ونهينا عن إخراج مصحفٍ وامرأةٍ في سرّيّةٍ يخاف عليها
Its commentaries
(قَوْلُهُ: وَنُهِينَا عَنْ إخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ فِي سَرِيَّةٍ يُخَافُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضَهُنَّ عَلَى الضَّيَاعِ، وَالْفَضِيحَةِ وَتَعْرِيضَ الْمَصَاحِفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ، فَإِنَّهُمْ يَسْتَخِفُّونَ بِهَا مُغَايَظَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَمَا فِي الْكِتَابِ هُوَ الْأَصَحُّ، وَالْأَحْوَطُ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي إخْرَاجِ الْمُصْحَفِ مُطْلَقًا أَطْلَقَ الْمَرْأَةَ فَشَمِلَ الشَّابَّةَ، وَالْعَجُوزَ لِلْمُدَاوَاةِ أَوْ غَيْرِهَا كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَقَيَّدَ بِالسَّرِيَّةِ؛
لِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْإِخْرَاجِ إذَا كَانَ جَيْشًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُوَ السَّلَامَةُ، وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ وَفِي الْمُغْرِبِ وَلَمْ يَرِدْ فِي تَحْدِيدِ السَّرِيَّةِ نَصٌّ وَمَحْصُولُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ أَنَّ التِّسْعَةَ وَمَا فَوْقَهَا سَرِيَّةٌ،
وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ، وَالثَّلَاثَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ طَلِيعَةٌ لَا سَرِيَّةٌ. اهـ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَتَانِ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَفِي الْمَبْسُوطِ السَّرِيَّةُ عَدَدٌ قَلِيلٌ يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ. اهـ.
وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَيَنْبَغِي كَوْنُ الْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «لَنْ تُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ» وَهُوَ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ اهـ.
وَظَاهِرُ مَفْهُومِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ فِي الْجَيْشِ لَا يُكْرَهُ إخْرَاجُ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا وَخَصُّوهُ بِالْعَجَائِزِ لِلطِّبِّ، وَالْمُدَاوَاةِ، وَالسَّقْيِ
وَيُكْرَهُ إخْرَاجُ الشَّوَابِّ لَوْ اُحْتِيجَ إلَى الْمُبَاضَعَةِ فَالْأَوْلَى إخْرَاجُ الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ، وَالْأَوْلَى عَدَمُ إخْرَاجِهِنَّ أَصْلًا خَوْفًا مِنْ الْفِتَنِ وَلَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْقِتَالَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِهِمْ وَأَرَادَ بِالْمُصْحَفِ مَا يَجِبُ تَعْظِيمُهُ
وَيَحْرُمُ الِاسْتِخْفَافُ بِهِ فَيُكْرَهُ إخْرَاجُ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ فِي سِرِّيَّةٍ كَمَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَقَيَّدَ بِالْإِخْرَاجِ فِي السَّرِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ الْمُصْحَفَ إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ التَّعَرُّضِ وَفِي الذَّخِيرَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أَهْلِ الثُّغُورِ الَّتِي تَلِي أَرْضَ الْعَدُوِّ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَّخِذُوا فِيهَا النِّسَاءَ وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا الذَّرَارِيُّ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ تِلْكَ الثُّغُورِ وَبَيْنَ أَرْضِ الْعَدُوِّ أَرْضُ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانَ الرِّجَالُ يَقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ وَإِلَّا فَلَا يَنْبَغِي.
(قَوْلُهُ: وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ نُسْخَةَ الْخَانِيَّةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِصَاحِبِ الْفَتْحِ فِيهَا سَقَطَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ وَفِي الْخَانِيَّةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَأَقَلُّ الْعَسْكَرِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مَعَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَلِذَا
قَالَ فِي الشرنبلالية الَّذِي رَأَيْته فِي الْخَانِيَّةِ نَصُّهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعُمِائَةٍ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ وَأَقَلُّ الْجَيْشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ. اهـ.
وَقَوْلُ ابْنِ زِيَادٍ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ نَصَّ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ بَعْدَمَا قَالَ وَعَنْ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ. اهـ.
قُلْت وَمَا نَقَلَهُ أَنَّ أَقَلَّ السَّرِيَّةِ مِائَةٌ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ هُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَتَيْ الْخَانِيَّةِ أَيْضًا وَهُوَ مُخَالِفٌ لَمْ نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْهَا وَتَبِعَهُ أَخُوهُ.
(ونهينا عن إخراج مصحف و) عن إخراج (امرأة) ولو عجوزا لمداواة المرضى (في سرية يخالف عليها) وأقلها كما قال الإمام: مائتان وأقل الجيش أربعمائة،
وقال ابن زياد: أقلها أربع مائة وأقل الجيش أربعة آلاف.
