ولو وجب سنٌّ ولم يوجد دفع أعلى منها، وأخذ الفضل
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَجَبَ سِنٌّ، وَلَمْ يُوجَدْ دَفَعَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ الْفَضْلَ أَوْ دُونَهَا، وَرَدَّ الْفَضْلَ أَوْ دَفَعَ الْقِيمَةَ) بَيَانٌ لِمَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى: لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ كَبِنْتِ مَخَاضٍ مَثَلًا، وَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ فَصَاحِبُ الْمَالِ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ دَفَعَ الْأَعْلَى وَاسْتَرَدَّ الْفَضْلَ أَوْ الْأَدْنَى وَرَدَّ الْفَضْلَ فَقَدْ جَعَلَ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ دُونَ السَّاعِي فِيهِمَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَبْسُوطِ،
وَقَالَ لَيْسَ لِلسَّاعِي إذَا عَيَّنَ الْمَالِكُ سِنًّا أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَاسْتَثْنَى فِي الْهِدَايَةِ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا أَرَادَ الْمَالِكُ دَفْعَ الْأَعْلَى وَأَخْذَ الْفَضْلِ مِنْ السَّاعِي فَإِنَّهُ لَا إجْبَارَ عَلَى السَّاعِي؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ خِيَارٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَتَبِعَهُ فِي التَّبْيِينِ وَتَعَقَّبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ بِطَرِيقِ الْيُسْرِ فَإِذَا كَانَ لِلسَّاعِي وِلَايَةُ الِامْتِنَاعِ مِنْ قَبُولِ الْأَعْلَى يَلْزَمُ الْعُسْرُ،
وَفِي ذَلِكَ الْعَوْدُ عَلَى الْمَوْضُوعِ بِالنَّقْضِ فَلَا يَجُوزُ وَأَيْضًا فِيهِ خِلَافُ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الْحِقَّةُ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ إذَا لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ حِقَّةٌ
وَكَذَلِكَ مَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ يُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِي الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَقْدِيرُ الْفَضْلِ بِالْعَشْرَيْنِ أَوْ الشَّاتَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ لَا أَنَّهُ تَقْدِيرٌ لَازِمٌ اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّهُ شِرَاءٌ، وَلَا إجْبَارَ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ شِرَاءً حَقِيقِيًّا، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ الْإِجْبَارِ ضَرَرٌ بِالسَّاعِي لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِغَيْرِهِ فَالظَّاهِرُ إطْلَاقُ الْمُخْتَصَرِ مِنْ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمَالِكِ فِيهِمَا لَكِنْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْخِيَارَ لِلْمُصَدِّقِ أَيْ السَّاعِي وَرَدَّهُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ بِأَنَّ الصَّوَابَ خِلَافُهُ وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّ الْخِيَارَ لِصَاحِبِ الْمَالِ دُونَ الْمُصَدِّقِ إلَّا فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ صَاحِبُ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الْعَيْنِ لِأَجْلٍ الْوَاجِبِ فَالْمُصَدِّقُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَنْ كَانَ الْوَاجِبُ بِنْتَ لَبُونٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الْحِقَّةِ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ فَالْمُصَدِّقُ إنْ شَاءَ قَبِلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَقْبَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْقِيصِ الْعَيْنِ وَالتَّشْقِيصُ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ اهـ.
وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْعَيْبِ يُسَاوِي قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْمُصَدِّقِ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ اهـ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ جَبْرَهُ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ مُسْتَقِيمٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِي التَّشْقِيصِ إضْرَارًا بِالْفُقَرَاءِ فَلَمْ يَمْلِكْ رَبُّ الْمَالِ ذَلِكَ فَاسْتَقَامَ مَا فِي الْبَدَائِعِ لَكِنْ قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ الْخِيَارَ الْمَذْكُورَ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ بِعَدَمِ وُجُودِ السِّنِّ الْوَاجِبِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ، وَهُوَ قَيْدٌ اتِّفَاقِيٌّ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ مَعَ وُجُودِ السِّنِّ الْوَاجِبِ وَلِذَا
قَالَ فِي الْمِعْرَاجِ وَظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَدَاءَ الْقِيمَةِ بَدَلٌ عَنْ الْوَاجِبِ حَتَّى لَقَّبَ الْمَسْأَلَةَ بِالْإِبْدَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْبَدَلِ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ، وَأَدَاءُ الْقِيمَةِ مَعَ وُجُودِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ جَائِزٌ عِنْدَنَا اهـ.
