ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به.
Its commentaries
قال: ولا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق ولو واجهها به. ٢٦٨٢ - ش: لأن ذلك قول ابن عمر وابن الزبير، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ولا يعرف لهما مخالف، ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه، كالمطلقة قبل الدخول، والمنقضية عدتها،
وقوله: ولو واجهها به. يحترز من قول النعمان ومن وافقه أنه يلحقها الصريح المعنى، دون الكناية، والطلاق المزيل ككل امرأة له طالق، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ لَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْخُلْع طَلَاقٌ] (٥٧٥٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَلَا يَقَعُ بِالْمُعْتَدَّةِ مِنْ الْخُلْعِ طَلَاقٌ، وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ لَا يَلْحَقُهَا طَلَاقٌ بِحَالٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةُ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ، دُونَ الْكِنَايَةِ وَالطَّلَاقِ الْمُرْسَلِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ. وَرَوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٍ، وَطَاوُسٍ، وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، وَالثَّوْرِيِّ؛
لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«الْمُخْتَلِعَةُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» وَلَنَا، أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمَا مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمَا.
وَلِأَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ، كَالْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ الْمُنْقَضِيَةِ عِدَّتُهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بُضْعَهَا، فَلَمْ يَلْحَقْهَا طَلَاقُهُ، كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَلِأَنَّهَا لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ الْمُرْسَلُ، وَلَا تَطْلُقُ بِالْكِنَايَةِ، فَلَا يَلْحَقُهَا الصَّرِيحُ الْمُعَيَّنُ، كَمَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوَاجِهَهَا بِهِ، فَيَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ. أَوْ لَا يُوَاجِهَهَا بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ. وَحَدِيثُهُمْ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا، وَلَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.
[فَصْلٌ لَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْع رَجْعَةٌ] (٥٧٥٩) فَصْلٌ: وَلَا يَثْبُتُ فِي الْخُلْعِ رَجْعَةٌ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هُوَ فَسْخٌ أَوْ طَلَاقٌ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ مِنْهُمْ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَحُكِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُمَا قَالَا: الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إمْسَاكِ الْعِوَضِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ وَبَيْنَ رَدِّهِ وَلَهُ الرَّجْعَةُ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ كَانَ الْخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، فَلَهُ الرَّجْعَةُ؛ لِأَنَّ الرَّجْعَةُ؛ مِنْ حُقُوقِ الطَّلَاقِ، فَلَا تَسْقُطُ بِالْعِوَضِ، كَالْوَلَاءِ مَعَ الْعِتْقِ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:{فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} . وَإِنَّمَا يَكُونُ فِدَاءً إذَا خَرَجَتْ بِهِ عَنْ قَبْضَتِهِ وَسُلْطَانِهِ،
وَإِذَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ، فَهِيَ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ،
فَلَوْ جَازَ ارْتِجَاعُهَا، لَعَادَ الضَّرَرُ، وَفَارَقَ الْوَلَاءَ؛
فَإِنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْفَكُّ مِنْهُ، وَالطَّلَاقُ يَنْفَكُّ عَنْ الرَّجْعَةِ فِيمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِذَا أَكْمَلَ الْعَدَدَ.
[فَصْلٌ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ] (٥٧٦٠) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرَطَ فِي الْخُلْعِ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يَبْطُلُ الشَّرْطُ،
وَيَصِحُّ الْخُلْعُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَا يَفْسُدُ بِكَوْنِ عِوَضِهِ فَاسِدًا، فَلَا يَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ، كَالنِّكَاحِ، وَلِأَنَّهُ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ.
فَإِذَا شَرَطَ الرَّجْعَةَ مَعَهُ، بَطَلَ الشَّرْطُ، كَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ الْخُلْعُ وَتَثْبُتَ الرَّجْعَةُ. وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِوَضِ وَالرَّجْعَةِ مُتَنَافِيَانِ،
فَإِذَا شَرَطَاهُمَا سَقَطَا، وَبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلَاقِ فَتَثْبُتُ الرَّجْعَةُ بِالْأَصْلِ لَا بِالشَّرْطِ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ، فَأَبْطَلَهُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَبِيعِ.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَسْقُطُ الْمُسَمَّى فِي الْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِهِ عِوَضًا حَتَّى ضَمَّ إلَيْهِ الشَّرْطَ،
فَإِذَا سَقَطَ الشَّرْطُ، وَجَبَ ضَمُّ النُّقْصَانِ الَّذِي نَقَصَهُ مِنْ أَجَلِهِ إلَيْهِ، فَيَصِيرُ مَجْهُولًا، فَيَسْقُطُ،
وَيَجِبُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجِبَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِهِ عِوَضًا، فَلَمْ يَجِبْ غَيْرُهُ، كَمَا لَوْ خَلَا عَنْ شَرْطِ الرَّجْعَةِ.
