لا بيع المنقول
Its commentaries
(لَا بَيْعُ الْمَنْقُولِ) أَيْ لَا يَصِحُّ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ، قَيِّدَ بِالْبَيْعِ لِأَنَّ هِبَتَهُ وَالتَّصَدُّقَ بِهِ، وَإِقْرَاضَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ جَائِزٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ،
وَأَمَّا كِتَابَةُ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَوْقُوفَةٌ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ،
وَإِنْ نَقَدَهُ نَفَذَتْ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بَلْ كُلُّ عَقْدٍ يَقْبَلُ النَّقْضَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ،
وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَجَائِزٌ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَزْوِيجِ الْآبِقِ،
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَصَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا أُخْتُ الْمِيرَاثِ،
وَلَوْ زَوَّجَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ، وَأَطْلَقَ الْبَيْعَ فَشَمِلَ الْإِجَارَةَ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ، وَالصُّلْحَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَالُوا مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأُجْرَةِ الْعَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ، وَأَرَادَ بِالْمَنْقُولِ الْمَبِيعَ الْمَنْقُولَ فَجَازَ بَيْعُ غَيْرِهِ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ وَالْأَصْلُ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَمَا لَا فَجَائِزٌ.
وَأَطْلَقَ فِي مَنْعِ الْبَيْعِ فَشَمِلَ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ
بِخِلَافِ مَا إذَا وَهَبَهُ مِنْهُ وَقَبِلَهَا فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ لِأَنَّ الْهِبَةَ مَجَازٌ عَنْ الْإِقَالَةِ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَفِي الْخَانِيَّةِ اشْتَرَى عَبْدًا وَقَبَضَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا الْبَيْعَ، وَلَمْ يَتَقَابَضَا حَتَّى اشْتَرَاهُ مِنْ الْبَائِعِ جَازَ شِرَاؤُهُ،
وَلَوْ بَاعَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ الْإِقَالَةِ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَإِنْ تَصَرَّفَ فِيهِ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ
إمَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ فُلَانٍ فَفَعَلَ الْبَائِعُ ذَلِكَ، وَدَفَعَهُ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ جَازَتْ الْهِبَةُ وَصَارَ الْمُشْتَرِي قَابِضًا،
وَكَذَا لَوْ أَمَرَ الْبَائِعُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ فُلَانًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَفَعَلَ جَازَ وَصَارَ الْمُسْتَأْجِرُ قَابِضًا لِلْمُشْتَرِي أَوَّلًا ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، وَالْأَجْرُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ يَحْسِبهُ مِنْ الثَّمَنِ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ،
وَكَذَا لَوْ أَعَارَ الْعَبْدَ الْبَائِعُ مِنْ رَجُلٍ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُشْتَرِي أَوْ وَهَبَ أَوْ رَهَنَ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ جَازَ، وَيَصِيرُ قَابِضًا اهـ.
