فإن عاد حبس ولا تقطع غير يد ورجل. والحر والحرة والعبد والأمة في ذلك سواء. ويقطع السارق وإن وهبت له السرقة بعد إخراجها.
Its commentaries
قال: فإن عاد حبس ولا تقطع غير يد ورجل. ش: هذا إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار الخرقي وأبي بكر، وأبي الخطاب في خلافه، وابن عقيل والشيرازي، وأبي محمد وغيرهم، لعموم: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: ٣٣] إلى قوله: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} [المائدة: ٣٣] وهذا محارب لله ورسوله، فشملته الآية، وقد أشار علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى ذلك.
٣١٧٧ - فروى سعيد: حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن عائذ قال: أتي عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - برجل أقطع اليد والرجل قد سرق، فأمر به عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن تقطع رجله. فقال علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنما قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، وقد قطعت يد هذا ورجله، فلا ينبغي أن تقطع رجله، فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها، إنما تعزره، أو تودعه السجن، فاستودعه السجن، ولأن ذلك بمنزلة إهلاكه، فإنه لا يمكنه أن يتوضأ، ولا يغتسل، ولا يتحرز من نجاسته، ولا يزيلها عنه، ولا يدفع عن نفسه، ولا يأكل ولا يبطش، وبذلك علل علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
٣١٧٨ - فروى سعيد: حدثنا أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، قال: حضرت علي بن أبي طالب أتي برجل مقطوع اليد والرجل، فقال لأصحابه: ما ترون في هذا؟ قالوا: اقطعه يا أمير المؤمنين، قال: قتلته إذا وما عليه القتل، بأي شيء يأكل الطعام، بأي شيء يتوضأ للصلاة؟ بأي شيء يغتسل من جنابته؟ بأي شيء يقوم على حاجته؟ فرده إلى السجن أياما ثم أخرجه، فاستشار الصحابة فقالوا مثل قولهم الأول،
وقال لهم مثل ما قال أول مرة، فجلده جلدا شديدا ثم أرسله.
(والرواية الثانية) : تقطع يده اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة.
٣١٧٩ - لما روى جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «جيء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بسارق فقال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: «اقطعوه» فقطع، ثم جيء به الثانية، فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق. فقال: «اقطعوه» فقطع ثم جيء به في الثالثة فقال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول الله إنما سرق. فقال: «اقطعوه» فقطع ثم أتي به الرابعة فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق. فقال: «اقطعوه» فقطع فأتي به الخامسة فقال: «اقتلوه» قال جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه بالحجارة.»
رواه أبو داود وهذا لفظه والنسائي. وروى النسائي نحو ذلك أيضا من رواية الحارث بن حاطب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ولأن أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فعل ذلك، كما تقدم عنه.
٣١٨٠ - وكذلك روي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حكاه عنه أحمد، واحتج به، وهما اللذان أمرنا بالاقتداء بهما، وقد أجاب أبو محمد عن الحديث بأنه في شخص استحق القتل، بدليل الأمر بقتله في أول مرة، وقد يقال على هذا بأنه إذا كان مستحق القتل، فكيف جاز تأخيره، مع أنه إذا اجتمع مع القتل غيره سقط، واستوفي القتل، فكيف قطع، والذي يظهر في الجواب عن الأمر بالقتل أن هذا مما علم الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حقيقة الأمر فيه،
وأن أمر هذا يؤول إلى القتل ولا بد، وأنه لا يجيء منه خير، فهو كالصبي الذي قتله الخضر، الذي طبع كافرا.
٣١٨١ - وفي النسائي ما يشعر بهذا، فروى عن الحارث بن حاطب «أن الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتي بلص فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، فقال: «اقتلوه» فقالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: «اقطعوا يده» قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا الخامسة، فقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعلم بهذا، حين قال اقتلوه، ثم دفعه إلى فتية من قريش، منهم عبد الله بن الزبير، وكان يحب الإمارة. فقال: أمروني عليكم، فأمروه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه» .
اهـ.
والذي يظهر الرواية الثانية إن ثبتت الأحاديث،
فإن النسائي ضعف حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقال: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا، فعلى المذهب فيمنع من تعطيل منفعة الجنس، وهما اليدان والرجلان، وهل يمنع من تعطيل عضوين من شق؟ على وجهين.