(٥٧٦١) فَصْلٌ: فَإِنْ شَرْطَ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَهُ، يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ، وَقَبِلَتْ الْمَرْأَةُ، صَحَّ الْخُلْعُ، وَبَطَلَ الْخِيَارُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلرَّجُلِ.
وَقَالَ: إذَا جَعَلَ الْخِيَارَ. لِلْمَرْأَةِ، ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ. وَلَنَا، أَنَّ سَبَبَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وُجِدَ، وَهُوَ اللَّفْظُ بِهِ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ،
وَمَتَى وَقَعَ، فَلَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ.
[فَصْلٌ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا] (٥٧٦٢) فَصْلٌ: نَقَلَ مُهَنَّا، فِي رَجُلٍ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي، وَأُعْطِيك عَبْدِي هَذَا. فَقَبَضَ الْعَبْدَ، وَجَعَلَ أَمَرَهَا بِيَدِهَا، وَبَاعَ الْعَبْدَ قَبْلَ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ شَيْئًا هُوَ لَهُ، إنَّمَا قَالَتْ: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي وَأُعْطِيك. فَقِيلَ لَهُ: مَتَى شَاءَتْ تَخْتَارُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَطَأْهَا، أَوْ يَنْقُضْ. فَجَعَلَ لَهُ الرُّجُوعَ مَا لَمْ تَطْلُقْ.
وَإِذَا رَجَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَرْجِعَ عَلَيْهِ بِالْعِوَضِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَرْجَعَ مَا جَعَلَ لَهَا، فَتَسْتَرْجِعُ مِنْهُ مَا أَعْطَتْهُ.
وَلَوْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَمْرُك بِيَدِك. مَلَكَ إبْطَالَ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا، فَمَعَ التَّعْلِيقِ أَوْلَى، كَالْوَكَالَةِ.
قَالَ أَحْمَدُ وَلَوْ جَعَلَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُخَيِّرَهَا، فَاخْتَارَتْ الزَّوْجَ، لَا يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْأَلْفَ فِي مُقَابَلَةِ تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا الْخِيَارَ، وَقَدْ فَعَلَ، فَاسْتَحَقَّ الْأَلْفَ، وَلَيْسَتْ الْأَلْفُ فِي مُقَابَلَةِ الْفُرْقَةِ.
[فَصْلٌ قَالَتْ امْرَأَتُهُ طَلَّقَنِي بِدِينَارِ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ ارْتَدَّتْ] (٥٧٦٣) فَصْلٌ: إذَا قَالَتْ امْرَأَتُهُ: طَلِّقْنِي بِدِينَارٍ. فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ ارْتَدَّتْ، لَزِمَهَا الدِّينَارُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَلَا تُؤَثِّرُ الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا وَقَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، بَانَتْ بِالرِّدَّةِ، وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ صَادَفَهَا بَائِنًا،
فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَقُلْنَا: إنَّ الرِّدَّةَ يَنْفَسِخُ بِهَا النِّكَاحُ فِي الْحَالِ. فَكَذَلِكَ،
وَإِنْ قُلْنَا: يَقِفُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. كَانَ الطَّلَاقُ مُرَاعَى.
فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَى رِدَّتِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، تَبَيَّنَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَتَهُ حِينَ طَلَّقَهَا، فَلَمْ يَقَعْ، وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا،
وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ، بَانَ أَنَّ الطَّلَاقَ صَادَفَ زَوْجَتَهُ، فَوَقَعَ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهَا الْعِوَضَ.
