وأجرة بيتٍ حفظه وحافظه على المرتهن
Its commentaries
(وَأُجْرَةُ بَيْتِ الْحِفْظِ وَحَافِظِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَأُجْرَةُ رَاعِيهِ وَنَفَقَتُهُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ مَا يُحْتَاجَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ لِنَفْسِهِ وَتَبْقِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي فَصْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ،
وَكَذَا مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَكُونُ أَصْلًا وَتَبْقِيَتُهُ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ مِنْ مَأْكَلِهِ وَمُشْرَبِهِ وَأُجْرَةُ الرَّاعِي مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَفَ الْبَهَائِمَ.
وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ كِسْوَةُ الرَّقِيقِ وَأُجْرَةُ ظِئْرِ وَلَدِ الرَّهْنِ وَكَرْيُ النَّهْرِ وَكَسْرُ النَّهْرِ وَسَقْيُ الْبَسَاتِينَ وَتَلْقِيحُ نَخِيلِهِ وَجِذَاذِهَا وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ،
وَفِي النَّوَازِلِ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الرَّهْنِ فَالْقَاضِي يَأْمُرُ الْمُرْتَهِنَ بِالنَّفَقَةِ،
فَإِذَا قَبَضَ الدَّيْنَ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَهُ عَلَى النَّفَقَةِ،
فَإِنْ هَلَكَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ أَوْ لِرَدِّهِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْجُرْحِ فَهُوَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، مِثْلُ أُجْرَةِ الْحَافِظِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ وَالْحِفْظَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّتِي يَحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ أُجْرَةَ الْمَأْوَى عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ جُعِلَ الْآبِقُ إذَا كَانَ كُلُّهُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْمَحِلِّ وَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَكَانَتْ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَمَانَةً فَيُقَدَّرُ الْمَضْمُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَحِصَّةُ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ وَلِأَنَّ الرَّدَّ لِإِعَادَةِ الْيَدِ وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ الْمَالِكِ إذْ هُوَ كَالْمُودِعِ فِيهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمَالِكِ
بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ،
فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِ الْحَبْسِ وَحَقُّ الْحَبْسِ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْكُلِّ.
وَأَمَّا الْجُعْلُ فَلِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَالْمُدَاوَاةُ وَالْفِدَاءُ مِنْ الْجِنَايَةِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْأَمَانَةُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ وَالْعُشْرُ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِهِ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْخَارِجَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُشْرِ يَجُوزُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَدَلَ الْعُشْرِ مِنْ مَالٍ آخَرَ،
وَإِنْ كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهِ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ
بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الرَّهْنِ حَيْثُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَدْرَ الْمُسْتَحَقِّ فَكَانَ الرَّهْنُ شَائِعًا فِي الِابْتِدَاءِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ بَاطِلًا وَلَا كَذَلِكَ وُجُوبُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْعُشْرُ خَرَجَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عَنْ مِلْكِهِ فِي الْوَقْتِ فَلَمْ يُوجَبْ شُيُوعًا فِي الْبَاقِي لَا طَارِئًا وَلَا مُقَارِنًا وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ كَمَا إذَا قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الْآخَرِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَبِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ يَجْعَلُهُ دَيْنًا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا،
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْجِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ
فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجَرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلِي عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يُنَفِّذُ أَمْرَهُ عَلَيْهِ،
وَفِي الْمُحِيطِ وَالْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ. اهـ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُؤَلِّفُ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةَ فِي الرَّهْنِ وَدَعْوَى الرَّجُلَيْنِ الرَّهْنَ أَوْ أَحَدِهِمَا
قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مَسَائِلُهُ عَلَى فُصُولٍ: فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الرَّهْنِ، وَفَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فِي النُّطْقِ، وَفَصْلٌ فِي شَهَادَةِ الرَّاهِنَيْنِ وَالْمُرْتَهِنِينَ بِالْمَرْهُونِ لِغَيْرِهِ، وَفَصْلٌ فِي إقَامَةِ الْوَاحِدِ الْبَيِّنَةَ عَلَى رَجُلَيْنِ فِي الرَّهْنِ قَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُك هَذِهِ الْعَيْنَ وَقَبَضْتَهَا مِنِّي وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَهُوَ يُنْكِرُ أَوْ قَالَ بَلْ رَهَنْتنِي عَيْنًا أُخْرَى فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ وَالْقَوْلُ لَهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْمُرْتَهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ نَفْسَهُ وَبَيِّنَةَ الرَّاهِنِ تُثْبِتُ الْحَقَّ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسِ وَبَيِّنَةُ مَنْ يُثْبِتُ الْحَقَّ لِنَفْسِهِ أَوْلَى؛
لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي قَبُولِ بَيِّنَةِ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَدَّ ذَلِكَ،
فَإِنَّ الرَّهْنَ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِذَا كَانَتْ الْعَيْنُ هَالِكَةً فَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الرَّاهِنُ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تُثْبِتُ زِيَادَةً أَقَامَ الرَّاهِنُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ رَهَنَهُ عَبْدًا بِأَلْفٍ يُسَاوِي أَلْفَيْنِ وَقَبَضَهُ وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كُلَّهَا النِّصْفُ يَسْقُطُ بِدَيْنِهِ وَيُؤْخَذُ بِالنِّصْفِ؛ لِأَنَّهُ جَحَدَهُ فَصَارَ ضَامِنًا بِالْجُحُودِ كَالْمُودَعِ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ،
وَكَذَلِكَ إنْ سَكَتَ الْمُرْتَهِنُ وَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يَجْحَدْ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ جُحُودٌ حُكْمًا.