وفي (المبسوط) هي عدد قليل يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار انتهى، وكأنها مأخوذة من السرى وهو السير ليلا وينبغي أن يكون العسكر العظيم اثني عشر ألفا لقوله عليه الصلاة والسلام (لن يغلب انثا عشر ألفا من قلة) كذا في (الفتح) ،
وفي (الخانية) لا ينبغي للمسلمين أن يغزوا إذا كانوا اثني عشر ألفا وإن كان العدد وغدر وغلول ومثلة.
أكثر وذكر الحديث ثم قال: والحاصل أنه إذا غلب على ظنه بأن يغلب فلا بأس بأن يغزو ولا بأس للواحد أن يفر من اثنين إذا لم يكن معه سلاح وقدم أنه يجوز له أن يفر من الثلاثة مطلقا وتفر المائة من ثلاثمائة انتهى، وأراد بالنهي ما في مسلم: (لا تسافر بالقرآن فإني لا آمن أن يتناوله العدو) ويعني فيستخف به، ولا شك أن في إخراجه تعريضه لذلك، كما أن في إخراج المرأة تعريضها للفضيحة وهذا التأويل هو الصحيح، وعن الطحاوي أنه كان في ابتداء الإسلام عند قلة المصاحف
وأما اليوم فلا يكره الإخراج. وألحق في (المحيط) كتب الفقه بالمصاحف.
فال في (الفتح) : فكتب الحديث أولى انتهى. وأنت خبير بأن النهي إذا كان معللا بالاستخفاف فكلما خيف عليه ذلك من الكتب الشرعية التي لا يجوز الاستخفاف بها يكره إخراجه أيضا، قيد بكونها يخاف لأنه لو لم يخف لم يكره،
ومن ثم قالوا: لو دخل إليهم بأمان فلا بأس بأن يحمل معه مصحف إن كانوا من قوم موفون بالعهد والأولى تركه حينئذ،
وفي النساء إخراج العجائز للحاجة دون الشواب ولو احتيج إلى المباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الأحرار.
(وَنُهِينَا عَنْ إخْرَاجِ مُصْحَفٍ وَامْرَأَةٍ فِي سُرِّيَّةٍ يُخَافُ عَلَيْهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضٍ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ»
وَقِيلَ قَارِئُ الْقُرْآنِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذَا النَّهْيَ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَتْ الْمَصَاحِفُ وَالْقُرَّاءُ قَلِيلِينَ فَيُخَافُ ذَهَابُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ حِينَ كَثُرَتْ الْمَصَاحِفُ وَالْقُرَّاءُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَحْوَطُ
وَكَذَا فِيهِ تَعْرِيضُ الْمَرْأَةِ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَضَائِحِ فَيُكْرَهُ إخْرَاجُهَا وَإِنْ دَخَلَ إلَيْهِمْ بِأَمَانٍ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ الْمُصْحَفَ إذَا كَانُوا قَوْمًا يُوفُونَ بِالْعَهْدِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْخِيَانَةِ وَالْجَرْيُ عَلَى الْعَادَةِ وَإِنْ كَانَ الْعَسْكَرُ عَظِيمًا فَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ الْعَجَائِزِ لِلْخِدْمَةِ مِنْ الطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَمُعَالَجَةِ الْمَرْضَى وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ إذَا كَانَتْ الشَّوْكَةُ لَهُمْ وَالْغَالِبُ كَالْمُتَحَقِّقِ وَلَا يُبَاشِرْنَ الْقِتَالَ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى ضَعْفِهِمْ فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمْ الْعَدُوُّ
وَأَمَّا الشَّوَابُّ مِنْهُنَّ فَقَرَارُهُنَّ فِي الْبَيْتِ أَسْلَمُ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُخْرِجُوا النِّسَاءَ أَصْلًا خَوْفًا مِنْ الْفِتَنِ وَرُبَّمَا حَزَبَهُمْ أَمْرٌ فَاشْتَغَلُوا عَنْهُنَّ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الدَّفْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ الْإِخْرَاجِ لِلْمُبَاضَعَةِ فَالْإِمَاءُ دُونَ الْحَرَائِرِ فَإِنَّ حُكْمَ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ فِي حَقِّ الْإِمَاءِ أَخَفُّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْأَمَةِ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَقَضَاءُ الشَّهْوَةِ وَالْخِدْمَةُ يَحْصُلُ بِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْحَرَائِرِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ فِي سَرِيَّةٍ) السَّرِيَّةُ عَدَدٌ قَلِيلٌ يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ. اهـ.
(قَوْلُهُ يَخَافُ عَلَيْهَا) فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَيْهِمَا بِضَمِيرِ الْمُثَنَّى وَفِي بَعْضِهَا بِالْإِفْرَادِ عَلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى السَّرِيَّةِ وَعَلَى النُّسْخَةِ الْأُولَى يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَى الْمُصْحَفِ وَالْمَرْأَةِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ. اهـ.
Adds nothing on this mas’ala.
No commentary chosen.
A number in a circle: a mas’ala the commentary adds, numbered through it. In bold: the text’s own words inside the commentary.