[مَسْأَلَةٌ الْخُلْع بِالْمَجْهُولِ] (٥٧٦٤) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَإِذَا قَالَتْ لَهُ اخْلَعْنِي عَلَى مَا فِي يَدِي مِنْ الدَّرَاهِمِ. فَفَعَلَ فَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ، لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْخُلْعَ بِالْمَجْهُولِ جَائِزٌ، وَلَهُ مَا جُعِلَ لَهُ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصِحُّ الْخُلْعُ، وَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةً، فَلَا يَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، كَالْبَيْعِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِحُّ الْخُلْعُ، وَلَهُ مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْبُضْعِ،
فَإِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَالنِّكَاحِ. وَلَنَا، أَنَّ الطَّلَاقَ مَعْنَى يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ، فَجَازَ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الْعِوَضُ الْمَجْهُولُ كَالْوَصِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْخُلْعَ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِ مِنْ الْبُضْعِ، لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ شَيْءٍ، وَالْإِسْقَاطُ تَدْخُلُهُ الْمُسَامَحَةُ، وَلِذَلِكَ جَازَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ،
بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
وَإِذَا صَحَّ الْخُلْعُ، فَلَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْهُ، وَلَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ مَا يُوجِبُهُ،
فَإِنَّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ مِلْكِهِ بِرِدَّتِهَا، أَوْ رَضَاعِهَا لِمَنْ يَنْفَسِخُ بِهِ نِكَاحُهَا، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا شَيْءٌ،
وَلَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يَجِبْ لِلزَّوْجِ عِوَضٌ عَنْ بُضْعِهَا،
وَلَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً، لَوَجَبَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَ الزَّوْجِ،
وَلَوْ طَاوَعَتْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّمُ الْبُضْعُ عَلَى الزَّوْجِ فِي النِّكَاحِ خَاصَّةً، وَأَبَاحَ لَهَا افْتِدَاءَ نَفْسِهَا لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ مَا رَضِيَتْ بِبَذْلِهِ،
فَأَمَّا إيجَابُ شَيْءٍ لَمْ تَرْضَ بِهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمَ، صَحَّ،
فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا دَرَاهِمُ فَهِيَ لَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ فَلَهُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّرَاهِمِ حَقِيقَةً، لَفْظُهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ، فَاسْتَحَقَّهُ كَمَا لَوْ وَصَّى لَهُ بِدَرَاهِمَ.
وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهَا أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَهُوَ فِي يَدِهَا. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةٌ كَامِلَةٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِيهَا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهَا شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِي يَدِهَا.
[فَصْلٌ الْخُلْع عَلَى مَجْهُولٍ] (٥٧٦٥) فَصْلٌ: وَالْخُلْعُ عَلَى مَجْهُولٍ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا؛: أَحَدُهَا، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَدَدٍ مَجْهُولٍ مِنْ شَيْءٍ غَيْرِ مُخْتَلِفٍ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، كَاَلَّتِي يُخَالِعُهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ، فَهِيَ هَذِهِ الَّتِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ حُكْمَهَا.
وَالثَّانِي، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ مُخْتَلِفٍ لَا يَعْظُمُ اخْتِلَافُهُ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ أَوْ عَبِيدٍ، أَوْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِأَيِّ عَبْدٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ، وَيَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ غَيْرُهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَتْهُ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْعَبْدِ.
وَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبِيدٍ فَلَهُ ثَلَاثَةٌ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَقِيَاسُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِيمَا إذَا قَالَ: إذَا أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا: فَهِيَ طَالِقٌ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ مَا قُلْنَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَسَطٌ. وَتَأَوَّلَ كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهَا أَعْطَتْهُ عَبْدًا وَسَطًا، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. وَلَنَا، أَنَّهَا خَالَعَتْهُ عَلَى مُسَمًّى مَجْهُولٍ، فَكَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي يَدِهَا مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلِأَنَّهُ إذَا قَالَ: إنَّ أَعْطَيْتِنِي عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. فَأَعْطَتْهُ عَبْدًا، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُهُ، فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْت عَبْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَلَا يَلْزَمُهَا أَكْثَرُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلْتَزِمْ لَهُ شَيْئًا فَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِغَيْرِ خُلْعٍ.
