وابتداء قطع يد السارق أن تقطع يده اليمنى. من مفصل الكف. وتحسم.
Its commentaries
قال: وابتداء قطع يد السارق أن تقطع يده اليمنى. ٣١٧٠ - ش: لأن ذلك يروى عن أبي بكر الصديق وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -.
٣١٧١ - وفي الموطأ عن القاسم بن محمد أن رجلا من اليمن أقطع اليد والرجل قدم المدينة، فنزل على أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، فشكى إليه أن عامل اليمن ظلمه وقطع يده، وكان يصلي من الليل، فيقول أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وأبيك ما ليلك بليل سارق، ثم إنه بيت حليا لأسماء بنت عميس، فافتقدوه، فجعل يطوف معهم، ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل دويرة الرجل الصالح، ثم وجدوا الحلي عند صائغ، فزعم أن الأقطع جاء به، فاعترف الأقطع أو شهد عليه، فأمر به أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقطعت شماله، فقال أبو بكر: والله إن دعاءه على نفسه أشد عندي من سرقته، وهذا يدل على أن عادتهم كان البداءة باليمين.
٣١٧٢ - وفي قراءة ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) وهذا إن ثبت فهو حجة عندنا على المشهور، ولأنها آلة السرقة غالبا، فناسب عقوبته بإزالتها، مع أن أبا محمد قد حكى ذلك اتفاقا، والله أعلم. قال: من مفصل الكف. ش: حكى ذلك أبو محمد أيضا اتفاقا، ولأنه اليقين، وما زاد عليه مشكوك فيه.
٣١٧٣ - وقد روى الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بقطعه من المفصل» ، أي السارق. قال: وتحسم. ش: الحسم غمس اليد في زيت مغلى بعد القطع، لتشتد أفواه العروق، لئلا ينزف الدم فيموت.
٣١٧٤ - والأصل فيه ما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بسارق قد سرق شملة، فقالوا: يا رسول الله إن هذا قد سرق. فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما إخاله سرق» فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه، ثم ائتوني به» فقطع فأتي به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «تب إلى الله» فقال: تبت إلى الله، فقال: «تاب الله عليك» رواه الدارقطني، ورواه عبد الرزاق من رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وهل الزيت من بيت المال، أو من مال السارق؟ فيه وجهان، المجزوم به منهما عند أبي محمد أنه من بيت المال، وابن حمدان بنى على أنه احتياط له، أو من تتمة الحد.
[حكم السارق إذا عاد للسرقة بعد القطع]
Adds nothing on this mas’ala.
[مَسْأَلَةٌ ابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ] (٧٢٧٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَابْتِدَاءُ قَطْعِ السَّارِقِ، أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَيُحْسَمَ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ، وَحُسِمَتْ) لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّ السَّارِقَ أَوَّلُ مَا يُقْطَعُ مِنْهُ، يَدُهُ الْيُمْنَى، مِنْ مَفْصِلِ الْكَفِّ، وَهُوَ الْكُوعُ.
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ:" فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا ". وَهَذَا إنْ كَانَ قِرَاءَةً وَإِلَّا فَهُوَ تَفْسِيرٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُمَا قَالَا: إذَا سَرَقَ السَّارِقُ، فَاقْطَعُوا يَمِينَهُ مِنْ الْكُوعِ. وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى، فَكَانَتْ الْبِدَايَةُ بِهَا أَرْدَعَ؛ وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ، فَنَاسَبَ عُقُوبَتَهُ بِإِعْدَامِ آلَتِهَا.
وَإِذَا سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. وَبِذَلِكَ قَالَ الْجَمَاعَةُ إلَّا عَطَاءً، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ:{فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وَلِأَنَّهَا آلَةُ السَّرِقَةِ وَالْبَطْشِ، فَكَانَتْ الْعُقُوبَةُ بِقَطْعِهَا أَوْلَى. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ رَبِيعَةَ، وَدَاوُد. وَهَذَا شُذُوذٌ، يُخَالِفُ قَوْلَ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ، مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ،
وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ
قَالَ فِي السَّارِقِ «إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَلِأَنَّهُ فِي الْمُحَارَبَةِ الْمُوجِبَةِ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، إنَّمَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَلَا تُقْطَعُ يَدَاهُ، فَنَقُولُ: جِنَايَةٌ أَوْجَبَتْ قَطْعَ عُضْوَيْنِ، فَكَانَا رِجْلًا وَيَدًا، كَالْمُحَارَبَةِ؛ وَلِأَنَّ قَطْعَ يَدَيْهِ يُفَوِّتُ مَنْفَعَةَ الْجِنْسِ، فَلَا تَبْقَى لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا، وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَلَا يَسْتَطِيبُ، وَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَصِيرُ كَالْهَالِكِ، فَكَانَ قَطْعُ الرِّجْلِ الَّذِي لَا يَشْتَمِلُ عَلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْآيَةُ: فَالْمُرَادُ بِهَا قَطْعُ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدَانِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى.