(وعلى الثانية) لا أثر لذلك، فعلى هذا من سرق وهو أقطع اليد اليسرى، والرجل اليمنى، قطعت يده اليمنى على الثانية دون الأولى، لإفضائه إلى تعطيل منفعة الجنس،
وإن كان أقطع اليد اليسرى فقط، قطعت يمينه على الثانية دون الأولى. لكن في قطع رجله اليسرى وجهان، بناء على تعطيل منفعة الشق، واستقصاء التفريع له محل آخر.
(تنبيه) : أطلق الخرقي الحبس، وتبعه الشيخ،
وقال القاضي في الجامع، والشيرازي وابن البنا: يحبس حتى يحدث توبة،
وقال ابن حمدان: يحبس ويعزر حتى يتوب، والله أعلم. قال: والحر والحرة والعبد والأمة في ذلك سواء. ش: الاتفاق في الحر والحرة بشهادة النص بذلك. قال سبحانه وتعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: ٣٨] الآية، ولفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنه قطع سارق رداء صفوان، وقطع المخزومية،
أما العبد والأمة فهو قول العامة، لعموم النص،
ولما تقدم عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في الرقيق الذين سرقوا الناقة.
٣١٨٢ - وروى القاسم عن أبيه أن عبدا أقر بالسرقة عند علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقطعه. رواه أحمد.
٣١٨٣ - وعن نافع أن عبدا لابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - سرق وهو آبق، فبعث به إلى سعيد بن العاص وهو أمير المدينة ليقطع يده، فقال سعيد: لا تقطع يد الآبق، فقال له ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: في أي كتاب الله وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقطعت يده.
٣١٨٤ - وكذلك قضى به عمر بن عبد العزيز أيضا، رواه مالك في الموطأ.
٣١٨٥ - وقطعت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - يد عبد. . رواه مالك أيضا في الموطأ. وهذه قضايا اشتهرت ولم تنكر، فكانت حجة.
ويدخل في الحر المسلم والكافر، فيقطع الذمي بسرقة مال المسلم،
وكذلك يقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي.
أما الحربي الذي لا أمان له فلا يقطع المسلم بالسرقة من ماله، ولا هو بسرقة مال المسلم،
فإن كان له أمان قطع المسلم بسرقة ماله. وهل يقطع هو بسرقة مال المسلم؟ فيه وجهان: أصحهما: يقطع.
والثاني وهو اختيار ابن حامد: لا يقطع، ويدخل في العبد العبد الآبق، وذلك لعموم ما تقدم، ويؤيده قصة ابن عمر.
٣١٨٦ - أما ما رواه الدارقطني عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس على العبد الآبق إذا سرق قطع، ولا على الذمي» فقال: الصواب أنه موقوف، والله أعلم. قال: ويقطع السارق وإن وهبت له السرقة بعد إخراجها. ٣١٨٧ - ش: لما روي عن عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد؛ فقد وجب» رواه النسائي وأبو داود.
٣١٨٨ - «وعن صفوان بن أمية قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي، ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل فأتي به النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - به ليقطع، فأتيته فقلت: تقطعه من أجل ثلاثين درهما، أنا أبيعه وأنسيه ثمنها. قال: «فهلا كان قبل أن تأتيني به» ، زاد في أخرى: إني قد وهبتها له» .
. رواه النسائي.
وهذا يدل على أن ملك العين المسروقة بعد الرفع إلى الحاكم لا يؤثر،
بخلاف ما قبله. وكذلك قيد أبو محمد المسألة، بل وزاد: والمطالبة بها؛
وإن كان كلام الخرقي مطلقا.
وقوله: بعد إخراجها يحترز عما لو وهبت له السرقة قبل إخراجها، فإنه لا قطع قطعا، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ عَادَ السَّارِقُ بَعْدَمَا قُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلُهُ] (٧٢٨٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ عَادَ، حُبِسَ، وَلَا يُقْطَعُ غَيْرُ يَدٍ وَرِجْلٍ) يَعْنِي إذَا عَادَ فَسَرَقَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ وَحُبِسَ. وَبِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَحَمَّادٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ تُقْطَعُ فِي الثَّالِثَةِ يَدُهُ الْيُسْرَى،
وَفِي الرَّابِعَةِ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَفِي الْخَامِسَةِ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، أَنَّهُمَا قَطَعَا يَدَ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى فِي الرَّابِعَةِ، وَيُقْتَلُ فِي الْخَامِسَةِ؛ لِأَنَّ جَابِرًا قَالَ:«جِيءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَارِقٍ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. فَقَالَ: اقْطَعُوهُ. قَالَ: فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ. قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا سَرَقَ. قَالَ: اقْطَعُوهُ. ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، قَالَ: اُقْتُلُوهُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ، فَقَتَلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي السَّارِقِ: وَإِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَلِأَنَّ الْيَسَارَ تُقْطَعُ قَوَدًا، فَجَازَ قَطْعُهَا فِي السَّرِقَةِ، كَالْيُمْنَى؛ وَلِأَنَّهُ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقْتَدُوا بِاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِي؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» .