الثَّالِثُ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى مُسَمًّى تَعْظُمُ الْجَهَالَةُ فِيهِ، مِثْلُ أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ بَعِيرٍ، أَوْ بَقَرَةٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ يَقُولَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي ذَلِكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَالْوَاجِبُ فِي الْخُلْعِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِهَا إذَا أَعْطَتْهُ إيَّاهُ، فِيمَا إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى عَطِيَّتِهِ إيَّاهُ، وَلَا يَلْزَمُهَا غَيْرُ ذَلِكَ، فِي قِيَاسِ مَا قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ: تَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَتْ مِنْ صَدَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ الْبُضْعَ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِوَضُ؛ لِجَهَالَتِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا قِيمَةُ مَا فَوَّتَتْ، وَهُوَ الْمَهْرُ. وَلَنَا، مَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّهَا مَا الْتَزَمَتْ لَهُ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى وَلَا مَهْرَ الْمِثْلِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلِأَنَّ الْمُسَمَّى قَدْ اُسْتُوْفِيَ بَدَلُهُ بِالْوَطْءِ، فَكَيْفَ يَجِبُ بِغَيْرِ رِضًى مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَحْمَدَ، أَنْ يَكُونَ الْخُلْعُ بِالْمَجْهُولِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ، لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي بَيْتِهَا مِنْ الْمَتَاعِ،
فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَتَاعٌ، فَهُوَ لَهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَتَاعٌ، فَلَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَتَاعِ. وَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي، عَلَيْهَا الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَالْوَجْهُ لِلْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ. الرَّابِعُ، أَنْ يُخَالِعَهَا عَلَى حَمْلِ أَمَتِهَا، أَوْ غَنَمِهَا، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْحَيَوَانِ، أَوْ قَالَ: عَلَى مَا فِي بُطُونِهَا أَوْ ضُرُوعِهَا، فَيَصِحُّ الْخُلْعُ.
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ الْخُلْعُ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا،
وَلَا يَصِحُّ عَلَى حَمْلِهَا. وَلَنَا أَنَّ حَمْلَهَا هُوَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَصَحَّ الْخُلْعُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنَّ خَرَجَ الْوَلَدُ سَلِيمًا، أَوْ كَانَ فِي ضُرُوعِهَا شَيْءٌ مِنْ اللَّبَنِ فَهُوَ لَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا شَيْءَ لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ الْمُسَمَّى.
وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى مَا يُثْمِرُ نَخْلُهَا، أَوْ تَحْمِلُ أَمَتُهَا، صَحَّ.
قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَالَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى ثَمَرَةِ نَخْلِهَا سِنِينَ، فَجَائِزٌ،
فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْ نَخْلُهَا، تُرْضِيهِ بِشَيْءِ،
قِيلَ لَهُ: فَإِنْ حَمَلَ نَخْلُهَا؟ قَالَ: هَذَا أَجُودُ مِنْ ذَاكَ. قِيلَ لَهُ: يَسْتَقِيمُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ جَائِزٌ. فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ أَحْمَدَ: تُرْضِيهِ بِشَيْءِ. أَيْ: لَهُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الثَّمَرَةِ أَوْ الْحَمْلُ، فَتُعْطِيهِ عَنْ ذَلِكَ شَيْئًا، أَيَّ شَيْءٍ كَانَ مِثْلُ مَا أَلْزَمْنَاهُ فِي مَسْأَلَةٍ الْمَتَاعِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا شَيْءَ لَهُ، وَتَأَوَّلَ قَوْلَ أَحْمَدَ تُرْضِيهِ بِشَيْءٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَانَ وَاجِبًا، لَتَقَدَّرَ بِتَقْدِيرٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَمَسْأَلَةُ الدَّرَاهِم وَالْمَتَاعِ، حَيْثُ يَرْجِعُ فِيهِمَا بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وَهَا هُنَا لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَجِدْ حَمْلًا وَلَا ثَمَرَةً ثُمَّ أَوْهَمَتْهُ أَنَّ مَعَهَا دَرَاهِمَ،
وَفِي بَيْتِهَا مَتَاعٌ؛ لِأَنَّهَا خَاطَبَتْهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْوُجُودَ مَعَ إمْكَانِ عِلْمِهَا بِهِ، فَكَانَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُهَا، كَمَا لَوْ خَالَعَتْهُ عَلَى عَبْدٍ فَوُجِدَ حُرًّا،
وَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ دَخَلَ مَعَهَا فِي الْعَقْدِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْعِلْمِ فِي الْحَالِ، وَرِضَاهُمَا بِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِمَالِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ غَيْرَهُ، كَمَا لَوْ قَالَ: خَالَعْتك عَلَى هَذَا الْحُرِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ الْعِوَضُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ.