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ:(فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) . وَإِنَّمَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّ الْمُثَنَّى إذَا أُضِيفَ إلَى الْمُثَنَّى ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} . إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ} . وَلِأَنَّ قَطْعَ الْيُسْرَى أَرْفَقُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَى خَشَبَةٍ،
وَلَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى لَمْ يُمْكِنْهُ الْمَشْيُ بِحَالٍ. وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْكَعْبِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
وَكَانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهَا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ. وَلَنَا أَنَّهُ أَحَدُ الْعُضْوَيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ فِي السَّرِقَةِ، فَيُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ كَالْيَدِ.
وَإِذَا قُطِعَ حُسِمَ، وَهُوَ أَنْ يُغْلَى الزَّيْتُ،
فَإِذَا قُطِعَ غُمِسَ عُضْوُهُ فِي الزَّيْتِ؛ لِتَنْسَدَّ أَفْوَاهُ الْعُرُوقِ؛ لِئَلَّا يَنْزِفَ الدَّمَ فَيَمُوتَ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً، فَقَالَ اقْطَعُوهُ وَاحْسِمُوهُ» . وَهُوَ حَدِيثٌ فِيهِ مَقَالٌ. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَمِمَّنْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيَكُونُ الزَّيْتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ الْقَاطِعَ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
فَإِنْ لَمْ يَحْسِمْ، فَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ الْقَطْعَ، لَا مُدَاوَاةَ الْمَحْدُودِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَقْطُوعِ حَسْمُ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَأْثَمْ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ التَّدَاوِيَ فِي الْمَرَضِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ [فَصْلٌ يُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ] (٧٢٧٧) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ السَّارِقُ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ، فَيَجْلِسُ وَيُضْبَطُ لِئَلَّا يَتَحَرَّكَ فَيَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتُشَدُّ يَدُهُ بِحَبْلٍ، وَتُجَرُّ حَتَّى يَبِينَ مَفْصِلُ الْكَفِّ مِنْ مَفْصِلِ الذِّرَاعِ، ثُمَّ يُوضَعُ بَيْنَهُمَا سِكِّينٌ حَادٌّ، وَيُدَقُّ فَوْقَهُمَا بِقُوَّةٍ لِيُقْطَعَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ تُوضَعُ السِّكِّينُ عَلَى الْمَفْصِلِ وَتُمَدَّى مَدَّةً وَاحِدَةً.
وَإِنْ عُلِمَ قَطْعٌ أَوْحَى مِنْ هَذَا، قُطِعَ بِهِ.
[فَصْلٌ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِ السَّارِقِ] (٧٢٧٨) فَصْلٌ: وَيُسَنُّ تَعْلِيقُ الْيَدِ فِي عُنُقِهِ؛ لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِسَارِقٍ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وَلِأَنَّ فِيهِ رَدْعًا وَزَجْرًا.