ثُمَّ قَالَ اشْتَرَى ثَوْبًا وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ ثُمَّ قَالَ لِلْبَائِعٍ لَا أَئْتَمِنُكَ عَلَيْهِ ادْفَعْهُ إلَى فُلَانٍ يَكُونُ عِنْدَهُ حَتَّى أَدْفَعَ إلَيْك الثَّمَنَ فَدَفَعَهُ الْبَائِعُ إلَى فُلَانٍ فَهَلَكَ مِنْ يَدِهِ كَانَ الْهَلَاكُ عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ يُمْسِكُهُ لِلثَّمَنِ لِأَجْلِ الْبَائِعِ فَتَكُونُ يَدُهُ كَيَدِ الْبَائِعِ،
وَلَوْ أَمَرَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِوَطْءِ الْجَارِيَةِ أَوْ بِأَكْلِ الطَّعَامِ فَفَعَلَ كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ فَكَانَ مَجَازًا عَنْ الْفَسْخِ لِيَكُونَ وَاطِئًا وَآكِلًا مَالَ نَفْسِهِ،
وَأَمَّا الْآمِرُ بِالْبَيْعِ فَعَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إنْ قَالَ الْبَائِعُ بِعْهُ لِنَفْسِك فَبَاعَهُ كَانَ فَسْخًا،
وَإِنْ قَالَ بِعْهُ لِي لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ، وَلَا يَكُونُ فَسْخًا،
وَلَوْ قَالَ بِعْهُ أَوْ بِعْهُ مِمَّنْ شِئْت فَبَاعَهُ كَانَ فَسْخًا، وَجَازَ الْبَيْعُ الثَّانِي لِلْمَأْمُورِ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَكُون فَسْخًا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ بِعْهُ لِي،
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا أَوْ حِنْطَةً فَقَالَ لِلْبَائِعِ بِعْهُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي وَقَبْلَ الرُّؤْيَةِ يَكُونُ فَسْخًا،
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الْبَائِعُ نَعَمْ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ فِي خِيَارِ الرُّؤْيَةِ،
وَإِنْ قَالَ بِعْهُ لِي أَيْ كُنْ وَكِيلًا فِي الْفَسْخِ فَمَا لَمْ يَقْبَلْ الْبَائِعُ وَلَمْ يَقُلْ نَعَمْ لَا يَكُونُ فَسْخًا،
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالرُّؤْيَةِ لَا يَكُونُ فَسْخًا، وَيَكُونُ وَكِيلًا بِالْبَيْعِ سَوَاءٌ قَالَ بِعْهُ أَوْ بِعْهُ لِي. اهـ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ إجَازَةٌ فَذَكَرَ فِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ اشْتَرَى عَبْدًا بِأَلْفٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى رَهَنَهُ الْبَائِعُ أَوْ آجَرَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ فَمَاتَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَلَا يُضَمِّنُ الْمُشْتَرِي أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ لِأَنَّهُ إنْ ضَمَّنَهُمْ رَجَعُوا عَلَى الْبَائِعِ،
وَلَوْ أَعَارَهُ أَوْ وَهَبَهُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ أَوْدَعَهُ فَاسْتَعْمَلَهُ الْمُودَعُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَمْضَى الْبَيْعَ وَضَمَّنَ الْمُسْتَعِيرَ وَالْمُودَعَ، وَالْمَوْهُوبَ لَهُ،
وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمَّنَ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لِلضَّامِنِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ.
وَلَوْ بَاعَهُ الْبَائِعُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي مِنْ عَمَلِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ،
وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ نَقَدَهُ الثَّمَنَ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ،
وَلَوْ أَمَرَ الْبَائِعُ رَجُلًا فَقَتَلَهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُضَمِّنَ الْقَاتِلَ قِيمَتَهُ لِأَنَّهُ إذَا ضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْبَائِعِ،
وَإِنْ أَمَرَ الْبَائِعُ رَجُلًا بِذَبْحِ شَاةٍ فَذَبَحَهَا إنْ كَانَ الذَّابِحُ يَعْلَمُ بِالْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي تَضْمِينُهُ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ اهـ.
قَوْلُهُ
(قَوْلُهُ وَالصُّلْحُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ) أَيْ الصُّلْحُ عَنْ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْفَتْحِ، وَتَعْبِيرُ النَّهْرِ بِالْخُلْعِ سَبْقُ قَلَمٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَحْرِيفِ النُّسَّاخِ
(قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ إلَخْ) هَذَا الْأَصْلُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِأَبِي يُوسُفَ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ قِيمَتَهُ) أَيْ قِيمَتَهُ يَوْمَ قَبْضِهِ،
وَكَذَا فِي الْهِبَةِ وَالْعَارِيَّةِ كَذَا فِي الْقُنْيَةِ، وَفِيهَا اشْتَرَى دَارًا أَوْ عَبِيدًا أَوْ عُرُوضًا، وَتَرَكَهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ فَبَاعَهَا وَرَبِحَ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُشْتَرِي فَفَاسِدٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ بَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ
وَيَجِبُ فَسْخُهُ اهـ.
