَاءِ الدَّيْنِ قَبْلَ حُلُولِهِ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ رَهَنَهُ ثِيَابًا فَخَافَ تَلَفَهَا، أَوْ حَيَوَانًا وَخَافَ مَوْتَهُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي مَنْ رَهَنَ ثِيَابًا يَخَافُ فَسَادَهَا، كَالصُّوفِ: أَتَى السُّلْطَانَ، فَأَمَرَهُ بِبَيْعِهَا.
[فَصْلٌ رَهْن الْعَصِيرِ] (٣٢٩٧) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ رَهْنُ الْعَصِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْمَالِيَّةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِهِ، كَالْمَرِيضِ وَالْجَانِي.
ثُمَّ إنْ اسْتَحَالَ إلَى حَالٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ الْمَالِيَّةِ، كَالْخَلِّ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ،
وَإِنْ صَارَ خَمْرًا زَالَ لُزُومُ الْعَقْدِ، وَوَجَبَتْ إرَاقَتُهُ،
فَإِنْ أُرِيقَ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ.
وَإِنْ عَادَ خَلًّا، عَادَ اللُّزُومُ، بِحُكْمِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ.
وَإِنْ اسْتَحَالَ خَمْرًا قَبْلَ قَبْضِ الْمُرْتَهِنِ لَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وَلَمْ يَعُدْ بِعَوْدِهِ خَلًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ الْقَبْضِ فِيهِ، فَأَشْبَهَ إسْلَامَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْعَصِيرَ إذَا اسْتَحَالَ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ثُمَّ إذَا عَادَ خَلًّا، عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِهِ، مَرْهُونًا بِالْعَقْدِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ مَمْلُوكًا بِحُكْمِ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ، فَيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ زَالَ بِزَوَالِ الْمِلْكِ، فَيَعُودُ بِعَوْدِهِ.
وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ حَالَةَ كَوْنِهِ عَصِيرًا،
وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ قِيمَةٌ، فَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ الْجَانِي، وَلِأَنَّ الْيَدَ لَمْ تَزُلْ عَنْهُ حُكْمًا، وَلِهَذَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ مِلْكًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ،
وَلَوْ زَالَتْ يَدُهُ، لَكَانَ مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ أَرَاقَهُ فَجَمَعَهُ إنْسَانٌ، فَتَخَلَّلَ فِي يَدِهِ، كَانَ لَهُ، دُونَ مَنْ أَرَاقَهُ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ قَوْلُنَا الْأَوَّلُ فِي الْمَعْنَى، إلَّا أَنْ يَقُولُوا بِبَقَاءِ اللُّزُومِ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ خَمْرًا.
وَلَمْ يَظْهَرْ لِي فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَوْدِهِ رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِهِ خَلًّا، وَأَرَى الْقَوْلَ بِبَقَائِهِ رَهْنًا أَقْرَبَ إلَى الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَوْ بَطَلَ لَمَا عَادَ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ.
فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ عَوْدُهُ صَحِيحًا لِعَوْدِ الْمَعْنَى الَّذِي بَطَلَ بِزَوَالِهِ، كَمَا أَنَّ زَوْجَةَ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَتْ خَرَجَتْ مِنْ حُكْمِ الْعَقْدِ، لِاخْتِلَافِ دِينِهِمَا،
فَإِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ فِي الْعِدَّةِ، عَادَتْ الزَّوْجِيَّةُ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لِزَوَالِ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ.
قُلْنَا: هُنَاكَ مَا زَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَا بَطَلَ الْعَقْدُ،
وَلَوْ بَطَلَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَمَا عَادَ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا الْعَقْدُ كَانَ مَوْقُوفًا مُرَاعًى،
فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَبْطُلْ،
وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ بَطَلَ، وَهَا هُنَا قَدْ جَزَمْتُمْ بِبُطْلَانِهِ.
[فَصْلٌ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بَدْو صَلَاحِهَا] (٣٢٩٨) فَصْلٌ: وَهَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ أَوْ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ يَقِلُّ فِيهِ،
فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مَتَى تَلِفَتْ، عَادَ إلَى حَقِّهِ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَجَازَ رَهْنُهُ،
وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ بِيعَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ، كَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْمَبِيعِ الَّذِي يُشْتَرَطُ، قَبْضُهُ، كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ قَبْلَ قَبْضِهِ لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَحَقٌّ، فَيُمْكِنُ الْمُشْتَرِيَ قَبْضُهُ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ.
