وإذا فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله فهو أحق به. إلا أن يشأ تركه، ويكون أسوة الغرماء.
Its commentaries
باب المفلس]
باب المفلس ش: المفلس في عرف الفقهاء من فلسه الحاكم بالحجر عليه، وسببه أن يكثر دينه على ماله، ويطلب ذلك الغرماء، على ما يأتي إن شاء الله تعالى، والفلس في اللغة ذهاب المال غير الفلوس، قال ابن فارس: يقال: أفلس الرجل. إذا صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم،
وقيل: هو العدم، يقال: أفلس بالحجة إذا عدمها،
وقيل: هو من قولهم: تمر مفلس. إذا خرج منه نواه، فهو خروج الإنسان من ماله، وعلى هذا سمي المفلس مفلسا،
وإن كان له مال يضيق عن دينه، لأن ماله مستحق للصرف، أشبه من لا مال له، أو باعتبار ما يؤول إليه، لأنه يؤول إلى أنه لا شيء له.
٢٠٣٩ - وفي الصحيحين أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لأصحابه: «أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله إن المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيئاتهم فرد عليه، ثم طرح في النار» فأخبرت الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عن المفلس في عرفهم ولغتهم، وهو الذي لا شيء له، فقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هذا الفلس كلا فلس، إنما الفلس المعتبر، الذي معه الحسرة العظيمة، والفقر الدائم، هو فلس الآخرة، حتى إن فلس الدنيا عنده بمنزلة الغنى.
٢٠٤٠ - ونحو هذا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس» والله أعلم. قال: وإذا فلس الحاكم رجلا فأصاب أحد الغرماء عين ماله فهو أحق به. ش: إذا ثبت على شخص دين حال ببينة أو إقرار، وماله أقل منه - قال ابن حمدان: أو قدره، ولا كسب له، ولا ما ينفق عليه منه، أو خيف تصرفه فيه. انتهى - فسأل غرماؤه - قال في التلخيص: أو بعضهم ودينهم أكثر من ماله، وحكى ابن حمدان ذلك قولا. انتهى - الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجر على معاذ، وباع ماله [في دينه.
٢٠٤١ - فروى البيهقي في سننه عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حجر على معاذ بن جبل ماله، وباعه] في دين كان عليه، وكان معاذ شابا حليما سمحا، من أفضل شباب قومه، ولم يكن يمسك شيئا، فلم يزل يدان، حتى أغرق ماله كله في الدين، فأتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكلم غرماءه، فلو تركوا أحدا من أجل أحد لتركوا معاذا من أجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فباع لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني ماله، حتى قام معاذ بغير شيء» . ٢٠٤٢ - وكذلك حجر عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - على الأسيفع، أسيفع جهينة.
فإذا حجر الحاكم عليه - وهو معنى تفليسه له - ترتب بذلك أحكام (أحدها) تعلق حق غرمائه بماله، فلا يقبل إقراره عليه، ولا يصح تصرفه المستأنف فيه، إلا بالعتق على رواية، وخرج بقيد «المستأنف» الرد بالعيب فيما اشتراه قبل الحجر، والفسخ لخيار مشترط كذلك، فإن تصرفه في ذلك صحيح، لكن هل يتقيد بالأحظ؟ وفي التلخيص أنه قياس المذهب بناء على إجبار المفلس على اكتساب المال بما لا منة عليه فيه، أو لا يتقيد بذلك، وهو المشهور، لعدم استقرار العقد إذا؟ فيه قولان، وبقيد «المال» التصرف في الذمة، وكذلك التصرف في البضع، وفي الدم، وفي النسب، (والحكم الثاني) بيع الحاكم ماله، وقسم ثمنه بين غرمائه لما تقدم، (الثالث) : انقطاع المطالبة عنه ما دام كذلك، لظهور عسرته، ووجوب إنظاره إلى ميسرته.
(الرابع) : أن من وجد من الغرماء متاعه بعينه عنده فهو أحق به من بقية الغرماء، بمعنى أن له فسخ البيع، وأخذ سلعته، بشروط تذكر إن شاء الله تعالى، وهذه مسألة الكتاب.