أَلَا تَرَى لَوْ أَخَّرَ شَيْئًا فَسَكَتَ يُسْمَعُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ جَحَدَ،
وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ لَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ،
وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ رَهَنْتَنِي هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ،
وَقَالَ الرَّاهِنُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُرْتَهِنِ يَدَّعِي عَلَيْهِ زِيَادَةَ رَهْنٍ وَهُوَ يُنْكِرُ الرَّهْنَ رَهَنَ عَبْدًا وَالدَّيْنُ أَلْفٌ فَذَهَبَ عَيْنُ الْعَبْدِ وَهُوَ يُسَاوِي أَلْفًا، فَقَالَ الرَّاهِنُ كَانَتْ هَذِهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ رَهَنْتُك فَقَدْ ذَهَبَ نِصْفُ حَقِّك،
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ كَانَتْ خَمْسَمِائَةٍ يَوْمَئِذٍ وَازْدَادَتْ مِنْ بَعْدُ فَالْقَوْلُ لِلرَّاهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لَهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ لِلْحَالِ أَلْفٌ فَيَكُونُ الْحَالُ شَاهِدًا لِلْمَاضِي كَمَنْ اسْتَأْجَرَ طَاحُونَةً وَاخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ وَانْقِطَاعِهِ يُحَكَّمُ الْحَالُ فَكَذَا الرَّاهِنُ بَيِّنَتُهُ تُثْبِتُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَبَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ تَنْفِي فَكَانَتْ الْمُثَبِّتَةُ أَوْلَى وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَشَهِدَتْ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ وَالْأُخْرَى بِأَلْفَيْنِ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛
لِأَنَّ اخْتِلَافَ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ الدَّيْنُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّهْنُ؛ لِأَنَّ صِحَّتَهُ مَنُوطَةٌ بِالدَّيْنِ وَعِنْدَهُمَا هُوَ رَهْنٌ بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ دَيْنُ أَلْفٍ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ هُمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي أَكْثَرَ الْمَالَيْنِ ادَّعَى الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَهِيَ قِيمَتُهُ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ وَالْآخَرُ بِمِائَةٍ.
وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ، وَهَذَا رَهْنٌ بِمِائَةٍ مِنْهَا فَالْقَوْلُ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْبَيِّنَةُ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الدَّيْنَ وَهُوَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَيْهِ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَتَصَادَقَا أَنَّ الْعَيْنَ رُهِنَ بِمِائَةٍ فَصَارَ رَهْنًا بِمِائَةٍ بِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنَّ بَيِّنَةَ الرَّاهِنِ أَكْثَرُ إثْبَاتًا؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ إيفَاءٍ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ وَهُوَ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ارْتَهَنَهُ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ جَاءَ لَازِمًا وَفِيهِ ضَمَانٌ وَلَا لُزُومَ وَلَا ضَمَانَ فِي الْوَدِيعَةِ فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الرَّاهِنِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ يَجْعَلَ كَأَنَّهُ أَوْدَعَهُ، ثُمَّ رَهَنَهُ؛
لِأَنَّ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الْإِيدَاعِ.