أَمَّا الْبَيْعُ فَإِنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ.
[فَصْلٌ رَهْنِ الْمُصْحَفِ] (٣٢٩٩) فَصْلٌ: وَفِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ. نَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْهُ: أَرْخَصَ فِي رَهْنِ الْمُصْحَفِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيْعِهِ، وَبَيْعُهُ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَالثَّانِيَةُ، يَصِحُّ رَهْنُهُ. فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا رَهَنَ مُصْحَفًا لَا يَقْرَأُ فِيهِ إلَّا بِإِذْنِهِ. فَظَاهِرُ هَذَا صِحَّةُ رَهْنِهِ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ فَصَحَّ رَهْنُهُ، كَغَيْرِهِ.
[فَصْلٌ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا يَرْهَنُهُ] (٣٣٠٠) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنَّ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا يَرْهَنُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَعَارَ مِنْ الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُهُ عَلَى دَنَانِيرَ مَعْلُومَةٍ، عِنْدَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الْمُرْتَهَنَ، وَالْقَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَجِنْسَهُ، وَمُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، فَاحْتِيجَ إلَى ذِكْرِهِ، كَأَصْلِ الرَّهْنِ،
وَمَتَى شَرَطَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَخَالَفَ، وَرَهَنَهُ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي هَذَا الرَّهْنِ، فَأَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِقَدْرِ مِنْ الْمَالِ، فَنَقَصَ عَنْهُ، مِثْلُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي رَهْنِهِ بِمِائَةِ، فَيَرْهَنُهُ بِخَمْسِينَ، صَحَّ؛ لِأَنَّ مَنْ أَذِنَ فِي مِائَةٍ، فَقَدْ أَذِنَ فِي خَمْسِينَ.
وَإِنْ رَهَنَهُ بِأَكْثَرَ، مِثْلُ أَنَّ رَهَنَهُ بِمِائَةِ وَخَمْسِينَ، احْتَمَلَ أَنْ يَبْطُلَ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: ارْهَنْهُ بِدَنَانِيرَ. فَرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِحَالٍّ فَرَهَنَهُ بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ. فَرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِائَةِ،
وَيَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَنَاوَلَ مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، فَجَازَ فِيمَا دُونَ غَيْرِهِ، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَيُفَارِقُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأُصُولِ؛
فَإِنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فِيهِ بِحَالٍّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ لَا يُوجَدُ فِي الْآخَرِ،
فَإِنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ فِي الْحَالِّ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْأَجَلِ وَبِالْعَكْسِ. وَقَدْ يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِهِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ بِالْمُخَالَفَةِ،
وَفِي مَسْأَلَتِنَا إذَا صَحَّ فِي الْمِائَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْغَرَضُ،
فَإِنْ أَطْلَقَ الرَّهْنَ فِي الْإِذْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ، وَلَهُ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْآخَرُ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَ الَّذِي يَرْهَنُهُ بِهِ، وَصِفَتَهُ، وَحُلُولَهُ، وَتَأْجِيلَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ، لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالْعَارِيَّةُ مَا أَفَادَتْ الْمَنْفَعَةَ، إنَّمَا حَصَّلَتْ لَهُ نَفْعًا يَكُونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عَنْهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ فِي ذِمَّتِهِ، وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ. وَلَنَا، أَنَّهَا عَارِيَّةٌ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِهَا ذِكْرُ ذَلِكَ، كَالْعَارِيَّةِ لِغَيْرِ الرَّهْنِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ أَنَّهُ قَبَضَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ، مُنْفَرِدًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، فَكَانَ عَارِيَّةً، كَقَبْضِهِ لِلْخِدْمَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ضَمَانٌ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الرَّقَبَةِ، وَلِأَنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ فِي حَقِّ الضَّامِنِ، وَهَذَا لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْعَبْدِ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَإِلْزَامُ الْمُسْتَعِيرِ بِفِكَاكِهِ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَنَافِعَ لِلسَّيِّدِ. قُلْنَا: الْمَنَافِعُ مُخْتَلِفَةٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَائِرَ الْمَنَافِعِ لِلسَّيِّدِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَارَهُ لِحِفْظِ مَتَاعٍ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَخِيطُ لِسَيِّدِهِ. أَوْ يَعْمَلُ لَهُ شَيْئًا، أَوْ اسْتَعَارَهُ لِيَخِيطَ لَهُ، وَيَحْفَظَ الْمَتَاعَ لِسَيِّدِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ عَارِيَّةً لَمَا صَحَّ رَهْنُهُ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ، وَالرَّهْنُ لَازِمٌ.