قُلْتُ: لَكِنَّ قَوْلَهُ اشْتَرَى دَارًا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِفَسَادِ بَيْعِ الْعَقَارِ قَبْلَ قَبْضِهِ تَأَمَّلْ.
(لا) يصح (بيع المنقول) قبل قبضه من البائع قيدنا بالبيع لأنه لو وهبه أو تصدق به أو أقرضه أو رهنه أو أعاره من غير البائع جاز عند محمد وهو الأصح، خلافاً لأبي يوسف وأجمعوا على صحة الوصية به قبله.
أما تجويز الأمة فجائز وإذا فسخ البيع انفسخ النكاح على قول أبي يوسف وهو المختار ودخل في البيع والإجارة،
وفي (الإيضاح) كل عوض ملك بالعقد ينفسخ العقد بهلاكه قبل القبض لم يجز التصرف فيه كالبيع والأجرة أذا كانت عيناً، وبدل الخلع إذا كان معيناً وما ينفسخ العقد بهلاكه فالتصرف فيه جائز قبل القبض كالمهر وبدل الصلح والعتق على مال وبدل الصلح عن عمد وعم كلامه ما لو باعه من البائع ولا ينتقض البيع الأول،
ولو وهبه منه انتقض لأنها مجاز عن الإقالة
بخلاف البيع، وصرف في (السراج) بأن بيع المنقول قبل قبضه من البائع أو من غير باطل هذا في تصرف المشتري.
ولو اشترى مكيلاً كيلاً حرم بيعه وأكله حتى يكيله
وأما تصرف البائع فإن كان بأمر المشتري بأن يهبه من فلان أو يؤاجره أيا ًكان ففعل جاز،
ولو أمره بوطء الجارية أو بأكل الطعام ففعل كان فسخاً،
ولو بالبيع بأن قال: بعه لنفسك أو بعه ففعل كان فسخاً أيضاً،
وإن قال بعه لي لا يجوز
ولو قال: ممن شئت فلذلك في قول الإمام وقال محمد: لا يكون فسخاً ولو رهنه أو أجره أو/ أودعه بغير أمره فمات انفسخ العقد،
ولو أعاره أو وهبه فمات، أو أودعه فاستعمله المودع فمات فإن شاء المشتري أمضى البيع وضمن هؤلاء،
وإن شاء فسخ البيع الكل في (الخانية) وفيها من هذا النوع يطول الكلام بذكرها،
(لَا بَيْعُ الْمَنْقُولِ) أَيْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إذَا ابْتَعْت طَعَامًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ بَاعَ مَا لَا يَمْلِكُ وَالْغَرَرُ حَرَامٌ لِمَا رَوَيْنَا وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ بَاعَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ نَقَدَ الثَّمَنَ فَالْبَيْعُ الثَّانِي نَافِذٌ؛
لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّسْلِيمِ إذْ لَيْسَ لِلْبَائِعِ مَنْعُ الْمَبِيعِ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ فَالْبَيْعُ الثَّانِي مَوْقُوفٌ وَهُوَ الْأَصْلُ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَلَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ تَوَقَّفَتْ كِتَابَتُهُ وَكَانَ لِلْبَائِعِ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْفَسْخِ فَلَمْ تَنْفُذْ فِي حَقِّ الْبَائِعِ نَظَرًا لَهُ وَإِنْ نَقَدَ الثَّمَنَ نَفَذَتْ الْكِتَابَةُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَوْ وَهَبَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ أَقْرَضَهُ أَوْ رَهَنَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛
لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ
وَيَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَا تَجُوزُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ وَغَيْرُ الْبَائِعِ يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْ الْمُشْتَرِي فِي الْقَبْضِ فَيَصِيرُ قَبْضُ الْمَأْمُورِ قَبْضًا لَهُ أَوَّلًا بِحُكْمِ النِّيَابَةِ ثُمَّ يَصِيرُ قَابِضًا لِنَفْسِهِ بِالتَّمْلِيكِ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَمْلِيكُ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَاسِدٌ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا تَجُوزُ إجَارَتُهُ؛ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنْفَعَةِ فَلَا تَجُوزُ كَبَيْعِ الْعَيْنِ لِتَمَكُّنِ غَرَرِ الِانْفِسَاخِ فِيهَا بِهَلَاكِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأُجْرَةِ الْعَيْنَ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَبِيعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَيْنَ لَوْ هَلَكَتْ انْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ
وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ الْغَرَرِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ الْآبِقَةَ جَازَ وَإِنْ تَمَكَّنَ الْغَرَرُ فِيهِ فَإِنَّهَا لَا يُدْرَى أَحَيَّةٌ هِيَ أَمْ مَيِّتَةٌ وَلَوْ وَهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَقَبِلَهُ الْبَائِعُ انْتَقَضَ الْبَيْعُ وَلَوْ بَاعَهُ مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْبَيْعُ وَلَمْ يُنْتَقَضْ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهِبَةَ مَجَازٌ عَنْ الْإِقَالَةِ يُقَالُ هَبْ لِي ذَنْبِي وَأَقِلْنِي عَثْرَتِي
بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: لَا بَيْعُ الْمَنْقُولِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلِأَنَّ فِي الْمَنْقُولِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ عَلَى اعْتِبَارِ هَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَتَبَيَّنُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ وَقَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ مُسْنَدًا إلَى الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» وَالْغُرُورِ مَا طُوِيَ عَنْك عِلْمُهُ وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ مَا قَالَ صَاحِبُ الْإِيضَاحِ أَنَّ كُلَّ عِوَضٍ مُلِكَ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيهِ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَالْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةُ إذَا كَانَتْ عَيْنًا وَبَدَلُ الصُّلْحِ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَمَا لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِهَلَاكِهِ فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ جَائِزٌ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْمَهْرِ وَبَدَلِ الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ وَبَدَلِ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَعَلَّلَ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ؛
لِأَنَّ هَلَاكَهُ لَا يَنْقُضُ الْعَقْدَ وَيَكُونُ عَلَى الَّذِي بَذَلَهُ قِيمَتُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ) أَيْ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَفَسَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِقَوْلِهِ أَيْ الْعَقْدُ الثَّانِي وَكَأَنَّهُ سَهْوُ الْقَلَمِ أَوْ غَلَطٌ فِي الْأَصْلِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَفَسَّرَهُ بَعْضُ الشَّارِحِينَ) أَرَادَ بِهِ صَاحِبَ النِّهَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ لَوْ بَاعَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا صَلَاحُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي حَوَاشِي ابْنِ فِرِشْتَا بَعْدَ أَنْ سَاقَ مَا نَقَلَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَنْ الْمُحِيطِ مَا نَصُّهُ الظَّاهِرُ أَنَّ لَفْظَةَ غَيْرِ فِي قَوْلِهِ لَوْ بَاعَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ زَائِدَةٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمُحِيطِ قَالَ
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَخْ ثُمَّ قَالَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ نَقَدَ الثَّمَنَ فَالْبَيْعُ الثَّانِي نَافِذٌ إلَخْ وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْمَنْقُولِ إذْ بَيْعُ الْعَقَارِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَهُ عَقِيبَ تَفْرِيغِ الْعَقَارِ تَوَهَّمَ الشَّارِحُ أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَنْقُولِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَهَبَ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ أُخْتُ الْمِيرَاثِ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَكُونُ مَوْرُوثًا لِلْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَهَبَ الْمَبِيعَ مِنْ الْبَائِعِ إلَخْ) وَلَوْ رَهَنَهُ مِنْ الْبَائِعِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَصْلُحُ نَائِبًا عَنْهُ فِي الْقَبْضِ. اهـ. مُحِيطٌ.
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْبَيْعِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ عَنْ الْإِقَالَةِ؛ لِأَنَّهُ ضِدُّهَا. اهـ. .
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.