وَلَنَا، أَنَّ مَا جَازَ فِي الْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، جَازَ فِيمَا كَانَ يَحْمِلُ، كَالْوَصِيَّةِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمُسَمَّى فِي الصَّدَاقِ. وَأَوْجَبَ لَهُ الشَّافِعِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ. وَلَمْ يُصَحِّحْ أَبُو بَكْرٍ الْخُلْعَ فِي هَذَا كُلِّهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا نُصُوصَ أَحْمَدَ عَلَى جَوَازِهِ، وَالدَّلِيلَ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ] (٥٧٦٦) فَصْلٌ: إذَا خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ، صَحَّ،
وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَا وَقْتًا مَعْلُومًا، قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْخُلْعِ، فَفِي الْخُلْعِ أَوْلَى فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَذْكُرَا مُدَّتَهُ، صَحَّ أَيْضًا، وَيَنْصَرِفُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الْحَوْلَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، قِيلَ لَهُ: وَيَسْتَقِيمُ هَذَا الشَّرْطُ رَضَاعُ وَلَدِهَا وَلَا يَقُولُ: تُرْضِعُهُ سَنَتَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَا مُدَّةَ الرَّضَاعِ، كَمَا لَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ حَتَّى يَذْكُرَا الْمُدَّةَ.
وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَيَّدَهُ بِالْحَوْلَيْنِ، فَقَالَ تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} .
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وَقَالَ {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وَلَمْ يُبَيِّنْ مُدَّةَ الْحَمْلِ هَاهُنَا وَالْفِصَالِ، فَحُمِلَ عَلَى مَا فَسَّرَتْهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى وَجُعِلَ الْفِصَالُ عَامَيْنِ، وَالْحَمْلُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ،
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ» يَعْنِي بَعْدَ الْعَامَيْنِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ الرَّضَاعِ، لِأَنَّ جِنْسَهُ كَافٍ، كَمَا لَوْ ذَكَرَ جِنْسَ الْخِيَاطَةِ فِي الْإِجَارَةِ،
فَإِنْ مَاتَتْ الْمُرْضِعَةُ، أَوْ جَفَّ لَبَنُهَا، فَعَلَيْهَا أَجْرُ الْمِثْلِ لِمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ.
وَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ فَكَذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَنْفَسِخُ، وَيَأْتِيهَا بِصَبِيٍّ تُرْضِعُهُ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مُسْتَوْفَى بِهِ، لَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا فَمَاتَ. وَلَنَا أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى فِعْلٍ فِي عَيْنٍ، فَيَنْفَسِخُ بِتَلَفِهَا، كَمَا لَوْ مَاتَتْ الدَّابَّةُ الْمُسْتَأْجَرَةُ، وَلِأَنَّ مَا يَسْتَوْفِيه مِنْ اللَّبَنِ إنَّمَا يَتَقَدَّرُ بِحَاجَةِ الصَّبِيِّ، وَحَاجَاتُ الصِّبْيَانِ تَخْتَلِفُ وَلَا تَنْضَبِطُ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، كَمَا لَوْ أَرَادَ إبْدَالَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَعْدَ مَوْتِهِ، كَالْمُرْضِعَةِ،
بِخِلَافِ رَاكِبِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ مُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُدَّةِ، فَعَلَيْهَا أَجْرُ رَضَاعِ مِثْلِهِ.
وَعَنْ مَالِكٍ كَقَوْلِنَا، وَعَنْهُ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ كَقَوْلِنَا،
وَعَنْهُ: يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ. وَلَنَا، أَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ أَوْ مِثْلُهَا، كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى قَفِيزٍ، فَهَلَكَ قَبْلَ قَبْضِهِ.