[فَصْلٌ قَطْعُ يَدِ السَّارِقِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ] (٧٢٧٩) فَصْلٌ: وَلَا تُقْطَعُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَ رُبَّمَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، وَالْغَرَضُ الزَّجْرُ دُونَ الْقَتْلِ. وَلَا تُقْطَعُ حَامِلٌ حَالَ حَمْلِهَا، وَلَا بَعْدَ وَضْعِهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ نِفَاسُهَا؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَلَفِهَا وَتَلَفِ وَلَدِهَا. وَلَا يُقْطَعُ مَرِيضٌ فِي مَرَضِهِ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلَوْ سَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ سَرَقَ قَبْلَ انْدِمَالِ يَدِهِ، لَمْ يُقْطَعْ ثَانِيًا حَتَّى يَنْدَمِلَ الْقَطْعُ الْأَوَّلُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ قِصَاصًا، لَمْ تُقْطَعْ الْيَدُ فِي السَّرِقَةِ حَتَّى تَبْرَأَ الرِّجْلُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى لَقُطِعَتْ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، وَالْمُحَارِبُ تُقْطَعُ يَدُهُ وَرِجْلُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ: لَا يُنْتَظَرُ بُرْؤُهُ. فَلِمَ خَالَفْتُمْ ذَلِكَ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: الْقِصَاصُ حَقُّ آدَمِيٍّ، يُخَافُ فَوْتُهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ يَجِبُ فِي يَدٍ،
وَيَجِبُ فِي يَدَيْنِ وَأَكْثَرَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَلِهَذَا جَازَ أَنْ نُوَالِيَ بَيْنَ قِصَاصَيْنِ، وَنُخَالِفَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ، لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ،
فَإِذَا وَالَى بَيْنَ حَدَّيْنِ، صَارَ كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْحَدِّ، فَلَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ، فَإِنَّ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ حَدٌّ وَاحِدٌ،
بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْحَدِّ لِلْمَرِيضِ، فَفِيهِ مَنْعٌ،
وَإِنْ سَلَّمْنَا، فَإِنَّ الْجَلْدَ يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ، فَيَأْتِي بِهِ فِي الْمَرَضِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلَفُ، وَالْقَطْعُ لَا يُمْكِنُ تَخْفِيفُهُ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ] (٧٢٨٠) فَصْلٌ: وَإِذَا سَرَقَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْقَطْعِ، أَجْزَأَ قَطْعٌ وَاحِدٌ عَنْ جَمِيعِهَا، وَتَدَاخَلَتْ حُدُودُهَا؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى،
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَسْبَابُهُ تَدَاخَلَ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِيمَا إذَا سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، وَجَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ، رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهَا لَا تَتَدَاخَلُ. وَلَعَلَّهُ يَقِيسُ ذَلِكَ عَلَى حَدِّ الْقَذْفِ،
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَتَتَدَاخَلُ، كَحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ، وَفَارَقَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، وَلِهَذَا يُتَوَقَّفُ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِاسْتِيفَائِهِ، وَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ عَنْهُ.
فَأَمَّا إنْ سَرَقَ فَقُطِعَ، ثُمَّ سَرَقَ ثَانِيًا، قُطِعَ ثَانِيًا، سَوَاءٌ سَرَقَ مِنْ الَّذِي سَرَقَ مِنْهُ أَوَّلًا أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ سَرَقَ تِلْكَ الْعَيْنَ الَّتِي قُطِعَ بِهَا أَوْ غَيْرَهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ مَرَّةً، لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهَا مَرَّةً ثَانِيَةً، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ غَزْلٍ، ثُمَّ سَرَقَهُ مَنْسُوجًا، أَوْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ رُطَبٍ، ثُمَّ سَرَقَهُ تَمْرًا. وَاحْتُجَّ بِأَنَّ هَذَا يَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهُ بِمُطَالَبَةِ آدَمِيٍّ،
فَإِذَا تَكَرَّرَ سَبَبُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، لَمْ يَتَكَرَّرْ، كَحَدِّ الْقَذْفِ. وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يَجِبُ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ، فَتَكَرُّرُهُ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ كَتَكَرُّرِهِ فِي الْأَعْيَانِ، كَالزِّنَا، وَمَا ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالْغَزْلِ إذَا نُسِجَ، وَالرُّطَبِ إذَا أَتْمَرَ، وَلَا نُسَلِّمُ حَدَّ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ مَتَى قَذَفَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الزِّنَا حُدَّ،
وَإِنْ قَذَفَهُ بِذَلِكَ الزِّنَا عَقِيبَ حَدِّهِ، لَمْ يُحَدَّ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إظْهَارُ كَذِبِهِ وَقَدْ ظَهَرَ، وَهَا هُنَا الْغَرَضُ رَدْعُهُ عَنْ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يَرْتَدِعْ بِالْأَوَّلِ، فَيُرْدَعُ بِالثَّانِي: كَالْمُودَعِ إذَا سَرَقَ عَيْنًا أُخْرَى.
[فَصْلٌ سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ] فَصْلٌ: وَمَنْ سَرَقَ وَلَا يُمْنَى لَهُ، قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، كَمَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الثَّانِيَةِ،
وَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ شَلَّاءَ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّ الشَّلَّاءَ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا جَمَالَ، فَأَشْبَهَتْ كَفًّا لَا أَصَابِعَ عَلَيْهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ، فِيمَنْ سَرَقَ وَيُمْنَاهُ جَافَّةٌ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُسْأَلُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ،
فَإِنْ قَالُوا: إنَّهَا إذَا قُطِعَتْ رَقَأَ دَمُهَا، وَانْحَسَمَتْ عُرُوقُهَا. قُطِعَتْ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَطْعُ يَمِينِهِ فَوَجَبَ، كَمَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً.