قُلْنَا: الْعَارِيَّةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ مِنْ جِهَةِ الْمُسْتَعِيرِ؛
فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِهِ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ. وَلِأَنَّ الْعَارِيَّةَ قَدْ تَكُونُ لَازِمَةً، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ أَرْضًا لِيَدْفِنَ فِيهَا، أَوْ لِيَزْرَعَ فِيهَا مَا لَا يُحْصَدُ قَصِيلًا. إذْ ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ بِمَا شَاءَ، إلَى أَيْ وَقْتٍ شَاءَ، مِمَّنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَتَنَاوَلُ الْكُلَّ بِإِطْلَاقِهِ، وَلِلسَّيِّدِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفِكَاكِ الرَّهْنِ، حَالًا كَانَ أَوْ مُؤَجَّلًا، فِي مَحِلِّ الْحَقِّ وَقَبْلَ مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تَلْزَمُ.
وَمَتَى حَلَّ الْحَقُّ فَلَمْ يَقْبِضْهُ، فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ. وَاسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُعِيرُ عَلَى الرَّاهِنِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمُسْتَعَارَةِ، أَوْ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا بِيعَتْ بِهِ، سَوَاءٌ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ أَكْثَرَ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا إنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، رَجَعَ بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّة مَضْمُونَةٌ، فَيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِهَا،
وَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ، رَجَعَ بِمَا بِيعَتْ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِلْكٌ لِلْمُعِيرِ، فَيَكُونُ ثَمَنُهُ كُلُّهُ لَهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَسْقَطَ الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ عَنْ الرَّاهِنِ، رَجَعَ الثَّمَنُ كُلُّهُ إلَى صَاحِبِهِ.
فَإِذَا قَضَى بِهِ دَيْنَ الرَّاهِنِ، رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ،
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ ضَمَانِ النَّقْصِ أَنْ لَا تَكُونَ الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ، كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا بِعَيْنِهِ،
وَإِنْ تَلَفَ الرَّهْنُ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ أَوْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ. نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ.
[فَصْلٌ فَكَّ الْمُعَيَّر الرَّهْن وَأَدَّى الدِّين الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِن] (٣٣٠١) فَصْلٌ: وَإِنْ فَكَّ الْمُعِيرُ الرَّهْنَ، وَأَدَّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ قَضَاهُ مُتَبَرِّعًا، لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ.
وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُحْتَسِبًا بِالرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَهَلْ يَرْجِعُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا إذَا قَضَى دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَيَتَرَجَّحُ الرُّجُوعُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ لَهُ الْمُطَالَبَةَ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ، وَأَدَاءُ دَيْنِهِ فِكَاكُهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ.
وَإِنْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنُ لِلْمُعِيرِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ بِهَا نَفْعًا، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا ضَرَرًا،
وَإِنْ قَالَ: أَذِنْت لِي فِي رَهْنِهِ بِعَشْرَةٍ. قَالَ: بَلْ بِخَمْسَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فَقَضَاهُ حَالًّا بِإِذْنِهِ، رَجَعَ بِهِ حَالًّا،
وَإِنْ قَضَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَرْجِعُ بِهِ حَالًّا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِفِكَاكِ عَبْدِهِ فِي الْحَالِّ.