وَأَمَّا الْإِيدَاعُ لَا يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ إلَّا بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ، الرَّاهِنُ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الرَّهْنِ وَالْآخَرُ عَلَى الْبَيْعِ جُعِلَ بَيْعًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالرَّهْنُ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ جَانِبِ الْمُرْتَهِنِ وَالْبَيْعُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْحَالِ وَالرَّهْنُ لَا فَكَانَتْ بَيِّنَةُ الْبَيْعِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَتَيْنِ بِأَنْ تُجْعَلَ كَأَنَّهُ رَهَنَ أَوَّلًا، ثُمَّ بَاعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ يُرَدُّ عَلَى الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ لَا يُرَدُّ عَلَى الْبَيْعِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ الْهِبَةَ وَالْقَبْضَ يُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تُوجِبُ الْمَالَ لِلْحَالِ كَالْبَيْعِ ادَّعَى الشِّرَاءَ وَالْقَبْضَ وَالْآخَرُ ادَّعَى الرَّهْنَ وَالْقَبْضَ يُحْكَمُ بِالشِّرَاءِ إذَا كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ،
فَإِنْ عَلِمَ بِتَقَدُّمِ الرَّهْنِ جُعِلَ رَهْنًا؛ لِأَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضًا مُعَايَنًا وَلَا يُنْقَضُ بِالشَّكِّ كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَلِأَحَدِهِمَا قَبْضٌ مُعَايَنٌ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَصَاحِبُ الْقَبْضِ أَوْلَى،
وَلَوْ شَهِدَ الرَّاهِنَانِ بِأَنَّ الْمَرْهُونَ مِلْكُ آخَرَ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ يَجُرَّانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا نَفْعًا وَمَغْنَمًا؛ لِأَنَّهُمَا يُرِيدَانِ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ عَلَيْهِمَا،
وَفِي إبْطَالِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَنْ الرَّهْنِ نَفْعٌ لَهُمَا فِي الْجُمْلَةِ فَتَمَكَّنَتْ الشُّبْهَةُ فِي شَهَادَتِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ وَلِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ فِي مَعْنَى الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ قَدِيمٍ وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إقْرَارٌ فَهَذَا إقْرَارٌ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْمُرْتَهَن فَلَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُرْتَهِنِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ صَرِيحًا،
وَلَوْ شَهِدَ الْمُرْتَهِنَانِ تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا بَلْ يَضُرَّانِ بِأَنْفُسِهِمَا مَتَى كَانَ الرَّهْنُ قَائِمًا،
وَإِنْ كَانَ هَالِكًا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَمْنَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا مَغْرَمًا؛ لِأَنَّ بِهَلَاكِ الرَّهْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ وَبَرِئَ الرَّاهِنُ عَنْ الدَّيْنِ ظَاهِرًا وَمَتَى قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا بَاعَ رَجُلَانِ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُمَا عَبْدًا بِعَيْنِهِ ثُمَّ شَهِدَ أَنَّ الْعَبْدَ لِرَجُلٍ، وَقَالَا نَرْضَى أَنْ يَكُونَ دَيْنًا بِالرَّهْنِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِإِبْطَالِ حَقِّهِمَا فِي الْحَبْسِ وَلَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا وَلَا يَدْفَعَانِ مَغْرَمًا وَلَا يَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ.
وَلَوْ طَلَبَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ؛ لِأَنْفُسِهِمَا بِرَهْنٍ وَيَسْعَيَانِ فِي نَقْضِ عَقْدٍ تَمَّ بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُمَا النَّقْضُ ادَّعَيَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَهُ الرَّهْنُ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ
أَمَّا إذَا كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي يَدِ الرَّاهِنِ وَالدَّعْوَى مِنْهُمَا حَالَ حَيَاةِ الرَّاهِنِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ أَرَّخَا ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ لَمْ يُؤَرِّخَا،
فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُؤَرِّخَا فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَجَّحَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَبَقَ ارْتِهَانُهُ وَلِأَنَّ يَدَهُ صَحِيحَةٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بُطْلَانَهَا كَمَا لَوْ ادَّعَيَا الشِّرَاءَ مِنْ وَاحِدٍ وَالْمَبِيعُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا،
فَإِنْ أَرَّخَا يُقْضَى لِأَسْبَقِهِمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي آخِرُهُمَا تَارِيخًا غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رَهْنٍ فَاسِدٍ وَكَانَ الَّذِي هُوَ أَسْبَقُ انْفَرَدَ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ،
وَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا لَا يُقْضَى لَهُمَا قِيَاسًا وَبِهِ نَأْخُذُ،
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ بِنِصْفِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّ رَهْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَبَذَ بَيِّنَتَهُمَا مَعًا فَصَحَّ الرَّهْنُ فَصَارَ الْعَبْدُ مَحْبُوسًا بِحَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْكَمَالِ هَذَا كُلُّهُ فِي حَالِ حَيَاةِ الرَّاهِنِ
فَأَمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى ارْتِهَانِهِ مِنْهُ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ بِنِصْفِهِ رَهْنًا بِنِصْفِ حَقِّهِ يُبَاعُ فِيهِ عِنْدَهُمَا وَمَا بَقِيَ لِلْغُرَمَاءِ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُقْضَى لَهُمَا بِشَيْءٍ وَهُوَ قَوْلُ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالرَّهْنِ مِنْهُمَا قَضَاءٌ بِرَهْنٍ مُشَاعٌ وَأَنَّهُ بَاطِلٌ كَمَا فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ لَهُمَا أَنَّ الْقَصْدَ مَطْلُوبٌ بِحُكْمِهِ لَا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِيَكُونَ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَةُ الرَّهْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي حَقِّ هَذَا الْحُكْمِ
بِخِلَافِ حَالِ الْحَيَاةِ؛ لِأَنَّ ثَمَّةَ الْمَقْصُودَ مِنْ الرَّهْنِ هُوَ مِلْكُ الْيَدِ وَالْحَبْسُ وَلَا يَمْلِكُ اثْنَانِ الْيَدَ وَالْحَبْسَ فِي الْمُشَاعِ دَائِمًا فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ بِالرَّهْنِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي لَوْ اُدُّعِيَا الرَّهْنَ مِنْ اثْنَيْنِ فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ عَلَى الِارْتِهَانِ مِنْ آخَرَ وَالرَّهْنُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّاهِنَانِ غَائِبَيْنِ أَوْ كَانَا حَاضِرَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا حَاضِرٌ وَالْآخَرُ غَائِبٌ،
فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ فَذُو الْيَدِ أَوْلَى،
وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَسْبَقَ تَارِيخًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَةَ الْخَارِجِ لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَقُمْ عَلَى خَصْمٍ؛ لِأَنَّ ذَا الْيَدِ أَثْبَتَتْ بَيِّنَتُهُ كَوْنَهَا رَهْنًا فِي حَقِّ مَا فِي يَدِهِ وَالْمُرْتَهِنُ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَلَى الْمَالِكِ كَالْمُودِعِ فَكَانَ الشَّيْءُ رَهْنًا فِي يَدِ ذِي الْيَدِ كَمَا يَدَّعِيهِ،
فَإِنْ كَانَ الرَّاهِنَانِ حَاضِرَيْنِ فَالْخَارِجُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاهِنَيْنِ يَنْتَصِبُ خَصْمًا لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ وَرَهَنَهُ مِنْ الْمُدَّعِي وَيَجْعَلُ إقَامَتَهُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُرْتَهِنَيْنِ وَهُمَا يَحْتَاجَانِ إلَى إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّاهِنَيْنِ لِيَصِحَّ رَهْنُهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَقَامَ الرَّاهِنَانِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمِلْكِ الْمُطْلَقِ وَالشَّيْءُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا كَانَ الْخَارِجُ أَوْلَى فَكَذَا هَذَا.