٢٠٤٣ - وذلك لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس، أو إنسان قد أفلس فهو أحق به» وفي رواية متاعه بعينه متفق عليهما. ٢٠٤٤ - ومن ثم قضى بذلك عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، رواه عنه البيهقي، ولقد بالغ إمامنا - رَحِمَهُ اللَّهُ - في اتباع السنة كما هو دأبه، فقال: لو أن حاكما حكم أنه أسوة الغرماء، ثم رفع إلى رجل يرى العمل بالحديث، رد حكم الحاكم. ومقتضى كلام الخرقي أن الفسخ والرجوع لا يفتقر إلى حكم حاكم، وهو كذلك، لثبوت ذلك بالنص، فهو كخيار المعتقة ومن ثم أجاز أحمد نقض حكم من حكم بخلاف ذلك، وعموم كلامه يشمل البيع، والقرض، والدابة، والأرض المؤجرة إذا أفلس المستأجر قبل مضي مدة لمثلها أجر، وكذلك الصداق، كأن يصدق امرأة عينا، ثم يستحق الرجوع فيها أو في نصفها، بأن ينفسخ النكاح لسبب من جهتها كردتها، أو من جهته - كطلاقه - وقد أفلست فإنه يرجع في عين ماله بشرطه. وقوة كلام المصنف يقتضي أن الرجوع في عين المال مختص ببيع ونحوه وجد قبل الفلس، فيخرج ما وجد بعده فلا يرجع فيه، وهو أحد الوجوه، لدخوله على بصيرة أو تفريطه، (والثاني) : يرجع أيضا، لإطلاق الخبر، (والثالث) : يفرق بين العلم بالفلس وعدمه، وهو حسن.
(تنبيه) : «الأسيفع» تصغير «أسفع» والسفعة في اللون السواد، والله أعلم. قال: إلا أن يشأ تركه، ويكون أسوة الغرماء. ش: يعني أن البائع إذا وجد ماله بعينه عند من أفلس، فإنه يخير، إن شاء رجع فيه لما تقدم، وإن شاء لم يرجع، وكان أسوة الغرماء، لأن الشارع جعله أحق به وأولى به، ولم يحتم ذلك عليه، وظاهر كلام المصنف أنه لو بذل له الغرماء الثمن، لم يلزمه القبول، لأنه لم يستثن ذلك، ونص عليه أحمد، لظاهر الخبر، ودفعا للمنة عنه، [نعم إن بذلوا الثمن للمفلس فبذله له امتنع عليه الفسخ، لزوال سببه وهو عجزه عن أخذ الثمن] ، ومن ثم لو أسقط الغرماء حقوقهم، أو وهب له مال بحيث يمكن أداء الثمن زال الفسخ، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا فَأَصَابَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ] (٣٤٠٦) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا، فَأَصَابَ أَحَدُ الْغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ، وَيَكُونَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ مَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ، فَوَجَدَ بَعْضُ غُرَمَائِهِ سِلْعَتَهُ الَّتِي بَاعَهُ إيَّاهَا بِعَيْنِهَا، بِالشُّرُوطِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، مَلَكَ فَسْخَ الْبَيْعِ، وَأَخَذَ سِلْعَتَهُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ كَانَ لَهُ حَقُّ الْإِمْسَاكِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَلَمَّا سَلَّمَهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ الْإِمْسَاكِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ بِالْإِفْلَاسِ، كَالْمُرْتَهِنِ إذَا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلَى الرَّاهِنِ. وَلِأَنَّهُ سَاوَى الْغُرَمَاءَ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُسَاوِيهِمْ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَسَائِرِهِمْ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ أَنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى رَجُلٍ يَرَى الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ، جَازَ لَهُ نَقْضُ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ بِالْإِقَالَةِ، فَجَازَ فِيهِ الْفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَ. وَلِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ فِي الْبَيْعِ رَهْنًا، فَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ، اسْتَحَقَّ الْفَسْخَ، وَهُوَ وَثِيقَةٌ بِالثَّمَنِ، فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِهِ أَوْلَى. وَيُفَارِقُ الْمَبِيعُ الرَّهْنَ؛
فَإِنْ إمْسَاكَ الرَّهْنِ إمْسَاكٌ مُجَرَّدٌ عَلَى سَبِيلِ الْوَثِيقَةِ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ، وَالثَّمَنُ هَاهُنَا بَدَلٌ عَنْ الْعَيْنِ،
فَإِذَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ، رَجَعَ إلَى الْمُبْدَلِ. وَقَوْلُهُمْ: تَسَاوَوْا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ. قُلْنَا: لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرْطِ،
فَإِنَّ بَقَاءَ الْعَيْنِ شَرْطٌ لِمِلْكِ الْفَسْخِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي حَقِّ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ دُونَ مَنْ لَمْ يَجِدْهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،
فَإِنَّ الْبَائِعَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ رَجَعَ فِي السِّلْعَةِ،
وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْجِعْ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمَنِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الْإِعْسَارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ جَوَازَ الْفَسْخِ، فَلَا يُوجِبهُ، كَالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ، وَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ لِأَنَّهُ فَسْخٌ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ لِعِتْقِ الْأَمَةِ.