[فَصْلٌ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُل عَبْدًا لِيَرْهَنَّهُ بِمِائَةِ فَرَهْنه عِنْدَ رَجُلَيْنِ] (٣٣٠٢) فَصْلٌ: وَلَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا لِيَرْهَنهُ بِمِائَةٍ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، صَحَّ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ مَا يَرْهَنُ بِهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَكَذَلِكَ مَنْ يَرْهَنُ عِنْدَهُ، وَلِأَنَّ رَهْنَهُ مِنْ رَجُلَيْنِ أَقَلُّ ضَرَرًا مِنْ رَهْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَكُّ مِنْهُ بَعْضُهُ بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ رَهْنًا عِنْدَ وَاحِدٍ. فَعَلَى هَذَا، إذَا قَضَى أَحَدُهُمَا مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ، خَرَجَ نَصِيبُهُ مِنْ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْوَاحِدِ مَعَ الِاثْنَيْنِ عَقْدَانِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَرَهَنَهُ عِنْدَ وَاحِدٍ بِمِائَةٍ، فَقَضَاهُ نِصْفَهَا عَنْ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَنْفَكُّ مِنْ الرَّهْنِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَاهِنٍ وَاحِدٍ، مَعَ مُرْتَهِنٍ وَاحِدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ.
وَالثَّانِي، يَنْفَكُّ نِصْفُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إنَّمَا أَذِنَ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ بِخَمْسِينَ، فَلَا يَكُونُ رَهْنًا بِأَكْثَرَ مِنْهَا، كَمَا لَوْ صَرَّحَ لَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ارْهَنْ نَصِيبِي بِخَمْسِينَ، لَا تَزِدْ عَلَيْهَا.
فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ عَالِمًا بِذَلِكَ، فَلَا خِيَارَ لَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ، وَالرَّهْنُ مَشْرُوطٌ فِي بَيْعٍ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الرَّهْنِ وَثِيقَةٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وَقَدْ فَاتَهُ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ خِيَارٌ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ لَهُ كُلُّهُ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ، وَهُوَ دَخَلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ رَهَنَ هَذَا الْعَبْدَ عِنْدَ رَجُلَيْنِ، فَقَضَى أَحَدَهُمَا، انْفَكَّ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُعِيرَيْنِ مِنْ نِصْفِهِ.
وَإِنْ قَضَى نِصْفَ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
وَفِي الْآخَرِ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ فَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ] (٣٣٠٣) فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدَانِ، فَأَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي رَهْنِ نَصِيبِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، فَرَهَنَاهُمَا عِنْدَ رَجُلٍ مُطْلَقًا، صَحَّ،
فَإِنْ شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنَّنِي مَتَى قَضَيْت مَا عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي رَهَنْته،
وَفِي الْعَبْدِ الْآخَرِ، أَوْ فِي قَدْرِ نَصِيبِي مِنْ الْعَبْدِ الْآخَرِ. فَهَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَنْفَكَّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ رَهْنٌ عَلَى دَيْنٍ آخَرَ، وَيَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ نَقْصًا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكُلُّ شَرْطٍ فَاسِدٍ يُنْقِصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ.
فَأَمَّا إنْ شَرَطَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنْ الْعَبْدِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، فَهُوَ فَاسِدٌ، أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بِغَيْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ رَهْنٌ بِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْقُصُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ، فَهَلْ يَفْسُدُ الرَّهْنُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
[فَصْلٌ رَهْنُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ] (٣٣٠٤) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْوَقْفِ، وَالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ.
وَلَوْ رَهَنَ الْعَيْنَ الْمَرْهُونَةَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَجُزْ.
فَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: زِدْنِي مَا لَا يَكُونُ الرَّهْنُ الَّذِي عِنْدَك رَهْنًا بِهِ وَبِالدَّيْنِ الْأَوَّلِ. لَمْ يَجُزْ.
وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ زَادَهُ رَهْنًا جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا زَادَ فِي دَيْنِ الرَّهْنِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ فَدَى الْمُرْتَهِنُ الْعَبْدَ الْجَانِي بِإِذْنِ الرَّاهِنِ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْمَالِ الْأَوَّلِ وَبِمَا فَدَاهُ بِهِ، جَازَ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ، فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ فِيهَا كَالضَّمَانِ وَلَنَا، أَنَّهَا عَيْنٌ مَرْهُونَةٌ، فَلَمْ يَجُزْ رَهْنُهَا بِدَيْنٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ رَهَنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ،
فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ اسْتِيثَاقٍ،
بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْجَانِي فَيَصِحُّ فِدَاؤُهُ، لِيَكُونَ رَهْنًا بِالْفِدَاءِ وَالْمَالِ الْأَوَّلِ، لِكَوْنِ الرَّهْنِ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الْأَرْشِ بِالْجَانِي، لِكَوْنِ الْجِنَايَةِ أَقْوَى، وَلِأَنَّ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ الْمُطَالَبَةَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الرَّهْنِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الْجَائِزِ قَبْلَ قَبْضِهِ،
وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَهُ فِي الرَّهْنِ الْجَائِزِ حَقًّا قَبْلَ لُزُومِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ جَائِزًا بِالْجِنَايَةِ، وَيُفَارِقُ الرَّهْنُ الضَّمَانَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ لِغَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَرَهَنَهُ بِحَقٍّ ثَانٍ كَانَ رَهْنًا بِالْأَوَّلِ خَاصَّةً،
فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ يَعْتَقِدَانِ فَسَادَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِهِ،
وَإِنْ اعْتَقَدَا صِحَّتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِالْحَقَّيْنِ مُطْلَقًا، بَلْ يَشْهَدَانِ بِكَيْفِيَّةِ الْحَالِ، لِيَرَى الْحَاكِمُ فِيهِ رَأْيَهُ.