وَإِنْ كَانَ رَاهِنُ الْخَارِجِ حَاضِرًا وَرَاهِنُ ذِي الْيَدِ غَائِبًا فَذُو الْيَدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا لِمَنْ يَدَّعِي مِلْكًا فِي الرَّهْنِ كَالْمُودِعِ فَبَيِّنَةُ الْخَارِجِ قَامَتْ لَا عَلَى خَصْمٍ،
وَإِنْ كَانَ رَاهِنُ ذِي الْيَدِ حَاضِرًا وَرَاهِنُ الْخَارِجِ غَائِبًا فَكَذَلِكَ طَعَنَ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -،
وَقَالَ حَضْرَةُ رَاهِنِ ذِي الْيَدِ تَكْفِي لِلْقَضَاءِ لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّ رَاهِنَ ذِي الْيَدِ انْتَصَبَ خَصْمًا لِلْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْمِلْكَ لِنَفْسِهِ وَالرَّهْنُ مِنْ ذِي الْيَدِ وَالْخَارِجِ مُرْتَهَنٌ وَالْمُرْتَهَنُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ وَالْمُودِعُ يَنْتَصِبُ خَصْمًا فِيمَا يَسْتَحِقُّ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحِفْظِ كَمَا لَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ عَلَى الْمُودِعِ أَنَّ مَا فِي يَدِهِ مِنْ الْوَدِيعَةِ لِفُلَانٍ آخَرَ غَائِبٍ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ تُقْبَلُ فَكَذَا هَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ كَمَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ لِرَاهِنِهِ يَدَّعِي دَيْنًا وَهُوَ غَائِبٌ، وَلَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ فَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى إثْبَاتِ الدَّيْنِ فَلَا تُقْبَلُ عَلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ أَيْضًا؛
لِأَنَّ الرَّهْنَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ الدَّيْنِ
بِخِلَافِ الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عَلَى مُودِعِهِ شَيْئًا بَلْ يَدَّعِي الْمِلْكَ لَهُ فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ،
وَلَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى رَجُلَيْنِ الرَّهْنَ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَنَّهُ رَهَنَهُ الْمَتَاعَ وَيَجْحَدَانِ الرَّهْنَ يَسْتَحْلِفُ مِنْ لَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ،
وَإِنْ حَلَفَ حَلَفَ رَدَّ الرَّهْنَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الرَّهْنُ فِي حَقِّهِ فَلَا يُقْضَى بِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَبْضًا بِالرَّهْنِ فِي نِصْفٍ مُشَاعٍ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ،
فَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ عَلَيْهِمَا عَلَى النَّاكِلِ بِالنُّكُولِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْبَيِّنَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَهِنُ اثْنَيْنِ وَالرَّاهِنُ وَاحِدًا فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنِّي ارْتَهَنْت وَصَاحِبِي بِمِائَةٍ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ الرَّهْنَ يُرَدُّ عَلَى الرَّاهِنِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُقْضَى بِهِ رَهْنًا وَيُجْعَلُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ وَعَلَى يَدِ عَدْلٍ،
فَإِنْ قَضَى الرَّاهِنُ الْمُرْتَهِنَ الْمُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَخْذُ الرَّهْنِ،
فَإِنْ هَلَكَ الرَّهْنُ ذَهَبَ نَصِيبُهُ لَا نَصِيبُ الْجَاحِدِ وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِيهِ لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِي إثْبَاتُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ اثْنَيْنِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَبُولِهِمَا جَمِيعًا فَكَانَ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ سَبَبًا لِثُبُوتِ الرَّهْنِ فِي حَقِّهِ وَمَنْ أَنْكَرَ سَبَبَ ثُبُوتِ حَقِّ إنْسَانٍ يَنْتَصِبُ خَصْمًا لَهُ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى خَصْمِهِ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَيْنًا فِي يَدِ إنْسَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ فُلَانٍ الْغَائِبِ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَمَتَى ثَبَتَ الرَّهْنُ مِنْهُمَا يُوضَعُ فِي نَوْبَةِ الْجَاحِدِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ؛
لِأَنَّ الرَّهْنَ فِي حَقِّ الْجَاحِدِ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي وَالرَّاهِن مَا رَضِيَ بِحِفْظِ الْمُدَّعِي وَحْدَهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى صَاحِبِهِ لَيْسَ سَبَبًا لِثُبُوتِ حَقِّهِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِثُبُوتِ حَقِّهِ لَا قَوْلِ صَاحِبِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَهُوَ جَاحِدٌ كَمَا لَوْ اُدُّعِيَا هُنَا مِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَرَاهِنُ ذِي الْيَدِ حَاضِرٌ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ عَلَى إثْبَاتِ الرَّهْنِ عَلَى الْغَائِبِ كَمَا بَيَّنَّا فَكَذَا هَذَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمُرَجِّعُ وَالْمَآبُ.
[
Says nothing on this mas’ala.
Says nothing on this mas’ala.