[فَصْلٌ خِيَارُ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ عَلَى التَّرَاخِي] (٣٤٠٧) فَصْلٌ: وَهَلْ خِيَارُ الرُّجُوعِ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ عَلَى التَّرَاخِي؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى خِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ،
وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، هُوَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهُ حَقُّ رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلَى عِوَضٍ، فَكَانَ عَلَى التَّرَاخِي، كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ.
وَالثَّانِي، هُوَ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ يَثْبُتُ فِي الْبَيْعِ لِنَقْصٍ فِي الْعِوَضِ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلِأَنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِهِ يُفْضِي إلَى الضَّرَرِ بِالْغُرَمَاءِ، لِإِفْضَائِهِ إلَى تَأْخِيرِ حُقُوقِهِمْ، فَأَشْبَهَ خِيَارَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ. وَنَصَرَ الْقَاضِي هَذَا الْوَجْهَ، وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ.
[فَصْلٌ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِيَتْرُكهَا] (٣٤٠٨) فَصْلٌ: فَإِنْ بَذَلَ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِيَتْرُكَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ،
وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ إنَّمَا يَجُوزُ لِدَفْعِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ النَّقْصِ فِي الثَّمَنِ،
فَإِذَا بُذِلَ بِكَمَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ مِنْ الْمَعِيبِ. وَلَنَا، الْخَبَرُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى قَبْضِهِ، كَمَا لَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالنَّفَقَةِ، فَبَذَلَهَا غَيْرُهُ، أَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَبَذَلَ غَيْرُهُ مَا عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ، وَبِهَذَا يَنْتَقِضُ مَا ذَكَرُوهُ، وَسَوَاءٌ بَذَلُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَوْ خَصُّوهُ بِثَمَنِهِ مِنْ التَّرِكَةِ،
وَفِي هَذَا الْقَسَمِ ضَرَرٌ آخَرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ تَجَدُّدَ ثُبُوتِ دَيْنٍ آخَرَ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ دَفَعُوا إلَى الْمُفْلِسِ الثَّمَنَ، فَبَذَلَهُ لِلْبَائِعِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فَزَالَ مِلْكُ الْفَسْخِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ سَائِرُ الْغُرَمَاءِ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ، فَمَلَكَ أَدَاءَ الثَّمَنِ.
وَلَوْ أَسْقَطَ الْغُرَمَاءُ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ، فَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ، أَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ. فَأَمْكَنَهُ الْأَدَاءُ مِنْهُ، أَوْ غَلَتْ أَعْيَانُ مَالِهِ، فَصَارَتْ قِيمَتُهَا وَافِيَةً بِحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ كُلِّهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ؛ لِزَوَالِ سَبَبِهِ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى ثَمَنِ سِلْعَتِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُفْلِسْ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى الْمُفْلِسُ سِلْعَةً بَعْد الْحَجْرِ عَلَيْهِ] (٣٤٠٩) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى الْمُفْلِسُ مِنْ إنْسَانٍ سِلْعَةً بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ، سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. وَلِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِثَمَنِهَا، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْفَسْخَ لِتَعَذُّرِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ ثَمَنُهَا مُؤَجَّلًا. وَلِأَنَّ الْعَالِمَ بِالْعَيْبِ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ، فَأَشْبَهَ مَنْ اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِ وَقْتَ الْفَسْخِ، فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْ الْفَسْخِ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَةٌ فَقِيرًا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِهَا وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، إنْ بَاعَهُ عَالِمًا بِفَلَسِهِ فَلَا فَسْخَ لَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ الْفَسْخُ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ. وَيُفَارَقُ الْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ؛ لِكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُهَا كُلَّ يَوْمٍ، فَالرِّضَى بِالْمُعْسِرِ بِهَا رِضَى بِعَيْبِ مَا لَمْ يَجِبْ،
بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَإِنَّمَا يُشْبِهُ هَذَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ مُعْسِرًا بِالصَّدَاقِ وَسَلَّمَتْ نَفْسَهَا إلَيْهِ، ثُمَّ أَرَادَتْ الْفَسْخَ.