[فَصْلٌ رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ] (٣٣٠٥) فَصْلٌ: وَأَمَّا رَهْنُ سَوَادِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، فَكَذَلِكَ رَهْنُهَا. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ بِنَائِهَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تُرَابِهَا أَوْ مِنْ الشَّجَرِ الْمُجَدَّدِ فِيهَا، إنْ أَفْرَدَهُ بِالْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ؛ إحْدَاهُمَا: يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ طَلْقٌ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا رَهْنُهُ، فَهُوَ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ.
وَإِنْ رَهَنَهُ مَعَ الْأَرْضِ، بَطَلَ فِي الْأَرْضِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْبِنَاءِ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ رَهْنُهَا مُنْفَرِدَةً؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
[فَصْلٌ رَهْنُ الْمَجْهُولِ] (٣٣٠٦) فَصْلٌ: وَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ،
فَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك هَذَا الْجِرَابَ أَوْ الْبَيْتَ أَوْ الْخَرِيطَةَ بِمَا فِيهَا. لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
وَإِنْ لَمْ يَقْلُ: بِمَا فِيهَا. صَحَّ رَهْنُهَا؛ لِلْعِلْمِ بِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ، كَالْجِرَابِ الْخَلِقِ وَنَحْوِهِ.
وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ. لَمْ يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ.
وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلْعِلْمِ فِي الرَّهْنِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْبَيْعِ،
وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْآبِقِ وَلَا الْجَمَلِ الشَّارِدِ، وَلَا غَيْرِ مَمْلُوكٍ.
[فَصْلٌ رَهَنَ عَبْدًا أَوْ بَاعَهُ يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا فَبَانَ مِلْكُهُ] (٣٣٠٧) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا، أَوْ بَاعَهُ، يَعْتَقِدُهُ مَغْصُوبًا، فَبَانَ مِلْكُهُ، مِثْلُ إنْ رَهَنَ عَبْدَ أَبِيهِ، فَبَانَ أَنَّ أَبَاهُ قَدْ مَاتَ، وَصَارَ الْعَبْدُ مِلْكَهُ بِالْمِيرَاثِ، أَوْ وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِي لَهُ عَبْدًا مِنْ سَيِّدِهِ،
ثُمَّ إنَّ الْمُوَكِّلَ بَاعَ الْعَبْدَ أَوْ رَهَنَهُ، يَعْتَقِدُهُ لِسَيِّدِهِ الْأَوَّلِ، فَبَانَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ بَعْدَ شِرَاءِ الْوَكِيلِ لَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ، وَصَادَفَ مِلْكَهُ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ عَلِمَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا.
[فَصْلٌ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَار] (٣٣٠٨) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمَبِيعَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي وَالْخِيَارُ لَهُ وَحْدَهُ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفُهُ،
وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ
وَكَذَلِكَ بَيْعُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ. وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَرَهَنَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ الَّتِي لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْلَ الرُّجُوعِ فِيهَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ رَهَنَ مَالًا يَمْلِكُهُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَهَنَ الْأَبُ الْعَيْنَ الَّتِي وَهَبَهَا لِابْنِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ فِيهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِلشَّافِعِي فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ فِيهَا. وَلَنَا، أَنَّهُ رَهَنَ مَا لَا يَمْلِكُهُ. بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
[فَصْلٌ رَهَنَ ثَمَرَة شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ] (٣٣٠٩) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ ثَمَرَةَ شَجَرٍ يَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ، فَرَهَنَ الثَّمَرَةَ الْأُولَى إلَى مَحِلٍّ تَحْدُثُ الثَّانِيَةُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، فَالرَّهْنُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ حِينَ حُلُولِ الْحَقِّ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ كَانَ مَجْهُولًا حِينَ الْعَقْدِ، وَكَمَا لَوْ رَهَنَهُ إيَّاهَا بَعْدَ اشْتِبَاهِهَا.