وَفِي الْبَدَائِعِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَعِنْدَ الْإِمَامِ الْوَاجِبُ فِيمَا عَدَا السَّوَائِمَ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ مَعْنًى لَا صُورَةً، وَعِنْدَهُمَا صُورَةً وَمَعْنًى لَكِنْ يَجُوزُ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ مَعْنًى وَاخْتُلِفَ فِي السَّوَائِمِ عَلَى قَوْلِهِ فَقِيلَ هِيَ كَغَيْرِهَا
وَقِيلَ الْوَاجِبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَعِنْدَهُمَا الْوَاجِبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ صُورَةً وَمَعْنًى لَكِنْ يَجُوزُ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ مَعْنًى وَيُبْتَنَى عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسَائِلُ الْجَامِعِ لَهُ مِائَتَا قَفِيزِ حِنْطَةٍ لِلتِّجَارَةِ تُسَاوِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَإِنْ أَدَّى مِنْ عَيْنِهَا يُؤَدِّي خَمْسَةَ أَقْفِزَةٍ بِلَا خِلَافٍ،
وَإِنْ أَدَّى قِيمَتَهَا فَعِنْدَهُ تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْوُجُوبِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَعِنْدَهُمَا فِي الْفَصْلَيْنِ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْأَدَاءِ وَاخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِ فِي السَّوَائِمِ فَقِيلَ يَوْمُ الْوُجُوبِ
وَقِيلَ يَوْمُ الْأَدَاءِ حَسَبَ الِاخْتِلَافِ السَّابِقِ وَتَمَامُهُ فِيهِ،
وَفِي الْمُحِيطِ يُعْتَبَرُ فِي قِيمَةِ السَّوَائِمِ يَوْمُ الْأَدَاءِ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ لَوْ فَسَدَتْ الْحِنْطَةُ بِمَا أَصَابَهَا حَتَّى صَارَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً فَإِنَّهُ يُؤَدِّي دِرْهَمَيْنِ وَنِصْفًا بِلَا خِلَافٍ إذَا اخْتَارَ الْقِيمَةَ لِأَنَّهُ هَلَكَ جُزْءٌ مِنْ الْعَيْنِ فَسَقَطَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ الْوَاجِبِ،
وَإِنْ زَادَتْ فِي نَفْسِهَا قِيمَةً فَالْعِبْرَةُ لِيَوْمِ الْوُجُوبِ اهـ.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَيَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْعُشْرِ وَالنَّذْرِ اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ لَوْ أَدَّى ثَلَاثَ شِيَاهٍ سِمَانٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَطٍ أَوْ بَعْضَ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْوَسَطُ فَلَمْ يَكُنْ الْأَعْلَى دَاخِلًا فِي النَّصِّ، وَالْجَوْدَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ فَتَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ الرَّابِعَةِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا بِأَنَّ أَدَّى أَرْبَعَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةٍ عَنْ خَمْسَةِ وَسَطٍ وَهِيَ تُسَاوِيهَا لَا يَجُوزُ أَوْ كِسْوَةً بِأَنْ أَدَّى ثَوْبًا يَعْدِلُ ثَوْبَيْنِ لَمْ يَجُزْ إلَّا عَنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاتَيْنِ أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ وَسَطَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُسَاوِي كُلٌّ مِنْهُمَا وَسَطَيْنِ لَا يَجُوزُ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجَوْدَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهَا فَلَا تَقُومُ الْجَوْدَةُ مَقَامَ الْقَفِيزِ الْخَامِسِ،
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الثَّوْبِ فِي الْكَفَّارَةِ لَا بِقَيْدِ الْوَسَطِ فَكَانَ الْأَعْلَى وَغَيْرُهُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ،
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِي الْإِرَاقَةِ وَالتَّحْرِيرِ، وَقَدْ الْتَزَمَ إرَاقَتَيْنِ وَتَحْرِيرَيْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدَةٍ
بِخِلَافِ النَّذْرِ بِالتَّصَدُّقِ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ فَتَصَدَّقَ بِشَاةٍ بِقَدْرِهِمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ، وَبِهِ تَحْصُلُ الْقُرْبَةُ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ، وَعَلَى مَا قُلْنَا: لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَفِيزٍ دَقَلٍ فَتَصَدَّقَ بِنِصْفِهِ جَيِّدًا يُسَاوِي تَمَامَهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ الْجَوْدَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا هُنَا لِلرِّبَوِيَّةِ وَلِلْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ
بِخِلَافِ جِنْسٍ آخَرَ لَوْ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ قَفِيزٍ مِنْهُ يُسَاوِيهِ جَازَ اهـ.
قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ إرَاقَةُ الدَّمِ وَذَلِكَ لَا يَتَقَوَّمُ
وَكَذَلِكَ الْإِعْتَاقُ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ إتْلَافُ الْمِلْكِ وَنَفْيُ الرِّقِّ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَوَّمُ كَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ أَيَّامِ النَّحْرِ،
وَأَمَّا بَعْدَهَا فَيَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ كَمَا عُرِفَ فِي الْأُضْحِيَّةِ، وَالسِّنُّ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا ذَاتُ سِنٍّ إطْلَاقًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ أَوْ سَمَّى بِهَا صَاحِبُهَا كَمَا سَمَّى الْمُسِنَّةَ مِنْ النُّوقِ بِالنَّابِ؛ لِأَنَّ السِّنَّ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى عُمْرِ الدَّوَابِّ، وَوَقَعَ هُنَا إطْلَاقُ الْمُصَدِّقِ عَلَى السَّاعِي، وَهُوَ مُشْتَبِهٌ بِرَبِّ الْمَالِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ بِالصَّادِ الْمُخَفَّفَةِ وَالدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ فَهُوَ بِمَعْنَى آخِذِ الصَّدَقَةِ،
وَإِنْ كَانَ بِالصَّادِ الْمُشَدَّدَةِ وَالدَّالِ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ فَهُوَ الْمُعْطِي لَهَا
(قَوْلُهُ: وَفِي ذَلِكَ الْعَوْدُ عَلَى الْمَوْضُوعِ بِالنَّقْضِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ: كَيْفَ يَعُودُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ مَعَ جَوَازِ دَفْعِ الْقِيمَةِ اهـ.
وَقَدْ يُقَالُ عَلَيْهِ: إنَّ الْقِيمَةَ لَا تَتَيَسَّرُ لِلْمَالِكِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْوَاجِبُ، وَلَا الْقِيمَةُ وَامْتَنَعَ السَّاعِي عَنْ أَخْذِ الْأَعْلَى لَزِمَ الْعُسْرُ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَيْسَ شِرَاءً حَقِيقِيًّا)
قَالَ فِي النَّهْرِ: كَوْنُهُ لَيْسَ بِشِرَاءٍ حَقِيقَةً بَلْ ضِمْنًا لَا يَقْتَضِي الْإِجْبَارَ كَيْفَ وَالْفَاضِلُ عَنْ الْوَاجِبِ يَصِيرُ مِلْكًا لِلسَّاعِي، وَلَا طَرِيقَ لِتَمَلُّكِهِ إيَّاهُ إلَّا بِالشِّرَاءِ
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْمُصَدِّقِ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ) لَمْ يَظْهَرْ لَنَا هَذَا الْكَلَامُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَقَّبَهُ،
وَفِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ تَسْلِيمٌ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرَّ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ غَيْرُ وَارِدٍ عَلَى مَا فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا إذَا دَفَعَ الْبَعْضَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ، وَالزَّائِدُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ لَا أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ قِيمَةَ الزَّائِدِ، وَلَا كَانَ هَذَا عَيْنَ دَفْعِ الْأَعْلَى، وَأَخْذَ الْفَضْلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ تَشْقِيصٌ أَصْلًا فَتَدَبَّرْ ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ هَذَا الثَّانِيَ رَاجِعٌ إلَى إطْلَاقِ قَوْلِ الْبَدَائِعِ أَوَّلًا أَنَّ الْخِيَارَ لِصَاحِبِ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَشْمَلُ مَا إذَا أَرَادَ دَفْعَ الْأَعْلَى وَأَخْذَ الزَّائِدِ ثُمَّ رَأَيْت صَاحِبَ النَّهْرِ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ
(قَوْلُهُ بِقَفِيزِ دَقَلٍ) الدَّقَلُ - مُحَرَّكَةً - أَرْدَأُ التَّمْرِ قَامُوسٌ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
(ولو وجب أصل) السن المعروفة ثم سمي بها صاحبها كالناب للمسنة من النوق ثم استعيرت لغيره كابن المخاض وابن اللبون كذا في (المغرب) وذكر السن وأراده ذات السن إنما يكون في الحيوان لا في الإنسان لأن عمر الدواب إنما يكون بالسن (ولم يوجد) هذا اتفاقي في ثبوت الخيار الآتي مع وجود الواجب (دفع) رب المال (أعلى منها) أي: من السن التي وجب (وأخذ الفضل) من الساعي
Adds nothing on this mas’ala.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَلَوْ وَجَبَ سِنٌّ) أَيْ ذَاتُ سِنٍّ (وَلَمْ يُوجَدْ دَفَعَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ الْفَضْلَ أَوْ دُونَهَا وَرَدَّ الْفَضْلَ أَوْ دَفَعَ الْقِيمَةَ) وَاشْتِرَاطُ عَدَمِ السِّنِّ الْوَاجِبِ لِجَوَازِ دَفْعِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى أَوْ لِجَوَازِ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَقَعَ اتِّفَاقًا حَتَّى لَوْ دَفَعَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَعَ وُجُودِ السِّنِّ الْوَاجِبِ جَازَ وَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِرَبِّ الْمَالِ وَيُجْبَرُ السَّاعِي عَلَى الْقَبُولِ إلَّا إذَا دَفَعَ أَعْلَى مِنْهَا وَطَلَبَ الْفَضْلَ؛ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ لِلزِّيَادَةِ، وَلَا إجْبَارَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ مِنْ أَنَّ الْمُصَدِّقَ لَا خِيَارَ لَهُ إلَّا إذَا أَعْطَاهُ بَعْضَ الْعَيْنِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِمَا فِيهِ مِنْ عَيْبِ التَّشْقِيصِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَعَ الْعَيْبِ قَدْ يَكُونُ يُسَاوِي قَدْرَ الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ،
وَالثَّانِي أَنَّ فِيهِ إجْبَارَ الْمُصَدِّقِ عَلَى شِرَاءِ الزَّائِدِ،
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يَجُوزُ دَفْعُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْعُشْرُ وَصَدَقَةُ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ لَهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ، وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ لَبُونٍ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ عَلَى الْعَيْنِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بِالتَّعْلِيلِ؛ وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِمَحَلٍّ فَلَا تَتَأَدَّى بِغَيْرِهَا كَالْهَدَايَا وَالضَّحَايَا، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ»، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ، وَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ دَفَعَهَا وَشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا»، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى جَوَازِ الْقِيمَةِ فِيهَا إذْ لَيْسَ فِي الْقِيمَةِ إلَّا إقَامَةُ شَيْءٍ مَقَامَ شَيْءٍ وقَوْله تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينٌ فَيَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ.
، وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَهْلِ الْيَمَنِ ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةٍ الْفَقِيرِ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ» وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِأَيِّ مَالٍ كَانَ وَالتَّقْيِيدُ بِالشَّاةِ وَنَحْوِهَا لِبَيَانِ الْقَدْرِ لَا لِلتَّعْيِينِ كَالْجِزْيَةِ
بِخِلَافِ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِيهَا الْإِرَاقَةُ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَهَذَا مَعْقُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ عِنْدَهُ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَالزَّوْجَاتِ،
وَلَوْ كَانَ تَعَبُّدًا لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَخَذَ الْفَضْلَ أَوْ دُونَهَا وَرَدَّ الْفَضْلَ) مُطْلَقًا يُفِيدُ أَنَّ جُبْرَانَ مَا بَيْنَ السِّنَّيْنِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ غَلَاءً وَرُخْصًا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ لِمَا قَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ تُوجَدْ أَعْطَى
إمَّا بِنْتَ لَبُونٍ، وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ أَوْ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرٍ قُلْنَا هَذَا كَانَ قِيمَةُ التَّفَاوُتِ فِي زَمَانِهِمْ وَابْنُ اللَّبُونِ يَعْدِلُ بِنْتَ الْمَخَاضِ إذْ ذَاكَ جَعْلًا لِزِيَادَةِ السِّنِّ مُقَابِلًا لِزِيَادَةِ الْأُنُوثَةِ فَإِذَا تَغَيَّرَ تَغَيَّرَ، وَإِلَّا لَزِمَ عَدَمُ الْإِيجَابِ مَعْنًى بِأَنْ يَكُونَ الشَّاتَانِ أَوْ الْعِشْرُونَ الَّتِي يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُصَدِّقِ تُسَاوِي الَّذِي يُعْطِيهِ خُصُوصًا إذَا فَرَضْنَا الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمَهَازِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ كَوْنُ الشَّاتَيْنِ يُسَاوِيَانِ بِنْتَ لَبُونٍ مَهْزُولَةٍ جِدًّا فَإِعْطَاؤُهَا فِي بِنْتِ مَخَاضٍ مَعَ اسْتِرْدَادِ شَاتَيْنِ إخْلَاءٌ مَعْنًى أَوْ الْإِجْحَافُ بِرَبِّ الْمَالِ بِأَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وَهُوَ الدَّافِعُ لِلْأَدْنَى، وَكُلٌّ مِنْ اللَّازِمَيْنِ مُنْتَفٍ شَرْعًا فَيَنْتَفِي مَلْزُومُهُمَا وَهُوَ تَعَيُّنُ الْجَابِرِ.
اهـ. فَتْحٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ مَا ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ إلَى الْمُصَدِّقِ يُعَيِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْخِيَارُ إلَى الْمَالِكِ إلَّا فِي دَفْعِ الْأَعْلَى فَإِنَّ لِلْمُصَدِّقِ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَيَطْلُبَ عَيْنَ الْوَاجِبِ أَوْ قِيمَتَهُ. اهـ. كَافِي بِاخْتِصَارٍ، وَأَطْلَقَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْخِيَارَ لِرَبِّ الْمَالِ إذْ الْخِيَارُ شُرِعَ رِفْقًا بِمَنْ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ الْخِيَارُ إلَيْهِ مَعَ تَحَقُّقِ قَوْلِهِمْ يُجْبَرُ الْمُصَدِّقُ عَلَى قَبُولِ الْأَدْنَى مَعَ الْفَضْلِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْأَعْلَى وَرَدِّ الْفَضْلِ؛
لِأَنَّ هَذَا يَتَضَمَّنُ بَيْعَ الْفَضْلِ مِنْ الْمُصَدِّقِ وَمَبْنَى الْبَيْعِ عَلَى التَّرَاضِي لَا الْجَبْرِ، وَهَذَا يُحَقِّقُ أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ فِي الْأَعْلَى إذْ مَعْنَى ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهُ مُطْلَقًا أَنْ يُقَالَ لَهُ أَعْطِهِ مَا شِئْت أَعْلَى أَوْ أَدْنَى فَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ الْأَعْلَى لَمْ يُجْعَلْ الْخِيَارُ إلَيْهِ فِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ لَوْ طَلَبَ السَّاعِي مِنْهُ الْأَعْلَى فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ أَوْ يُعْطِيَ الْأَدْنَى. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ.