وَلَنَا مَا رَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا؟ . قَالُوا: اقْطَعْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ قَتَلْتُهُ إذًا، وَمَا عَلَيْهِ الْقَتْلُ، بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ الطَّعَامَ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَتِهِ؟ بِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ عَلَى حَاجَتِهِ؟ فَرَدَّهُ إلَى السِّجْنِ أَيَّامًا، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ،
وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَهُ جَلْدًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ. وَرُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَسْتَحِي مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَبْطِشُ بِهَا، وَلَا رِجْلًا يَمْشِي عَلَيْهَا. وَلِأَنَّ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ تَفْوِيتَ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ، فَلَمْ يُشْرَعْ فِي حَدٍّ، كَالْقَتْلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ قَطْعُ الْيَدَيْنِ، لَقُطِعَتْ الْيُسْرَى فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا آلَةُ الْبَطْشِ كَالْيُمْنَى، وَإِنَّمَا لَمْ تُقْطَعْ لِلْمَفْسَدَةِ فِي قَطْعِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِهْلَاكِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَلَا يَغْتَسِلَ، وَلَا يَسْتَنْجِيَ، وَلَا يَحْتَرِزَ مِنْ نَجَاسَةٍ، وَلَا يُزِيلَهَا عَنْهُ، وَلَا يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَأْكُلَ، وَلَا يَبْطِشَ، وَهَذِهِ الْمَفْسَدَةُ حَاصِلَةٌ بِقَطْعِهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ قَطْعَهَا، كَمَا مَنَعَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ، فَفِي حَقِّ شَخْصٍ اسْتَحَقَّ الْقَتْلَ، بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ،
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَفَعَلَ ذَلِكَ فِي الْخَامِسَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ،
وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ، وَفِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ.
فَرَوَى سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِدٍ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِرَجُلٍ أَقْطَعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ أَنْ تُقْطَعَ رِجْلُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} الْآيَةَ. وَقَدْ قُطِعَتْ يَدُ هَذَا وَرِجْلُهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْطَعَ رِجْلَهُ فَتَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ قَائِمَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا،
إمَّا أَنْ تُعَزِّرَهُ، وَإِمَّا أَنْ تَسْتَوْدِعَهُ السِّجْنَ. فَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ.
[فَصْلٌ سَرَقَ مَنْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ أَوْ شَلَّاءُ أَوْ مَقْطُوعَةُ الْأَصَابِعِ أَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ] (٧٢٨٥) فَصْلٌ: وَإِنْ سَرَقَ مَنْ يَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ، أَوْ شَلَّاءُ، أَوْ مَقْطُوعَةُ الْأَصَابِعِ، أَوْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ فَقُطِعَتْ الْيُسْرَى، أَوْ شُلَّتْ قَبْلَ قَطْعِ يُمْنَاهُ، لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَتُقْطَعُ عَلَى الثَّانِيَةِ.
وَإِنْ قَطَعَ يُسْرَاهُ قَاطِعٌ مُتَعَمِّدًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ طَرَفًا مَعْصُومًا.
وَإِنْ قَطَعَهُ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ، فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ. وَلَا تُقْطَعَ يَمِينُ السَّارِقِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَفِي قَطْعِ رِجْلِ السَّارِقِ وَجْهَانِ؛ أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالسَّرِقَةِ، وَسُقُوطُ الْقَطْعِ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَقْتَضِي قَطْعَ رِجْلِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَقْطُوعُ يَمِينَهُ.
وَالثَّانِي: تُقْطَعُ رِجْلُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ قَطْعُ يَمِينِهِ، فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةً حَالَ السَّرِقَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ يُمْنَاهُ صَحِيحَةً، وَيُسْرَاهُ نَاقِصَةً نَقْصًا يَذْهَبُ بِمُعْظَمِ نَفْعِهَا، مِثْلَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْهَا الْإِبْهَامُ أَوْ الْوُسْطَى أَوْ السَّبَّابَةُ، اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كَقَطْعِهَا، وَيُنْتَقَلُ إلَى رِجْلِهِ. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَاحْتُمِلَ أَنْ تُقْطَعَ يُمْنَاهُ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا يَنْتَفِعُ بِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قُطِعَتْ خِنْصَرُهَا.
وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ صَحِيحَتَيْنِ، وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى شَلَّاءَ أَوْ مَقْطُوعَةً، فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا، وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: تُقْطَعُ يَمِينُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يُمْنَى، فَقُطِعَتْ عَمَلًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ وَلِأَنَّهُ سَارِقٌ لَهُ يَدَانِ، فَتُقْطَعُ يُمْنَاهُ. كَمَا لَوْ كَانَتْ الْمَقْطُوعَةُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى.
وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ يُمْنَاهُ يَذْهَبُ بِمَنْفَعَةِ الْمَشْيِ مِنْ الرِّجْلَيْنِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى شَلَّاءَ، وَيَدَاهُ صَحِيحَتَانِ، قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُمْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْشَى تَعَدِّي ضَرَرِ الْقَطْعِ إلَى غَيْرِ الْمَقْطُوعِ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَوْ سَرَقَ وَيَدُهُ الْيُسْرَى مَقْطُوعَةٌ، أَوْ شَلَّاءُ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِذَلِكَ. وَأَنْكَرَ هَذَا ابْنُ الْمُنْذِرِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: بِقَوْلِهِمْ هَذَا خَالَفُوا كِتَابَ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ.
[مَسْأَلَةٌ الْحُرُّ وَالْحُرَّةُ وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ فِي الْقَطْعِ سَوَاءٌ] (٧٢٨٦) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْحُرُّ وَالْحُرَّةُ، وَالْعَبْدُ، وَالْأَمَةُ، فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ) .
أَمَّا الْحُرُّ وَالْحُرَّةُ: فَلَا خِلَافَ فِيهِمَا. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} . وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْحُدُودِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذَا، وَقَدْ قَطَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ، وَقَطَعَ الْمَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ الْقَطِيفَةَ.
فَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ: فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلَ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُمَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا بِالسَّرِقَةِ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ، فَلَمْ يَجِبْ فِي حَقِّهِمَا كَالرَّجْمِ؛ وَلِأَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُسَاوِي الْعَبْدُ فِيهِ الْحُرَّ كَسَائِرِ الْحُدُودِ. وَلَنَا عُمُومُ الْآيَةِ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ، أَنَّ رَقِيقًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَانْتَحَرُوهَا، فَأَمَرَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ أَنْ تُقْطَعَ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاك تُجِيعُهُمْ، وَلَكِنْ لَأُغَرِّمَنَّك غُرْمًا يَشُقُّ عَلَيْك.
ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِك؟ قَالَ: أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدًا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقَطَعَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا. يَعْنِي الَّذِي قَطَعَهُ عَلِيٌّ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بِإِسْنَادِهِ. وَهَذِهِ قِصَصٌ تَنْتَشِرُ وَلَمْ تُنْكَرْ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ تَنْصِيفُهُ. قُلْنَا: وَلَا يُمْكِنُ تَعْطِيلُهُ، فَيَجِبُ تَكْمِيلُهُ، وَقِيَاسُهُمْ نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ، فَنَقُولُ: حَدٌّ فَلَا يَتَعَطَّلُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، كَسَائِرِ الْحُدُودِ، وَفَارَقَ الرَّجْمَ،
فَإِنَّ حَدَّ الزَّانِي لَا يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ،
بِخِلَافِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ حَدَّ السَّرِقَةِ يَتَعَطَّلُ بِتَعْطِيلِهِ.
[فَصْلٌ قَطْعُ الْآبِقِ بِسَرِقَتِهِ] (٧٢٨٧) فَصْلٌ وَيُقْطَعُ الْآبِقُ بِسَرِقَتِهِ، وَغَيْرُهُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَرْوَانُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ. وَلَنَا عُمُومُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّهُ مُكَلَّفٌ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَيُقْطَعُ، كَغَيْرِ الْآبِقِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ قَضَاءٌ عَلَى سَيِّدِهِ. لَا يُسَلَّمُ، فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إقْرَارُ السَّيِّدِ، وَلَا يَضُرُّ إنْكَارُهُ. وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ، ثُمَّ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ جَائِزٌ، عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ] (٧٢٨٨) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ سَيِّدُهُ،
وَقَالَ: هَذَا مَالِي. فَالْمَالُ لِسَيِّدِهِ، وَيُقْطَعُ الْعَبْدُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ سَرِقَتُهُ لِلْمَالِ، فَلَمْ يَجِبْ قَطْعُهُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي الْمَالِ، فَفِي الْحَدِّ الَّذِي يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ أَوْلَى. وَلَنَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ، وَصَدَّقَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، فَقُطِعَ، كَالْحُرِّ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجِبَ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَكَوْنُ الْمَالِ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ شُبْهَةٌ.