فَإِنْ شَرَطَ قَطْعَ الْأُولَى إذَا خِيفَ اخْتِلَاطُهَا بِالثَّانِيَةِ، صَحَّ.
فَإِنْ كَانَ الْحِمْلُ الْمَرْهُونُ بِحَقِّ حَالًّا، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ تَتَمَيَّزُ مِنْ الْأُولَى إذَا حَدَثَتْ، فَالرَّهْنُ صَحِيحٌ.
فَإِنْ وَقَعَ التَّوَانِي فِي قَطْعِ الْأُولَى حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِالثَّانِيَةِ، وَتَعَذَّرَ التَّمَيُّزُ، لَمْ يَبْطُلْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، وَقَدْ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهُ. فَعَلَى هَذَا إنْ سَمْحَ الرَّاهِنُ بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ رَهْنًا، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى قَدْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهُمَا، فَحَسَنٌ،
وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِي قَدْرِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
[فَصْلٌ رَهَنَ مَنَافِع دَارِ شَهْرًا] (٣٣١٠) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَهُ مَنَافِعَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهِ، وَالْمَنَافِعُ تَهْلِكُ إلَى حُلُولِ الْحَقِّ.
وَإِنْ رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ وَغَيْرُ مَمْلُوكَةٍ.
[فَصْلٌ رَهَنَ الْمَكَاتِب مِنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ] (٣٣١١) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْمُكَاتَبُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بَيْعَهُ. وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ مَعَهُ فِي الْكِتَابَةِ.
وَلَوْ رَهَنَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى السَّيِّدِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ. فَقَدْ صَارَ حُرًّا بِشِرَائِهِ إيَّاهُ.
[فَصْلٌ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ أَوْ بَاعَهَا وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنِ] (٣٣١٢) فَصْلٌ: وَلَوْ رَهَنَ الْوَارِثُ تَرِكَةَ الْمَيِّتِ، أَوْ بَاعَهَا، وَعَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَصِحُّ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِي، فَلَمْ يَصِحَّ رَهْنُهُ، كَالْمَرْهُونِ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَصَرُّفٌ صَادَفَ مِلْكَهُ، وَلَمْ يُعَلِّقْ بِهِ حَقًّا، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ رَهَنَ الْمُرْتَدَّ.
وَفَارَقَ الْمَرْهُونَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ،
فَأَمَّا فِي مَسْأَلَتنَا فَالْحَقُّ تَعَلَّقَ بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُ. وَهَكَذَا كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِهِ، كَالزَّكَاةِ وَالْجِنَايَةِ، فَلَا يَمْنَعُ رَهْنَهُ،
فَإِذَا رَهَنَهُ، ثُمَّ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ،
وَإِنْ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ، فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزَاعُهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ أَسْبَقُ، وَالْحُكْمُ فِيهِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَانِي. وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ تَصَرَّفَ فِي التَّرِكَةِ، ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ مَبِيعٌ بَاعَهُ الْمَيِّتُ بِعَيْبٍ ظَهَرَ فِيهِ، أَوْ حَقٌّ تَجَدَّدَ تَعَلُّقُهُ بِالتَّرِكَةِ، مِثْلُ إنْ وَقَعَ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ حَفَرَهُ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ نَافِذٍ،
فَإِنْ قَضَى الْحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ نَفَذَ، وَإِلَّا فُسِخَ الْبَيْعُ وَالرَّهْنُ.
[فَصْلٌ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرِ] (٣٣١٣) فَصْلٌ: قَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِهِ، إذَا شَرَطَا كَوْنَهُ عَلَى يَدِ مُسْلِمٍ، وَيَبِيعُهُ الْحَاكِمُ إذَا امْتَنَعَ مَالِكُهُ. وَهَذَا أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.