[فَصْلٌ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعهَا فَأَفْلَسَ] (٣٤١٠) فَصْلٌ: وَمَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا، فَأَفْلَسَ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ فَلِلْمُؤَجَّرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَهُوَ غَرِيمٌ بِالْأُجْرَةِ.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِهَا، لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ فِي قِيَاسِ قَوْلِنَا فِي الْمَبِيعِ إذَا تَلِفَ بَعْضُهُ،
فَإِنَّ الْمُدَّةَ هَاهُنَا كَالْمَبِيعِ، وَمُضِيُّ بَعْضِهَا كَتَلَفِ بَعْضِهِ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ مُضِيُّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْهَا بِحَالِ وَقَالَ الْقَاضِي، فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَفَسَخَ صَاحِبُ الْأَرْضِ، فَعَلَيْهِ تَبْقِيَةُ زَرْعِ الْمُفْلِسِ إلَى حِينِ الْحَصَادِ بِأَجْرِ مِثْله؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ،
فَإِذَا فَسَخَ الْعَقْدَ، فَسَخَهُ فِيمَا مَلَكَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا عَلَيْهِ، فَكَانَ عَلَيْهِ عِوَضُهَا، كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ بَعْدَ أَنْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، فَلَهُ قِيمَتُهُ، وَيَضْرِبُ بِذَلِكَ مَعَ الْغُرَمَاءِ، كَذَا هَاهُنَا، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِيه مَذْهَبُنَا، وَلَا يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ الْخَبَرُ،
وَلَا يَصِحُّ فِي النَّظَرِ؛ أَمَّا الْخَبَرُ، فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا قَالَ:«مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . وَهَذَا مَا أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا عَلَى وُجُوبِ تَبَقَّيْتِهَا، وَعَدَمِ الرُّجُوعِ فِي عَيْنِهَا،
وَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ:
(مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ، لَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِعَيْنِهِ، وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّظَرُ فَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا كَانَ أَحَقَّ بِعَيْنِ مَالِهِ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ، وَإِمْكَانِ رَدِّ مَالِهِ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ حَقُّهُ بِمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وَهَذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ، وَلَا أَمْكَنَ رَدُّهَا إلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَارَ
فَائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْمُسَمَّى، وَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُقْتَضَى فِي مَحِلِّ النَّصِّ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، فَإِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ تَحَكُّمٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَوْ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْمِلُ لَهُ مَتَاعًا إلَى بَلَدٍ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُكْتَرِي قَبْلَ حَمْلِ شَيْءٍ، فَلِلْمُكْتَرِي الْفَسْخُ.
وَإِنْ حَمَلَ الْبَعْضَ، أَوْ بَعْضَ الْمَسَافَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.
فَإِذَا فَسَخَ سَقَطَ عَنْهُ حَمْلُ مَا بَقِيَ، وَضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِ مَا حَمَلَ مِنْ الْأَجْرِ الْمُسَمَّى وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْقَاضِي: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ، وَيَضْرِبُ بِقِسْطِ مَا حَمَلَ مِنْ أَجْرِ الْمِثْلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ فِيهَا.
[فَصْلٌ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُقْتَرِضُ] (٣٤١١) فَصْلٌ: فَإِنْ أَقْرَضَ رَجُلًا مَالًا، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُقْتَرِضُ، وَعَيْنُ الْمَالِ قَائِمٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَلِأَنَّهُ غَرِيمٌ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهَا، كَالْبَائِعِ.
وَإِنْ أَصْدَقَ امْرَأَةً لَهُ عَيْنًا، ثُمَّ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهَا يُسْقِطُ صَدَاقَهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فِي نِصْفِهِ، وَقَدْ أَفْلَسَتْ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.