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ أَوْ دَفَعَ الْقِيمَةَ) قَالَ الْكَمَالُ
فَلَوْ أَدَّى ثَلَاثَ شِيَاهٍ سِمَانٍ عَنْ أَرْبَعٍ وَسَطٍ أَوْ بَعْضَ بِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ الْوَسَطُ فَلَمْ يَكُنْ الْأَعْلَى دَاخِلًا فِي النَّصِّ، وَالْجُودَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ فَيَقُومُ مَقَامَ الشَّاةِ الرَّابِعَةِ
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مِثْلِيًّا بِأَنْ أَدَّى أَرْبَعَةَ أَقْفِزَةٍ جَيِّدَةٍ عَنْ خَمْسَةٍ وَسَطٍ، وَهِيَ تُسَاوِيهَا لَا يَجُوزُ أَوْ كِسْوَةً بِأَنْ أَدَّى ثَوْبًا يَعْدِلُ ثَوْبَيْنِ لَمْ يُجْزِ إلَّا عَنْ ثَوْبٍ وَاحِدٍ أَوْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ شَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَيْنِ وَسَطَيْنِ فَأَهْدَى شَاةً أَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا يُسَاوِي كُلٌّ مِنْهُمَا وَسَطَيْنِ لَا يَجُوزُ
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْجُودَةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ لِجِنْسِهَا فَلَا تَقُومُ الْجُودَةُ مَقَامَ الْقَفِيزِ الْخَامِسِ،
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الثَّوْبِ فِي الْكَفَّارَةِ لَا بِقَيْدِ الْوَسَطِ وَكَانَ الْأَعْلَى وَغَيْرُهُ دَاخِلًا تَحْتَ النَّصِّ
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْقُرْبَةَ فِي الْإِرَاقَةِ وَالتَّحْرِيرِ، وَقَدْ الْتَزَمَ إرَاقَتَيْنِ وَتَحْرِيرَيْنِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِوَاحِدٍ
بِخِلَافِ النَّذْرِ بِالتَّصَدُّقِ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَاتَيْنِ وَسَطَيْنِ فَتَصَدَّقَ بِشَاةٍ تَعْدِلُهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ وَبِهِ تَحْصُلُ الْقُرْبَةُ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ، وَعَلَى مَا قُلْنَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَفِيزٍ رَدِيءٍ فَتَصَدَّقَ بِنِصْفِهِ جَيِّدًا يُسَاوِي تَمَامَهُ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الْجُودَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا هُنَا لِلرِّبَوِيَّةِ وَالْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ
بِخِلَافِ جِنْسٍ آخَرَ لَوْ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ قَفِيزٍ مِنْهُ يُسَاوِي جَازَ الْكُلُّ مِنْ الْكَافِي. اهـ.
(فُرُوعٌ) عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً فَهَلَكَ مِنْ بَقِيَّةِ النِّصَابِ وَاحِدَةً، وَلَمْ يَسْتَفِدْ شَيْئًا حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ أَمْسَكَ السَّاعِي مِنْ الْمُعَجَّلِ قَدْرَ تَبِيعٍ، وَيَرُدُّ الْبَاقِيَ وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمُسِنَّةَ وَيُعْطِيَهُ مِمَّا عِنْدَهُ تَبِيعًا؛ لِأَنَّ قَدْرَ التَّبِيعِ مِنْ الْمُسِنَّةِ صَارَ زَكَاةً حَقًّا لِلْفُقَرَاءِ فَلَا يُسْتَرَدُّ،