وَإِنْ قَالُوا: لَا يَرْقَأُ دَمُهَا. لَمْ تُقْطَعْ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ تَلَفُهُ، وَقُطِعَتْ رِجْلُهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُ الْيُمْنَى كُلُّهَا ذَاهِبَةً فَفِيهَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ وَتُقْطَعُ الرِّجْلُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّ لَا تَجِبُ فِيهِ دِيَةُ الْيَدِ، فَأَشْبَهَ الذِّرَاعَ.
وَالثَّانِي: تُقْطَعُ؛ لِأَنَّ الرَّاحَةَ بَعْضُ مَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ،
فَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا قُطِعَ، كَمَا لَوْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ أَوْ الْبِنْصِرُ.
وَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَصَابِعِ، نَظَرْنَا؛
فَإِنْ ذَهَبَ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ، أَوْ ذَهَبَتْ وَاحِدَةٌ سِوَاهُمَا ، قُطِعَتْ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ نَفْعِهَا بَاقٍ،
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَهِيَ كَاَلَّتِي ذَهَبَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا،
وَإِنْ بَقِيَ اثْنَتَانِ، فَهَلْ تُلْحَقُ بِالصَّحِيحَةِ، أَوْ بِمَا قُطِعَ جَمِيعُ أَصَابِعِهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالْأَوْلَى قَطْعُهَا؛ لِأَنَّ نَفْعَهَا لَمْ يَذْهَبْ بِالْكُلِّيَّةِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى] (٧٢٨٢) فَصْلٌ: وَمَنْ سَرَقَ وَلَهُ يُمْنَى، فَقُطِعَتْ فِي قِصَاصٍ، أَوْ ذَهَبَتْ بِأَكِلَةٍ، أَوْ تَعَدَّى عَلَيْهِ مُتَعَدٍّ فَقَطَعَهَا، سَقَطَ الْقَطْعُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَادِي إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: يُقْتَصُّ مِنْ الْقَاطِعِ، وَتُقْطَعُ رِجْلُ السَّارِقِ. وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛
فَإِنَّ يَدَ السَّارِقِ ذَهَبَتْ، وَالْقَاطِعُ قَطَعَ عُضْوًا غَيْرَ مَعْصُومٍ،
وَإِنْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ بَعْدَ السَّرِقَةِ، وَقَبْلَ ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْحُكْمِ بِالْقَطْعِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ،
وَلَوْ شُهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِيُعَدِّلَ الشُّهُودَ، فَقَطَعَهُ قَاطِعٌ، ثُمَّ عُدِّلُوا، فَكَذَلِكَ،
وَإِنْ لَمْ يُعَدَّلُوا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاطِعِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُمْ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً. وَلَنَا أَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مِمَّنْ يُكَافِئُهُ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُ الْقَطْعُ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
[فَصْلٌ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ] (٧٢٨٣) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ فَقَطَعَ الْجَذَّاذُ يَسَارَهُ بَدَلًا عَنْ يَمِينِهِ، أَجْزَأَتْ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا الْأَدَبُ. وَبِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَى السَّارِقِ يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، وَقَطْعَ يَدَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يُشْرَعُ،
وَإِذَا انْتَفَى قَطْعُ يَمِينِهِ، حَصَلَ قَطْعُ يَسَارِهِ مُجْزِئًا عَنْ الْقَطْعِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهِ قِصَاصٌ.
وَقَالَ أَصْحَابُنَا: فِي وُجُوبِ قَطْعِ يَمِينِ السَّارِقِ وَجْهَانِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْقَاطِعُ كَوْنَهَا يَسَارًا، أَوْ ظَنَّ أَنَّ قَطْعَهَا يُجْزِئُ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا: لَا تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ، كَيْ لَا تُقْطَعَ يَدَاهُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِي: تُقْطَعُ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يُسْرَاهُ قِصَاصًا.
فَأَمَّا الْقَاطِعُ: فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ قَطَعَهَا عَنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ السَّارِقِ، أَوْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا دَهْشَةً أَوْ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهَا تُجْزِئُ، وَقَطَعَهَا الْقَاطِعُ عَالِمًا بِأَنَّهَا يُسْرَاهُ، وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ،
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا يُسْرَاهُ، أَوْ ظَنَّ أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهَا.
وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ أَخْرَجَهَا مُخْتَارًا عَالِمًا بِالْأَمْرَيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِهَا، فَأَشْبَهَ غَيْرَ السَّارِقِ.
وَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.