(وَأُجْرَةُ بَيْتٍ حَفِظَهُ وَحَافِظُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَأُجْرَةُ رَاعِيهِ وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ وَالْخَرَاجِ عَلَى الرَّاهِنِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ الرَّهْنِ بِنَفْسِهِ وَتَبْقِيَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِهِ
وَكَذَا مَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَيَكُونُ أَصْلًا وَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ لَمَّا أَنَّهُ مُؤْنَةُ مِلْكِهِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَذَلِكَ مِثْلُ النَّفَقَةِ مِنْ مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ وَأُجْرَةُ الرَّاعِي مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَفَ الْبَهَائِمَ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ كُسْوَةُ الرَّقِيقِ وَأُجْرَةُ ظِئْرِ وَلَدِ الرَّهْنِ وَكَرْيُ النَّهْرِ وَسَقْيُ الْبُسْتَانِ وَتَلْقِيحُ نَخِيلِهِ وَجُذَاذُهُ وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ لِحِفْظِهِ أَوْ لِرَدِّهِ إلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ لِرَدِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْجُرْحِ فَهُوَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ مِثْلُ أُجْرَةِ الْحَافِظِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ حَقٌّ لَهُ وَالْحِفْظَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَتَكُونُ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ
وَكَذَلِكَ أُجْرَةُ الْبَيْتِ الَّذِي يَحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ أُجْرَةَ الْمَأْوَى عَلَى الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ النَّفَقَةِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي تَبْقِيَتِهِ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ جَعْلُ الْآبِقِ إذَا كَانَ كُلَّهُ مَضْمُونًا؛ لِأَنَّ يَدَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَى الْمَحَلِّ وَيَحْتَاجُ إلَى إعَادَةِ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ لِيَرُدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَكَانَتْ مِنْ مُؤْنَةِ الرَّدِّ فَتَكُونُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ أَمَانَةً فَيُقَدَّرُ الْمَضْمُونُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَحِصَّةُ الْأَمَانَةِ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ لِإِعَادَةِ الْيَدِ وَيَدُهُ فِي الزِّيَادَةِ يَدُ الْمَالِكِ إذْ هُوَ كَالْمُودَعِ فِيهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمَالِكِ
بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يَحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنَ فَإِنَّ كُلَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَيْفَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِأَجْلِ الْحَبْسِ وَحَقُّ الْحَبْسِ ثَابِتٌ لَهُ فِي الْكُلِّ،
وَأَمَّا الْجُعْلُ فَلِأَجْلِ الضَّمَانِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ وَالْمُدَاوَاةُ وَالْفِدَاءُ مِنْ الْجِنَايَةِ يَنْقَسِمُ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْأَمَانَةُ، وَالْخَرَاجُ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْمَالِكِ وَالْعُشْرَ فِيمَا يَخْرُجُ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَيْنِ وَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِهِ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الْخَارِجَ كُلَّهُ فِي غَيْرِ الرَّهْنِ قَبْلَ أَدَاءِ الْعُشْرِ يَجُوزُ فَكَذَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ بَدَلَ الْعُشْرِ مِنْ مَالٍ آخَرَ،
وَإِذَا كَانَ مِلْكُهُ ثَابِتًا فِيهِ بَقِيَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ
بِخِلَافِ اسْتِحْقَاقِ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْ الرَّهْنِ حَيْثُ يَبْطُلُ الرَّهْنُ فِي الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قَدْرَ الْمُسْتَحَقِّ فَكَانَ الرَّهْنُ شَائِعًا مِنْ الِابْتِدَاءِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ بَاطِلًا وَلَا كَذَلِكَ وُجُوبُ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي مِلْكَ الرَّاهِنِ لَا فِيهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ ثُمَّ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْعُشْرَ خَرَجَ ذَلِكَ الْجُزْءُ عَنْ مِلْكِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمْ يُوجِبْ شُيُوعًا فِي الْبَاقِي لَا طَارِئًا وَلَا مُقَارِنًا وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ كَمَا إذَا قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَجَعَلَهُ دَيْنًا عَلَى الْآخَرِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَبِمُجَرَّدِ أَمْرِ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِجَعْلِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا فِي اللُّقَطَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا،
وَإِنْ كَانَ بِأَمْرِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَيَأْمُرُ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَرْجِعُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَهِيَ
فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحَجْرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَلِي عَلَى الْحَاضِرِ وَلَا يَنْفُذُ أَمْرُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ نَفَذَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ لَصَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ حَجْرَهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَمْلِكُ فَيَنْفُذُ أَمْرُهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الرَّهْنِ فَضْلٌ) أَيْ عَلَى الدَّيْنِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ) أَيْ الْقِسْمِ الَّذِي يَجِبُ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ اهـ
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ كُلَّهُ مَضْمُونًا) أَيْ بِأَنْ كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءً اهـ.
[بَابُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ] {بَابُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَالِارْتِهَانُ بِهِ وَمَا لَا يَجُوزُ} لَمَّا ذَكَرَ قَبْلَ هَذَا مُقَدِّمَاتِ الرَّهْنِ شَرَعَ يُفَصِّلُ مَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَ الْإِجْمَالِ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
Adds nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.