[فَصْلٌ خَالَعَهَا عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ عَشْرَ سِنِينَ] فَصْلٌ: وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى كَفَالَةِ وَلَدِهِ عَشْرَ سِنِينَ، صَحَّ،
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ مِنْهَا، وَلَا قَدْرَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ، وَيُرْجَعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى نَفَقَةِ مِثْلِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَصِحُّ حَتَّى يَذْكُرَ مُدَّةَ الرَّضَاعِ، وَقَدْرَ الطَّعَامِ وَجِنْسَهُ، وَقَدْرَ الْإِدَامِ وَجِنْسَهُ، وَيَكُونَ الْمَبْلَغُ مَعْلُومًا مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَا يَحِلُّ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ. وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّعَامِ لِلْأَجِيرِ مُطْلَقًا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ وَدَلَلْنَا عَلَيْهِ بِقِصَّةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَحِمَ اللَّهُ أَخِي مُوسَى، آجَرَ نَفْسَهُ بِطَعَامِ بَطْنِهِ وَعِفَّةِ فَرْجِهِ» وَلِأَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُسْتَحَقَّةٌ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، كَذَا هَاهُنَا.
وَلِلْوَالِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الصَّبِيِّ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهَا، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ،
فَإِنْ أَحَبَّ أَنْفَقَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ، وَأُنْفِقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي إنْفَاقِهِ عَلَى الصَّبِيِّ، جَازَ فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ، فَلِأَبِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُؤْنَةِ. وَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً أَوْ يَوْمًا بِيَوْمٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي " الْجَامِعِ "، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: إذَا خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعِ وَلَدِهِ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلَيْنِ. قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ. وَلَمْ يُعْتَبَرْ الْأَجَلُ. وَلِأَنَّهُ إنَّمَا فُرِّقَ لِحَاجَةِ الْوَلَدِ إلَيْهِ مُتَفَرِّقًا،
فَإِذَا زَالَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّفْرِيقِ اُسْتُحِقَّ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
وَالثَّانِي لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي، فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ مُنَجَّمًا، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ مُعَجَّلًا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ إلَيْهِ فِي خُبْزٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْطَالًا مَعْلُومَةً، فَمَاتَ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِ الْمُسْتَوْفِي، كَمَا لَوْ مَاتَ وَكِيلُ صَاحِبِ الْحَقِّ،
وَإِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِحْقَاقِهِ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ.
وَإِنْ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ خَرَجَ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ، كَهَذَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَحِلُّ بِمَوْتِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟
[فَصْلٌ الْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ] (٥٧٦٨) فَصْلٌ: وَالْعِوَضُ فِي الْخُلْعِ، كَالْعِوَضِ فِي الصَّدَاقِ وَالْبَيْعِ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ، وَلَمْ يَمْلِكْ التَّصَرُّفَ فِيهِ إلَّا بِقَبْضِهِ،
وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا، دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الْخُلْعِ، وَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي امْرَأَةٍ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: اجْعَلْ أَمْرِي بِيَدِي، وَلَك هَذَا الْعَبْدُ. فَفَعَلَ، ثُمَّ خُيِّرَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَمَا مَاتَ الْعَبْدُ: جَائِزٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ.
قَالَ: وَلَوْ أَعْتَقَتْ الْعَبْدَ، ثُمَّ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا، لَمْ يَصِحَّ عِتْقُهَا لَهُ.
فَلَمْ يُصَحِّحْ عِتْقَهَا لَهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا زَالَ عَنْهُ بِجَعْلِهَا لَهُ عِوَضًا فِي الْخُلْعِ، وَلَمْ يُضَمِّنْهَا إيَّاهُ إذَا تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُعَيَّنٌ غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ فَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَيُخَرَّجُ فِيهِ وَجْهٌ، أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ،
وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، حَتَّى يَقْبِضَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي عِوَضِ الْبَيْعِ،
وَفِي الصَّدَاقِ. وَأَمَّا الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ، فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يَقْبِضَهُ.
فَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَالْوَاجِبُ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي فِي الصَّدَاقِ، أَنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ،
وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ سَبَبُهُ بِتَلَفِهِ، فَهَا هُنَا مِثْلُهُ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.