وَمِثْلُهُ فِي تَعْجِيلِ بِنْتِ مَخَاضٍ عَنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ إذَا نَقَصَ الْبَاقِي وَاحِدَةً فَتَمَّ الْحَوْلُ أَمْسَكَ السَّاعِي قَدْرَ أَرْبَعِ شِيَاهٍ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرُدُّهَا، وَلَا يَحْبِسُ شَيْئًا وَيُطَالِبُ بِأَرْبَعِ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّ فِي إمْسَاكِ الْبَعْضِ ضَرَرًا لِلتَّشْقِيصِ بِالشَّرِكَةِ، وَقِيَاسُ هَذَا فِي الْبَقَرِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمُسِنَّةَ لَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ إذْ لَا شَرِكَةَ بَعْدَ دَفْعِ قِيمَةِ الْبَاقِي،
وَلَوْ كَانَ اسْتَهْلَكَ الْمُعَجَّلَ أَمْسَكَ مِنْ قِيمَتِهَا قَدْرَ التَّبِيعِ وَالْأَرْبَعِ شِيَاهٍ وَرَدَّ الْبَاقِيَ،
وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقَدْ زَادَ الْأَرْبَعُونَ إلَى سِتِّينَ فَحَقُّ السَّاعِي بِتَبِيعَيْنِ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ اسْتِرْدَادُ الْمُسِنَّةِ بَلْ يُكْمِلُ الْفَضْلَ لِلسَّاعِي
بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخَذَ الْمُسِنَّةَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا أَرْبَعُونَ فَإِذَا هِيَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ الْمُسِنَّةَ وَيَأْخُذُ تَبِيعًا؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْغَلَطِ يُعْدِمُ الرِّضَا
أَمَّا هُنَاكَ فَدَفَعَ عَنْ رِضًا عَلَى احْتِمَالِ أَنْ يَصِيرَ زَكَاةً، وَلَمْ يَظْهَرْ إذْ الِاحْتِمَالُ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَظْهَرْ الْغَلَطُ حَتَّى يُصَدَّقَ بِهَا السَّاعِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ أَخَذَهَا كَرْهًا عَلَى ذَلِكَ الظَّنِّ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيمَا عَمِلَ لِغَيْرِهِ فَضَمَانُ خَطَئِهِ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْعَمَلُ لَهُ فَإِنْ وُجِدَ الْفَقِيرُ ضَمَّنَهُ مَا زَادَ عَلَى التَّبِيعِ.
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ بَيْتُ مَالِ الْفُقَرَاءِ كَالْقَاضِي إذَا أَخْطَأَ فِي قَضَائِهِ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ فَضَمَانُهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ الْقَضَاءُ لَهُ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ السَّاعِي تَعَمَّدَ الْأَخْذَ فَضَمَانُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، هَذَا،
وَلَوْ لَمْ يَزِدْ وَلَمْ يَنْقُصْ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَصِيرَ قَدْرُ أَرْبَعٍ مِنْ الْغَنَمِ زَكَاةً وَيُرَدَّ الْبَاقِي؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَ خَرَجَ مِنْ مِلْكِهِ وَقْتَ التَّعْجِيلِ،
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الْكُلُّ زَكَاةً لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَجَّلَ يُجْعَلُ زَكَاةً مَقْصُودًا عَلَى الْحَالِ هَذَا،
وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْغَنَمِ فَسَيَأْتِي. اهـ. فَتْحُ الْقَدِيرِ
(قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ السَّاعِي) أَيْ حَتَّى يُجْعَلَ قَابِضًا بِالتَّخْلِيَةِ. اهـ. كَافِي.
(قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ قَدْرَ الْوَاجِبِ إلَخْ) كَذَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ،
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ الْخِيَارُ إلَى الْمُصَدِّقِ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ بَعْضَ الْعَيْنِ نَحْوُ مَا إذَا كَانَ الْوَاجِبُ بِنْتَ لَبُونٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الْحِقَّةِ أَوْ كَانَ الْوَاجِبُ حَقَّةً فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ الْجَذَعَةِ فَلَهُ حَقُّ الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ. اهـ كَاكِيٌّ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ بَعْضُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ جَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ دَفْعَ الْكَلْبِ عَنْ الشَّاةِ، وَقَصَدَ بِهِ الشُّنْعَةَ، وَهَذَا يَكُونُ شَنِيعًا فَإِنَّ أَهْلَ الصَّيْدِ، وَأَصْحَابَ الْمَاشِيَةِ يَبْذُلُونَ الشَّاةَ وَالْأَمْوَالَ النَّفِيسَةَ لِتَحْصِيلِ الْكَلْبِ السَّلُوقِيِّ لِلصَّيْدِ وَكَلْبِ الْحِرَاسَةِ لِلْمَاشِيَةِ، وَهُوَ مَالٌ،
وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ وَمَالِكٌ يُبِيحُ أَكْلَهُ، وَالسَّاعِي إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ الصَّدَقَاتُ مِنْ الْغَنَمِ يَحْتَاجُ إلَى حِرَاسَتِهَا مِنْ الذِّئْبِ بِذَلِكَ فَلَا شُنْعَةَ فِي أَخْذِهِ لِحِفْظِ مَا عِنْدَهُ مِنْ السَّائِمَةِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ الْمُصَدِّقَ) فَهُوَ عَامِلُ الصَّدَقَاتِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا أَعْطَاهُ بَعْضَ الْعَيْنِ إلَخْ) نَحْوُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ بِنْتَ لَبُونٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ حِقَّةٍ عَنْهُ أَوْ كَانَ الْوَاجِبُ حِقَّةً فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ بَعْضَ جَذَعَةٍ فَلَهُ حَقُّ الِامْتِنَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَشْقَاصَ فِي الْأَعْيَانِ عَيْبٌ فَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى بِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ
(قَوْلُهُ: وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ) أَيْ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَذَا الدِّينَارِ فَتَصَدَّقَ بِعِدْلِهِ دَرَاهِمَ أَوْ بِهَذَا الْخُبْزِ فَتَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ جَازَ عِنْدَنَا. اهـ فَتْحٌ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ إلَخْ) هَذَا نَصٌّ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ ابْنَ اللَّبُونِ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الزَّكَاةِ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ الذَّكَرَ لَا يَجُوزُ فِي الْإِبِلِ إلَّا بِالْقِيمَةِ. اهـ. غَايَةٌ
(قَوْلُهُ: وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِأَهْلِ الْيَمَنِ إلَخْ) فِي خُطْبَةٍ بِالْيَمَنِ. اهـ. كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ) أَيْ؛ وَلِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الزَّكَاةِ وَيَجْعَلُهَا فِي صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَلِهَذَا الْمَذْهَبِ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ مَعَ كَثْرَةِ مُخَالَفَتِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لِكَثْرَةِ مَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَدُّ خَلَّةِ الْفَقِيرِ إلَخْ)
قَالَ فِي الْغَايَةِ، وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بِأَخْذِ بِنْتِ مَخَاضٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَنَحْوِهَا وَبِأَخْذِ شَاةٍ عَنْ الْإِبِلِ وَفِي الْغَنَمِ وَبِأَخْذِ تَبِيعٍ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَصْحَابَ الْمَوَاشِي لَا يَتَيَسَّرُ عَلَيْهِمْ إلَّا مِنْهَا
لَا أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يُجْزِيهِمْ، وَقَدْ جَوَّزَتْ الشَّافِعِيَّةُ أَخْذَ بَعِيرٍ عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ بِغَيْرِ نَصٍّ، وَأَخْذَ تَبِيعَيْنِ عَنْ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ مَكَانَ الْمُسِنَّةِ وَأَخْذَ بِنْتَيْ مَخَاضٍ عَنْ الْحِقَّةِ، وَالْجَذَعَةِ عَنْ الْحِقَّةِ وَالْحِقَّتَيْنِ عَنْ بِنْتَيْ مَخَاضٍ مِنْ غَيْرِ نَصٍّ بِالْقِيَاسِ وَالْمَعْنَى فَهَذَا هُوَ عَيْنُ أَخْذِ الْقِيمَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: كَالْجِزْيَةِ) فَإِنَّهُ إنْ أَدَّى الثِّيَابَ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ جَازَ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ كِفَايَةً لِلْمُقَاتِلَةِ فَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِمْ مَحَلٌّ صَالِحٌ لِكِفَايَتِهِمْ فَتَتَأَدَّى بِالْقِيمَةِ. اهـ كَافِي.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.