[فَصْلٌ يُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا] (٧٢٨٩) فَصْلٌ: وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ، وَيُقْطَعُ الذِّمِّيُّ بِسَرِقَةِ مَالِهِمَا. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا.
فَأَمَّا الْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ إلَيْنَا مُسْتَأْمَنًا، فَسَرَقَ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الزِّنَا. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالْمَذْهَبَيْنِ.
وَلَنَا أَنَّهُ حَدٌّ يُطَالَبُ بِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ، كَحَدِّ الْقَذْفِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْقَطْعَ يَجِبُ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ، وَحَدُّ الْقَذْفِ يَجِبُ صِيَانَةٍ لِلْأَعْرَاضِ،
فَإِذَا وَجَبَ فِي حَقِّهِ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ،
فَأَمَّا حَدُّ الزِّنَا: فَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِهِ قَتْلُهُ لِنَقْضِهِ الْعَهْدَ،
وَلَا يَجِبُ مَعَ الْقَتْلِ حَدٌّ سِوَاهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،
فَإِنَّ الْمُسْلِمَ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ. وَلَنَا أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَعْصُومًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، فَوَجَبَ قَطْعُهُ، كَسَارِقِ مَالِ الذِّمِّيِّ. وَيُقْطَعُ الْمُرْتَدُّ إذَا سَرَقَ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ وُهِبَتْ لِلسَّارِقِ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا] (٧٢٩٠) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُقْطَعُ السَّارِقُ وَإِنْ وُهِبَتْ لَهُ السَّرِقَةُ بَعْدَ إخْرَاجِهَا) وَجُمْلَتُهُ أَنَّ السَّارِقَ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ بِهِبَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَمْلِكَهَا قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ، وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا عِنْدَهُ، أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ،
فَإِنْ مَلَكَهَا قَبْلَهُ، لَمْ يَجِبْ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الْمُطَالَبَةَ بِالْمَسْرُوقِ وَبَعْدَ مِلْكِهِ لَهُ لَا تَصِحُّ الْمُطَالَبَةُ،
وَإِنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ، لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكَهُ، فَلَا يُقْطَعُ فِي عَيْنٍ هِيَ مِلْكُهُ، كَمَا لَوْ مَلَكَهَا قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ، وَالشُّرُوطُ يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لِهَذِهِ الْعَيْنِ مُطَالِبٌ. وَلَنَا مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ، عَنْ «ابْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَأُخِذَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، فَجَاءَ بِسَارِقِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقْطَعَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرِدْ هَذَا، رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» .
رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْجُوزَجَانِيُّ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ:«فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْت: أَتَقْطَعُهُ مِنْ أَجْلِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهَا. قَالَ: فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَأَبُو دَاوُد. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وُجِدَ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَيْهِ، لَدَرَأَ الْقَطْعَ، وَبَعْدَهُ لَا يُسْقِطُهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمُطَالَبَةَ شَرْطٌ. قُلْنَا: هِيَ شَرْطُ الْحُكْمِ لَا شَرْطُ الْقَطْعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّ الْعَيْنَ لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ، وَقَدْ زَالَتْ الْمُطَالَبَةُ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ] (٧٢٩١) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْرُوقَ كَانَ مِلْكًا لِلسَّارِقِ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، أَوْ أَنَّ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً، أَوْ أَنَّ الْمَالِكَ أَذِنَ لَهُ فِي أَخْذِهَا، أَوْ أَنَّهُ سَبَّلَهَا، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ،
بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ إيَّاهَا،
فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْحَدِّ وَاجِبًا.
وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِالْعَيْنِ، سَقَطَ الْقَطْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ مِلْكِهِ لَهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَالَ أَخْذِهَا. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَسْقُطُ؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ تَجَدَّدَ سَبَبُهُ بَعْدَ وُجُوبِ الْقَطْعِ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ حِيلَةٌ عَلَى إسْقَاطِ الْقَطْعِ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِهَا، كَالْهِبَةِ.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.